ممثل كنسي في لجنة الدستور المصرية: حذرنا من المادة 219.. وأبقينا على الثانية لتوافقها مع مبادئنا

الأنبا أنطونيوس عزيز يؤكد ضرورة حظر إقامة الأحزاب على أساس ديني

الأنبا أنطونيوس عزيز ممثل الكنيسة الكاثوليكية في لجنة الخمسين («الشرق الأوسط»)
الأنبا أنطونيوس عزيز ممثل الكنيسة الكاثوليكية في لجنة الخمسين («الشرق الأوسط»)
TT

ممثل كنسي في لجنة الدستور المصرية: حذرنا من المادة 219.. وأبقينا على الثانية لتوافقها مع مبادئنا

الأنبا أنطونيوس عزيز ممثل الكنيسة الكاثوليكية في لجنة الخمسين («الشرق الأوسط»)
الأنبا أنطونيوس عزيز ممثل الكنيسة الكاثوليكية في لجنة الخمسين («الشرق الأوسط»)

نفى الأنبا أنطونيوس عزيز ممثل الكنيسة الكاثوليكية في لجنة الخمسين المنوط بها صياغة الدستور الجديد للبلاد، وجود أي خلاف مع ممثلي الأزهر الشريف حول مواد الهوية أو المواد المتعلقة بشؤون الأزهر، وقال إن «الكنائس الثلاث توافقت مع الأزهر على المواد المتعلقة بشؤونه»، مؤكدا «نحن متفقون مع الأزهر منذ الدستور السابق ولا يوجد خلاف يتعلق برؤية الأزهر الشريف في المواد المتعلقة به.. وليس لدينا أي خلاف ضمني في تعديل المادة المتعلقة بالأزهر وهي المادة الرابعة من الدستور.. فالأزهر أدرى بشؤونه».
وطالب الأنبا أنطونيوس عزيز بتضمين الدستور مادة حقيقية تلغي فعليا تأسيس الأحزاب على أساس ديني، وقال إنها «تستخدم الدين ذريعة لأمور سياسية ولتحقيق أغراض أخرى.. فالكل عرف وأدرك تماما ما حدث بسبب إنشاء أحزاب على أساس ديني». وأضاف: «لا بد أن يتضمن الحظر بجانب تأسيس الأحزاب كلا من الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي يتم إنشاؤها على أساس ديني».
وتنص المادة السادسة في الدستور المعطل الصادر عام 2012 على «تجنب قيام حزب سياسي على أساس التفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين»، لكن بعض الأحزاب الإسلامية تجهر بممارساتها السياسية على أساس ديني وتحتمي بالدين.
وأوضح الأنبا عزيز أن الفارق شاسع بين اللجنة التأسيسية لدستور عام 2012 ولجنة الخمسين، وذلك بتمثيل لجنة الخمسين لمختلف أطياف المجتمع في مقابل غلبة التيار الإسلامي في اللجنة التأسيسية - على حد قوله - مضيفا أن «القيادة في الجمعية التأسيسية كانت مفروضة على أعضاء اللجنة وكانت هناك توجهات من الخارج، أما القيادة في لجنة الخمسين فتعمل بفكرها وتملك قرارها».
وعطل دستور 2012 الذي هيمنت جماعة الإخوان المسلمين على الجمعية التأسيسية التي قامت بوضعه، عقب الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو (تموز) الماضي، وإعلان خارطة المستقبل في اجتماع لقادة الجيش بقوى إسلامية ورموز دينية على رأسها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية.
وعن رأيه في المادة 219 الخاصة بتفسير الشريعة الإسلامية في الدستور المعطل، حذر الأنبا عزيز من المادة 219 في دستور 2012 قائلا انها «لا تعبر عن الدين الإسلامي.. ووضعت في الأساس بطريقة مشكوك فيها.. وهذه المادة ضررها أكثر من نفعها، وتنتقص من حقوق المسلمين أكثر من المسيحيين.. وهي مادة اتفقنا مع الأزهر بشأنها مسبقا بضرورة حذفها»، مؤكدا وجود العديد من النصوص في بعض الكتب الدينية التي تفسر الشريعة الإسلامية والتي تضر بحقوق المسيحيين وتخل بمبدأ المساواة مع المسلمين داخل المجتمع.
ونصت المادة 219 في دستور عام 2012 على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة».
وعن أوجه الخلاف من وجهة نظر ممثل الكنيسة الكاثوليكية في مادة الشريعة الإسلامية، قال لـ«الشرق الأوسط»: «من حق المسلم المطالبة بتطبيق شريعته ولكن لا يجب أن ينسى أخاه المسيحي في الوطن، وأن يعامل المسيحي دون مساواة».
وحذفت لجنة الـ10 التي شكلها الرئيس المؤقت عدلي منصور من خبراء قانونيين وفق إعلان دستوري صدر في 8 يوليو (تموز) الماضي، المادة 219، لكن حزب النور السلفي الذي شارك بقوة في كتابة الدستور المعطل يعترض بشدة على حذفها، وطلب بشكل واضح بالتمسك بعدم حذف المادة بنصها السابق في الدستور الجديد.
وعن مطالب البعض بإلغاء المادة الثالثة من الدستور المتعلقة بأهل الكتاب، والتي أثير الجدل حولها مع الأزهر والسلفيين من قبل، قال ممثل الكنيسة الكاثوليكية: «لا يوجد خلاف من الأصل.. وجرى التوافق على النص السابق (المسيحيين واليهود) بدلا من استبدالها بعبارة (غير المسلمين).
وتنص المادة الثالثة من الدستور المعطل على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيس للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية»، لافتا إلى أن لجنة الدولة والمقومات الأساسية التي تختص بالمواد المتعلقة بالهوية في الدستور، أقرت نص المادة.. والمسيحيون يرون النص مقبولا جدا وسيبذلون جهدهم للإبقاء عليه لما فيه من إقرار حقوق المصريين أصحاب الديانات المخالفة للإسلام وهما المسيحية واليهودية.
ويمثل الكنائس المصرية الثلاث «الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية» في لجنة الخمسين أربعة أعضاء، بالإضافة إلى ستة أعضاء في قائمة الاحتياط، وانسحبت الكنيسة المصرية من دستور 2012 الذي هيمن عليه الإسلاميون وأقر في استفتاء شعبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وعن رأيه فيما أجمع عليه فقهاء القانون من ضرورة إلغاء مرجعية «هيئة كبار العلماء في مسائل الشريعة الإسلامية في المادة الخاصة بالأزهر لما لها من مساوئ تهدد المجتمع المصري وتمنح (كبار العلماء بالأزهر) سلطة التحكم في إصدار القوانين، الأمر الذي يتناقض مع مبادئ الدولة المدنية», قال «هذه مادة تخص الأزهر»، لكنه استطرد قائلا: «لا نمانع من وجودها».
وعن المادة العاشرة في الدستور المعدل الخاصة بـ«مساواة المرأة بالرجل في ميادين الحياة دون إخلال بمبادئ الشريعة الإسلامية»، أوضح ممثل الكنيسة الكاثوليكية في الدستور قائلا {كانت لنا ملاحظة على تعديل هذه المادة خاصة هذه الجملة التي تقول «دون إخلال بمبادئ الشريعة الإسلامية»، لأن تلك الجملة تحصيل حاصل لأنها موجودة بالمادة الثانية بالفعل، إضافة إلى وجود ديانات أخرى غير الاسلام في مصر. وتابع: «اقترحنا أن (تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة ورعايتها والتوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية)».
واشتكى المسيحيون المصريون من إجراءات تمييزية بحقهم خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وفي عهد جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي لها الرئيس المعزول محمد مرسي، رغم أن الدستور والقانون في البلاد يتيحان حرية الاعتقاد ويجرمان التمييز على أساس الدين.
وحول رؤية الأقباط لنص المادة الثانية من الدستور، قال الأنبا عزيز «جرى الإصرار على الإبقاء على نص المادة الثانية كما هي دون تعديل أو تغيير، لأنها لم تغير شيئا من مبادئ الشعب المصري وتتوافق مع مبادئ الكنيسة، فالأديان تدعو للمعروف وترفض المكروه والخطيئة والمعصية، ولكن بالتوافق مع القانون بما لا يفرق بين المواطنين فالقانون هو سيد الموقف.
وتنص المادة الثانية في دستوري 1971و2012، على أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع»، وطالب التيار السلفي داخل لجنة الدستور الجديدة بحذف كلمة مبادئ ووضع كلمة أحكام، لكن الأزهر والكنيسة رفضا هذا المقترح، وقال الأنبا عزيز «حذف كلمة مبادئ سينذر بخطر على الدستور الجديد وعلى المجتمع ككل، والمبادئ يمكن تطبيقها ولا خلاف عليها». وعن المادة 60 التي حظرت عمل الأطفال قبل تجاوز سن الإلزام التعليمي، أوضح الأنبا أنطونيوس عزيز: « أود أن تتناسب المادة الخاصة بالأطفال مع المواثيق الدولية للأمم المتحدة في وثيقة الطفل، وأن يضاف إليها نص لتجريم العنف ضد الطفل في ذات المادة، ونص آخر يلزم الدولة بالمواثيق الدولية الموقعة عليها كوثيقة الأمم المتحدة الخاصة بحماية الأطفال». وكشف الأنبا الكاثوليكي عن أن الكنيسة تفضل العمل بالنظام المختلط (الجمع بين الفردي والقائمة) في الانتخابات البرلمانية وقال « هذا هو النظام الأكثر مواءمة الآن ويسمح بالتمثيل المناسب للمسيحيين والمرأة في الانتخابات», لافتا إلى أن الكنيسة لا تفضل وجود مادة تتعلق بالعزل السياسي لرموز نظامي مبارك ومرسي، لكنها تؤيدها على من صدرت ضدهم أحكام قضائية، موضحا: «إننا طالبنا بإلغاء مجلس الشورى (الغرفة الثانية للبرلمان) في الدستور الجديد، لأن مجلس النواب (الغرفة الأولي) يقوم بمهامه.. ولا نرى أي أهمية له في الحياة السياسية سوى الدور التكميلي لمجلس النواب».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.