مرشحة نيوزيلندا لمنصب أمين عام الأمم المتحدة: مكافحة الإرهاب تتطلب تعاونًا دوليًا

هيلين كلارك قالت لـ إنها ستمنح الأولوية للسلام ومنع النزاعات وترسيخ قيم الحوار والتسامح

هيلين كلارك
هيلين كلارك
TT

مرشحة نيوزيلندا لمنصب أمين عام الأمم المتحدة: مكافحة الإرهاب تتطلب تعاونًا دوليًا

هيلين كلارك
هيلين كلارك

قالت هيلين كلارك، رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة ومرشحتها لمنصب أمين عام الأمم المتحدة إنها تمتلك الكفاءة والإرادة والمهارات الكافية كي تكون على رأس هذه المؤسسة الدولية، خلفًا للأمين العام الحالي بان كي مون، وأوضحت في حوار خصت به «الشرق الأوسط» أن مكافحة الإرهاب تحتاج إلى تعاون كل الأجهزة الاستخباراتية في العالم، على اعتبار أن هذه الآفة تمس أمن كل الدول، إضافة إلى ترسيخ قيم التسامح والحوار، وإيجاد فرص عمل قوية للشباب حتى لا يصبحون لقمة سائغة في يد التنظيمات الإرهابية، مؤكدة أنها تهتم بإعادة ترتيب الأذرع المتعددة في هيكلة الأمم المتحدة، وأن إصلاحها بيد دولها، ومشددة القول على أن مجلس الأمن يحتاج إلى توافق بين دوله لحل كثير من الأزمات والمشكلات المعقدة وأنها تعطي الأولوية لبناء السلام ومنع النزاعات قبل حدوثها.. وفيما يلي نص الحوار:

* ما الأسباب التي دعت إلى ترشحكم لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة؟
- الأمين العام الحالي سوف يغادر المنصب بعد عشر سنوات من عمله، وهذه فرصة لا تأتي دائمًا، وهي تأتي في وقت يواجه فيه العالم تحديات خطيرة، وينتظر المجتمع الدولي من الأمم المتحدة القيام بدور هام. وأنا أعتقد أن الوقت قد حان لأن يكون شخصًا مثلي على رأس هذه المنظمة الدولية، على اعتبار أنني أمتلك المهارات القيادية والإدارية المطلوبة، والمعرفة الكافية لمنظمة الأمم المتحدة، خاصة وأنه سبق لي أن شغلت منصب رئيس وزراء نيوزيلندا لثلاث فترات متتالية، وعملت مديرة للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لمدة سبعة أعوام، إضافة إلى مناصب شغلتها منذ عام 1980، لذلك أعتقد أنه حانت الفرصة اليوم كي أضع خبراتي ومهاراتي في خدمة المجتمع الدولي.
* لكن الأمم المتحدة متهمة بعجزها عن حل المشكلات والأزمات، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. كيف ترين ذلك؟
- للأمم المتحدة كثير من الهيئات والأذرع التي تعمل بها، وقد انحرطت خلال السبعة أعوام الماضية في العمل التنموي، وكانت رحلة نجاح للعمل مع الحكومات والمجتمعات المدنية والهيئات المختلفة في الدول. وأعترف أن الذراع السياسية في الأمم المتحدة تواجه بعض المشكلات، حيث لا يوجد توافق داخل مجلس الأمن، لكن من المهم التفرقة الواضحة ما بين الأمم المتحدة كمنظمة ودور الأمين العام، وبين الدول الأعضاء الذين يشكلون سويًا مجلس الأمن، وهو المجلس الذي يتعامل مع المشكلات وصولا إلى التوافق لحل الأزمات التي تتعرض لها هذه المنطقة، وهذا ينقلنا لسؤال الأمين العام ماذا يستطيع أن يفعل.. لذلك أعتقد أن أهم وظيفة للأمين العام هي أن يعمل كقوة لجذب كل الدول الأعضاء لتجتمع وتحل المشكلات الكثيرة، والتركيز على منع حدوث الأزمات قبل اندلاعها، وهذا يقتضي التركيز على الناحية التنموية لمنع حدوث هذه المشكلات، والتعامل بسرعة مع أي مؤشرات للصراع للعمل كوسيط أو كبداية لحل الصراعات.
* يلاحظ أن الأمم المتحدة غير قادرة على تنفيذ قراراتها كما هو حاصل في ملفات كثيرة، وأبرزها القضية الفلسطينية. كيف ترون ذلك؟
- أذكر دائما في خطاباتي أن القرارات شيء، لكن التنفيذ شيء آخر، ولذلك من المهم تحديد وإصدار قرارات عملية يمكن تنفيذها. ومنذ العام الماضي أصبح لدينا كثير من الأجندات وجداول الأعمال التي تخص البيئة، أو تمويل الأعمال التنموية وغيرها. ولكن أين التنفيذ؟ لذلك أؤمن بأن العمل كبير لتحقيق الأهداف.
* ما تصوركم لإصلاح الأمم المتحدة؟
- هناك تقارير كثيرة قدمت منذ العام الماضي حول هيكلة عمليات بناء السلام، وهناك أمور لم يتم تنفيذها بعد، وبالتالي سيكون دور الأمين العام الجديد القيام بها، والمهم جدًا هو أن تكون كل هيئات وأذرع الأمم المتحدة تعمل سويًا. وفي هذا السياق أرى أن هناك الكثير من الفرص للعمل المشترك في مجال التنمية والشراكة والعمل الإنساني، وكذلك بالنسبة للتعامل السياسي وبناء السلام. وإذا كنا جادين ولدينا الإرادة القوية لمنع حدوث النزاعات وبناء السلام ومساعدة الدول، التي تعرضت للتحديات وتحاول استعادة قوتها من جديد، علينا بالعمل المشترك من خلال وجود قوة تستطيع تجميع كل قيادات وهيئات منظمة الأمم المتحدة. وهناك أيضًا الموضوع القديم المتعلق بإصلاح مجلس الأمن، ولكن هذا ليس من اختصاص الأمين العام، بل من مهام الدول الأعضاء، ومن الواضح أنه عملية صعبة جدًا. لكن يجب وضع فكرة إصلاح مجلس الأمن على الأجندة وإصلاح هيكلته وشكله وجانبه الإداري، ولذلك أرى أن الأمم المتحدة في حاجة لشخص مثلي يجيد التواصل والانخراط والتنسيق مع كل الحكومات والمجتمع المدني في كل أنحاء العالم، بحيث يعطي حيوية جديدة لدور الأمم المتحدة.
* كيف ترين الوضع في المنطقة العربية خاصة فيما يتعلق بعدم الاستقرار؟
- كانت الأعوام الخمسة الماضية صعبة وعرفت متغيرات كبيرة، فعلى سبيل المثال فقد عمل برنامج الإنماء للأمم المتحدة بشكل كبير في تونس، وقدم المساعدات اللازمة في دعم الدستور والعملية الانتخابية، والتركيز على دور المرأة والشباب، وهو جزء من عملنا في كل المنطقة. ونحن نعمل على برامج للتدريب وللتشجيع على الانخراط في المجتمع بتشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل، ونفس الشيء بالنسبة لسوريا، حيث عمل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة على تقديم الخدمات المطلوبة، وعليه أن يعمل بشكل كبير في الدول المتضررة كسوريا والعراق واليمن وليبيا التي تمر أيضًا بأزمات.
* لكن المعالجة السياسية ليست بالمستوى المنتظر لدور الأمم المتحدة في سوريا وليبيا؟
- يوجد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الذي يحاول استعادة الحوار بين الأطراف المختلفة، ومارتن كوبلر الذي يعمل من أجل الوصول إلى توافق بين التيارات المعنية في ليبيا، بهدف التوصل إلى حكومة وفاق وطني تعمل على دعم الاستقرار وإنهاء المخاطر التي تتعرض لها، ونفس الشيء بالنسبة لليمن، حيث يقوم المبعوث ولد الشيخ ببذل جهود لإتمام حوار يؤدي إلى سلام دائم، وبالتالي ليست هناك أزمة لم تنل جهود ورعاية الأمم المتحدة.
* ما تصوركم لمكافحة الإرهاب في ظل التقنيات الحديثة التي بدأ يلجأ إليها ومهاجمته لسيادة الدول والنيل منها؟
- تعد مكافحة الإرهاب من أشد الأولويات لأنه طال كل دول العالم، ومن ثم أصبحت كل دول العالم معنية بهذه الآفة، وبالتالي أرى أن هناك الكثير من النقاط التي يجب التركيز عليها للتعامل مع الإرهاب، والاعتماد على التعاون الكامل بين جميع الأجهزة المخابراتية والأمنية في العالم، ولا يجب في هذا السياق التركيز على المعالجة العسكرية، بل معالجة أسباب الإرهاب الكثيرة والمعقدة، وإذا استطعنا إيجاد فرص للانخراط بشكل بناء في المجتمع من خلال خلق فرص العمل للشباب الذي سيصبح مهتمًا بأعمال مهمة وجيدة. لذلك نرى أن التعليم وخلق فرص العمل وتنمية المهارات أمور ضرورية، مع ترسيخ قيم التسامح والحوار بين العرقيات المختلفة.
* ما المواصفات المهمة لمنصب الأمين العام؟
- القدرة على التسيير الإداري لهيئة معقدة وكبيرة جدًا، حيث يتوقع من الأمين العام أن يقف ويدافع عن ميثاق الأمم المتحدة، وأن يكون صوتًا لمن ليس له صوت، وأن يحاول تحقيق وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة وجداول العمل لبناء عالم أفضل، وهذا يتطلب مهارات إدارية وإنسانية.
* هل دول مجلس الأمن هي التي تتحكم في اختيار الأمين العام؟
- في الماضي كان مجلس الأمن يرسل اسمًا واحدًا للجمعية العمومية، وأنا أحاول أن أكون صاحبة هذا الاسم

* من هي هيلين كلارك؟
* هيلين إليزابيث كلارك من مواليد مدينة هاملتون بمقاطعة ويكاتو النيوزيلندية سنة 1905، وهي الأخت الكبرى لأربع أخوات. انتقلت مع أسرتها إلى مدينة أوكلاند بعد قضائها 12 عامًا، ثم دخلت مدرسة أبسوم للبنات، ومنها إلى جامعة أوكلاند التي تعد من أعرق المــــدارس في البلاد، ومصنفـــــــة من ضمــــــن 50 أقوى جامعة في العالم. حازت هيلين على البكالوريوس بمرتبة الشرف، ثم على درجة الدكتوراه بعد أن قدمت أطــــــــروحة تحت عنوان «التمثيل السياسي الريفي» سنة 1974.
وأثناء دراستها الجامعية بدأت تظهر ميولها وآراؤها السياسية، ومن بينها انتقادها لنظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا خلال فترة نضال الأفارقة ضد نظام الفصل العنصري المفروض من طرف الأقلية البيضاء، كما كان لها موقف معارض للتجارب النووية في جنوب المحيط الهادي وحرب فيتنام. وعملت في وقت لاحق محاضرة وأستاذة في نفس الجامعة التي درست بها، ثم تم انتخابها عضوة في البرلمان، ومن خلال هذا العمل اكتسبت تجربة في العمل السياسي والحكومي، سواء في بلادها من خلال ترؤسها حكومة وسط اليسار لثلاث ولايات متتالية من 1999 إلى 2008، أو من خلال ترؤسها لإحدى هيئات الأمم المتحدة المتمثلة في برنامج الأمم المتحدة للتنمية، لتكون بذلك المرأة التي تتولى أعلى منصب في هذه المنظمة الدولية. وقد عرفت كلارك (66 عامًا) بمواقفها الثابتة، ويشهد لها خلفها في رئاسة حزب العمال النيوزيلندي أندور ليتل، الذي قال إنها قادرة بامتياز على تولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».