طبيب من حلب يخاطر بحياته لإنقاذ الآخرين

اطباء بلا حدود: ثمة استراتيجية ممنهجة لاستهداف كل ما يدعم الحياة

د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)
د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

طبيب من حلب يخاطر بحياته لإنقاذ الآخرين

د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)
د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)

يشعر رامي كلازي، وهو طبيب يعمل في مستشفيات مدينة حلب السورية التي عصفت بها الحرب، دومًا بالقلق حيال وظيفته، فقد قُتل كثير من زملائه إما في غارات جوية أو على أيدي قناصة أو خُطفوا على يد شبيحة النظام. ولكن بالنسبة له، لا تكمن الصعوبة في معالجة الجرحى وسط النقص الحاد في المستلزمات الطبية وتحت القصف العشوائي بالطائرات الحربية، بقدر ما تكمن في القلق الذي يتملكه حول مستقبل عائلته.
وعلى الرغم من أن كلازي قد قطع على نفسه عهدا بالاستمرار في عمله المحفوف بالمخاطر، فإن مخاوفه لا تزال في تزايد مستمر حيال ما ستفعله زوجته صبا وابنهما الصغير إذا ما لقي حتفه.
لقد ضاعف القصف، الذي شنه النظام على مستشفى القدس بحلب، من عذابه حين سقط صديقه محمد وسيم معاذ قتيلاً بين القتلى الذين تجاوز عددهم 50. وأغلب الظن أنه كان طبيب الأطفال الوحيد في مدينة حلب التي تسيطر عليها المعارضة. وهنا يقول كلازي، البالغ من العمر 30 سنة، شارحًا «عندما تعمل في مكان محفوف بكل هذا القدر من المخاطر لفترة طويلة، تصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت. ويزداد الأمر صعوبة عندما تكون لديك عائلة وعندما يعتمد الناس عليك».
كلازي طبيب جراح ولد في حلب، وهو من بين عدد ضئيل للغاية لا يتجاوز بضع عشرات من الأطباء الذين آثروا البقاء بالمدينة لمعالجة السكان الذين يعيشون في الأحياء الخاضعة تحت سيطرة الثوار، البالغ عددهم نحو 250 ألف شخص. وراهنا يحاول كلازي جاهدًا من أجل توضيح الضغط الهائل الملقى على كاهل الأطباء العاملين في سوريا، في حلب على وجه الخصوص، التي كانت تُعَد أكبر مدن سوريا قبل أن تفتك بها الحرب الأهلية. وكغيره من كثير من الأطباء الذين يرفضون مغادرة البلاد، يرى كلازي أن عمله في مسقط رأسه مهم من أجل مساندة الثورة ضد بشار الأسد. لكن الصراع قد دخل الآن عامه السادس، مما أرهق كلازي كثيرًا وهو يرى الحصيلة المروعة التي تخلفها الحرب في بلاده.
قبل الحرب الأهلية، كانت سوريا تمتلك قطاعا صحيا لا بأس به، وفقًا للمعايير الإقليمية. أما الآن، فقد حل الدمار بمعظم المستشفيات، كما حصد الموت أرواح كثير من الأطباء والممرضات وباقي العاملين بالمجال الطبي ممن لم يتركوا البلاد هاربين من القتال الدائر الذي خلف ما يزيد على 250 ألف قتيل وشرد الملايين. وحسبما ترى جماعات حقوق الإنسان وعمال الإغاثة، فإن الأطراف المتناحرة كثيرًا ما استهدفت الأطباء بشكل متعمد. لكنهم يتهمون النظام السوري وحلفاءه - وروسيا خاصة، التي تشن غارات جوية ضد الثوار - بشن هجمات ممنهجة مستهدفة الأطباء والمستشفيات في الأحياء المعارضة. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» قُتل ما لا يقل عن 664 طبيبا على يد النظام السوري. كما اتهم التقرير أيضًا القوات الموالية للنظام بشن ما لا يقل عن 288 هجوما مستهدفًا المنشآت الطبية. ولقد زادت الهجمات حدة الأزمة الإنسانية الوخيمة التي تعصف بالبلاد.
من ناحية أخرى، يقول سام تايلور، منسق الاتصالات في الملف السوري بمنظمة «أطباء بلا حدود»، التي قدمت الدعم لمستشفى القدس المستهدف، «تقودنا تلك الهجمات إلى الإيمان بأن ثمة استراتيجية ممنهجة لا تستهدف الأطباء والمنشآت الطبية فحسب، بل أيضًا كل ما من شأنه دعم الحياة اليومية». وبدوره، يقول أحمد طرقجي، رئيس الجمعية الطبية الأميركية السورية، إنه في حلب الآن نحو طبيب واحد لكل عشرة آلاف ساكن. كما يقول إن عدد الأسرة المتاحة في المستشفيات يقدر بنحو 300 سرير، مع نقص حاد في الأدوية، مما يتسبب في حدوث وفيات كان من الممكن تفاديها، بينهم عشرات من الأطفال الذين لقوا حتفهم مؤخرًا متأثرين بمضاعفات التهابات الشعب الهوائية. وفي المقابل، لا تتوافر أي إحصاءات خاصة بالجزء الواقع تحت سيطرة النظام في حلب، على الرغم من استهداف الثوار للمنشآت الطبية به أيضًا، فبعد أيام من قصف النظام لمستشفى القدس، شنت المعارضة هجوما على مستشفى وعيادة نساء في الجزء الواقع تحت سيطرة النظام، متسببين في مقتل ما لا يقل عن ثلاث سيدات.
كلازي، الذي يعمل حتى اليوم في أحد مستشفيات حلب، على الرغم من مواجهته تلك المشكلات، بالإضافة إلى مشكلة انقطاع الكهرباء المزمنة بوصفها أكبر المشكلات التي تواجههم في المدينة، فإنه استطرد قائلا إن التهديد الأكثر شراسة يأتي من أعلى (القصف). ويقول كلازي إن المستشفى التي يعمل فيها قُصفت عدة مرات، ورغم ذلك تماسك المبنى بأعجوبة بشكل يسمح للعدد الضئيل من العاملين بها من أطباء وممرضات بمواصلة العمل هناك. ولكن، جل ما يخشاه كلازي هو قصف البراميل المتفجرة تحديدًا، إذ يقول إنه عندما تلقي الطائرات أو الهليكوبترات براميل النفط المليئة بالمتفجرات والشظايا المعدنية، تصدر صوتًا وكأنها تمزق الهواء إربًا أثناء سقوطها، مضيفًا أن التأثير يكون مزلزلا حرفيًا. ويستطرد «عندما تسمع ذلك الصوت المروع، تتجمد في مكانك لأنك تعرف أنه ما من مكان آمن تستطيع أن تأوي إليه. يهتز كل شيء فجأة وكأنه زلزال وتنطفئ الأنوار. ويكسو الغبار كل شيء. ثم تمضي باقي الوقت باحثًا تحت الأنقاض عما إذا كان أي من زملائك لا يزال على قيد الحياة».
ويصف كلازي حالات الضحايا - التي لا يبدو أنها ستنتهي - وهي تتوافد عبر حجرة العمليات عبر السنين، قائلا إن كثيرا منهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة فور وصولهم للمستشفى، كطفل في عُمر ابنه أحمد الذي لم يتجاوز السنة الأولى من عمره، والنساء الحوامل، وعائلات بأكملها. ويقول بأسى واضح: «لن أنسى ما حييت تلك العائلة التي حضرت إلى المستشفى بعد قصف النظام منزلهم. وكانت العائلة مكوّنة من سبعة أطفال، ووالداهم يكسوهما التراب. وما زلت حتى الآن أتذكر منظر ذلك الرضيع البالغ من العمر ثلاثة أشهر بملابسه الصغيرة المغطاة بالتراب. وقد حاولت ما في وسعي أن أعيدهم إلى الحياة دون جدوى، فقد توفوا جميعًا باستثناء فتاة صغيرة».
قبل سنة، دكت قنبلة منزل عائلة كلازي، على بعد مسافة قصيرة من المستشفى، وكانت زوجته صبا وابنهما أحمد في المطبخ عندما سقطت القنبلة على المنزل، لكنهما أفلتا من الموت على الرغم من تدمير المنزل، ويتذكر كلازي تلك الحادثة قائلا: «ما زلت حتى الآن لا أعرف كيف بقيا حيين، لقد تحطم الأثاث وانهار السقف». وبعد ذلك، انتقلت صبا وأحمد للعيش مع والديها في محافظة إدلب المجاورة.
تعرف كلازي على زوجته صبا في مظاهرة سلمية مناهضة للنظام سارت في حلب عام 2011. ومع تحول الثورة السلمية إلى حرب أهلية، ازداد العنف تجاه الأطباء سوءًا. ووفق كلازي، فقد قبض على كثير من أصدقائه الأطباء بالمدينة، وقتلوا في أماكن الحجز التابعة للنظام. وفي العام الماضي، قُتل صديق له طبيب جراء قصف أصابه أثناء ذهابه إلى العمل سيرًا. وعلى الرغم من تقليص الهدنة المؤقتة التي شملت جميع أراضي سوريا مؤخرًا، فإن القوات التابعة للنظام على وشك تطويق حلب بالكامل. وجدير بالذكر أن ثمة طريقا واحدة تربط القوات المعارضة داخل المدينة بالخارج، فإذا تمكن النظام من السيطرة على المدينة ستنقطع صلة كلازي بعائلته التي يزورها في إدلب لمدة أسبوع كل شهر. وبحسرة، يقر الدكتور كلازي: «عندما أعود إلى حلب، أشعر وكأنني أودع صبا لآخر مرة. وإن تمكن النظام من السيطرة على تلك الطريق وأنا هنا، فقد لا أتمكن من رؤيتها مجددًا».
* خدمة واشنطن بوست
خاص بالشرق الأوسط



إسرائيل تعلن استهداف مسؤول مالي في «حماس»

عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)
عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)
TT

إسرائيل تعلن استهداف مسؤول مالي في «حماس»

عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)
عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)

قال مسؤولون بالمجال الصحي في غزة إن فلسطينيَّين اثنين على الأقل قُتلا بغارة جوية شنتها إسرائيل على القطاع اليوم (الأربعاء)، فيما قالت إسرائيل إن الغارة استهدفت مسؤولاً مالياً في حركة «حماس».

وذكر مسعفون أن الرجلين، وهما أسامة أبو خاطر ومحمد أبو علوان، قُتلا عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مركبة في غرب خان يونس جنوب القطاع. وأضافوا أن شخصين آخرين أُصيبا، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، أن الجيش الإسرائيلي قتل محمد أبو علوان في خان يونس، ووصفاه بأنه مسؤول مالي كبير في «حماس».

وجاء في البيان المشترك: «لن نسمح لـ(حماس) باستعادة قوتها، ولن نتوقف حتى تزول (حماس) من غزة».

ولم تدلِ الحركة الفلسطينية بأي تعليق حتى الآن.

وذكرت السلطات الفلسطينية أن أكثر من 73 ألف شخص قُتلوا في الحملة العسكرية التي شنتها إسرائيل على غزة، رداً على الهجوم الذي قادته حركة «حماس» عليها في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وينص وقف إطلاق النار الذي تسنَّى التوصل إليه العام الماضي بوساطة أميركية، على إعادة إعمار القطاع في نهاية المطاف، لكن لم يُحرز سوى تقدم ضئيل مع إخفاق المفاوضين في التوصل إلى اتفاق على شروط نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل، التي لا تزال تواصل غاراتها الجوية.

وقال مسؤولو الصحة في القطاع إن 1400 فلسطيني على الأقل، معظمهم من المدنيين، قُتلوا في غزة منذ سريان وقف إطلاق النار، بينما يقول الجيش الإسرائيلي إن أربعة من جنوده قُتلوا في الفترة نفسها.

وتتبادل إسرائيل و«حماس» الاتهامات بشأن المسؤولية عن انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار.


آلاف اليمنيين يدفعون ثمن التصعيد الحوثي العسكري

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)
جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)
TT

آلاف اليمنيين يدفعون ثمن التصعيد الحوثي العسكري

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)
جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)

​كشفت أحدث المعطيات الصحية والميدانية في اليمن عن ارتفاع حاد في الخسائر البشرية الناجمة عن التصعيد العسكري الذي بدأه الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة، مع تسجيل آلاف القتلى والجرحى، بالتزامن مع تدفق أعداد كبيرة من الجثامين إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، ولا سيما محافظة ذمار؛ حيث تجاوزت أعداد القتلى قدرة المرافق الصحية على استيعابها.

وقالت منظمة الصحة العالمية إنها سجلت 3672 قتيلاً وجريحاً في اليمن خلال الفترة من 6 أغسطس (آب) إلى 18 سبتمبر (أيلول)، بينهم 674 قتيلاً و2998 مصاباً، في وقت حذَّرت فيه من استمرار ارتفاع وتيرة الخسائر البشرية، مع استمرار القتال في عدد من الجبهات.

وأوضحت المنظمة أنه خلال الفترة بين 13 و18 سبتمبر فقط، جرى تسجيل 680 ضحية جديدة، بينهم 164 قتيلاً و516 مصاباً، مشيرة إلى أن أعداد الضحايا اليومية تراوحت خلال تلك الفترة بين 78 و195 شخصاً، بما يعادل في أعلى مستوياتها نحو 194 ضحية في اليوم.

وتشير هذه الأرقام إلى حجم الضغط المتزايد على المنظومة الصحية اليمنية، في وقت تتسع فيه رقعة المواجهات في غرب تعز ولحج، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية في مأرب ومناطق أخرى، وما يرافق ذلك من تدفق متواصل للقتلى والجرحى إلى المرافق الصحية.

حوثيون في صنعاء يشيِّعون أحد قادتهم بعد مقتله خلال المواجهات مع الجيش اليمني (أ.ف.ب)

وحسب منظمة الصحة العالمية، تصدرت محافظة لحج قائمة المناطق الأكثر تسجيلاً للضحايا خلال الأيام الستة الأخيرة من الفترة التي شملها التقرير؛ إذ أُبلغ في مديرية المضاربة ورأس العارة عن 284 ضحية، بينهم 58 قتيلاً و226 مصاباً.

وحلت مأرب في المرتبة الثانية بـ277 ضحية، بينما سجلت تعز 103 ضحايا، إضافة إلى سقوط ضحايا في محافظات الجوف وشبوة والضالع.

نزف حوثي

تتزامن هذه الخسائر مع اشتداد المواجهات في المناطق الغربية من تعز وجبهة كهبوب الاستراتيجية في لحج؛ حيث تدور معارك عنيفة في مناطق جبلية مطلة على محيط باب المندب.

ووفق مصادر عسكرية يمنية، شهدت جبهات غرب تعز ولحج استنزافاً متواصلاً في صفوف الحوثيين، مع سقوط أعداد كبيرة من عناصر الجماعة خلال المواجهات اليومية، بينهم قيادات ميدانية وأمنية دفعت بها الجماعة إلى الخطوط الأمامية خلال التصعيد الأخير.

وتقول المصادر إن من بين القتلى أخيراً القيادي الحوثي محمد العوير، المعروف باسم «أبو مالك»، الذي يحمل رتبة عقيد، وكان يشغل منصب مدير أمن مديرية العدين في محافظة إب، قبل نقله إلى جبهات غرب تعز ولحج.

قيادي حوثي بارز لقي مصرعه على يد الجيش اليمني (إعلام محلي)

وأوضحت أن العوير ينحدر من محافظة صعدة، وسبق أن تولى عدداً من المهام الأمنية والميدانية لدى الجماعة، وشارك في القتال في جبهات مأرب وتعز والضالع، قبل مقتله خلال المواجهات في محيط جبل جرداد بمديرية الشمايتين.

وجاء مقتله -وفق المصادر ذاتها- بعد يوم من مقتل القيادي الحوثي صدام غلاب، المكنى «أبو عطان»، في جبهة كهبوب بأطراف محافظة لحج. وكان غلاب قد شغل مناصب أمنية عدة، آخرها مدير أمن مديريتَي حوث وبني صريم في محافظة عمران.

كما سبقه بيومين مقتل القيادي الحوثي فراق العصار، المعروف باسم «أبو صقر القفر»، الذي كان يقود أحد ألوية النخبة التابعة للجماعة، خلال المواجهات في جبهة كهبوب، إلى جانب عدد من عناصره.

وتأتي هذه الخسائر في ظل محاولات حوثية للضغط على المواقع العسكرية في المناطق الجبلية المطلة على باب المندب، بينما تستمر القوات الحكومية في التصدي للهجمات، وسط سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

مائة جثة إلى ذمار

في مؤشر آخر على حجم الخسائر في صفوف الحوثيين، شهدت محافظة ذمار (مائة كيلومتر جنوب صنعاء) خلال اليومين الماضيين وصول أكثر من مائة جثة إلى عدد من المستشفيات الحكومية، وفق مصادر طبية ومحلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن القتلى سقطوا في المواجهات الدائرة في جبهات بمحافظات الضالع وتعز والبيضاء، مشيرة إلى أن من بين الجثامين قيادات عسكرية وميدانية، إلى جانب أطفال قالت المصادر إنهم جُنِّدوا للقتال، وأُرسلوا إلى مناطق المواجهات.

وتزامن وصول الجثامين مع تدفق المصابين، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على المرافق الصحية في المحافظة، التي تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات والموارد.

الحوثيون يشيِّعون يومياً عشرات القتلى خلال المواجهات مع القوات الحكومية (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر أن مستشفى ذمار العام استقبل العدد الأكبر من الجثامين، وأن ثلاجة حفظ الموتى امتلأت بعشرات الجثامين، بينها 6 لقيادات عسكرية وميدانية، إضافة إلى 12 قتيلاً قالت المصادر إن أعمارهم لم تتجاوز 18 عاماً.

ومع تجاوز أعداد الجثامين الطاقة الاستيعابية المتاحة، لجأت الجهات المسيطرة على المستشفى إلى ترتيبات استثنائية لحفظ الموتى، من بينها الاستعانة بثلاث حاويات تبريد وُضعت في باحة المرفق الطبي.

وقال مصدر طبي في مستشفى ذمار العام، طلب عدم الكشف عن هويته خشية تعرضه للعقوبة الحوثية، إن أعداد الجثامين التي وصلت خلال اليومين الماضيين تجاوزت قدرة ثلاجة حفظ الموتى على الاستيعاب.

وأضاف أن العاملين في المستشفى يواجهون ضغوطاً متزايدة بسبب وصول الجثامين على دفعات متتالية، بالتزامن مع استمرار استقبال المصابين القادمين من مناطق القتال.

تكتم على الخسائر

تزامن تدفق الجثامين إلى ذمار مع تشديد الإجراءات الأمنية في محيط المستشفى، وسط قيود على حركة وسائل الإعلام ومنع الوصول إلى بعض مرافقه، وفق المصادر.

وقالت المصادر إن الإجراءات الأمنية هدفت إلى الحد من الوصول إلى معلومات تتعلق بأعداد القتلى والجرحى وبياناتهم، بما في ذلك أسماؤهم وأعمارهم ومناطق انحدارهم والجبهات التي قتلوا فيها.

وحسب المصادر، استُدعيت أُسَر بعض القتلى إلى المستشفى لتسلم جثامين ذويها، تمهيداً لتشييعهم ودفنهم، في محاولة لإخلاء مساحة داخل مرافق حفظ الموتى لاستيعاب جثامين أخرى وصلت تباعاً.

الحوثيون شيَّعوا قبل أيام في محافظة ذمار عشرات من قتلاهم في الجبهات (إعلام حوثي)

وأشارت المصادر إلى أن بعض الأُسَر تلقت بلاغات بمقتل ذويها بعد وصول الجثامين إلى المستشفى، في حين لم تحصل عائلات أخرى على معلومات تفصيلية بشأن ظروف مقتل أقاربها، أو المناطق التي قُتلوا فيها قبل نقل جثامينهم إلى ذمار.

وقال أحد أقارب القتلى إن أسرته أُبلغت بمقتل أحد أفرادها في إحدى الجبهات، وطُلب منها الحضور إلى المستشفى لتسلم الجثمان، واستكمال إجراءات التشييع والدفن.

كما أفاد أحد سكان المنطقة بأن محيط المستشفى شهد حركة غير معتادة لسيارات الإسعاف والمركبات التي تنقل الجثامين، بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية، ومنع الاقتراب من أجزاء من المرفق.

فجوة تمويلية

في مواجهة ارتفاع الاحتياجات الطبية، أعلنت منظمة الصحة العالمية استمرار دعم المرافق الصحية التي تستقبل الحالات الناجمة عن النزاع.

وقالت المنظمة إنها أنهت تسليم شحنتها الطبية الثالثة، التي تضمنت مستلزمات جراحية وأدوية ومضادات حيوية، إلى مستشفى «الجمهورية التعليمي» وكذلك «22 مايو» في عدن، إضافة إلى مستشفى كرى ومستشفى مأرب العام في محافظة مأرب.

طفل يمني يتلقى العلاج في أحد مستشفيات العاصمة المؤقتة عدن (أ.ب)

كما تعمل المنظمة -وفق تقريرها- على شراء 17 ألف كيس دم للبالغين، و3 آلاف كيس دم للأطفال، بتكلفة تقديرية تبلغ 32 ألف دولار، بهدف تعزيز مخزونات الدم في المرافق الصحية التي تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين.

وأكدت المنظمة أنها تنسق مع وزارة الصحة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وشركائها، للاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة الناجمة عن تصاعد النزاع.

لكن الاستجابة الإنسانية تواجه في المقابل فجوة تمويلية واسعة؛ إذ تقدِّر منظمة الصحة العالمية حجم التمويل غير المتوفر بنحو 78 في المائة من إجمالي المبلغ المطلوب.


معارك جبلية وضربات جوية تستنزف القدرات الحوثية

الحوثيون يدفعون بأنساق متتابعة للسيطرة على الجبال في تعز لكنهم يصطدمون بضربات موجعة (أ.ب)
الحوثيون يدفعون بأنساق متتابعة للسيطرة على الجبال في تعز لكنهم يصطدمون بضربات موجعة (أ.ب)
TT

معارك جبلية وضربات جوية تستنزف القدرات الحوثية

الحوثيون يدفعون بأنساق متتابعة للسيطرة على الجبال في تعز لكنهم يصطدمون بضربات موجعة (أ.ب)
الحوثيون يدفعون بأنساق متتابعة للسيطرة على الجبال في تعز لكنهم يصطدمون بضربات موجعة (أ.ب)

تواصلت المواجهات بين القوات الحكومية اليمنية والجماعة الحوثية خلال الساعات الماضية في جبهات متصلة بين غرب تعز ولحج والساحل الغربي، مع احتدام القتال على المرتفعات المشرفة على باب المندب والممرات المؤدية إلى الساحل، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية استعادة مواقع وصد هجمات وإسقاط مسيّرات، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت تحصينات وتعزيزات حوثية.

وتتركز المواجهات في نطاق جغرافي يبدأ من رأس العارة والمضاربة في لحج، ويمر بالوازعية وكهبوب، وصولاً إلى الريف الجنوبي لتعز، حيث تتنافس القوات على المرتفعات والمواقع المطلة على طرق الإمداد والمناطق الساحلية.

وقالت القوات الحكومية إنها صدت هجوماً حوثياً في سلسلة جبال كهبوب الاستراتيجية، وتمكنت من استعادة أجزاء واسعة من المواقع التي دارت حولها المواجهات، بينما بقيت جيوب محدودة للجماعة في بعض القطاعات.

وأعلنت ألوية درع الوطن إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة حوثية في جبهة كهبوب المطلة على باب المندب، وقالت إن اللواء الخامس في الفرقة الأولى تعامل معها قبل وصولها إلى أهدافها، من دون تسجيل خسائر بشرية أو أضرار مادية.

قوات من ألوية العمالقة تتصدى للهجمات الحوثية في جبهات شرق «باب المندب» (إعلام عسكري)

وفي محيط كهبوب والوازعية، أعلنت ألوية العمالقة الجنوبية استهداف آليات وتجمعات حوثية، بالتزامن مع استمرار محاولات الجماعة تعزيز مواقعها في المنطقة.

وأفادت مصادر محلية بأن غارتين جويتين استهدفتا مبنى في مركز مديرية الوازعية، قالت المصادر إن الحوثيين يستخدمونه مركزاً للدعم والإسناد اللوجستي وتحريك التعزيزات إلى الجبهات المحيطة.

وأضافت أن المبنى يقع على الطريق الرئيسي، على بُعد نحو ثمانية كيلومترات من خطوط المواجهة، وأن عشرات العناصر الحوثية كانوا بداخله عند استهدافه، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من دون حصيلة محددة.

استرداد جبل استراتيجي

في الريف الجنوبي لتعز، قالت القوات الحكومية اليمنية إنها أحكمت سيطرتها على جبل قرفان في منطقة حرض جرداد بمديرية الشمايتين، بعد معارك عنيفة مع الحوثيين.

وقال رئيس أركان محور تعز، اللواء عبد العزيز المجيدي، في تصريحات رسمية، إن القوات الحكومية، مسنودة بمقاتلين من أبناء بني عمر، تمكنت من السيطرة على الجبل، الذي وصفه بأنه موقع استراتيجي ضمن السلسلة الجبلية المطلة على الوازعية.

وأضاف أن السيطرة على الموقع جاءت عقب معارك مع عناصر حوثية كانت تتمركز فيه، مشيراً إلى أن المواجهات أسفرت، وفق القوات الحكومية، عن مقتل أكثر من خمسة من عناصر الجماعة وإصابة نحو 20 آخرين.

أحد الجبال الاستراتيجية في غرب تعز حيث يحاول الحوثيين التقدم شرقاً (إعلام محلي)

وفي المقابل، واصل الحوثيون، بحسب المجيدي، قصف مواقع القوات الحكومية بقذائف الهاون بوتيرة مرتفعة، وسط استمرار المواجهات في المنطقة.

وتكتسب المرتفعات المحيطة بالوازعية وكهبوب أهمية ميدانية بسبب إشرافها على أجزاء من الساحل والطرق المؤدية إليه. وتقول القوات الحكومية إن الحوثيين يستفيدون من الأودية والشعاب والغطاء النباتي الكثيف في الوازعية لإخفاء عناصرهم ومعداتهم وتأمين خطوط الإمداد باتجاه الساحل الغربي.

وتشير التطورات الميدانية خلال الساعات الماضية إلى انتقال الضغط بين محاور القتال، إذ تهدأ المواجهات في بعض القطاعات قبل أن تشتد في أخرى، بالتزامن مع استمرار وصول تعزيزات حوثية، خصوصاً إلى الوازعية، وفق مصادر ميدانية.

وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم السابق تنفيذ خمس غارات جوية على مواقع وآليات وتجمعات حوثية في جبهة الأحكوم بمديرية حيفان، وقالت إن الضربات استهدفت تعزيزات كانت في طريقها إلى جبهتي حيفان والصبيحة.

وفي غرب تعز، أعلنت القوات إحباط محاولات تسلل وإسقاط مسيّرتين، إحداهما محملة بقذيفة هاون، كما تحدثت عن استعادة مواقع وتلال في كهبوب وأسر سبعة عناصر حوثيين قرب ساحل السقيا.

وأعلنت ألوية العمالقة الجنوبية، بدورها، أسر قيادي حوثي ومرافقه وتدمير آليات تابعة للجماعة، في وقت استمرت فيه العمليات الجوية والبرية ضد مواقع الحوثيين في تعز ومناطق أخرى.

نفي حكومي

في جبهة أخرى، دخل ملف الأسرى على خط المواجهة الإعلامية، بعد تبادل الاتهامات بين القوات الحكومية والحوثيين بشأن مقتل عدد من أسرى القوات الحكومية في محافظة الجوف.

ونفى المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، رواية حوثية تحدثت عن مقتل أسرى داخل أحد مواقع الاحتجاز في مديرية الحزم، وقال إن ما نشرته الجماعة «عارٍ عن الصحة ومضلل»، متهماً إياها بمحاولة تحميل القوات الحكومية مسؤولية مقتل الأسرى.

وقال النزيلي إنه لم تُنفذ أي عملية استهداف داخل مدينة الحزم، التي قال إن مواقعها العسكرية خاضعة لسيطرة الحوثيين، مطالباً الجماعة بضمان سلامة الأسرى والمحتجزين لديها وإبعادهم عن مناطق القتال.

وحدات من قوات ألوية العمالقة خلال استعراض سابق (إعلام عسكري)

وشدد المتحدث العسكري على ضرورة إبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمواقع احتجاز الأسرى، باعتبارها أماكن يفترض أن تحظى بالحماية وفق القواعد ذات الصلة بالقانون الدولي الإنساني.

كما اتهم الحوثيين بمحاولة تحويل قضية الأسرى إلى وسيلة لتضليل الرأي العام، وربط ذلك بما قال إنه استهداف حوثي لإحدى الأسواق في محافظة لحج، مشيراً إلى أن الأسواق من الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني.

وفي السياق ذاته، أعلنت القوات الحكومية استهداف عناصر وعتاد حوثي في مدينة المخا بمحافظة تعز وفي محافظة البيضاء، وقالت إن عملياتها تستهدف الحد من قدرة الجماعة على تنفيذ هجمات ضد القوات والمدنيين.

توقع نزوح 230 ألفاً

وتأتي هذه التطورات العسكرية في وقت تتسع فيه أزمة النزوح المرتبطة بالتصعيد الأخير، وسط تحذير أممي من احتمال ارتفاع أعداد النازحين خلال الأسابيع المقبلة.

وحذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن عدد النازحين داخلياً من جراء التصعيد الأخير قد يتجاوز 230 ألف شخص خلال الشهر المقبل إذا استمرت وتيرة القتال والنزوح الحالية.

وقال ممثل المفوضية في اليمن، أرمين يديغاريان، إن أكثر من 130 ألف شخص فروا من منازلهم داخل البلاد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، بالتزامن مع استمرار تدفق أشخاص عبر خليج عدن، بينهم أكثر من ثلاثة آلاف وصلوا إلى جيبوتي، ومئات آخرون إلى أرض الصومال وبونتلاند في الصومال.

توقعات أممية بوصول النازحين من جراء التصعيد الحوثي إلى 230 ألف يمني (أ.ب)

وتضاف موجة النزوح الجديدة إلى أزمة ممتدة، إذ كان أكثر من 5.2 مليون شخص قد شُردوا من منازلهم بسبب الحرب قبل التطورات الأخيرة، وفق المفوضية.

وقال يديغاريان إن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بينهم نحو 65 ألف لاجئ وطالب لجوء، مشيراً إلى أن الاستجابة تواجه قيوداً شديدة بسبب انعدام الأمن وقيود الحركة وتعطل الاتصالات وتضرر الطرق والبنية التحتية ونقص التمويل.

وتستحوذ تعز على أكثر من 60 في المائة من حالات النزوح الجديدة، بحسب المفوضية، فيما تبقى أسر كثيرة داخل المحافظة نفسها عاجزة عن الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً بسبب القتال وقطع الطرق ونقص وسائل النقل والوقود.

وتسجل حالات نزوح أيضاً في محافظات الجوف ومأرب والحديدة، بما يعكس، وفق المفوضية، اتساع رقعة الصراع وتعدد جبهاته.

وقال المتحدث باسم المفوضية، بابار بلوش، إن عدداً من الأمهات أبلغن عن نزوحهن للمرة الرابعة منذ بدء الحرب قبل أكثر من 12 عاماً.