حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

تقلص عدد سكان ثاني مدن سوريا من 3.5 مليون إلى مليون معظمهم في أحياء النظام ويتنوعون طائفيًا وإثنيًا

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ
TT

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

لم تكن العملية العسكرية التي ينفذها النظام السوري في مدينة حلب، مجرد حلقة في سياق الحرب التي يشنها مع حلفائه على ما يسمى «التنظيمات الإرهابية» كما يزعم، بقدر ما هي حرب تدمير ممنجهة للعاصمة الثانية برمزيتها وتاريخها وعراقتها، وضرب لتنوعها وتعددها الطائفي والثقافي الذي يعود إلى قرون. وحلب هي العاصمة الثانية بعد دمشق، والعاصمة الاقتصادية الأولى ليس في سوريا فحسب، بل ربما في المنطقة، بالاستناد إلى رمزيتها التاريخية والعمرانية. وتعد حلب ثاني المدن بعد الفاتيكان المدرجة على قائمة الاهتمام الفرنسي، بالنظر إلى الحضور المسيحي المميز فيها، والدور التنويري والنهضوي الذي لعبه المسيحيون في المدينة وجوارها، وكانوا رواد نهضتها منذ مطلع القرن السابع عشر.
يقف أهالي مدينة حلب، حاضرة الشمال السوري، بحسرة أمام مشاهد تدمير مدينتهم إحدى أعرق مدن الشرق الأوسط - بل العالم - وأغناها من حيث الإرث الثقافي. وهم من فاخر دومًا بأن «الشهباء» كانت موطئ أول سفارة أوروبية في المنطقة حتى قبل البندقية (فينيسيا). وهي احتضنت أول قنصلية أميركية في العالم العربي وتحديدًا في العام 1836 (منذ 220 سنة)، قبل أن تفتتح الولايات المتحدة سفارتها بدمشق في العام 1942. عدا عن أنها كانت أهم مدن إمبراطورية السلطنة العثمانية من الناحية الاقتصادية.
وإذا كان بديهيًا طرح السؤال المنطقي، لماذا هذه الحرب على حلب؟ لا يتأخر الجواب كثيرًا من قبل معارضين سوريين يؤكدون أن الأسباب تعود إلى أكثر من 35 سنة، عندما تعرضت حلب في العام 1980 لأول عملية قمع دموية على يد نظام البعث، إثر حركة الاحتجاج التي قادها نخبويو المدينة على مستوى نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة وفعاليات المدينة وشبابها، في وجه الطغيان وعمليات تكميم الأفواه.
كل هؤلاء أجمعوا يومها على المطالبة بالديمقراطية وبنظام ليبرالي بعيدًا كل البعد عن حكم البعث والإخوان المسلمين، وقد أدت تلك الأحداث إلى إضراب شامل في كل سوريا، ما عدا العاصمة دمشق، الممسوكة والمحاصرة أمنيًا.
يومذاك اكتشف الرئيس السابق حافظ الأسد مبكرًا، أهمية المحافظة على دمشق وحلب في آن، وفق ما يكشف المعارضون لـ«الشرق الأوسط»، الذين قالوا: «إن الأسد الأب عمل على بقائهما تحت سيطرته، باعتبار أن الحضور السوري سياسيًا واقتصاديًا وتاريخيًا وثقافيًا كله موجود في هاتين المدينتين العريقتين، وهذا ما كان السبب الجوهري في تأخر انطلاقة الثورة فيهما؛ لأن النظام بنى في المدينتين تحالفات اقتصادية ومالية، وأخضعهما لقوانين جديدة هيمنت عليها المخابرات وأجهزة السلطة؛ مما أسهم في تأخر الانتفاضة الشعبية في كل من دمشق وحلب».
* حلب.. والثورة
لا يخفي ناشطون من حلب عتبهم على من اتهم مدينتهم بـ«التآمر» حينًا، وبأحسن الأحوال بالتقاعس عن الالتحاق بركب الثورة، ويتحدث هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» عن «ظلم كبير أصابهم؛ لأن البعض غفل سهوًا أو أَغفَل عن قصد حقيقة، أن جامعة حلب كانت السبَّاقة في إطلاق شرارة التحركات الطلابية، وهي الجامعة الأولى وربما الوحيدة التي سقط فيها عشرات الطلاب الشهداء، وتعرضت لحصار خانق».
وفي الوقت الذي كان أشد المدافعين عن نظام الأسد، يعدون أن مقياس نجاح الثورة أو فشلها يتوقف على ما ستقوله حلب، جاءت انتفاضتها كـ«القشّة التي قسمت ظهر البعير»، فهي برأي معارضين حلبيين «وضعت حكم الأسد على شفير السقوط؛ مما جعل قوات النظام وأجهزة الاستخبارات سباقة إلى ارتكاب المجازر فيها، فكانت أولى المدن التي اختبر فيها سلاح الجوي، وقصف الأحياء المدنية التي ثارت وطالبت بالحرية وبسقوط النظام».
انطلاقًا من هذه المقاربة، وضع نظام بشار الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، خطة لاسترجاع حلب بأي ثمن، باعتبار أن استعادتها وبقاء دمشق في قبضته، يجعل النظام قويًا جدًا، وعندها تبقى كل المحافظات الأخرى هامشية. صحيح أن الحلبيين لم يكونوا جميعًا مع هذه الانتفاضة، خصوصًا بعض الرأسماليين بحكم الشراكة مع النظام في التجارة والصناعة والمشاريع الضخمة، لكن كان من الصعب على هؤلاء تغيير بوصلة التحاق أبناء المدينة بالثورة توقًا إلى الحرية التي تراودهم منذ عقود.
ولكن اليوم، بعد خمس سنوات على الثورة، ماذا تغير في حلب بعد كل ما جرى ويجري على أرضها؟
من الواضح أن الثورة التي انطلقت من جامعة حلب، لقيت الصدى المطلوب في الأوساط الشعبية الفقيرة وشبه المعدمة. واللافت أن هذه الطبقة من الناس تقيم في المناطق الشرقية، في وقت كان الأثرياء والمقربون من النظام يقطنون المنطقة الغربية التي لا تزال حتى الآن تحت سيطرة قوات النظام، وفق ما أوضح عضو «الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية» سمير النشار، الذي لم يخف وجود أحياء فقيرة حتى في المنطقة الغربية، مشيرًا إلى أن «الأحياء الشرقية لحلب توسعت في السنوات التي سبقت الحرب، نتيجة النزوح من الأرياف إلى المدينة، والسكن في أطراف المنطقة الشرقية، باعتبار أن النازحين هم من الفقراء الذي قصدوا المدينة للعمل وكسب الرزق».
* صورة للمدينة
ويؤكد النشَّار، ابن مدينة حلب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المكوِّن السني هو الغالب في المدينة، لكن في الوقت نفسه تتميز بالحضور المسيحي الذي لا يقارن بالحضور الكردي أو التركماني أو الأرمني». ويتابع: «إن أهمية الحضور المسيحي في حلب، لا يكمن في كونه أصيلاً في المدينة فحسب، بل لأنه لعب الدور النهضوي والتنويري فيها، وهو يكاد ينافس الحضور المسيحي في بيروت»، لافتًا إلى أن «الحي الذي يغلب عليه الحضور المسيحي هو حي العزيزية، بينما الحضور الأرمني المتوطد منذ مائة سنة هو في حي الميدان، وهذان الحيان يقعان في القسم الغربي من المدينة».
وطالما أن الفوارق الطبقية والاجتماعية واضحة بفعل الامتيازات المالية والتجارية التي منحها النظام لحلفائه، فإن الطبقة النخبوية بحسب ما يشير النشار «تقيم في حي الحمدانية حيث الفيلات الفخمة جدًا، العائدة لأشخاص من الطائفتين الإسلامية والمسيحية، المعروف أنهم مرتاحون اقتصاديًا وماليًا». ويؤكد في الوقت عينه أن «نسبة كبيرة من المكونين المسيحي والأرمني موجودة في منطقة السبيل وفي حي السبيل المتجاورين أيضًا».
من الطبيعي أن ما كان الواقع عليه قبل الحرب لم يبق قائمًا الآن، فحركة النزوح شملت كل مناطق حلب سواء تلك الواقعة تحت سيطرة النظام أو المعارضة، وإن كانت نسبة الهجرة من مناطق المعارضة أكبر بكثير، خصوصًا بعد إحراق وتدمير الأسواق القديمة والعريقة في الأشهر الأولى للمواجهات العسكرية، باعتبار أن هذه الأسواق كانت مجرد خطوط تماس، لكونها تقع في الخط الجغرافي الفاصل بين القسمين الغربي والشرقي.
ويشدد النشار على أن «الفئات الميسورة ماديًا، خصوصًا التجار والرأسماليين سواء كانوا سنة أو مسيحيين أو أرمنيين انتقلوا إلى بيروت، حتى أن البعض منهم سافروا مع عائلاتهم إلى مصر أيضًا. أما الصناعيون فانتقلوا إلى تركيا ونقلوا معهم معاملهم ومصانعهم لسببين: الأول القرب الجغرافي والثاني لأن السوق التركية واسعة وقادرة على استيعابهم وتصريف إنتاجهم». مشيرًا إلى أن تركيا «كانت أيضًا وجهة المهاجرين من أبناء الطبقات الفقيرة، بحثًا عن ملجأ آمن وسعيًا إلى العمل وكسب لقمة العيش».
* بالأرقام..
وما دامت الهجرة سمة السوريين الهاربين من الموت، فإن حلب كانت نسخة عن باقي المدن والقرى السورية التي هشمتها الحرب، وفتكت بأبنائها قوات الأسد وحلفاؤها، وقطعت الطائرات والصواريخ والمدافع أوصالها.
وفي غياب الإحصاءات الدقيقة لنسبة المهاجرين من حلب، يقول عضو «الائتلاف السوري»: «إن التقديرات القريبة من الواقع تشير إلى أن حلب لم يبق فيها أكثر من مليون مواطن، من أصل ثلاثة ملايين ونصف أو أربعة ملايين»، مضيفًا: «إن ما بين 700 و800 ألف مواطن ما زالوا يقيمون في القسم الغربي، أي في مناطق سيطرة النظام، فيما يوجد في المنطقة الشرقية ما بين 150 و200 ألف نسمة، لم يكن بمقدورهم النزوح أو الفرار إلى أي مكان».
ولم يكن خافيًا على أحد أن أحياء حلب الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام ما زالت تتلقى الخدمات من السلطة القائمة، وهي سهلة المنال إلى حد ما بسبب وجود خطوط الإمداد مع الخارج، لكن الوضع المنطقة الشرقية مختلف، كما يقول النشار، الذي يفيد بأن «الخدمات في مناطق سيطرة المعارضة تقدمها منظمات المجتمع المدني المدعومة من هيئات الأمم المتحدة، ومؤسسات إنسانية أوروبية، تتخذ من مدينة غازي عنتاب التركية المتاخمة للحدود السورية مقرًا لها. وهذه الهيئات تقدم خدماتها إلى الجزء الشرقي من حلب وإلى الأرياف في شرق وشمال حلب، وصولاً إلى مدينة إدلب وريفها وأطراف حمص». ويلفت إلى أن «خدمات الحكومة المؤقتة محدودة؛ لأن مواردها ضئيلة جدًا ويصعب عليها الدخول والخروج من وإلى المدينة». مشيرًا إلى أن «مشفى القدس الذي قصفته ودمرته طائرات النظام في الأيام الأخيرة، ممول من مؤسسة (أطباء بلا حدود) التي كانت تزودها بالمعدات الطبية والأدوية اللازمة والمستلزمات الأولية».
أما على صعيد الإدارة المحلية، فيتابع النشَّار: «كانت ثمة محاولة لبناء جهاز شرطة تابع للفصائل، في المناطق الشرقية، يتولى تنظيم أمور الناس، ممولة من منظمات غربية، لكن فرصها لم تنجح؛ لأن تعدد الفصائل المسلحة لم يسمح بتطبيق سلطة القانون في هذه المناطق».
* المعارك والمجازر
بعد خلط الأوراق من الناحية العسكرية، خصوصًا غداة المجازر التي ارتكبها النظام السوري، وقصفه بالطائرات لمستشفى القدس، وتدميره على رؤوس من فيه، لم يبق للعملية السياسية أي معنى برأي قادة المعارضة، وبات واضحًا أن الكلمة أصبحت للميدان، بحيث تحاول فصائل المعارضة المسلحة تعزيز مواقعها من الناحيتين البشرية والتسليحية. ولا ينكر مصدر عسكري في الجيش الحر أن «الثوار باتوا يتحسبون للأسوأ بعدما شهدته حلب في الأيام الأخيرة». ويؤكد أنهم «يتهيأون لحرب عصابات لن يكون للنظام فيها الكلمة العليا».
ويكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفصائل المسلحة المنتشرة في المناطق والأحياء الشرقية لحلب، تتحضر لمواجهة وحرب استنزاف طويلة»، لافتًا إلى أن «المجموعات القتالية المنضوية في صفوف (الجبهة الشامية)، وتضم كتائب نور الدين الزنكي و(جيش الإسلام) و(أحرار الشام) وغرفة عمليات (فتح حلب) وغيرها من الفصائل وضعت نفسها في جهوزية لقتال طويل الأمد».
وإذا كان الاستنفار والتعزيزات العسكرية حال المعارضة المسلحة، فمن باب أولى أن يكون النظام ماضيًا في تعزيزاته أيضًا؛ حيث أكد المصدر العسكري أن «قوات الأسد والميليشيات الموالية لها مثل ميليشيا (قوات الدفاع الوطني) ومقاتلي الحرس الثوري الإيراني وما يسمى (حزب الله) اللبناني و(لواء القدس) الفلسطيني وبعض المرتزقة، تتخذ أقصى الاحتياطات في مناطق وجودها». وأشار المصدر إلى أن «الهجوم المعاكس الذي شنَّه الثوار على مواقع النظام بعد مجزرة مشفى القدس، والخسائر التي تكبدها النظام وأتباعه، تؤكد أن الثورة ليست ضعيفة في حلب، وهي اكتسبت خبرة قتالية عالية تجعلها قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة وإن بإمكانيات محدودة».
ويرى خبراء عسكريون، أن روسيا «تحاول استغلال الصمت الأميركي لفرض سيطرة النظام على سوريا، وتعد حلب مدخلا لهذه الاستراتيجية الروسية التي تسعى لزعزعة سيطرة المعارضة على شمال سوريا». ويقول الخبراء: «إن المعارضة المسلحة المعتدلة في سوريا باتت أمام تحدي وضع استراتيجية دفاعية واسعة النطاق للصيف والخريف القادمين يشارك فيها الجميع، وتثبت قدرتها على تخطي بعض الخلافات التي تعصف بها بين الحين والآخر».
ووفق قراءة هؤلاء الخبراء، فإن المعارضة بحاجة إلى «إعادة هيكلة عمليات، بما يمكنها من قلب الموازين ليس في حلب وريفها فقط، بل على امتداد جبهاتها مع النظام، لدفع الأخير إلى تقديم تنازلات وليس العكس». وقلَّلوا من إمكانية الوصول إلى هدنة في حلب؛ لأن «الولايات المتحدة غير جادة لفعل شيء في سوريا، وهو ما يدركه الروس ويحضهم على استغلال هذه المرحلة»، مؤكدين في الوقت نفسه أن «مصداقية المجتمع الدولي أصبحت في مهب الريح».
* تنوع ديموغرافي وريادة صناعية
- قلصت الحرب عدد سكان حلب إلى نحو مليون شخص، يتوزعون في الأحياء الشرقية للمدينة حيث مناطق سيطرة المعارضة، وفي الأحياء الجنوبية والغربية حيث منطقة سيطرة النظام. وبينما تعيش في مناطق المعارضة أغلبية إسلامية، يسكن في مناطق النظام خليط من المسيحيين والمسلمين والأكراد والأرمن الذي تدنى عددهم بنسبة كبيرة بعد اشتعال الحرب؛ حيث غادر عدد كبير من الأرمن إلى خارج البلاد.
وبينما كان عدد سكان المسيحيين في حلب قبل الحرب العالمية الأولى يقارب الربع في أقصى تقدير، ازداد عددهم بشكل كبير إثر هجرة الأرمن إلى المدينة. فإن هؤلاء كانوا العامل الأبرز في ازدهار المدينة صناعيًا؛ حيث بلغ عدد المصانع في حلب قبل الأزمة السورية في العام 2011 نحو ألفي مصنع للنسيج والصناعات التعدينية والحرفية وغيرها، مثل: الصناعات الكيميائية، والصناعات الدوائية، والصناعات الغذائية الخفيفة، والصناعات الكهربائية، والصناعات الهندسية، والسياحة.
ويعد حي الشيخ نجار المنطقة الصناعية الأساسية في المدينة، ويحتل مساحة 4412 هكتارًا ليكون أحد أضخم الأحياء الصناعية في المنطقة، يقدر حجم الاستثمارات بأكثر من ملياري دولار حتى نهاية عام 2009. وأدى ازدهار الصناعة فيها إلى اطراد في الصادرات، بلغت 50 في المائة من مجمل الصادرات الصناعية السورية قبل الأزمة.
وخلال أحداث الثورة السورية، تضررت حلب بشكل كبير إنسانيًا واقتصاديًا بفعل القتال والقصف، واتهم النظام قوات المعارضة بتفكيك المصانع الضخمة وبيع ألف منها لتركيا، بينما توقفت عجلة الاقتصاد في المدينة، وتعرض الكثير من معالمها الأثرية للدمار مثل قلعة حلب.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.