من هو آية الله علي حسيني خامنئي؟

المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران تأثر بأعمال سيد قطب وترجم بعضا منها إلى الفارسية

من هو آية الله علي حسيني خامنئي؟
TT

من هو آية الله علي حسيني خامنئي؟

من هو آية الله علي حسيني خامنئي؟

في يونيو (حزيران)، انتخب حسن روحاني رئيسا لجمهورية إيران الإسلامية. خاض روحاني الانتخابات كمرشح إصلاحي، وفسر كثيرون فوزه بأنه يبشر بإمكانية تحرير أو عقلنة السياسة الداخلية والخارجية الإيرانية. ولكن الشخص السائد في السياسة الإيرانية ليس الرئيس بل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي حيث يمنح الدستور الإيراني المرشد الأعلى سلطة هائلة على جميع مؤسسات الدولة الرئيسة، ويجد خامنئي الذي تولى منصبه منذ عام 1989 وسائل أخرى كثيرة لتوسعة نفوذه.

تعمل كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في الحكومة، رسميا أو غير ذلك، تحت السيادة المطلقة للقائد الأعلى. وهكذا، يصبح خامنئي هو رئيس دولة إيران وقائدها الأعلى ومنظرها الرئيس. أفكاره هي ما تشكل السياسة الإيرانية لذلك تجدر دراستها بالتفصيل.
ولد خامنئي في مدينة مشهد شمال شرقي إيران عام 1939. كان والده عالم دين متواضع الدخل. سار خامنئي، وهو الثاني بين ثمانية أبناء، على نهج والده والتحق بالمدرسة الدينية (كما أن له شقيقين من رجال الدين أيضا). درس خامنئي في قم من عام 1958 إلى 1964، وعندما كان هناك التحق بحركة المعارضة الدينية التي قادها آية الله الخميني في عام 1962. أدى خامنئي دورا مهما في الثورة الإيرانية عام 1979 وأصبح رئيسا لإيران من عام 1981 إلى 1989، ثم خلف الخميني في منصب المرشد الأعلى.
كان خامنئي على اتصال دائم بعالم المثقفين الإيرانيين، وقد تشكل الإطار الأساسي لفكره أثناء شبابه وبدايات سن الرشد، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. كانت إيران في ذلك الوقت تحت الحكم الملكي وحليفة للولايات المتحدة. ووفقا للمعارضة الإيرانية في ذلك الوقت، لم يكن الشاه سوى دمية أميركية. وعلى عكس كثير من الإسلاميين الآخرين، كان خامنئي على اتصال مع أهم مثقفي المعارضة العلمانيين واستوعب خطابهم في مرحلة ما قبل الثورة. ولكنه كان أيضا طالبا في المعهد الديني الذي ينصب تركيزه الأساسي على تعليم الشريعة الإسلامية، فتعرف على منظري الإخوان المسلمين وتأثر بأعمال سيد قطب، التي ترجم خامنئي ذاته بعضا منها إلى الفارسية.
عندما كان شابا، شهد خامنئي الخلاف بين الغرب والعالم الثالث، وتصلبت هذه الرؤى أثناء تعامله مع الولايات المتحدة بعد الثورة الإيرانية. وتوصل إلى أن واشنطن عازمة على الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وأن جميع القضايا الأخرى التي يثيرها المسؤولون الأميركيون لا تتجاوز كونها ستارا دخانيا. وحتى اليوم، يعتقد خامنئي أن الحكومة الأميركية مصرة على تغيير النظام في إيران، سواء عن طريق إسقاطه من الداخل أو اندلاع ثورة ديمقراطية أو ممارسة ضغوط اقتصادية أو شن غزو عسكري.

لمحة عن المرشد الأعلى

كان خامنئي يبلغ من العمر 40 عاما عندما قامت الثورة؛ وقبل ذلك كان طالب علم ورجل دين، ولكنه متفاعل مع العالم الواسع بالإضافة إلى الأوساط الدينية الضيقة.
أدت علاقات خامنئي الواسعة مع المثقفين العلمانيين في إيران إلى تطرف آرائه بشأن الولايات المتحدة، نظرا لأن هذه الأوساط كانت معارضة للولايات المتحدة بشدة بعد انقلاب عام 1953، وبعد تأييد الولايات المتحدة للشاه وقمعه التالي للمعارضين. وكما قال صديق خامنئي الشاعر مهدي إخوان ثالث، في أحد الأبيات: «لن أنسى أننا كنا شعلة، وهم أطفأونا بالماء». تحدث خامنئي عن دور الولايات المتحدة في انقلاب عام 1953 عدة مرات، وتستمر الذكرى تتردد لديه حتى الآن. صرح خامنئي في العام الماضي في لقاء مع طلاب الجامعات في طهران قائلا:
«من المثير للاهتمام أن ندرك أن أميركا أطاحت بحكومة مصدق حتى على الرغم من أنه لم يظهر عداء تجاهها. لقد تصدى للبريطانيين ووثق في الأميركان. كان يرجو أن يساعده الأميركان، وكانت له علاقات ودية معهم، وأعرب عن اهتمامه بهم، لعله أبدى لهم خضوعا. (ولكن) أطاح الأميركيون بهذه الحكومة. لم تكن الحكومة القائمة في طهران حينها معارضة لأميركا، لا، بل كانت صديقة لها. ولكن مصالح الغطرسة (وهو المصطلح الذي يستخدمه خامنئي غالبا ليرمز إلى الولايات المتحدة) استلزمت تحالف الأميركيين مع البريطانيين. جمعوا الأموال وجلبوها إلى هنا وقاموا بمهمتهم. ثم عندما تحقق انقلابهم وأعادوا الشاه الذي كان قد هرب، تمكنوا من السيطرة على البلاد».

خامنئي والبؤساء

في شبابه، كان خامنئي يحب الروايات. قرأ لكتاب إيرانيين مثل محمد علي جمال زاده وصادق شوباك وصادق هدايت، ولكنه شعر بأنهم يتوارون أمام الكتاب الكلاسيكيين الغربيين من فرنسا وروسيا وبريطانيا. وأثنى خامنئي على ليو تولستوي وميخائيل شولوخوف وأمثال أونوريه دي بلزاك وميشال زيفاغو، ولكنه يعتبر فيكتور هوغو الأفضل. وفي تصريحات لبعض مسؤولي شبكة التلفزيون الحكومية الإيرانية عام 2004، قال خامنئي:
«في رأيي، إن رواية (البؤساء) لفيكتور هوغو أفضل رواية كتبت في التاريخ. طبعا لم أقرأ جميع الروايات المكتوبة في التاريخ، ولكني قرأت العديد من الروايات المتعلقة بأحداث قرون مختلفة».
شعر خامنئي بأن الروايات تمنحه بصيرة نافذة إلى الواقع العميق في حياة الغرب، حتى إنه نصح جمهورا من الكُتاب والفنانين في عام 1996 قائلا: «اقرأوا روايات بعض الكتاب ذوي الاتجاهات اليسارية، مثل هوارد فاست. اقرأوا (عناقيد الغضب) الشهيرة التي ألفها جون ستيانبيك.. وانظروا كيف تتحدث عن موقف اليسار وكيف تعامل معهم الرأسماليون في مركز الديمقراطية».

الإسلامي الناشئ

رغم تردد خامنئي على الأوساط الثقافية العلمانية قبل الثورة، وكونه طالبا للثقافة الغربية بصورة عامة، فإنه كان أولا وقبل كل شيء عالم دين يكرس ذاته لتحقيق تغيير اجتماعي بما يتفق مع تعاليم الدين. وفي هذا الصدد، كان سيد قطب، المفكر والناشط المصري والمنظر الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين، هو من استولى على قلب خامنئي في شبابه.
كتب خامنئي في مقدمة ترجمته لكتاب سيد قطب «المستقبل لهذا الدين» في عام 1967: «حاول هذا الكاتب العظيم عبر فصول هذا الكتاب.. تقديم روح الدين كما هي، ثم توضيح أنه منهج للحياة.. (وأكد) بعباراته البليغة ومنظوره العالمي الخاص أن حكم العالم في النهاية سوف يكون في يد مدرستنا وأن (المستقبل سيكون للإسلام)».

بعد الثورة

في الأيام الأولى من الثورة الإيرانية، بعد أن أعلنت واشنطن أنها سوف تسمح للشاه المريض بدخول الولايات المتحدة لتلقي العلاج، استولت مجموعة من الطلاب الإيرانيين المتطرفين على السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا من فيها كرهائن، مما تسبب في خلق أزمة جديدة في العلاقات الأميركية الإيرانية. لم يكن جميع أفراد النخبة الحاكمة الجديدة يعرفون بشأن الخطة أو يوافقون عليها. ووفقا للرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر رفسنجاني، لم يؤيد هو أو خامنئي هذه الخطوة: «كان آية الله خامنئي وأنا في مكة عندما سمعنا أخبار الاستيلاء على السفارة الأميركية عبر الإذاعة ليلا، عندما كنا في مكان إقامتنا نستعد للنوم. أصبنا بالصدمة، لأننا لم نكن نتوقع مثل هذا الحدث. ليست هذه سياستنا. حتى في بداية انتصار الثورة، عندما كانت الجماعات السياسية تهتف بشعارات متطرفة ضد أميركا، ساعد المسؤولون الأميركيون الموجودون في إيران على العودة إلى بلادهم سالمين، بل وحمل كثير منهم ممتلكاتهم معهم. وبمجرد أن هاجمت مجموعة مسلحة السفارة الأميركية واحتلتها، جاء ممثل عن الحكومة المؤقتة وأنهى المشكلة. لذلك من الواضح أن المجلس الثوري والحكومة المؤقتة لا يميلان إلى اتخاذ مثل هذه الإجراءات».
ولكن بعد أن خرج الخميني مؤيدا للاستيلاء على السفارة، سار حكام آخرون في الجمهورية الإسلامية على نهجه.
طوال فترته كمرشد أعلى، دائما ما يدافع خامنئي عن الاستيلاء على السفارة. ويدفع بأنه أحيانا ما تحتفظ الأنظمة الثورية بعلاقاتها مع القوى الاستعمارية السابقة وتعاني نتيجة لذلك. وفي الحالة الإيرانية، ساعد الاستيلاء على السفارة على جعل ذلك مستحيلا، وقد أشار في خطاب له عام 1993 إلى ذلك قائلا: «قطعت قضية وكر الجواسيس (وهو المصطلح الذي يستخدمه الثوار للإشارة إلى السفارة الأميركية) آخر خيط يمكن أن يصل بين الثورة وأميركا». وأضاف أن احتلال السفارة «كان خدمة عظيمة وجليلة لصالح ثورتنا».

ممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى

عين الخميني خامنئي عضوا في مجلس الثورة الإسلامية، وقبل أن يصبح رئيسا للجمهورية في عام 1981، عمل نائبا لوزير الدفاع، والقائم بأعمال رئيس الحرس الثوري الإسلامي، وممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى. وضعه عمله في القضايا الأمنية في مواجهة السياسة الواقعية الباردة التي انتهجتها واشنطن. وفي أغسطس (آب) عام 1980، شن صدام حسين هجوما عسكريا على إيران في محاولة للاستفادة من الفوضى الموجودة مع النظام الجديد. كانت إيران تعاني آثار سقوط الشاه واستمرار أزمة الرهائن، ورفضت الولايات المتحدة انتقاد أفعال العراق، ثم قدمت له الحماية من العقاب في الأمم المتحدة وبعد ذلك دعمت بالفعل الحرب العراقية ضد إيران. وفي نهاية الثمانينات، كان الجيش الأميركي يواجه إيران مباشرة من خلال مهاجمة منصات النفط الإيرانية في الخليج عام 1987، وإسقاط طائرة ركاب إيرانية في عام 1988.

رحلة خامنئي إلى الولايات المتحدة

في عام 1987، ذهب خامنئي في رحلته الوحيدة حتى الآن إلى الولايات المتحدة من أجل المشاركة بصفته رئيس دولة إيران في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي خطابه، تحدث عن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.
وفي خطاب جماهيري في العام التالي، تحدث عما مر به أثناء إقامته في نيويورك قائلا: «جاء مسؤول رفيع المستوى في دولة أوروبية لمقابلتي وقال لي (يجب أن تحل مشكلتك مع أميركا)! اعتقدوا أنني بمجيئي إلى نيويورك ووجودي في أميركا قد يستطيعون استغلال الموقف. ولكني قلت (مستحيل. قضية الأمم المتحدة شأن آخر. مجيئي إلى الأمم المتحدة للحديث مع شخصيات من العالم وهذا ليس له علاقة بأميركا. قضية أميركا لها شأن آخر)».

من الخميني إلى خامنئي

منذ أن أصبح المرشد الأعلى لإيران في عام 1989، أصبحت آراء خامنئي حيال سياسة الولايات المتحدة الأميركية أكثر حدة. وفي الوقت الحالي، موقفه واضح وبسيط: ترغب الحكومات الغربية، بقيادة واشنطن، في الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وتدمير الثورة الإسلامية، تمامًا مثلما حدث مع الاتحاد السوفياتي.
يعتقد خامنئي أن هناك العديد من التدابير التي بإمكانها ضمان أن الجمهورية الإسلامية لن تلق المصير ذاته الذي حل بالاتحاد السوفياتي. أولا، ينبغي تحديد المتمردين السياسيين المحتملين - النسخ الإيرانية المحلية من بوريس يلتسن - ومعرفتهم. ثانيا، ينبغي الإعلان بوضوح عن خطط إصلاح منطقية، وبالتالي لن يكون من الممكن إساءة فهمها أو تحريفها. ووفقًا لوصفه، فإن التدابير الإصلاحية ينبغي أن «يقودها مركز قوي وصارم، بحيث لا تخرج عن السيطرة». ثالثا، لا ينبغي السماح لوسائل الإعلام بعرقلة عمل الحكومة. ورابعا، ينبغي منع أية تدخلات من قبل أي قوى خارجية، مثل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

تراجع الغرب والأزمة الاقتصادية

لا ينكر خامنئي التقدم الكبير الذي شهده الغرب على مدار القرن الماضي. فكما صرح في أحد خطاباته في شهر يونيو عام 2004، «بالولايات المتحدة الأميركية، تستطيع أن تلحظ ذروة نهضة الحضارة المادية من ناحية العلم والثروة والسلطة العسكرية، والجهود السياسية والدبلوماسية. فالولايات المتحدة الأميركية تتمتع بثروة أسطورية وقوة عسكرية هائلة، علاوة على الحراك السياسي الاستثنائي». يتقبل خامنئي العلم والتكنولوجيا اللذين يتمتع بهما الغرب، فيما أنه يرثي حقيقة أن الأنظمة الاستبدادية التي تعاني منها إيران ودول أخرى بالعالم النامي هي المسؤولة عن التخلف السائد في هذه البلدان. ويصرح خامنئي بإعجابه ببعض الجوانب التي تتسم بها المجتمعات الغربية.
وأشار خامنئي إلى أن الأزمة المالية التي بدأت في عام 2008 تُعد دليلا داعما لوجهة نظره المتشائمة حول توقعاته للغرب. فقد رأى أن حركة الاحتجاجات التي تدعو إلى احتلال وول ستريت تُعد بمثابة بداية لأزمة ضخمة في الرأسمالية.
بالنسبة لخامنئي، فإن تاريخ العالم «يتجه نحو الأفضل» وسوف يبدأ «عصر جديد في العالم بأسره». فقد فقدت العقائد الماركسية والليبرالية والقومية جاذبيتها، ولكن الإسلام لا يزال يتمتع بجاذبيته. فالربيع العربي - أو «الصحوة الإسلامية»، كما يُطلق عليه - يُعد بمثابة بداية لانتفاضة في جميع أنحاء العالم ضد الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية.
في شهر أغسطس (آب) عام 1989، أي بعد مرور شهرين على انتخابه مرشدا أعلى، صرح خامنئي للولايات المتحدة بأنه «لم يجر أي شخص في الجمهورية الإسلامية أية مفاوضات في وقت مضى مع الولايات المتحدة الأميركية مطلقا، ولن يحدث ذلك.. وما دامت السياسة الأميركية تقوم على الأكاذيب والخداع والنفاق وتدعم الأنظمة الفاسدة مثل إسرائيل، وتديم حالة الظلم ضد الشعوب الضعيفة والفقيرة، وما دامت الجرائم والتجاوزات التي يرتكبها الحكام الأميركيون، مثل إسقاط طائرة الركاب واحتجاز (الملكية الإيرانية)، لا تزال حاضرة في ذاكرة أمتنا، فليس هناك أية احتمالية لدينا لعقد مفاوضات مع الحكومة الأميركية أو إقامة علاقات دبلوماسية معها. فنحن نرفض تمامًا إقامة أية علاقات بيننا وبينهم».
وبعد مرور سبعة عشر عامًا، تناول خامنئي الموضوع ذاته خلال اجتماعه مع طلاب بوسط مدينة يزد خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) لعام 2007، ليذكر أن:
«إحدى سياساتنا الأساسية تتمثل في قطع العلاقات مع الولايات المتحدة. ولكننا لم نقل يوما إننا سوف نقطع هذه العلاقات إلى الأبد. لا، ليس هناك أية أسباب لقطع العلاقات مع أية دولة إلى الأبد.. (ولكن) العلاقات مع الولايات المتحدة تمثل ضررا بالنسبة لنا. أولا، إقامة علاقات مع الولايات المتحدة لن يقلل من الخطر الذي تمثله علينا. فقد قامت الولايات المتحدة بغزو العراق في حين أنه كانت لديها علاقات دبلوماسية معه.. ثانيا، وجود علاقات مع الأميركيين يعد طريقة بالنسبة لهم لزيادة نفوذهم داخل طبقات معينة.. داخل إيران».
وفي شهر أغسطس عام 2010، خلال لقائه مع مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى في ظل ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد، قدم خامنئي تفسيره لعبارة «حالتان من المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية مؤخرا، إحداهما كانت تتعلق بالقضايا العراقية». وكان ذلك حينما صرح أحمدي نجاد بأنه على استعداد لإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة. ووصف خامنئي فهمه لأسلوب التفاوض مع الولايات المتحدة كما يلي:
«عندما لا تكون لدى الأميركيين حجج قوية، وعندما لا يكون بإمكانهم تقديم حجة مقبولة ومنطقية، فإنهم يلجأون إلى أسلوب الضغط. وحيث إن أسلوب الضغط ذلك ليس له أي تأثير على الجمهورية الإسلامية، فإنهم سوف يعلنون نهاية المفاوضات من جانب واحد! حسنا، ما هو نوع تلك المفاوضات؟ وتلك هي تجربتنا في كلتا الحالتين. لذلك، عندما يقول الأشخاص مثل السيد الرئيس (أحمدي نجاد) إننا على استعداد للتفاوض، فحينها سوف أقول نعم، نحن مستعدون للتفاوض، ولكن ليس مع الولايات المتحدة.
وخلال شهر فبراير (شباط) لعام 2013، صرح جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي، خلال حضوره أحد المؤتمرات الأمنية بميونيخ، بأن الولايات المتحدة الأميركية قد فرضت «أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، وذلك ضمن جهودها الرامية إلى منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، وأن قادة إيران يعاقبون شعبهم من خلال الحرمان الاقتصادي والعزلة الدولية. وأشار بايدن إلى أن الخيار الدبلوماسي لا يزال متاحا، ولكن لن تكون هناك محادثات مباشرة إلا «عندما تكون القيادة الإيرانية والقائد الأعلى جادين في الأمر».
ورد خامنئي سريعا وعلى نحو مباشر. ففي كلمته أمام قادة سلاح الجو الإيراني، صرح خامنئي بأنه منذ انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2008، كان قد أعلن أن القيادة الإيرانية سوف تنظر إلى سلوك الحكومة الجديدة بنظرة غير متحيزة، ومن ثم سوف تتخذ قرارها. ولكن ماذا كانت نتائج الفترة الأولى من ولاية أوباما؟ دعمت واشنطن «التمرد الداخلي» (الحركة الخضراء)؛ وفرضت عقوبات معوقة، على حد زعمه. ومن ثم، تناول دعوة بايدن لإجراء محادثات قائلا:
«من هؤلاء الذين تريدون إعاقتهم (بتلك العقوبات)؟ هل أردتم أن تصيبوا الشعب الإيراني بحالة من الشلل؟ هل يوجد أية نية حسنة في ذلك؟ أنا لست دبلوماسيا. إنني شخص ثوري وأتحدث بطريقة واضحة وصريحة.. يقول الدبلوماسيون شيئا ما، ويعنون به شيئا آخر».

البرنامج النووي

ويرفض خامنئي فكرة تمركز الخلافات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية حول البرنامج النووي. وخلال حضوره لاجتماع علني مع وفد من العلماء وأسر الشهداء من منطقة أذربيجان الإيرانية خلال شهر فبراير الماضي، ذكر خامنئي قائلا: «إذا أردنا تصنيع أسلحة نووية، كيف ستمنعوننا من ذلك؟ إذا كانت إيران مصرة على امتلاك أسلحة نووية، فلن تستطيع الولايات المتحدة منعها بأي شكل من الأشكال. نحن لا نرغب في تصنيع أسلحة نووية. ليس لأن أميركا مستاءة حيال ذلك، ولكن الأمر يتعلق بمعتقداتنا الخاصة. فنحن نعتقد أن الأسلحة النووية تمثل جريمة ضد الإنسانية ويجب أن لا يتم تصنيعها، كما يجب القضاء على تلك الأسلحة النووية الموجودة بالفعل في العالم بأسره. ذلك هو اعتقادنا. فهو لا يتعلق بالولايات المتحدة على الإطلاق. إذا لم يكن لدينا هذا الاعتقاد، وقررنا حينها تصنيع أسلحة نووية، فلم تكن لتتمكن أية قوة من منعنا، تماما مثلما أنها لم تكن قادرة على منع ذلك في بلدان أخرى - فهي لم تتمكن من منع تصنيع الأسلحة النووية في الهند وباكستان وكوريا الشمالية».

خطاب مشهد السنوي

وفي كل عام، يلقي خامنئي خطابه الأكثر أهمية بمدينة مشهد الإيرانية في اليوم الأول من فصل الربيع، بداية السنة الإيرانية الجديدة. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان الخطاب الذي ألقاه في العام الحالي لافتا للأنظار، حيث من الواضح أن خامنئي قد خفف من حدة موقفه حيال المحادثات. وللمرة الأولى، حتى في الوقت الذي أعرب فيه عن تراجع تفاؤله حيال المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، صرح خامنئي قائلا: «ولكني لا أعترض عليها». وأثناء إشارته إلى أنه على ما يبدو أن واشنطن ليس لديها أية رغبة في إكمال المفاوضات النووية والتوصل إلى حل لهذه المشكلة، ذكر خامنئي على الرغم من ذلك أن حل ذلك النزاع «قريب للغاية وبسيط أيضا».

ماذا بعد ذلك؟

وفي ظل تحكم خامنئي في السياسة الإيرانية وشكه العميق في نوايا الولايات المتحدة الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية، فإن تحسين العلاقات بين إيران والولايات المتحدة سيكون أمرا صعبا، وخاصة في حالة ثبات سياسات الولايات المتحدة الأميركية التي تتبعها منذ زمن بعيد، مثل التصعيد المستمر للعقوبات، دون تغيير. ولكن تحسين العلاقات لا يُعد أمرا مستحيلا، وذلك لأنه من الممكن بالفعل توافق أهم المصالح الخاصة بكل من طهران وواشنطن في ذات الوقت.
وأظهر انتخاب روحاني باعتباره الرئيس الإيراني الجديد رغبة الشعب الإيراني في وضع نهاية حاسمة لعصر أحمدي نجاد، وأنه قد أوجد فرصة لكل من إيران والمجتمع الدولي للمضي قدما نحو المزيد من العلاقات البناءة. فتلك الفرصة إما أن يتم استغلالها أو تجاهلها.
* أكبر جانجي: صحافي إيراني منشق. تعرض للسجن في طهران من عام 2000 حتى عام 2006، وفي الوقت الحالي تمنع كتاباته في إيران. (فورين آفيرز)



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.