على غرار الأفلام السينمائية.. مروحية ترحل صلاح عبد السلام إلى فرنسا

وجهت له تهمة تنفيذ اغتيالات إرهابية

قوات خاصة من الأمن الفرنسي يأمنون مبنى محكمة في باريس بعد تسليم صلاح عبد السلام إلى السلطات الفرنسية أمس (رويترز)
قوات خاصة من الأمن الفرنسي يأمنون مبنى محكمة في باريس بعد تسليم صلاح عبد السلام إلى السلطات الفرنسية أمس (رويترز)
TT

على غرار الأفلام السينمائية.. مروحية ترحل صلاح عبد السلام إلى فرنسا

قوات خاصة من الأمن الفرنسي يأمنون مبنى محكمة في باريس بعد تسليم صلاح عبد السلام إلى السلطات الفرنسية أمس (رويترز)
قوات خاصة من الأمن الفرنسي يأمنون مبنى محكمة في باريس بعد تسليم صلاح عبد السلام إلى السلطات الفرنسية أمس (رويترز)

وجه قاض فرنسي أمس إلى صلاح عبد السلام، الناجي الوحيد من المجموعة التي قتلت 130 شخصا في باريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تهمة تنفيذ اغتيالات ذات طابع إرهابي و«الانتماء إلى عصابة أشرار»، وفق ما أعلن محاميه فرنك بيرتون.
وأوضح المحامي أن عبد السلام، الفرنسي من أصل مغربي، أوقف احتياطيا في سجن «فلوري - ميروجي» قرب باريس، لافتا إلى أن استجوابه سيتم في 20 مايو (أيار) المقبل. وكانت بلجيكا سلمته صباح أمس للسلطات القضائية الفرنسية.
وقال مكتب التحقيق الفيدرالي البلجيكي، أمس، إنه جرى تسليم صلاح عبد السلام إلى القضاء الفرنسي، بناء على مذكرة توقيف أوروبية صدرت في 19 مارس (آذار) الماضي من السلطات الفرنسية. وبعد ساعات من وصوله إلى باريس، مثل عبد السلام للمرة الأولى أمام قاضي التحقيق الفرنسي، بحسب ما أفاد به مكتب التحقيقات البلجيكي. وأشار الإعلام البلجيكي إلى أن عملية التسليم جرت صباح أمس في سرية تامة، ومن دون مشكلات. وجرى نقل عبد السلام إلى فرنسا عبر طائرة مروحية، مذكّرا بمشهد من فيلم سينمائي، إلا أن مكتب التحقيقات البلجيكي رفض إعطاء تفاصيل محددة حول عملية التسليم. ولمحت وسائل الإعلام إلى أن مصادر رسمية لم تعترض على تسليم عبد السلام صباح أمس لتفادي أي احتمالات، حتى لو كانت ضئيلة، حول وجود مخطط لتهريب المتهم الرئيسي في اعتداءات باريس من السجن.
ويرى المراقبون أن تسليم عبد السلام فجأة وقبل الموعد المعلن عنه من قبل، كان بهدف ضمان عدم فراره أو فشل العملية. وكان محاميه، ماري سفين، قد قال الاثنين الماضي إن تسليم موكله إلى السلطات الفرنسية قد يستغرق أسبوعين.
وأفاد الإعلام البلجيكي أن المحامي فرنك بيرتون، من «رايسل» البلجيكية، سيتولى الدفاع عن عبد السلام أمام القضاء الفرنسي. وذكرت المصادر نفسها أن المحامي وافق على المهمة في ظل قناعة بأن موكله يريد التعاون مع رجال التحقيق في فرنسا. وأفاد الإعلام البلجيكي أن بيرتون اجتمع ومحامي عبد السلام السابق ماري سفين، بحضور موكّلهما داخل سجن «بيفرن» البلجيكي، وذلك قبل يومين ولمدة ساعتين ونصف.
من جهته، قال وزير العدل الفرنسي جان جاك ارفوا، إن عبد السلام سينقل إلى سجن انفرادي في أحد السجون المعروفة بالحراسة المشددة في منطقة «إيل دو فرنس»، وسيتولّى مراقبته مجموعة من الحراس المدربين على التعامل مع السجناء الخطرين.
بدورها، أكدت مصادر فرنسية أن عبد السلام وصل في التاسعة صباحا إلى الأراضي الفرنسية، وبعد ساعتين جرى نقله إلى مجمع المحاكم في باريس (قصر العدالة)، وبعدها إلى مقر قاضي التحقيقات.
يذكر أن رجال الشرطة الفيدرالية البلجيكية استجوبوا، يوم الخميس الماضي، من جديد المشتبه به صلاح عبد السلام حول علاقته بتفجيرات بروكسل التي وقعت في 22 مارس الماضي. وقبل ذلك، حققت الشرطة مع المتهم في بروكسل، لكنه رفض الإدلاء بأي معلومات بهذا الصدد.
وعقب اعتقاله في 18 مارس الماضي، كانت السلطات قد قررت حبسه على خلفية الاشتباه في تورطه باعتداءات باريس، بناء على أمر توقيف صدر من السلطات الفرنسية. وقال محاميه إنه في غضون أسابيع، سيتم تسليمه إلى فرنسا، إلا أنه سيخضع قبل ذلك للتحقيق من جانب السلطات البلجيكية حول حادث تبادل إطلاق نار جرى في بلدية فوريه، جنوب بروكسل، قبل أيام قليلة من اعتقاله.
يذكر أن تفجيرات بروكسل في المطار ومحطة القطارات وقعت بعد ثلاثة أيام فقط من اعتقال عبد السلام في مولنبيك، وتورط فيها محمد عبريني الذي كان برفقة المتهم عشية اعتداءات باريس.
وفي منتصف الشهر الحالي، قالت وسائل إعلام بلجيكية إنه من الضروري أن نذكر أن القضاء البلجيكي لم يوجه أي تهمة لصلاح عبد السلام بشأن هجمات بروكسل. وأضافت أن تصريحات محمد عبريني، المتهم بأنه الرجل صاحب القبعة في مطار بروكسل، تميل إلى استبعاد مشاركة صلاح عبد السلام في الإعداد للهجمات. ولم يغب ذلك عن مذكرة دفاع المحامي سفين ماري، الذي ذكر أن موكله ليس متورطا، حتى الآن، في هجمات بروكسل.
على صعيد متّصل، استضاف مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل أعمال ندوة تحت عنوان «التطرف الديني وطرق مواجهته». وتطرّق النقاش إلى عدة ملفات، منها دور المرأة في مكافحة التطرف، وأهمية التربية في مواجهة الفكر المتشدد، وكيفية تسهيل عمليات الدمج في المجتمع، حسب ما ذكرت على هامش النقاش ألكسندرا أنطونيادس، رئيسة قسم مكافحة الإرهاب في المفوضية الأوروبية.
وفي كلمة له للمشاركين في الندوة، قال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز إن محاربة الإرهاب والتطرف تكون من خلال الوقاية والرصد، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتحديث القواعد، والعقوبات، و«لكن هناك أداة أخرى مهمة، وهي الحوار الذي يستطيع أن يعالج هذا الواقع المحزن». وقال إن انعقاد الندوة في مقر البرلمان يعد مساهمة خاصة لمعالجة القضية، بينما قال نائب رئيس البرلمان أنطونيو تاياني إن أبرز الموضوعات المطروحة هي كيفية تعامل المسلمين الأوروبيين مع التطرف، والدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة على وجه الخصوص في مواجهة التطرف وتعزيز اجتثاثه.
إلى ذلك، أثنى نائب رئيس البرلمان الأوروبي على «العمل الميداني الذي يقوم به كثير من الرجال والنساء من مسلمي أوروبا من أجل محاربة ظاهرة التطرف الديني والعنف، وإنقاذ الشباب الأوروبي المسلم من براثن الخطاب المتشدد المغلوط». وشدد على أن «أغلبية المسلمين الأوروبيين لا يترددون في إدانة الإرهاب والدعوة إلى التسامح والحوار».
وعدّ تاياني أن الإرهاب ليس جديدًا على أوروبا، «فقبل ما يُعرف بتنظيم داعش، هناك تنظيم القاعدة، وما بين الاثنين مجموعات عدة تتوافق حينًا وتتناحر أحيانًا»، حسب وصفه. وأوضح أن الاتحاد الأوروبي بدوله ومؤسساته بحاجة إلى طاقات المسلمين من مواطنيه لمحاربة الدعاية الإرهابية، وقال: «نحتاج لثقافة مختلفة ولإعادة بناء المجتمع وتحصينه ضد الخوف والشك والأفكار المتطرّفة».
ولفت تاياني النظر إلى ضرورة الاهتمام بشكل خاص بالأحياء المهمشة في مختلف أنحاء أوروبا، التي يستغل المتطرفون أبناءها لتجنيدهم، منوهًا بأن هذه الأحياء ليست بالضرورة مصدرًا للإرهاب. وتطرق إلى ضرورة حماية المواطنين الأوروبيين من الوقوع في براثن التشدد والانغلاق، بسبب الجهل والخوف من الآخر. كما تحدث بإسهاب عن دور النساء المسلمات في هذا المجال.
وسعى المشاركون، عبر ورشات العمل المختلفة، إلى استعراض آفاق العمل الحالي على مختلف المستويات لتخليص أبناء المجتمع من التطرف، وكذلك البحث عن طرق ومشاريع جديدة لتحقيق هذا الهدف. وذكّر تاياني بأن أوروبا تريد الحوار بين الأديان وبأنها تعمل لأجل العيش المشترك، وقال إن «المفهوم الأهم هو الحوار بين الجميع».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».