رياض حجاب يرفع سقف مطالب المعارضة.. ويدعو الفصائل إلى الإبقاء على سلاحها

طالب بجدول زمني لعملية الانتقال السياسي.. وبنقل ملف الهدنة إلى مجلس الأمن

رياض حجاب منسق الهيئة العليا للتفاوض بعد انتهائه من مؤتمر صحافي في جنيف أمس أعلن فيه أنه سيغادر وعدد من أعضاء وفد الهيئة بعد تعليق مشاركة المعارضة في المباحثات (إ.ب.أ)
رياض حجاب منسق الهيئة العليا للتفاوض بعد انتهائه من مؤتمر صحافي في جنيف أمس أعلن فيه أنه سيغادر وعدد من أعضاء وفد الهيئة بعد تعليق مشاركة المعارضة في المباحثات (إ.ب.أ)
TT

رياض حجاب يرفع سقف مطالب المعارضة.. ويدعو الفصائل إلى الإبقاء على سلاحها

رياض حجاب منسق الهيئة العليا للتفاوض بعد انتهائه من مؤتمر صحافي في جنيف أمس أعلن فيه أنه سيغادر وعدد من أعضاء وفد الهيئة بعد تعليق مشاركة المعارضة في المباحثات (إ.ب.أ)
رياض حجاب منسق الهيئة العليا للتفاوض بعد انتهائه من مؤتمر صحافي في جنيف أمس أعلن فيه أنه سيغادر وعدد من أعضاء وفد الهيئة بعد تعليق مشاركة المعارضة في المباحثات (إ.ب.أ)

في حين نشطت الاتصالات الدولية لإنقاذ محادثات جنيف غير المباشرة بين السوريين من الفشل المحدق، بعد أن أعلن وفد الهيئة العليا للمفاوضات، مساء أول من أمس، «تعليق» المشاركة فيها، ورفع رئيس الهيئة العليا سقف المطالب التي تصر عليها، واعتبر أن المفاوضات «بحكم المنتهية»، قرن رياض حجاب القول بالفعل، وقال، لـ«الشرق الأوسط»، في المؤتمر الصحافي الذي عقده ظهر أمس في فندق «إنتركونتيننتال» القريب من قصر الأمم، إنه سيغادر جنيف، وكذلك سيفعل كثير من أعضاء الهيئة، بحيث لا يبقى في المدينة السويسرية سوى أفراد قليلين لمناقشة عدد من المسائل التقنية. كذلك أفادت أوساط بأن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا غادر جنيف إلى إيطاليا «لأسباب خاصة»، رفضت الكشف عنها، كما رفضت تحديد موعد عودته منها. وبالنظر إلى التدهور الميداني الكبير في الهدنة، فقد عقدت اللجنة الدولية المولجة متابعة وقف العمليات القتالية اجتماعا مطولا في قصر الأمم بعد ظهر أمس، لتقويم الموقف بناء على طلب دي ميستورا الذي غاب عنها وبرئاسة مشتركة من المندوبين الأميركي والروسي.
واستفاد حجاب من المؤتمر الصحافي الذي غطته وسائل إعلامية كثيرة عربية وعالمية، لتبرير قرار الهيئة تعليق المشاركة في المحادثات، ولتوجيه مجموعة من الرسائل إلى الداخل السوري ولرعاة الهدنة «واشنطن وموسكو»، ولمجموعة الدعم لسوريا ومجلس الأمن والجامعة العربية. وتميزت كلمة منسق الهيئة العليا للمفاوضات بالسقف العالي، معتبرا ومشددا على أن وفد المعارضة جاء إلى جنيف لتحقيق عملية الانتقال السياسي وتشكيل الهيئة التي سيناط بها الإشراف عليها، وليس لإضاعة الوقت وتغطية الاستمرار في قتل الشعب السوري تحت ستار الهدنة التي قال عنها جازما «إنها انتهت»، وإن الهيئة تعلق مشاركتها في المحادثات حتى تحقيق المطالب التي ترفعها.
وقالت مصادر دبلوماسية غربية، لـ«الشرق الأوسط»، تواكب التطورات الحاصلة في جنيف، إن قرار الهيئة «مبني على حسابات»، وهي تعرف أن البحث عن مخرج سياسي للحرب «لا يمكن أن يتم من خلال الالتفاف عليها وعلى ما تمثله، وبالتالي فإذا كانت الأسرة الدولية وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة الأميركية تريدان حقيقة الوصول إلى هذه التسوية في سوريا، فعليهما الاستماع إلى ما تطلبه الهيئة والاستجابة لطلباتها». وتضيف هذه المصادر أن الهيئة تعي أنه من غير مشاركتها «لا محادثات ولا مفاوضات ممكنة». وبالمقابل، فإنها محقة فيما تطرحه، خصوصا أنه «لا يمكنها أن تبقى مكتوفة اليدين إزاء التصعيد الميداني وغياب التقدم في ملف إيصال المساعدات الإنسانية ومعالجة ملف الأسرى والمعتقلين والمغيبين، وكذلك في الملف السياسي، وإلا فإنها ستفقد مصداقيتها والصلة ببيئتها الحاضنة المدنية والعسكرية على السواء».
وردا على الذين يعدون أن قرار الهيئة «متسرع»، وأنها لا يمكن أن تعتمد على إحداث تغيير ميداني للعودة إلى طاولة المحادثات مجددا في وضع أفضل، قالت مصادر معارضة سياسية وعسكرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيئة «تستخدم ورقة الضغط الأقوى سياسيا والموجودة بين يديها لحمل الأطراف الدولية على التحرك» التي هي ورقة المشاركة في العملية السياسية، لكن ليس في أي شروط. ومن جانب آخر، قالت مصادر عسكرية إن نقطة الضعف لدى قوات النظام والقوى الرديفة له أنها «وإن استطاعت السيطرة على بعض القرى والمناطق إلا أنها عاجزة عن إبقاء سيطرتها عليها»، مضيفة أن قوى المعارضة «تستطيع الصمود ولديها الإمكانيات، كما أنها تلقت وعودا بالدعم والمساندة» من غير الإفصاح عن المصادر التي تعول عليها.
بيد أن المصادر الغربية، رغم تفهمها لمطالب المعارضة، تحذر من التفريط بالهدنة وتذكر بأن الحصول عليها «لم يكن سهلا». كما أنها تذكر بأن عودة الحرب إلى جميع الجبهات سيعني «دورة جديدة من العنف واستحالة العودة إلى طاولة المحادثات قبل مرور أسابيع أو أشهر»، بالنظر إلى ما تطلبته الهدنة الحالية من اجتماعات واتصالات من جنيف إلى فيينا ونيويورك. كذلك، فإنها تنبه إلى أن الطرف الأميركي «سيكون أقل حضورا واستعدادا لبذل الجهود كلما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي»، بما يوفر من «إغراءات» لروسيا، للاستفادة من الغياب الدبلوماسي الأميركي.
وقالت أوساط غربية في جنيف إن «التواصل بين واشنطن وموسكو قائم ومكثف» منذ الاتصال الهاتفي بين الرئيسين أوباما وبوتين ليل أول من أمس، الذي تركز على ضرورة المحافظة على الهدنة. كذلك ينشط المندوبون الغربيون والعرب في لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، التي عقدت بعد ظهر أمس، اجتماعا مطولا للنظر فيما يتعين القيام به من أجل احتواء التصعيد الخطير الذي اجتاز أمس عتبة مأساوية، بعد الهجوم الدامي على معرة النعمان. ويبدو أن واشنطن وموسكو ليستا على الخط نفسه، إذ إن الناطق باسم البيت الأبيض جوش أرنست وصف الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأميركي والروسي بأنه كان «حوارا حادا»، مما يعني في اللغة الدبلوماسية أنهما لم يكونا متفقين في المقاربة.
ماذا طلب حجاب أمس؟ بداية عرض منسق الهيئة العليا للمفاوضات الوضع المأساوي السائد، منذ انطلاق الهدنة في 27 فبراير (شباط)، على الصعد الإنسانية: 6.5 في المائة من المساعدات فقط وصلت إلى المناطق المحاصرة التي زاد عددها، وداريا لم يصل إليها شيء. كذلك زاد عدد المعتقلين، ولم يحصل أي تقدم على صعيد السجناء والمغيبين والمعتقلين، ولم يخرج من السجون أي من الـ230 ألف معتقل، لا بل إن أعدادهم ازدادت. وبخصوص داريا، قال حجاب إن الوزير كيري وعده بدخول المساعدات إليها منذ شهر فبراير وحتى الآن لم يحصل أي شيء. والغريب في نظره أن 60 في المائة مما وصل إلى الغوطة الشرقية كان كناية عن مواد تنظيف وليس أدوية أو مساعدات غذائية.
أما ميدانيا، فقد سقطت الهدنة فعليا. وسياسيا، فقد قدم وفد الهيئة العليا لتحقيق عملية الانتقال السياسي وقدم 17 مذكرة ووثيقة للمبعوث الدولي، بينما وفد النظام يتهرب ويماطل ويحلق في المبادئ. ومقابل «الخيار الاستراتيجي»، التزمت المعارضة بمكونيها السياسي والعسكري بسلوك طريق الحل السياسي، إلا أن النظام «يستفيد من المحادثات التي يستغلها لأعمال إجرامية بدعم من إيران وروسيا».
إزاء هذا الوضع، طلب حجاب أولا أن يفي الراعيان الأميركي والروسي بالتزامهما المحافظة على الهدنة. وبموازاة ذلك، حث المبعوث الدولي على نقل ملف الهدنة المنهارة إلى مجلس الأمن الذي يتعين عليه أن يجتمع، وأن يعيد النظر في كيفية فرض تنفيذ الهدنة، من خلال إرسال مراقبين دوليين تكون مهمتهم الإشراف على احترام وقف الأعمال العدائية و«محاسبة من يخرقها». ولم يفت حجاب توجيه انتقادات إلى الجامعة العربية التي لا تقوم بما ترتبه عليها مهمتها.
وإذ دعا المنسق العام المبعوث الدولي إلى «وضع جدول زمني لتحقيق عملية الانتقال السياسي» التي تفهمها المعارضة على أن لا دور للرئيس الأسد فيها وفي مستقبل سوريا «لأنه نظام مجرم»، ولأن المعارضة «لا تقبل بعملية سياسية تطيل عمر النظام»، فإنه بالمقابل توجه إلى الدول الداعمة للمعارضة لحثها على توفير الدعم للفصائل المقاتلة ولو بنسبة 50 في المائة مما توفره روسيا وإيران للنظام. وناشد واشنطن أن «تتحمل مسؤولياتها، إذ الكلام والمساعدات الإنسانية وحدها لا تكفي»، مضيفا في رسالة مشفرة وموجهة إلى واشنطن أن «منع السلاح عن المعارضة بينما النظام يكسب أراضي جديدة ليس من شأنه المحافظة على الهدنة». وكشف مصدر عسكري، لـ«الشرق الأوسط»، أن السلاح والعتاد لم يعد يصل إلى المقاتلين بحجة وجود الهدنة، بينما إيران ترسل قوات النخبة وغيرها من فرق، لتعزيز حضورها ومساندة قوات النظام. وفي أي حال، رأى أن روسيا وإيران «ضالعتان في جرائم الأسد». وفي كلمة موجهة إلى الداخل لشد أزره، قال حجاب إن المعارضة المسلحة «ستستمر في القتال مهما كانت الظروف ولن تستسلم»، مضيفا في رد له لـ«الشرق الأوسط»، أن للمعارضة «كثيرا من البدائل التي ستنهي النظام السوري». كذلك سعى لطمأنته لما تعمل المعارضة على إنجازه من خلال المحادثات، وهو فك الحصار عن المدن والقرى والمناطق المحاصرة وإدخال المساعدات وإطلاق المعتقلين، ووقف القصف وعمليات التهجير القسري والإعدامات التعسفية، وكلها مطالب يرهن بها عودة الهيئة العليا للمفاوضات إلى طاولة المحادثات.
هل ستتحقق هذه المطالب؟ كثيرون في جنيف لا يبدون كثيرًا من التفاؤل، ويرون، أكثر من أي وقت مضى، أن مصير الهدنة ومعها المحادثات ثم المفاوضات مرهون بمدى الضغوط التي يمكن لواشنطن أن تمارسها على موسكو.. لكن هذه قصة أخرى.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.