مقتدى الصدر لـ {الشرق الأوسط}: الإرهاب هو الحاكم في العراق

أكد أن العلاقة مع السعودية «مقدسة» وأقر بتدخل إيران في البلاد

مقتدى الصدر {الشرق الأوسط}
مقتدى الصدر {الشرق الأوسط}
TT

مقتدى الصدر لـ {الشرق الأوسط}: الإرهاب هو الحاكم في العراق

مقتدى الصدر {الشرق الأوسط}
مقتدى الصدر {الشرق الأوسط}

قبيل الوصول إلى منزله في حي «الحنانة»، وهو من الأحياء النجفية العريقة، نمر بجانب شاهد عبارة عن منارة صغيرة بنيت من المرمر الأبيض تتصدره صورة آية الله محمد محمد صادق الصدر، ونجليه مؤمل ومصطفى. هنا في هذا المكان بالذات تم اغتيال السيد الصدر ونجليه في 14 فبراير (شباط) 1999.
يقول مرافقي لي، وهو شاهد عيان، واصفا الحدث: «كانت سيارة القتلة، من نوع (أولدزموبيل)، تتربص بهم هناك عند زاوية الشارع، وما إن استدارت سيارة السادة في طريقهم إلى بيتهم حتى انهال عليهم الرصاص من كل جانب، فجنحت السيارة واصطدمت بشجرة سدر كانت في المكان، وفر المجرمون». وأشار إلى أن «قصي صدام حسين (نجل الرئيس الراحل) كان مسؤول جهاز الأمن الخاص، وهو من خطط وأشرف على تنفيذ الجريمة»، حسب قوله.
نجتاز بوابة يقف عندها اثنان من الحراس، علما بأن الحراسة ليست مشددة، بل بسيطة قياسا بحراسات شخصيات حكومية أقل وزنا. يستقبلنا مساعده السيد عون، وهو شاب نبيه ولبق، يرتدي الزي الإسلامي والعمامة السوداء ليقودنا مباشرة إلى بيت السيد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، الذي استقبلنا بحفاوة وابتسامة خففت الكثير من معاناة التوقعات المسبقة لأول لقاء بيني وبين الزعيم الشيعي الشاب، الذي خص «الشرق الأوسط» بأول حوار مطول له لصحيفة عربية هي.
الصالة تتصدرها صورتا عمه آية الله محمد باقر الصدر، المفكر الإسلامي والأب الروحي لحزب الدعوة، الذي جرى إعدامه في مساء يوم 9 أبريل (نيسان) 1980 مع شقيقته بنت الهدي بأمر من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وصورة والده الراحل آية الله محمد محمد صادق الصدر. ما يميز الحديث مع زعيم التيار الصدري هو بساطته، فهو يقول ما يؤمن به مباشرة، وتقشفه في الإجابة وكذلك في أثاث بيته وحياته، حتى إنه يشعر المتحاور معه بالراحة مختصرا المسافة أمامه. وما يجعله مختلفا أنه نجل المرجع العراقي العربي الوحيد بين مراجع خلفياتهم إيرانية وباكستانية وأفغانية.. وفي هذا الحوار كشف الصدر عن خطورة الأوضاع بروح ليست متفائلة.
وفي ما يلي نص الحوار:

* كيف ترى الأوضاع في العراق.. وإلى أين تمضي في اعتقادكم؟
- قلت.. وما زلت أقول إن الأوضاع في العراق في خطر.. وليس العراق اليوم في قمة الخطر وحسب، بل إن هناك ما هو أكثر من ذلك مقبل على العراق. فالعراق بات الآن أسير الإرهاب، وأسير التشدد والعنف. فالحاكم في العراق هو الإرهاب والسيارات المفخخة والقتل والدم، وليس من أي شيء يحكم وليس من قوانين سوى الموت هو الذي يحكم.. هذا هو العراق وهذه هي أوضاعه.
* كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد.. ومن قادها إلى هذا الوضع؟
- برأيي سبب ذلك هو عدم وجود شخصية أبوية حاكمة.. لو كان هناك حاكم أب راعٍ لكل أطياف المجتمع لما آل الوضع إلى ما هو عليه.. بالإضافة إلى السبب الرئيس وهو «هدام» (صدام حسين) والاحتلال.
* أنتم من أوصلتم من يحكم العراق اليوم، ولنسمِّه نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، إلى الحكم للمرة الثانية، واليوم تتحدثون ضده؟
- نعم، هذا صحيح.. فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم.
* ما وجه الاضطرار في الموضوع؟
- حاولت أن يتم تكليف غيره لرئاسة الحكومة.. حاولت في سوريا أن يتم تكليف الدكتور إياد علاوي ولم ننجح.. حاولت أن يتم تكليف الدكتور عادل عبد المهدي (القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي ونائب رئيس الجمهورية السابق) ولم ننجح، وحاولت مع أطراف أخرى وأيضا لم ننجح حتى إنه تمت تسميتي بصانع الملوك. كان مجيئه واقعا.. كان هناك ثوب وألبسوه إياه.. بل كان تقريبا قد لبسه وأنا أتممت إلباسه له.
* هل كانت هناك ضغوط خارجية دفعت إلى اختيار المالكي لرئاسة الحكومة؟
- ضغوط بالمعنى الحقيقي؟.. لا.. وإنما ومثلما قلت لكم هو اضطرار.. وليس هناك أفضل من وصف الاضطرار لأنه صارت علي ضغوط عامة حتى من قبل الشعب.. وقيل إن من يؤخر تشكيل الحكومة هو مقتدى، لهذا اضطررت إلى أن لا أكون في مواجهة الشعب وأن أتهم بتأخير الحكومة، لهذا اضطررت إلى أن أختار ما هو موجود (هلموجود) إن جاز التعبير.
* هل تعتقدون أن المالكي سيبقى لولاية ثالثة كرئيس للحكومة؟
- سيبقى.. مع هذا الوضع الشعبي والوضع السياسي سيبقى ولمدى الحياة.
* مع أن الوضع الشعبي يبدو ضده (المالكي)؟
- يبدو ضده.. لكن في الحقيقة هناك معطيات أخرى غير الوضع الشعبي.. هناك مفوضية الانتخابات، وهناك الأعوان، وهناك الدعم الخارجي، ودعم داخلي.. هناك أمور كثيرة ومقومات أخرى تقوم الحكومة وليس فقط الشعب، هذا ما عدا وجود المخططات السياسية، وقد يتعاون مع الأكراد من جديد، ويتعاون مع (أسامة) النجيفي من جديد، ويتعاون مع (العرب) السنة من جديد، وقد تحدث قصة جديدة ويحصل من خلالها على الأصوات من أجل أن يبقى. هذا ما أقوله أنا.. وأرجو أن تكتب ذلك وتثبته، هذا إذا قامت انتخابات برلمانية في العراق من أصله، مرة أخرى وفي موعدها.. قد يتم تأجيلها وقد تؤجل إلى أجل غير مسمى. وقد تحدث أمور أخرى.
* هل تعتقدون أنه مثلا قد تفرض أحكام عرفية أو طوارئ في العراق تمكن المالكي من البقاء في الحكم من دون الحاجة إلى الانتخابات؟
- أحسنت.. هي هذه الأمور الأخرى.. وما قد يترتب على إلغاء الانتخابات فأنت كإعلامي تعرف.
* لكن بعض المراقبين يقولون إن الحكومة القادمة سيشكلها التيار الصدري.. ما رأيكم في ذلك؟
- إذا كتب للتيار الصدري تشكيل الحكومة القادمة بروح وطنية وبروح أبوية فأنا معه، وإلا فأنا ضد التيار الصدري إذا اقترف هذه الذنوب التي تقترفها الحكومة اليوم. أنا لست صاحبا (صديقا) لأحد، أنا صاحب الشعب العراقي.. أنا صاحب العراق. إذا العراق استفاد فأنا معه وإذا لا.. فلست معه. أنا معروف عني أستنكر وأصدر تعليمات كصاكيص (أي الأوراق القصيرة المقصوصة) ضد من ينتمي إلي أكثر مما أصدرها بحق الآخرين.
* ما قصة اعتزالكم للعمل السياسي ومن ثم عودتكم عن هذا القرار؟
- هذا من اليأس.. ليس اعتزالا من العمل السياسي، بل من اليأس.. المثل يقول اليد الواحدة لا تصفق. أنا أسمع الكثير من الملاحظات والتعليقات ضدي مثل: أنت صرت ضد الشيعة، أو أنت تغرد خارج السرب، أو يصفونني بأني أمشي خارج القواعد السياسية والقانونية. أنا أمشي مع القواعد الشعبية، مع القواعد الإلهية. الذي أجده يمليه علي ضميري وقواعد الشعب ومخافة الله أنفذه. هناك عجلة تقدم خارجية وداخلية في العراق، وأنا صرت عصا في داخل هذه العجلة، ويريدون أن يكسروني ولا يستطيعون ذلك.
* ما المسافة بينكم كتيار وبين الهيئة السياسية وكتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري البرلمانية؟
- العلاقة جيدة لكن انتقاداتي مستمرة للبعض الذي يقصر في عمله ولمن يسيء، وهذا موجود، ونحن لا نقول إن كتلة الأحرار البرلمانية أو الهيئة السياسية معصومة من الخطأ، ولعلي أستطيع القول إنها أقل سوءا من الآخرين.
* هل هناك فساد مالي في التيار الصدري أو الهيئة السياسية أو كتلة الأحرار؟
- لا أخفي عليك، أنا أبحث وأرصد أي حالة فساد في التيار الصدري أو الهيئة السياسية أو كتلة الأحرار، وإذا اكتشفت وجود فساد فسوف أكشفه للعالم اليوم قبل الغد.
* ما قصة استقالة قصي السهيل، نائب رئيس البرلمان وقيادي في التيار الصدري، وعودته؟
- نحن نسميها «طنة».. يعني زعلة خفيفة، وعاد، وليس هناك أي إشكال، لكننا نتمنى منه أن يكون جادا في عمله أكثر، ونافعا للمجتمع أكثر، هذا ما نريده منه.. أنا شديد معهم، وأضغط عليهم كثيرا، وهذا يعرفه عني المقربون مني، لهذا هم ينفرون قليلا.
* هل تتابعون تفاصيل عمل ونشاط ورواد التيار الصدري أو كبار المسؤولين منهم؟
- ليس جميعهم، لكني أتابع بعضهم بالتفاصيل، ولا أخفي عليك أتابع محافظ بغداد أولا بأول وبالتفاصيل المملة.
* هل اكتفيتم بدراستكم الحوزوية أم ستعود إليها في قم؟
- أنا اكتفيت ولكن فوق كل ذي علم.. عليم، امنحني الفرصة والوقت وسأواصل الدراسة، لكن مشكلات العراق ومشكلات شعبنا والمشكلات السياسية قد ألهتني عن مواصلة الدراسة، إضافة إلى وجود ظروف اجتماعية أخرتني عن الدراسة.
* هل ستتصدى للمرجعية (أن تكون مرجعا)؟
- أقول لك هم وأنا بهذا الوضع لا يتحملونن،ي فكيف إذا بي أتصدى للمرجعية وأصير مرجعا دينيا؟ بالتأكيد هذا هدفي، وهو أن أكون مجتهدا (فقهيا)، والتصدي للمرجيعة هو غير الاجتهاد، فعلى الأقل أن أكون إماما ربيا (منضبطا)، أموري في الاجتهاد الفقهي، أما المرجعية فهذا أمر آخر.
* الفقه الشيعي لا يميز بين مرجع عربي عراقي وآخر غير عربي وليس عراقيا، ولكن لماذا ليس هناك مرجع شيعي عربي عراقي؟ أم أنه ليس من حقنا أن نطرح مثل هذا السؤال؟
- بالتأكيد من حقكم. وإجابة على سؤالكم أقول إن ظروف العراق هي التي حتمت هذه الأوضاع، ففي إيران مثلا هناك استقرار أمني، والظروف مهيأة للدراسة، وأنا اطلعت وعشت نظامهم الحوزوي في إيران، وهو نظام رائع حيث هناك انسيابية في الدراسة، يمضي الدارس في دراسته حتى يصير مجتهدا. هنا (في النجف) هناك آلاف العراقيل حتى يصير الشخص طالب حوزة وليس حتى يكون مجتهدا، مجرد لبس العمامة يواجه المئات من العراقيل، هنا نحتاج إلى انسيابية. ثم إن هناك في إيران يوجد رأس هرم بينما هنا في العراق رأس الهرم هذا تقريبا غير موجود، كل واحد يجر نحو جهة معينة، هذا يقول أنا من الطرف الفلاني وذاك يقول أنا من الطرف الفلاني، لهذا ضائعة هنا بعض الشيء.
* هل تقصدون برأس الهرم المرجعية؟
- في الحوزة العلمية عامة، بالإضافة إلى الظروف السياسية التي عمت في العراق، الجميع يريد مغنما سياسيا، لم يعد أحد يريد مغنما حوزويا.
* هل لا يزال جيش المهدي الذي هو تحت قيادتكم، موجودا؟
- نعم، لكنه مجمد.
* ما مدى علاقتكم بعصائب أهل الحق، هل لا تزال متوترة؟
- هم الآن (خطية) يأتون إلينا ويجلسون معنا ويعودون إلى صفوف التيار ويوحدونها، لا يوجد عصائب، بل يتركون العصائب ويعودون إلى التيار وينضمون إلينا إذا جاز التعبير، وما بقي من العصائب صارت أقرب للحكومة، ولنسمِّها ميليشيات مدعومة.
* مدعومة مِن قبل مَن؟
- من قبل الحكومة، وهذا أمر أنا لا أقبله.
* ما دمت تحدثت عن الحكومة، نسألكم عن مدى رضاكم عن أدائها، فالشعب العراقي خرج في المحافظات الجنوبية قبل أكثر من أسبوع يهتف «لمن نشتكي؟.. كلهم حرامية»، ويعنون الحكومة أو ربما البرلمان.
- لكن الشعب لم يوحد صفوفه في المظاهرات، ولو وحد صفوفه كان حصل على نتيجة. أما إذا كنت تسألني عن أداء الحكومة فأقول إذا كان هناك أداء فأنا أقيمه، لكن إذا لم يوجد أي أداء فكيف لي أن أقيمه؟
* لا يوجد هناك أي أداء باعتقادكم؟
- لا، ليس هناك أي أداء.. الأداء الوحيد للحكومة هو الحفاظ على الكرسي فقط، وقد نجحوا فيه ولله الحمد.
* وما هدفهم من الحفاظ علي الكرسي؟
- هو الكرسي هدفهم.. الحفاظ على الكرسي صار هدفا.
* وماذا عن الفساد؟
- لا نستطيع أن نصف ما يحدث بالفساد، إذا عندكم وصف أكبر من هذا سيكون ذلك أفضل. أنا لا تحضرني الآن كلمة أخرى، لكن إذا عندك كلمة أكبر أرجوك أن تقولها.
* الشعب وصفهم بتلك الصفة علنا وفي مظاهرات كبيرة، وهذا باعتقادنا وصف قاسٍ جدا.
- الشعب من حقه.. ومن حقه أن يطلق أي وصف، لكن الحكومة مشلولة ولا تستطيع أن تفعل أي شيء.
* من أقرب لكم من بين الكتل والتيارات السياسية في الساحة العراقية؟
- إن شاء الله كلهم قريبون منا.. علاقتنا جيدة مع الأكراد، وعلاقتنا مع المجلس الأعلى الإسلامي (بزعامة عمار الحكيم) أعتبرها جيدة جدا وتربطنا بهم أفضل العلاقات، وكذلك مع القائمة العراقية وبعض أعضائها، وخصوصا مع الدكتور إياد علاوي، حيث تربطنا به علاقة جيدة، ومع دولة القانون (بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي) أحاول أن أطور العلاقات معهم، لكنّ هناك جدارا عاليا وقويا لم نستطع اختراقه، لكن هناك علاقات تربط بعضنا ببعض أعضاء الكتلة.
* هل هذا الجدار سياسيا.. أم سببه محاولة السيطرة على النفوذ الشيعي؟
- سياسي، جدار سياسي، ولا علاقة للشيعة به، بل العكس إن أعضاء كتلة دولة القانون ورئيسها هم من حزب الدعوة، وهذا يعني أنهم من جماعة عمي (محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة)، ووالدي (محمد محمد صادق الصدر)، ودائما أنا أكرر المقولة التي تقول: «حكمت فينا رعايانا».
* هل تعتقدون أن حزب الدعوة الذي يقوده اليوم المالكي هو ذاته الذي أسسه عمكم من أجل العدالة والقيم النبيلة؟
- هم (كتلة المالكي) يقولون هذا وليس أنا. يقولون إن هذا هو حزب الدعوة الذي تأسس في أحضان الشهيد الأول، محمد باقر الصدر، والشهيد الثاني، محمد محمد الصدر.
* وماذا تقولون أنتم؟
- لقد تغيرت الكثير من قواعده ومبادئه، لكن هناك القدماء من أعضاء حزب الدعوة أشهد لهم بروحهم الوطنية وإخلاصهم لكنهم للأسف غير مسيطرين على مقاليد الحزب، بل تم إبعادهم عن الواجهة وسيطر أشخاص جدد على الحزب وغيروا بعض المبادئ، ومع ذلك أتمنى لهم التوفيق.
* هل أنتم من وصفتم حزب الدعوة بالحزب الحاكم؟
- نعم، ولو مجازا، نعم هو الحزب الحاكم.
* ما رأيكم بتجربة إقليم كردستان العراق مع الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟
- لقد شهد دوليا بشفافية هذه الانتخابات، وما داموا حصلوا على هذه الشهادة فأدعو لهم بالتوفيق من الله لتحقيق الديمقراطية الحقيقية.
* وما رأيك بتجربة إدارة الإقليم والممارسات الديمقراطية هناك؟
- يحتاجون إلى القليل من الانفتاح لأن الأمور لا تأتي دفعة واحدة، ونيجيرفان بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، صديقي وهناك اتصالات مستمرة بيننا، وهو يحاول أن يصلح ويبني ويعمر ويبدع بكل جهده. هناك في أربيل عمل متواصل وعلاقات طيبة بين الشعب والحكومة، إذ إنهم يحاولون تقديم إنجازات كبيرة، لكن هنا، في باقي مناطق العراق، لا يوجد هذا الشيء.
* باعتقادكم لماذا لم تحاول بغداد الاستفادة من تجربة الأكراد في إقليم كردستان لبناء وتطوير العراق. هل سببه تعالٍ على تجربة الأكراد؟
- بل سببه الصراع السياسي. لقد أخبرني الدكتور برهم صالح، نائب رئيس الحكومة العراقية ورئيس حكومة إقليم كردستان سابقا، بأنه بعث بشركة كي تقيم مشروع لإنتاج الطاقة الكهربائية في النجف لكنهم رفضوا، وقال لي (صالح) لقد قلنا لهم سنقيم هذه المحطة مجانا لأهالي النجف لكنهم رفضوها ورفضوها بقوة حتى لا يحسب هذا إنجازا للأكراد.
* باعتقادكم من المسؤول عن إهدار الدم العراقي.. أطفال مدارس ومجالس عزاء ومساجد وحسينيات.. قتل يومي للعراقيين الأبرياء من الشيعة والسنة والمسيحيين والصابئة واليزيديين وغيرهم من العرب وغير العرب؟
- الجميع مسؤولون عن هذا الدم ودون استثناء.. لكن هذه المسؤولية تتفاوت درجاتها ما بين القيادة والشعب والمرجعية والحكومة والجهات الأمنية والمخابرات والاستخبارات وغيرها.
* إذا أردنا أن نحاسب المسؤول عن إهدار الدم العراقي، باعتقادكم سنحاسب من؟
- في الأساس كانت مسؤولية صدام (حسين)، ولكن ليس من المعقول أن نصحح الخطأ بالخطأ، وأنا دائما أذكر قصة وجود فأر في البيت وأرادوا التخلص منه فأتوا بقطة، ثم تحولت القطة إلى مشكلة فجاءوا بكلب للتخلص منها، وتحول الكلب إلى مشكلة فاتوا بفيل لإخراجه، لكن الفيل هو الآخر صار مشكلة كبيرة فاضطروا إلى جلب فأر ليتخلصوا من الفيل، هذا ما يحدث في العراق اليوم، وهو حل السيئ بالأسوأ. والمسؤولون الأمنيون، القائد العام للقوات المسلحة، ووزارتا الدفاع والداخلية، وبقية القادة الأمنيين، هم من يتحمل المسؤولية، لكن علينا أن لا نحملهم كل المسؤولية.
* وماذا عن العامل الخارجي في هذا الشأن؟
- هذه ملاحظة جيدة، نعم، العامل الخارجي يتدخل في هذا الموضوع بقوة، ويؤثر على الأوضاع الداخلية سلبا.
* هل فعلا أن إيران تتدخل بالشأن الداخلي العراقي؟
- بالتأكيد. وإيران تعترف ولا تخفي هذا الموضوع، فالكل يسعى لدعم دولته، ومعروف أن السيطرة على العراق هو دعم لإيران وسياستها.
* وماذا عن تركيا، هل تعتبرون تدخلها سلبيا في الشأن العراقي؟
- كلا.. لا أعتبر تدخلها سلبيا في الشأن العراقي. تدخلت في المظاهرات الغربية الموصلية والأنبارية والسامرائية وغير ذلك لم تتدخل في الشأن الداخلي.
* بهذه المناسبة كيف تنظرون إلى هذه المظاهرات، أعني مظاهرات المحافظات الغربية؟
- شعبية وشرعية ما دامت سلمية.
* هل تدعمونها؟
- أدعمها بالكلام، معنويا، أنا أيضا لي مظاهراتي وهي محتاجة إلى دعمي.
* ألا يمكن توحيد مظاهراتكم مع مظاهرات المحافظات الغربية؟
- لا.. كون مناطقهم بعيدة عن مناطقنا، يعني فرض علينا التقسيم الطائفي على الرغم منا.
* بسبب العامل الجغرافي فقط؟
- بسبب العامل الجغرافي وأيضا لخوفهم من التشدد السني أكثر مما أنا أخاف من التشدد الشيعي. وأرجو أن يكونوا أكثر شجاعة بوجه التشدد السني، أنا عندما أجد متشددا شيعيا أعلنه وأقول هذا متشدد، هم أيضا عليهم أن يستنكروا التفجيرات التي تحدث بحق الشيعة ويقولون هذا خطأ، ولست وحدي أقول إن تفجير الأماكن السنية خطأ، وعندما يساء إلى عمر أخرج. وأقول هذا خطأ.. وعليهم أن يقولوا من الخطأ شتم الإمام علي. لقد تم الإساءة إلى الإمام علي في المساجد السنية، ولم يظهر شخص شجاع ويقول هذا خطأ، لكني، وليس مدحا لنفسي، شجاع وأخرج واستنكر الإساءة إلى عمر.
* موقفكم باستنكار الإساءة إلى عمر مؤخرا، هل قدره العراقيون من الشيعة والسنة؟
- هذه مسألة طائفية وقلت تحل من قبل العقلاء.
* ألا تعتقدون أنه يجب تشريع قانون يمنع الإساءة إلى الأئمة والخلفاء والصحابة؟
- القانون هو من العقلاء، ليتم تشريع قانون بهذا الاتجاه.
* كيف تنظرون إلى قرارات منع المظاهرات؟
- هل هناك قرارات بمنع المظاهرات؟
* نعم، منعوا المظاهرات ببغداد عدة مرات.
- علنا؟؟!
* نعم.
- هذا قرار غير ديمقراطي ومنافٍ للحريات وفيه قمع للشعب العراقي.
* من الغريب أن التيار الصدري لم يدعُ لأية مظاهرات خلال الفترة القريبة الماضية!
- نحن دعونا إلى مظاهرات مليونية مرات كثيرة حتى تعبنا، وكما يقال: «اللي علينا سويناه». لا أريد أن يتحمل التيار الصدري كل شيء، فهو جزء من الشعب، وقد تكون هناك آراء أخرى لشعبنا ولا نريد مصادرتها بمظاهراتنا، وإذا الشعب العراقي توحد فأنا معه تماما، وإذا خرجت مظاهرة مليونية وليس بينها التيار الصدري عند ذاك اسألني.
* التيار الصدري جهة معارضة ويؤيدها غالبية كبيرة من العراقيين ومن كلا المذهبين، هل تحاولون تحويله إلى تيار عام بعيد عن المذهبية بحيث يضم الشيعي والسني والكردي وغير المسلم؟
- أولا يجب أن تكون هذه المعارضة بناءة وليست هدامة، الأمر الثاني هو أننا لن نتخلى عن إسلاميتنا، ولكن أن لا نكون فقط للمسلمين، وهذا من أكبر الأخطاء، فإسلاميتنا أبوية وتمارس أبوتها على الإسلامي وغير الإسلامي، وتيارنا أبوي، وأكررها، أبوي، ويلم الجميع بلا استثناء، سواء كان إسلاميا أو غير إسلامي، علماني مدني أو تنويري، مسلم أو مسيحي أو من أي دين، يجب أن يجتمع كل هؤلاء تحت عباءة التيار والرسول محمد (ص) أول من جمع الطوائف والأديان ولم يفرق بينهم أبدا.
* هل تطبق المرجعية الدينية هذه الأبوة؟
- إن شاء الله، ولو أنني لست ناطقا باسم المرجعية، وهي الآن في منأى عن السياسة في العراق.
* علاقاتكم العربية منحسرة. ما السبب؟
- أين هم العرب؟ كلهم منشغلون بثورات الربيع العربي تقريبا، عندنا مشروع لزيارة البحرين للتقريب بين وجهات النظر وإبعاد شبح الفتنة إن شاء الله، أما السعودية فهي من الدول المقدسة بالنسبة لنا وفيها مكة والمدينة المنورة.
* هل عندكم حل للوضع في البحرين؟
- سأحاول وأسعى ولا أعد الآن بشيء، والتوفيق من الله.
* باعتقادكم، ما سبب التكريس للطائفية في العراق وغيره؟
- هذه خطط أميركا وإسرائيل وبريطانيا، لم ينفعهم احتلال العراق حيث أخرجناهم من أراضينا فلجأوا إلى الطائفية لإضعافنا والسيطرة علينا، وبالفعل الطائفية شتتنا.
* من أخرج القوات الأميركية من العراق؟
- المقاومة العسكرية.. كل المقاومة العراقية السنية والشيعية. كل العراقيين قاوموا الاحتلال.
* المالكي يقول هو من أخرج القوات الأميركية.
- هذا رأيه، وليقل ما يريد.
* هناك معتقلون من التيار الصدري، ماذا جرى لهم؟
- نعم، لدينا معتقلون حتى يومنا هذا، والمشكلة أنه لم يتم تقديمهم للمحكمة ولم توجه إليهم أية اتهامات، ولو كانوا متهمين وهناك أدلة ضدهم لا أقف معهم. أنا أريد الأبرياء والمقاومين يخرجون من المعتقلات، مهاجمة دبابات الاحتلال ليست تهمة، بل هي مقاومة على الرغم من أن رئيس الوزراء قال ليس هناك مقاومون، لكن أحد رجال القانون سلمني ملفات بعض المقاومين الذي كتب على ملفه أن تهمته هي استهداف دبابة أميركية وتم اعتباره إرهابيا.. هذا عيب.. عيب، حتى أميركا لا تعتبر ذلك إرهابا، وبوش أعتقد قال لو احتل بلدي لقاومت.
* هل ستشاركون في الانتخابات القادمة بزخم قوي؟
- نعم، ولكني أحاول توحيد الصف الشيعي، وإذا تمكنت من ذلك سنشارك في الانتخابات، وأن تقل المساوئ لأن هناك احتمالا كبيرا أن يحدث عزوف من قبل المواطنين من المشاركة في الانتخابات، وهذا أمر مخيف.
* هل تعتقدون أن الحس الوطني انحسر عند العراقيين؟
- جدا.. أنا قلت إن الخوف ليس من الطائفية السياسية، بل إن الشعب يكون طائفيا.
* أنتم تتنقلون ما بين النجف وقم في إيران، فأين تستقر روحك؟
- في النجف طبعا، أرض الأجداد المقدسة.
* هل تشعرون هنا بتهديد أمني؟
- أنا لا أخشى التهديد الأمني، بل أخشى القتل المعنوي وليس القتل المادي.
* ما البرنامج اليومي للسيد مقتدى الصدر؟
- القراءة، ومتابعة الناس بشكل مباشر أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. أحب الرياضة، وخصوصا المشي والسباحة، هنا لا تتوفر لي الفرصة لممارسة الرياضة، وأحيانا أمارس السباحة في قم، وهذا يحدث في أوقات نادرة جدا.
* هل تتواصل عبر «فيس بوك» و«تويتر»؟
- بالتأكيد.
* هل هناك موقع باسمكم؟
- باسمي، لا، هذا موضوع سري لا أقوله لك (يضحك).
* سؤال أخير.. كيف ترى المستقبل القريب للعراق؟
- المستقبل القريب.. سيئ.. وسوف يمضي إلى ما هو أسوأ.



الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.