حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

الباحثون وتلامذة العلامة ومريدوه ما زالوا يكتشفون مزيدًا من إنتاجه

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر
TT

حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر

عجيب هو تراث العلّامة حمد الجاسر، فعلى الرغم من مرور خمسة عشر عامًا على وفاته، ومن التصاق الباحثين بتراثه، فإنهم وتلامذته ومريدوه، ما زالوا يكتشفون بين فترة وأخرى مزيدًا من كتاباته ومقالاته وبحوثه، وذلك على الرغم من جهود مركز حمد الجاسر الثقافي ومكتبة الملك فهد الوطنية، في رصد ما كتبه ونشره منذ أن بدأ - وعمره ثلاثة وعشرون عامًا - يمارس الكتابة في الصحف المحلية والعربية والمطبوعات الثقافية المتخصّصة عبر نحو سبعين عامًا من عمره الذي تجاوز التسعين، فأصدرت المكتبة والمركز كشّافين يضمّان فهارس ما أمكن تتبّعه من مقالاته وبحوثه المنشورة.
تضمّنت الدراسة الببليوغرافية التي أصدرتها مكتبة الملك فهد الوطنية في طبعتها الأولى عام 1995 كشافًا بعناوين 1117 من المقالات والبحوث التي نشرها حتى ذلك التاريخ في المجلات فقط، في حين بلغ إجمالي ما تضمّنته الدراسة نفسها في طبعتها الثانية الصادرة عام 2005 كشافًا بعناوين 640 مقالة وبحثًا بعد أن دمجت المقالات والبحوث المتعددة الحلقات تحت عنوان موحّد، ورصد مركز حمد الجاسر الثقافي في كشافه الصادر عام 2007 ما مجموعه ثلاثة آلاف عنوان لمقالاته وبحوثه، ومع هذا، ظل المركز والمكتبة والباحثون يكتشفون بين الحين والآخر أعدادًا جديدة من المقالات، لم تتضمنها الفهارس المذكورة.
المعروف أن حمد الجاسر ولد عام 1910 في بلدة البرود، الواقعة في ناحية السر من إقليم الوشم في عالية نجد غربي الرياض، وتوفي عام 2000 مستشفيًا في أميركا ودفن بالرياض، أما أقدم كتاباته، فقد بدأ بنشرها عام 1932 في جريدتي «أم القرى» و«صوت الحجاز» - البلاد حاليًّا «وفي مجلة «المنهل»، ثم صار ينشر معظم إنتاجه في صحيفة «اليمامة»، التي أصدرها عام 1953 وهي أول مطبوعة صحافية ظهرت في العاصمة (الرياض) ثم استمر ينشر مقالاته في مجلة «اليمامة» وجريدة «الرياض» الصادرتين عن مؤسسة اليمامة الصحافية، وكان هو أول من تولّى الإشراف على تحريرهما، ثم أصبح يخص مجلة «العرب»، الصادرة عام 1966 عن دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر التي أسسها في ذلك العام أيضًا، بمعظم مقالاته البحثية المعمّقة.
ومن بين الصحف والمجلات التي كانت تنشر مقالاته بالإضافة إلى تلك المذكورة؛ مجلة «المنهل» و«الفيصل» و«المجلة العربية» و«الحرس الوطني» و«القافلة» و«الدارة»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة»، و«الرسالة المصرية»، و«البيان الكويتية»، و«الجزيرة»، و«المسائية»، و«عكاظ»، و«الشرق الأوسط»، و«القصيم»، و«الوطن»، و«الندوة»، و«الحياة»، و«الاقتصادية»، و«المدينة»، وأخبار الظهران»، وصحف أخرى.
قاربت مؤلّفاته 30 عنوانًا منها 6 اشتملت على أكثر من جزء، وفاقت الكتب التي حقّقها 17 عنوانًا منها 4 تتكوّن من أكثر من جزء، وبلغت المؤلّفات التي أشرف على طباعتها وعلَّق على حواشيها 8 كتب، وذلك بالإضافة إلى الإصدارات التي حملت اسمه وظهرت بعد وفاته.
وباستثناء كتاب بعنوان «من أصداء الذكريات؛ علماء عرفتهم ففقدتهم» الذي نسبه الدكتور عبد الله الجبوري (من العراق) إلى حمد الجاسر بعد وفاته بثماني سنوات وصدر عام 2008 وجمع فيه عددًا من مراثي الجاسر ومن ضمنها التراجم، فإنه لم يسبق لموضوع هذه المحاضرة أن تناوله باحث آخر، وذلك على الرغم من أن المراثي والسير والتراجم قد حظيت بقدر كبير من اهتماماته، إذ نشر في أثناء حياته 6 كتب تقوم محتوياتها على سير شخصيات بأعينهم، وقد تضمّن كتاب د. الجبوري مقدمة موجزة تتحدث عن منهج الجاسر في كتابة المراثي والسير، واستخدم فيه - على طريقة الجاسر - صور بعض المراسلات المتبادلة بين الجاسر أو الجبوري من جهة، وبين الشخصيات المترجمة من جهة أخرى، ومن ضمن الأعلام الأربعين الذين أوردهم د. الجبوري في كتابه ممن رثاهم وترجم لهم الجاسر؛ أبو الأعلى المودودي، وخير الدين الزركلي، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وطه حسين، ومصطفى الشهابي (رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق) وعبد القدوس الأنصاري، وعبد الله الخيّال، ومحب الدين الخطيب، ومحمد حسن عوّاد، ومحمد سرور الصبان، ومحمد بن عبد العزيز المانع، ومحمد حسين نصيف، والنجل الأكبر لحمد الجاسر (محمد) الذي توفي في حادث طائرة بلبنان عام 1975.
من مؤلفاته التي خصّصها بالكامل للسير، كتابه (أبو علي الهَجري وأبحاثه في تحديد المواضع، 1968 في 450 صفحة) وهو - كما يقول الجاسر - هارون بن زَكَرِيَّا الهجري الأديب الشاعر والنحوي، صاحب كتاب (التعليقات والنوادر) من أهل هجَر البحرين (الأحساء) عاش في آخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع، عُرف في القديم بطريق علماء المغرب الأقصى كابن حزم، وعن طريق علماء الشرق في الهند كالميمني.
ومثل كتابه «ابن عربي موطّد الحكم الأموي في نجد» صدر عام 1993 وتناول فيه سيرة إبراهيم بن عربي أطول ولاة بني أمية زمنًا في ولايته (32 عامًا) ويقع الكتاب في 300 صفحة.
ومن أطول السير التي كتبها، وإن لم يفرد لها كتابًا مستقلاً، ترجمة إبراهيم بن إسحاق الحربي من علماء القرن الثالث الهجري في مقدمة كتاب «المناسك»، الذي حقّقه الجاسر عام 1969 وقدّم له بمقدمة ضافية (260 صفحة) عن الحربي، ظنًّا منه أنه المؤلف، حتى عدّها البعض كتابًا قائمًا بذاته، وعندما أعاد الجاسر نشر الكتاب عام 1999 حذف المقدمة المذكورة اقتناعًا بنقاش علمي جرى في حينه مع د.عبد الله الوهيبي.
وقد أصدر الجاسر في أثناء حياته كتبًا تقوم محتوياتها على مجموعة متجانسة من السير والتراجم، منها كتابه (مع الشعراء 1980) الذي ترجم فيه لكل من عبد الله بن همّام السلولي، والصمّة بن عبد الله القشيري، وجحدر العُكِلي، ويزيد بن الطثريّة، والقحيف العقيلي، وعروة بن أذينة، ومحمد بن صالح الحسني، ومحمد بن عبد الملك الأسدي، وابن المقرّب الأحسائي، كما تحدث فيه عن سير بعض مؤلفي كتب الشعر، مثل محمد بن سلّام الجُمحي مؤلف كتاب «طبقات فحول الشعراء» - قراءة محمود شاكر وشرحه وكتاب «شعر الدعوة الإسلامية» لعبد الرحمن رأفت الباشا، ودواوين كل من الشعراء حاتم الطائي، وزهير بن أبي سلمى المُزني، والحادرة الغطفاني، وزيد الخيل الطائي، والمتوكّل الليثي، وأبو دهبل الجُمحي، وعبد الله بن الزبير الأسدي، وجميل بن معْمر العُذري، والطِّرماح بن حكيم الطائي.
ومنها أيضًا كتابه «رحّالة غربيّون في بلادنا» 1997 الذي تقصّى فيه سير بعض الرحالة الغربيين الذين مَرُّوا بشمال الجزيرة العربية وقلبها، مثل: بوركهارت، وسادلر، وتاميزييه، وسنوك هورخرونيه، وشارل هوبير، ولويس بيلي، وألويس موزل، وعبد الله فيلبي، وغيرهم.
ومنها أيضًا كتبه عن الأنساب، وكتابه «باهلة، القبيلة المفترى عليها» هذا بالإضافة إلى الكتب التي أشرف على طبعها ومنها كتاب «معجم المطبوعات العربية في السعودية» للدكتور علي جواد الطاهر، الذي يرتكز في مادة مجلداته الأربعة على سيَر كل المؤلّفين وتراجمهم.
وبعد وفاته عام 2000 عكف مركز حمد الجاسر الثقافي على جمع المقالات المتجانسة موضوعاتُها ومن ثمّ إصدارها في كتب تحمل عناوين يجمعها، ومن تلك الجهود تصنيف المقالات التي كان ينشرها في «المجلة العربية»، بدءًا من عام 1986 ولمدة أحد عشر عامًا تحت عنوان «من سوانح الذكريات»، حيث أصدرها المركز عام 2006 في مجلدين، ثم أصدرها في العام الماضي في طبعة ثانية، وسجلت المقالات ذكرياته منذ طفولته وحتى هجرته إلى لبنان (1961) وتضمّن الكتاب حلقات موسّعة وهوامش مليئة بسير بعض الشخصيات؛ منهم أحمد محمد العربي والوزير عبد الله بن سليمان.
ومن كتب السير التي أصدرها مركز حمد الجاسر الثقافي بعد وفاته، كتاب «مؤرخو نجد من أهلها» 2015، الذي تضمّن حلقات نشرها على فترات في «اليمامة والرياض والعرب» ومحاضرات ألقاها في جامعة الملك سعود ثم نشرتها مجلة الجامعة، وقد سرد فيها بإيجاز سير المؤرّخين النجديين القدامى والمعاصرين، كعثمان بن بشر، وأحمد بن بسام، وأحمد المنقور، وابن يوسف، وابن عضيب، وابن غنام، ومحمد البسام، وابن سلوم، وابن خنين، وابن لعبون، وابن سند، وابن جريس، وابن حميّد، وضاري بن فهيد الرشيد، وإبراهيم بن عيسى، وابن مطلق، وعبد الله بن محمد البسام، وإبراهيم بن محمد القاضي، وإبراهيم بن ضويّان، وسليمان بن صالح الدّخيل، ومقبل الذكير، ومحمد العلي العبيّد، وصالح بن عثمان القاضي، وعبد الرحمن بن مانع، وعبد العزيز بن محمد القاضي، ود. عبد الله العثيمين، ومحمد بن عبد العزيز بن مانع، ومحمد بن عثمان القاضي، ومحمد بن عبد الله بن حُميْد صاحب كتاب (السحب الوابلة».
ويجري العمل في المركز على إعداد كتاب متعدّد الأجزاء يضمّ كل السير والتراجم المنشورة صحافيا ولم تتضمّنها كتبه، ومراجعتها والتعليق عليها، وتحتوي على سير أعلام قدماء وأعلام معاصرين، وتراجم مؤلفين قام الجاسر بعرض كتبهم ونقدها، وتشمل تلك التراجم شخصيّات معاصرة عزيزة على نفسه، ولها منزلة رفيعة في خاطره، ولما توفّوا عبّر عن مشاعره نحوهم بمقالات رثاء، ممزوجة بمعلومات عن سيرهم، وسيشمل الجزء الأول من الكتاب نحو 40 من الأعلام العرب والمسلمين القدامى الذين دوّن العلّامة الجاسر سيرهم، أمثال الخزرجي (المؤرخ) والزبير بن بكّار (أحد أعلام العلم والأدب في جزيرة العرب) وتقي الدين الفاسي (مؤرخ مكة المكرمة في القرن السابع الهجري) والهمْداني (المؤرخ) وإسحاق بن إبراهيم بن أبي حُميضة (من ولاة اليمامة في العهد العباسي) وبنت الخُسّ الإيادية (إحدى حكيمات العرب) وحسن بن عبد الله بن وفاء (أديب من الطائف كان مجهولا) وأبان بن عثمان بن عفان (أول مدوّن للسيرة النبوية) والحسين بن أحمد الأعرابي (المعروف بالأسود الغُندجاني) وعبد العزيز بن زُرارة (المعروف بفتى العرب) والعلاء بن الحضرمي (أول أمير للمنطقة الشرقية - البحرين) وعبد القادر الجزيري الحنبلي (مؤرخ مصري مغمور) والشاعر العرْجي (من عرْج الطائف، قائل: أضاعوني وأي فتى أضاعوا) وعبد الله بن المبارك بن بشيّر (أديب أحسائي مغمور)، والشاعر الأحوص وسلمى البيشية، والصحابي أبو هُريرة، والإمام الشوكاني.
بينما سيشمل الجزء الثاني سيَر نحو 60 من الأعلام المحليّين والعرب والمسلمين المعاصرين، من بينهم الشاعر خالد الفرج (رائد شعر الملاحم بالملك عبد العزيز) وعبد العزيز الميمني (من علماء القارة الهندية) وعبد المحسن المنقور، ومحمد حسين زيدان، وأحمد السباعي، وحسين سرحان، ومحمد أحمد العقيلي (مؤرخ المخلاف السليماني) والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وإبراهيم فودة، وعبد الله عريف، وعبد العزيز الرفاعي، ومحمد عمر توفيق، وأحمد بن راشد المبارك، ومحمد سعيد كمال، وحسن بن عبد الله آل الشيخ، وعبد الله بن زيد آل محمود، وأحمد بن محمد العربي، وهاشم يوسف الزواوي، وعلي حسن فدعق، ومحسن باروم، والشيخ عبد الله عبد العزيز العنقري.
ومن الكتابات المعمّقة في مجال السير التي خصّصها العلّامة الجاسر لشخصيات بعينها، مقالاته في تاريخ السعودية وسيرة المؤسس الملك عبد العزيز، بمناسبة الذكرى المئوية الميمونة لاستقرار موحّد البلاد في قاعدة حكمه سنة 1902 ويعكف مركز حمد الجاسر الثقافي، على جمع ما خطّه قلمه من مقالات صحافية منشورة على مدار الأعوام في سيرة الملك المؤسس وتاريخ الدولة، لإصداره في كتاب واحد، بإذن الله.
وبينما الحديث اليوم في جامعة الباحة وعن حمد الجاسر فلا يكتمل دون الإشارة إلى كتابه الصادر عام 1970 «في سراة غامد وزهران» وهي منطقة الباحة حاليًّا (600 صفحة) ألّفه في إثر زيارة قام بها في العام السابق لتأليفه، وضمّنه تبيانًا مفصلاً للجانب الجغرافي والتاريخي من المنطقة، مع إشارات واسعة لكثير من السير والتراجم لأعلام قبيلتي غامد وزهران ورموزها.
وهكذا، سار العلامة حمد الجاسر في كتابة السير والتراجم، فلم ينحُ منحى أغلب المترجمين وكتّاب السير، الذين تغلب الطريقة التقليدية السردية على أسلوبهم، بل كان يغوص بقدر معرفته بالشخص الذي يكتب عنه، موجِزًا أحيانا في أسطر، أو مسترسلاً في صفحات، أو في كتاب، في تحليل مفاتيح الشخصية، وبيئة تنشئته وظروف حياته وتعليمه، ثم يعرّج على منهجه التأليفي وإنتاجه، مع الحرص الشديد على التوثيق والعناية الكاملة بالهوامش، حتى صار كثير من مقالاته المعمّقة في السير والتراجم - كما رأينا - بحوثًا متكاملة وافية، بمنزلة كتب قابلة للإصدار بمفردها.
وخلاصة القول، كان الجاسر مولعًا بالسير والتراجم، حيثما كتب، وفي أي موضوع طرق، فهو يدبّج مقالاته ويُذيّل صفحات كتبه بالهوامش التي توضّح سِير من يأتي على ذكرهم، ومن قرأ في سوانح ذكرياته، وجد متعة في السياحة مع أفكاره وتسلسلها، وانجذب مع الغوص في متونها وهوامشها، حتى عُدّت السوانح واحدةً من أنفس الذكريات والسير الذاتية في الأدب السعودي، ومن أفضل ما كُتب في وصف البيئة المحلية في فترة تأسيس السعودية، عن الحياة في عموم مناطق البلاد، وعن بيئة البادية والحاضرة، وأحوال القرية وزراعتها ومعيشتها وملابسها وتعليمها واقتصادها، ونشأة الهُجر والإخوان فيها، وذلك لجمال الأسلوب، وسلامة العبارة، وبلاغة الكلمات من دون تكلّف، وتدفّق الأفكار، ودقة التوثيق، وشفافية التشخيص، وصراحة القول والشهادة والأحكام.
ومع أن العلّامة حمد الجاسر كان ينشر مقالاته وأبحاثه في مطبوعات صحافية داخليّة وخارجية كما ذكر، إلا أن الأغلبيّة منها كانت تنشر في مجلتي «اليمامة» و«العرب» الأثيرتين على نفسه، وكان يحافظ عند تحرير مقالاته وبحوثه على اتّباع رسم معيّن لبعض الكلمات، ويشرف على النشر بنفسه، وقام مركز حمد الجاسر الثقافي مؤخرًا بمسح أعداد مجلة «العرب»، التي بلغت الخمسين من العمر هذا العام، وبتكشيف مقالاتها وتخزينها رقميًّا على أقراص مدمجة، وبإتاحتها للباحثين، جنبًا إلى جنب مع شقيقتها الرائدة «اليمامة»، التي كانت تصدر في الخمسينات، حيث أعاد المركز طباعة أعدادها السابقة ورقيًّا، بعد أن تمّت معالجتها فنّيًا.

* موجز محاضرة في معرض الكتاب بجامعة الباحة 12 أبريل (نيسان) 2016



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».