حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

الباحثون وتلامذة العلامة ومريدوه ما زالوا يكتشفون مزيدًا من إنتاجه

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر
TT

حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر

عجيب هو تراث العلّامة حمد الجاسر، فعلى الرغم من مرور خمسة عشر عامًا على وفاته، ومن التصاق الباحثين بتراثه، فإنهم وتلامذته ومريدوه، ما زالوا يكتشفون بين فترة وأخرى مزيدًا من كتاباته ومقالاته وبحوثه، وذلك على الرغم من جهود مركز حمد الجاسر الثقافي ومكتبة الملك فهد الوطنية، في رصد ما كتبه ونشره منذ أن بدأ - وعمره ثلاثة وعشرون عامًا - يمارس الكتابة في الصحف المحلية والعربية والمطبوعات الثقافية المتخصّصة عبر نحو سبعين عامًا من عمره الذي تجاوز التسعين، فأصدرت المكتبة والمركز كشّافين يضمّان فهارس ما أمكن تتبّعه من مقالاته وبحوثه المنشورة.
تضمّنت الدراسة الببليوغرافية التي أصدرتها مكتبة الملك فهد الوطنية في طبعتها الأولى عام 1995 كشافًا بعناوين 1117 من المقالات والبحوث التي نشرها حتى ذلك التاريخ في المجلات فقط، في حين بلغ إجمالي ما تضمّنته الدراسة نفسها في طبعتها الثانية الصادرة عام 2005 كشافًا بعناوين 640 مقالة وبحثًا بعد أن دمجت المقالات والبحوث المتعددة الحلقات تحت عنوان موحّد، ورصد مركز حمد الجاسر الثقافي في كشافه الصادر عام 2007 ما مجموعه ثلاثة آلاف عنوان لمقالاته وبحوثه، ومع هذا، ظل المركز والمكتبة والباحثون يكتشفون بين الحين والآخر أعدادًا جديدة من المقالات، لم تتضمنها الفهارس المذكورة.
المعروف أن حمد الجاسر ولد عام 1910 في بلدة البرود، الواقعة في ناحية السر من إقليم الوشم في عالية نجد غربي الرياض، وتوفي عام 2000 مستشفيًا في أميركا ودفن بالرياض، أما أقدم كتاباته، فقد بدأ بنشرها عام 1932 في جريدتي «أم القرى» و«صوت الحجاز» - البلاد حاليًّا «وفي مجلة «المنهل»، ثم صار ينشر معظم إنتاجه في صحيفة «اليمامة»، التي أصدرها عام 1953 وهي أول مطبوعة صحافية ظهرت في العاصمة (الرياض) ثم استمر ينشر مقالاته في مجلة «اليمامة» وجريدة «الرياض» الصادرتين عن مؤسسة اليمامة الصحافية، وكان هو أول من تولّى الإشراف على تحريرهما، ثم أصبح يخص مجلة «العرب»، الصادرة عام 1966 عن دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر التي أسسها في ذلك العام أيضًا، بمعظم مقالاته البحثية المعمّقة.
ومن بين الصحف والمجلات التي كانت تنشر مقالاته بالإضافة إلى تلك المذكورة؛ مجلة «المنهل» و«الفيصل» و«المجلة العربية» و«الحرس الوطني» و«القافلة» و«الدارة»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة»، و«الرسالة المصرية»، و«البيان الكويتية»، و«الجزيرة»، و«المسائية»، و«عكاظ»، و«الشرق الأوسط»، و«القصيم»، و«الوطن»، و«الندوة»، و«الحياة»، و«الاقتصادية»، و«المدينة»، وأخبار الظهران»، وصحف أخرى.
قاربت مؤلّفاته 30 عنوانًا منها 6 اشتملت على أكثر من جزء، وفاقت الكتب التي حقّقها 17 عنوانًا منها 4 تتكوّن من أكثر من جزء، وبلغت المؤلّفات التي أشرف على طباعتها وعلَّق على حواشيها 8 كتب، وذلك بالإضافة إلى الإصدارات التي حملت اسمه وظهرت بعد وفاته.
وباستثناء كتاب بعنوان «من أصداء الذكريات؛ علماء عرفتهم ففقدتهم» الذي نسبه الدكتور عبد الله الجبوري (من العراق) إلى حمد الجاسر بعد وفاته بثماني سنوات وصدر عام 2008 وجمع فيه عددًا من مراثي الجاسر ومن ضمنها التراجم، فإنه لم يسبق لموضوع هذه المحاضرة أن تناوله باحث آخر، وذلك على الرغم من أن المراثي والسير والتراجم قد حظيت بقدر كبير من اهتماماته، إذ نشر في أثناء حياته 6 كتب تقوم محتوياتها على سير شخصيات بأعينهم، وقد تضمّن كتاب د. الجبوري مقدمة موجزة تتحدث عن منهج الجاسر في كتابة المراثي والسير، واستخدم فيه - على طريقة الجاسر - صور بعض المراسلات المتبادلة بين الجاسر أو الجبوري من جهة، وبين الشخصيات المترجمة من جهة أخرى، ومن ضمن الأعلام الأربعين الذين أوردهم د. الجبوري في كتابه ممن رثاهم وترجم لهم الجاسر؛ أبو الأعلى المودودي، وخير الدين الزركلي، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وطه حسين، ومصطفى الشهابي (رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق) وعبد القدوس الأنصاري، وعبد الله الخيّال، ومحب الدين الخطيب، ومحمد حسن عوّاد، ومحمد سرور الصبان، ومحمد بن عبد العزيز المانع، ومحمد حسين نصيف، والنجل الأكبر لحمد الجاسر (محمد) الذي توفي في حادث طائرة بلبنان عام 1975.
من مؤلفاته التي خصّصها بالكامل للسير، كتابه (أبو علي الهَجري وأبحاثه في تحديد المواضع، 1968 في 450 صفحة) وهو - كما يقول الجاسر - هارون بن زَكَرِيَّا الهجري الأديب الشاعر والنحوي، صاحب كتاب (التعليقات والنوادر) من أهل هجَر البحرين (الأحساء) عاش في آخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع، عُرف في القديم بطريق علماء المغرب الأقصى كابن حزم، وعن طريق علماء الشرق في الهند كالميمني.
ومثل كتابه «ابن عربي موطّد الحكم الأموي في نجد» صدر عام 1993 وتناول فيه سيرة إبراهيم بن عربي أطول ولاة بني أمية زمنًا في ولايته (32 عامًا) ويقع الكتاب في 300 صفحة.
ومن أطول السير التي كتبها، وإن لم يفرد لها كتابًا مستقلاً، ترجمة إبراهيم بن إسحاق الحربي من علماء القرن الثالث الهجري في مقدمة كتاب «المناسك»، الذي حقّقه الجاسر عام 1969 وقدّم له بمقدمة ضافية (260 صفحة) عن الحربي، ظنًّا منه أنه المؤلف، حتى عدّها البعض كتابًا قائمًا بذاته، وعندما أعاد الجاسر نشر الكتاب عام 1999 حذف المقدمة المذكورة اقتناعًا بنقاش علمي جرى في حينه مع د.عبد الله الوهيبي.
وقد أصدر الجاسر في أثناء حياته كتبًا تقوم محتوياتها على مجموعة متجانسة من السير والتراجم، منها كتابه (مع الشعراء 1980) الذي ترجم فيه لكل من عبد الله بن همّام السلولي، والصمّة بن عبد الله القشيري، وجحدر العُكِلي، ويزيد بن الطثريّة، والقحيف العقيلي، وعروة بن أذينة، ومحمد بن صالح الحسني، ومحمد بن عبد الملك الأسدي، وابن المقرّب الأحسائي، كما تحدث فيه عن سير بعض مؤلفي كتب الشعر، مثل محمد بن سلّام الجُمحي مؤلف كتاب «طبقات فحول الشعراء» - قراءة محمود شاكر وشرحه وكتاب «شعر الدعوة الإسلامية» لعبد الرحمن رأفت الباشا، ودواوين كل من الشعراء حاتم الطائي، وزهير بن أبي سلمى المُزني، والحادرة الغطفاني، وزيد الخيل الطائي، والمتوكّل الليثي، وأبو دهبل الجُمحي، وعبد الله بن الزبير الأسدي، وجميل بن معْمر العُذري، والطِّرماح بن حكيم الطائي.
ومنها أيضًا كتابه «رحّالة غربيّون في بلادنا» 1997 الذي تقصّى فيه سير بعض الرحالة الغربيين الذين مَرُّوا بشمال الجزيرة العربية وقلبها، مثل: بوركهارت، وسادلر، وتاميزييه، وسنوك هورخرونيه، وشارل هوبير، ولويس بيلي، وألويس موزل، وعبد الله فيلبي، وغيرهم.
ومنها أيضًا كتبه عن الأنساب، وكتابه «باهلة، القبيلة المفترى عليها» هذا بالإضافة إلى الكتب التي أشرف على طبعها ومنها كتاب «معجم المطبوعات العربية في السعودية» للدكتور علي جواد الطاهر، الذي يرتكز في مادة مجلداته الأربعة على سيَر كل المؤلّفين وتراجمهم.
وبعد وفاته عام 2000 عكف مركز حمد الجاسر الثقافي على جمع المقالات المتجانسة موضوعاتُها ومن ثمّ إصدارها في كتب تحمل عناوين يجمعها، ومن تلك الجهود تصنيف المقالات التي كان ينشرها في «المجلة العربية»، بدءًا من عام 1986 ولمدة أحد عشر عامًا تحت عنوان «من سوانح الذكريات»، حيث أصدرها المركز عام 2006 في مجلدين، ثم أصدرها في العام الماضي في طبعة ثانية، وسجلت المقالات ذكرياته منذ طفولته وحتى هجرته إلى لبنان (1961) وتضمّن الكتاب حلقات موسّعة وهوامش مليئة بسير بعض الشخصيات؛ منهم أحمد محمد العربي والوزير عبد الله بن سليمان.
ومن كتب السير التي أصدرها مركز حمد الجاسر الثقافي بعد وفاته، كتاب «مؤرخو نجد من أهلها» 2015، الذي تضمّن حلقات نشرها على فترات في «اليمامة والرياض والعرب» ومحاضرات ألقاها في جامعة الملك سعود ثم نشرتها مجلة الجامعة، وقد سرد فيها بإيجاز سير المؤرّخين النجديين القدامى والمعاصرين، كعثمان بن بشر، وأحمد بن بسام، وأحمد المنقور، وابن يوسف، وابن عضيب، وابن غنام، ومحمد البسام، وابن سلوم، وابن خنين، وابن لعبون، وابن سند، وابن جريس، وابن حميّد، وضاري بن فهيد الرشيد، وإبراهيم بن عيسى، وابن مطلق، وعبد الله بن محمد البسام، وإبراهيم بن محمد القاضي، وإبراهيم بن ضويّان، وسليمان بن صالح الدّخيل، ومقبل الذكير، ومحمد العلي العبيّد، وصالح بن عثمان القاضي، وعبد الرحمن بن مانع، وعبد العزيز بن محمد القاضي، ود. عبد الله العثيمين، ومحمد بن عبد العزيز بن مانع، ومحمد بن عثمان القاضي، ومحمد بن عبد الله بن حُميْد صاحب كتاب (السحب الوابلة».
ويجري العمل في المركز على إعداد كتاب متعدّد الأجزاء يضمّ كل السير والتراجم المنشورة صحافيا ولم تتضمّنها كتبه، ومراجعتها والتعليق عليها، وتحتوي على سير أعلام قدماء وأعلام معاصرين، وتراجم مؤلفين قام الجاسر بعرض كتبهم ونقدها، وتشمل تلك التراجم شخصيّات معاصرة عزيزة على نفسه، ولها منزلة رفيعة في خاطره، ولما توفّوا عبّر عن مشاعره نحوهم بمقالات رثاء، ممزوجة بمعلومات عن سيرهم، وسيشمل الجزء الأول من الكتاب نحو 40 من الأعلام العرب والمسلمين القدامى الذين دوّن العلّامة الجاسر سيرهم، أمثال الخزرجي (المؤرخ) والزبير بن بكّار (أحد أعلام العلم والأدب في جزيرة العرب) وتقي الدين الفاسي (مؤرخ مكة المكرمة في القرن السابع الهجري) والهمْداني (المؤرخ) وإسحاق بن إبراهيم بن أبي حُميضة (من ولاة اليمامة في العهد العباسي) وبنت الخُسّ الإيادية (إحدى حكيمات العرب) وحسن بن عبد الله بن وفاء (أديب من الطائف كان مجهولا) وأبان بن عثمان بن عفان (أول مدوّن للسيرة النبوية) والحسين بن أحمد الأعرابي (المعروف بالأسود الغُندجاني) وعبد العزيز بن زُرارة (المعروف بفتى العرب) والعلاء بن الحضرمي (أول أمير للمنطقة الشرقية - البحرين) وعبد القادر الجزيري الحنبلي (مؤرخ مصري مغمور) والشاعر العرْجي (من عرْج الطائف، قائل: أضاعوني وأي فتى أضاعوا) وعبد الله بن المبارك بن بشيّر (أديب أحسائي مغمور)، والشاعر الأحوص وسلمى البيشية، والصحابي أبو هُريرة، والإمام الشوكاني.
بينما سيشمل الجزء الثاني سيَر نحو 60 من الأعلام المحليّين والعرب والمسلمين المعاصرين، من بينهم الشاعر خالد الفرج (رائد شعر الملاحم بالملك عبد العزيز) وعبد العزيز الميمني (من علماء القارة الهندية) وعبد المحسن المنقور، ومحمد حسين زيدان، وأحمد السباعي، وحسين سرحان، ومحمد أحمد العقيلي (مؤرخ المخلاف السليماني) والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وإبراهيم فودة، وعبد الله عريف، وعبد العزيز الرفاعي، ومحمد عمر توفيق، وأحمد بن راشد المبارك، ومحمد سعيد كمال، وحسن بن عبد الله آل الشيخ، وعبد الله بن زيد آل محمود، وأحمد بن محمد العربي، وهاشم يوسف الزواوي، وعلي حسن فدعق، ومحسن باروم، والشيخ عبد الله عبد العزيز العنقري.
ومن الكتابات المعمّقة في مجال السير التي خصّصها العلّامة الجاسر لشخصيات بعينها، مقالاته في تاريخ السعودية وسيرة المؤسس الملك عبد العزيز، بمناسبة الذكرى المئوية الميمونة لاستقرار موحّد البلاد في قاعدة حكمه سنة 1902 ويعكف مركز حمد الجاسر الثقافي، على جمع ما خطّه قلمه من مقالات صحافية منشورة على مدار الأعوام في سيرة الملك المؤسس وتاريخ الدولة، لإصداره في كتاب واحد، بإذن الله.
وبينما الحديث اليوم في جامعة الباحة وعن حمد الجاسر فلا يكتمل دون الإشارة إلى كتابه الصادر عام 1970 «في سراة غامد وزهران» وهي منطقة الباحة حاليًّا (600 صفحة) ألّفه في إثر زيارة قام بها في العام السابق لتأليفه، وضمّنه تبيانًا مفصلاً للجانب الجغرافي والتاريخي من المنطقة، مع إشارات واسعة لكثير من السير والتراجم لأعلام قبيلتي غامد وزهران ورموزها.
وهكذا، سار العلامة حمد الجاسر في كتابة السير والتراجم، فلم ينحُ منحى أغلب المترجمين وكتّاب السير، الذين تغلب الطريقة التقليدية السردية على أسلوبهم، بل كان يغوص بقدر معرفته بالشخص الذي يكتب عنه، موجِزًا أحيانا في أسطر، أو مسترسلاً في صفحات، أو في كتاب، في تحليل مفاتيح الشخصية، وبيئة تنشئته وظروف حياته وتعليمه، ثم يعرّج على منهجه التأليفي وإنتاجه، مع الحرص الشديد على التوثيق والعناية الكاملة بالهوامش، حتى صار كثير من مقالاته المعمّقة في السير والتراجم - كما رأينا - بحوثًا متكاملة وافية، بمنزلة كتب قابلة للإصدار بمفردها.
وخلاصة القول، كان الجاسر مولعًا بالسير والتراجم، حيثما كتب، وفي أي موضوع طرق، فهو يدبّج مقالاته ويُذيّل صفحات كتبه بالهوامش التي توضّح سِير من يأتي على ذكرهم، ومن قرأ في سوانح ذكرياته، وجد متعة في السياحة مع أفكاره وتسلسلها، وانجذب مع الغوص في متونها وهوامشها، حتى عُدّت السوانح واحدةً من أنفس الذكريات والسير الذاتية في الأدب السعودي، ومن أفضل ما كُتب في وصف البيئة المحلية في فترة تأسيس السعودية، عن الحياة في عموم مناطق البلاد، وعن بيئة البادية والحاضرة، وأحوال القرية وزراعتها ومعيشتها وملابسها وتعليمها واقتصادها، ونشأة الهُجر والإخوان فيها، وذلك لجمال الأسلوب، وسلامة العبارة، وبلاغة الكلمات من دون تكلّف، وتدفّق الأفكار، ودقة التوثيق، وشفافية التشخيص، وصراحة القول والشهادة والأحكام.
ومع أن العلّامة حمد الجاسر كان ينشر مقالاته وأبحاثه في مطبوعات صحافية داخليّة وخارجية كما ذكر، إلا أن الأغلبيّة منها كانت تنشر في مجلتي «اليمامة» و«العرب» الأثيرتين على نفسه، وكان يحافظ عند تحرير مقالاته وبحوثه على اتّباع رسم معيّن لبعض الكلمات، ويشرف على النشر بنفسه، وقام مركز حمد الجاسر الثقافي مؤخرًا بمسح أعداد مجلة «العرب»، التي بلغت الخمسين من العمر هذا العام، وبتكشيف مقالاتها وتخزينها رقميًّا على أقراص مدمجة، وبإتاحتها للباحثين، جنبًا إلى جنب مع شقيقتها الرائدة «اليمامة»، التي كانت تصدر في الخمسينات، حيث أعاد المركز طباعة أعدادها السابقة ورقيًّا، بعد أن تمّت معالجتها فنّيًا.

* موجز محاضرة في معرض الكتاب بجامعة الباحة 12 أبريل (نيسان) 2016



«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.


سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج
TT

سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم في مصر منذ حقبة الثلاثينات في القرن العشرين عبر مجالات متعددة، منها الإخراج والتأليف والماكياج والإنتاج؛ في رحلة شيقة أسفرت عن عدد من الأعمال تعكس العصر الذهبي للشاشة الفضية.

وُلد رفلة في 15 مايو (أيار) 1909 بمحافظة الجيزة، وبدأت مسيرته الاحترافية على أسس متينة حين أرسلته وزارة المعارف في بعثة إلى باريس ولندن عام 1936 لدراسة فن الماكياج، كما درس هناك التصوير الفوتوغرافي والديكور والإخراج.

بدأ حياته «ماكييراً» في الفرقة القومية المسرحية، وكان الماكيير الخاص لكبار النجوم مثل أم كلثوم، كما عمل في هذا المجال لأكثر من 40 فيلماً، في حين بدأ مسيرته الإخراجية عام 1947 بفيلم «العقل في إجازة»، وهو الفيلم الذي شهد أول ظهور للفنانة شادية التي اكتشفها ضمن جيل كامل من النجوم قدمهم إلى الساحة، ووصل عدد الأعمال التي أخرجها خلال مسيرته لأكثر من 70 فيلماً تنوعت بين الكوميديا والاستعراض والدراما.

لم يكتفِ بالإخراج، بل أسس شركة إنتاج سينمائي وأسهم في كتابة السيناريو لعديد من أعماله، مما جعله فناناً شاملاً، ومن أشهر أعماله: «معبودة الجماهير»، و«ألمظ وعبده الحامولي»، و«فاطمة وماريكا وراشيل»، و«حماتي قنبلة ذرية»، و«الوفاء العظيم»، و«نهر الحب»، و«امرأة في الطريق».

ولم تخلُ لحظة رحيله من حالة درامية، حيث توفي في 22 أبريل (نيسان) 1978 في باريس خلال قيامه بمعاينة مواقع تصوير لفيلم جديد عن حياة توفيق الحكيم.

يقول جرجس شكري في مقدمة الكتاب: «هذه سيرة بلا ماكياج، قوامها كلمات عارية، حاسرة الرأس. وعلى الرغم من أن صاحبها أحد مؤسسي فن الماكياج ومن أهم رواده الأوائل، فإنه عاش حياته بلا أقنعة، وقدَّم سينما طبيعية كالماء والهواء. وحين كَتَبَ شذرات متناثرة عن حياته، جاءت أقرب إلى الاعترافات؛ كلماتها من لحم ودم، تتنفَّس، تَلهو، تفرح وتحزن بين السطور. كتب كما يعيش، وقَدَّم في شذراته وأفلامه مشاهدَ سينمائيةً مرجعها الحياة اليومية».

ويضيف: «حاولت قراءة حياته وأعماله، من خلال اتجاهين: الأول أوراقه الخاصة، ممثلةً في مخطوط مذكراته التي تناولت أجزاءً من حياته، وفي الرسائل التي تبادلها مع مجموعة من الفنانين والفنانات، مثل: أم كلثوم وشادية وإسماعيل يس ومحمد فوزي وحسن الإمام وتحية كاريوكا وعمر الشريف، ضمن آخرين، تلك الرسائل التي يمكن منها قراءة فترة مهمة من تاريخ السينما المصرية».

ويذكر شكري أن «الاتجاه الآخر هو الحدث الأكبر في مشواره السينمائي وتاريخ السينما المصرية ككل، في عام 1962، حين قررت وزارة الثقافة والإرشاد السيطرة على الإنتاج السينمائي، بعد أن اجتمع وزير الثقافة بمجموعة من السينمائيين، منتجين ومخرجين، وبينهم حلمي رفلة، وعرَض عليهم نية الوزارة تأسيس شركة قطاع عام للإنتاج السينمائي. بعد مداولات واجتماعات، اختير رفلة مديراً عامّاً لأولى شركات القطاع العام. ثم أُبلِغ بعد شهور بضرورة تصفية شركته «أفلام حلمي رفلة»، لأنها تعرقل عمله في القطاع العام وتثير حوله الأقاويل والشبهات. تلاحقت الأحداث سريعاً، حتى وصلت إلى التهديد بتأميم الشركة في حالة عدم إتمام التصفية، والتي كانت تعني بَيع أفلامه للقطاع العام. تم البيع من خلال عقود إذعان، تغيَّرت 3 مرات في شهر. وفي 1964، ترك رفلة منصبه، وظل يشتكي مُطالِباً بحقوقه الضائعة حتى وفاته».

ويشير المؤلف إلى أن رفلة قدم سينما غنائية استعراضية، استفادت وتأثرت بالمسرح، الذي اعتمد معظمه على صيغة «الفودفيل»، ثم تراجع هذا النوع مع التغيرات التي أصابت المجتمع المصري بفعل التحولات السياسية والاجتماعية بعد ثورة يوليو (تموز) 1952.، ثم تداعيات نكسة 67... تفاعَل رفلة مع الحراك الثوري، باحثاً عن أسلوب جديد يناسب المرحلة، من خلال صورة البطل الشعبي كنتاج للثورة. وحاول التأقلم مع الفكر الاشتراكيِّ بمجموعة من الأفلام التي قدمها في العهد الجديد، وصولاً إلى تعيينه مديراً فنيّاً في مؤسسة السينما وتوقفه عن الإخراج السينمائي.


فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.