سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

الانتحاري الذي فجر نفسه كان صبيًا.. ومعظم الضحايا أيضًا

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
TT

سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)

لم يخلف الانتحاري الذي فجر مباراة لكرة القدم بين الشباب سوى انبعاج بسيط في الأرض الجافة الصلبة، إلى جانب حرق خافت على جدار خرساني في مكان قريب. لكنه خلق هوة من الحزن والألم في قلوب المجتمع الصغير الذي فقد أكثر من عشرين من أبنائه في لحظة واحدة مساء يوم 25 مارس (آذار).
حصد الانفجار أرواح 43 شخصا في المباراة، وفقا للأرقام المتوفرة من جانب الحكومة المحلية، من بينهم 29 صبيا دون سن الـ 17.
كان الانتحاري أيضا في سن المراهقة، لا يزيد عمره على 15 أو 16 عاما على الأكثر، وفقا لصورته التي نشرها تنظيم داعش الإرهابي، الذي أعلن مسؤوليته عن التفجير، ووفق روايات الذين شاهدوه في المباراة قبل الانفجار.
يقول محمد الجحيشي، وهو أحد شيوخ المنطقة، إن الانتحاري كان صبيا جاء ليقتل غيره من الصبيان. كانت مباراة كرة قدم بين الصبيان. كان بكل تأكيد يعلم أنه سوف يقتل الصبيان.
وبالنسبة إلى الصبيان في قرية العصرية العراقية الفقيرة التي تضم سكانا من السنة والشيعة، والتي تبعد 40 ميلا إلى الجنوب من العاصمة بغداد ضمن المنطقة التي أطلق عليها الجيش الأميركي مثلث الموت، فإن كرة القدم لا تعد من الهوايات، بل إنها تمثل العاطفة والغاية، وتوفر حلم الهروب من لعبة الحياة القاتمة القميئة في أحد أكثر المجتمعات العراقية إهمالا.
أحد هؤلاء الصبيان كان مهند خزعل، 10 أعوام، الذي كان يعيش مشجعا لفريق ريال مدريد، فريقه المفضل، ولاعبه المفضل كريستيانو رونالدو كابتن الفريق، كما يقول شقيقه، أحمد، البالغ من العمر 12 عاما. وكان مهند يأمل ذات يوم في أن يمثل العراق في مباراة لكرة القدم، وربما يلعب ضمن فريق ريال مدريد نفسه، كما يقول أحمد، الذي يحلم باللعب لدى فريق برشلونة، وغالبا ما كان يدخل في عراك مع أخيه حول أي الفريقين هو الأفضل.
كان كلاهما يلعب في فريق كرة القدم المحلي، الذي لم يتأهل لنهائي بطولة دوري الشباب. ولكنهما حضرا المباراة برغم كل شيء، إلى جانب فاروق، أخيهم الأكبر البالغ من العمر 20 عاما، وأغلب الصبيان والشباب الذين يعيشون في المجتمع المهووس برياضة كرة القدم.
أجريت المباراة النهائية بين فريقين أحدهما يدعى الأهلي والآخر يدعى السلام. وأجريت المباراة في ملعب كرة قدم ترابي يوجد في وسط القرية الصغيرة، ولا يحمل الملعب أية علامات سوى المرمى عند نهاية كل طرف. كان المسؤولون المحليون يتابعون المباراة جلوسا على كراسيهم البلاستيكية أعلى منصة صغيرة أقيمت على حافة مرتفعة قليلا في الملعب. وكان المشاهدون، وأغلبهم من الصبيان، يقفون حول محيط الملعب لمتابعة المباراة.
لم يلاحظ أحد على الإطلاق أن أحد الصبيان المتابعين للمباراة كان مرتديا لسترة سميكة في أمسية من أمسيات الربيع الحارة في العراق في حين كان بقية الصبيان يرتدون قمصان الـ «تي-شيرت» الخفيفة. وقال أنمار الجنابي (12 عاما) الذي كان واقفا بجوار الصبي الذي يرتدي ملابس غريبة في ذلك المناخ الحار، إنه لاحظ ذلك الأمر، غير أنه لم يفكر في أن يخبر أحدا من الشباب أو الكبار في المباراة بالأمر.
يتذكر أنمار الفتى ويقول: «كان طويل القامة قليلا مع شعر طويل، ولقد بدا مختلفا بعض الشيء عنا. وكان يرتدي سترة سميكة، مع أن الجو كان حارا، ثم تحدث إلينا وقال: يا لها من مباراة جيدة، أليس كذلك؟».
ومع انتهاء المباراة، اندفع الصبي ذو السترة وسط جموع الفتيان الذين اندفعوا نحو المنصة لمشاهدة احتفالية تسليم الكأس والميداليات، كما يقول أنمار الذي كان حاضرا في المباراة برفقة شقيقه بلال البالغ من العمر 13 عاما إلى جانب مجموعة من الأصدقاء. يتابع أنمار : «ثم فجر نفسه، وشعرت بالنار تحرق وجهي، ثم اندفعت هاربا».
كان هناك عدد قليل من الآباء يرافقون أولادهم لمشاهدة المباراة في ذلك اليوم. ولماذا يفعلون ذلك؟ فأكثريتهم يعيشون على بعد عدة مئات من الأمتار من أرض الملعب، ويتجمع الفتيان هناك كل يوم، لحضور المباريات أو اللعب بأنفسهم هناك.
كان عباس علي العيداني يأمل، برغم كل شيء، في الحضور. وفي وقت مبكر من ظهيرة ذلك اليوم، تلقى مكالمة هاتفية مثيرة في العمل من ابنه البالغ من العمر 13 عاما، ويدعى كرار، الذي اكتشف مؤخرا أنه اختير حارسا لمرمى فريق السلام خلال المباراة. يقول العيداني الذي يعمل حارس أمن في إحدى الشركات المحلية : «أخبرني بأنه سوف يكون حارس مرمى الفريق للمرة الأولى، وطلب مني أن أشتري له قفازين جديدين، ولكنني كنت في دوام العمل، ولا يمكنني المغادرة».
وفور انتهاء مناوبة العمل، اندفع العيداني مسرعا إلى المتجر القريب لابتياع القفازات لولده. ثم سمع دوي الانفجار حال خروجه من المتجر، وكان الدخان يتصاعد من اتجاه ملعب كرة القدم، قفز العيداني في سيارته وهرول إلى هناك مع إحساس بالفزع الشديد.
وكان هناك أناس آخرون يهرولون نحو الملعب خروجا من منازلهم - الآباء، والأشقاء، والأعمام، والأجداد -؛ حيث أثارتهم جميعا قوة الانفجار وشدته، ولقد وصلوا إلى أرض الملعب ليجدوا حالة عارمة من الفوضى الكبيرة وخليطا مروعا من الأطفال المكسورين، والأجزاء الجسدية المبعثرة، وكثيرا من الدماء. تقول ابتسام حامد، التي لقي ابنها وليد (16 عاما) مصرعه بين القتلى في الحادثة: «وجدنا أشلاء للأطفال. وكانت هناك بقايا أشلاء بشرية على الأرض في كل مكان. كان الأمر مثل نهاية العالم بالنسبة إلينا».
توفي بلال، شقيق أنمار، في سيارة عمه في طريقه إلى المستشفى. ومات مهند خزعل (10 أعوام) مشجع فريق ريال مدريد، فيما نجا شقيقه أحمد، لكنه أصيب بشظية في وجهه. ولقد تعرض شقيقه الأكبر فاروق لحروق شديدة في جسده ويرقد في المستشفى حاليا.
في الوقت الذي وصل فيه العيداني إلى ملعب كرة القدم، كان ولده كرار قد نقل إلى المستشفى. ولقد وافته المنية قبل وصول والده الذي قال: «ماذا يمكن أن نقول؟ لا يمكننا سوى أن نحمد الله على كل حال».
بعد أسبوعين من الحادث، لا تزال القرية بأكملها في حالة صدمة عميقة. ولقد تحول الجدار بجوار المكان الذي وقع فيه الانفجار إلى مزار لأهل القرية؛ حيث امتلأ بصور الأطفال القتلى، والبقايا الملطخة بالدماء من ملابسهم وكرات القدم الممزقة. وارتفعت الرايات السوداء المعلنة لحداد أهل القرية أعلى منازل أهالي الضحايا.
وفي الداخل، كانت العائلات تتلقى العزاء في غرف المعيشة بحزن كبير. وقدم الآباء أقداح الشاي، وعرضوا صور أطفالهم القتلى وأعينهم مليئة بالدموع.
كان بلال، شقيق أنمار، من التلاميذ المتفوقين الذي تقدم أقرانه في الصف السادس، ولقد كان لاعب كرة قدم ماهرا؛ حيث تلقى لقب لاعب العام ثلاثة أعوام متتالية وسط فريقه المحلي، كما يقول جده حامد الجنابي: «جاء أساتذته لزيارتنا، ولقد كانوا جميعهم يبكون، فلقد كان أول التلاميذ في كل شيء».
وفي منزل قريب من الشارع نفسه، تذكر والد وليد ابنه ولكن بطريقة مختلفة؛ إذ قال عادل عبيد : «لم يكن جيدا في المدرسة، ولقد رسب في معظم الامتحانات، ولقد كان يعلب كرة القدم كثيرا». كما كان طيب القلب وهادئا، ومحبا للطيور، وقالت والدته: «بعد وفاته، جاء أناس لم أكن أعرفهم من قبل لزيارتي، وأخبروني بأن وليد كان طيب القلب معهم».
تذكرت السيدة سناء ياسين موسى، والدة الطفل القتيل مهند خزعل، ولدها في منزل العائلة المتواضع الصغير، فتقول: «كان محبا لكرة القدم بشدة، كانت كرة القدم في دمه وروحه».
نسي كل من كانوا في الحادثة المروعة نتيجة المباراة. ومن بين من التقينا معهم، كان أحمد هو الوحيد الذي تذكر نتيجة اللقاء؛ حيث فاز فريق السلام بفارق هدف واحد على فريق الأهلي. لكن الفريق الفائز رفض تسلم الكأس الذي استقر في مكانه في موقع الانفجار، محاطا بهالة من كرات القدم والزهور والأعلام الوطنية العراقية.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.