سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

الانتحاري الذي فجر نفسه كان صبيًا.. ومعظم الضحايا أيضًا

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
TT

سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)

لم يخلف الانتحاري الذي فجر مباراة لكرة القدم بين الشباب سوى انبعاج بسيط في الأرض الجافة الصلبة، إلى جانب حرق خافت على جدار خرساني في مكان قريب. لكنه خلق هوة من الحزن والألم في قلوب المجتمع الصغير الذي فقد أكثر من عشرين من أبنائه في لحظة واحدة مساء يوم 25 مارس (آذار).
حصد الانفجار أرواح 43 شخصا في المباراة، وفقا للأرقام المتوفرة من جانب الحكومة المحلية، من بينهم 29 صبيا دون سن الـ 17.
كان الانتحاري أيضا في سن المراهقة، لا يزيد عمره على 15 أو 16 عاما على الأكثر، وفقا لصورته التي نشرها تنظيم داعش الإرهابي، الذي أعلن مسؤوليته عن التفجير، ووفق روايات الذين شاهدوه في المباراة قبل الانفجار.
يقول محمد الجحيشي، وهو أحد شيوخ المنطقة، إن الانتحاري كان صبيا جاء ليقتل غيره من الصبيان. كانت مباراة كرة قدم بين الصبيان. كان بكل تأكيد يعلم أنه سوف يقتل الصبيان.
وبالنسبة إلى الصبيان في قرية العصرية العراقية الفقيرة التي تضم سكانا من السنة والشيعة، والتي تبعد 40 ميلا إلى الجنوب من العاصمة بغداد ضمن المنطقة التي أطلق عليها الجيش الأميركي مثلث الموت، فإن كرة القدم لا تعد من الهوايات، بل إنها تمثل العاطفة والغاية، وتوفر حلم الهروب من لعبة الحياة القاتمة القميئة في أحد أكثر المجتمعات العراقية إهمالا.
أحد هؤلاء الصبيان كان مهند خزعل، 10 أعوام، الذي كان يعيش مشجعا لفريق ريال مدريد، فريقه المفضل، ولاعبه المفضل كريستيانو رونالدو كابتن الفريق، كما يقول شقيقه، أحمد، البالغ من العمر 12 عاما. وكان مهند يأمل ذات يوم في أن يمثل العراق في مباراة لكرة القدم، وربما يلعب ضمن فريق ريال مدريد نفسه، كما يقول أحمد، الذي يحلم باللعب لدى فريق برشلونة، وغالبا ما كان يدخل في عراك مع أخيه حول أي الفريقين هو الأفضل.
كان كلاهما يلعب في فريق كرة القدم المحلي، الذي لم يتأهل لنهائي بطولة دوري الشباب. ولكنهما حضرا المباراة برغم كل شيء، إلى جانب فاروق، أخيهم الأكبر البالغ من العمر 20 عاما، وأغلب الصبيان والشباب الذين يعيشون في المجتمع المهووس برياضة كرة القدم.
أجريت المباراة النهائية بين فريقين أحدهما يدعى الأهلي والآخر يدعى السلام. وأجريت المباراة في ملعب كرة قدم ترابي يوجد في وسط القرية الصغيرة، ولا يحمل الملعب أية علامات سوى المرمى عند نهاية كل طرف. كان المسؤولون المحليون يتابعون المباراة جلوسا على كراسيهم البلاستيكية أعلى منصة صغيرة أقيمت على حافة مرتفعة قليلا في الملعب. وكان المشاهدون، وأغلبهم من الصبيان، يقفون حول محيط الملعب لمتابعة المباراة.
لم يلاحظ أحد على الإطلاق أن أحد الصبيان المتابعين للمباراة كان مرتديا لسترة سميكة في أمسية من أمسيات الربيع الحارة في العراق في حين كان بقية الصبيان يرتدون قمصان الـ «تي-شيرت» الخفيفة. وقال أنمار الجنابي (12 عاما) الذي كان واقفا بجوار الصبي الذي يرتدي ملابس غريبة في ذلك المناخ الحار، إنه لاحظ ذلك الأمر، غير أنه لم يفكر في أن يخبر أحدا من الشباب أو الكبار في المباراة بالأمر.
يتذكر أنمار الفتى ويقول: «كان طويل القامة قليلا مع شعر طويل، ولقد بدا مختلفا بعض الشيء عنا. وكان يرتدي سترة سميكة، مع أن الجو كان حارا، ثم تحدث إلينا وقال: يا لها من مباراة جيدة، أليس كذلك؟».
ومع انتهاء المباراة، اندفع الصبي ذو السترة وسط جموع الفتيان الذين اندفعوا نحو المنصة لمشاهدة احتفالية تسليم الكأس والميداليات، كما يقول أنمار الذي كان حاضرا في المباراة برفقة شقيقه بلال البالغ من العمر 13 عاما إلى جانب مجموعة من الأصدقاء. يتابع أنمار : «ثم فجر نفسه، وشعرت بالنار تحرق وجهي، ثم اندفعت هاربا».
كان هناك عدد قليل من الآباء يرافقون أولادهم لمشاهدة المباراة في ذلك اليوم. ولماذا يفعلون ذلك؟ فأكثريتهم يعيشون على بعد عدة مئات من الأمتار من أرض الملعب، ويتجمع الفتيان هناك كل يوم، لحضور المباريات أو اللعب بأنفسهم هناك.
كان عباس علي العيداني يأمل، برغم كل شيء، في الحضور. وفي وقت مبكر من ظهيرة ذلك اليوم، تلقى مكالمة هاتفية مثيرة في العمل من ابنه البالغ من العمر 13 عاما، ويدعى كرار، الذي اكتشف مؤخرا أنه اختير حارسا لمرمى فريق السلام خلال المباراة. يقول العيداني الذي يعمل حارس أمن في إحدى الشركات المحلية : «أخبرني بأنه سوف يكون حارس مرمى الفريق للمرة الأولى، وطلب مني أن أشتري له قفازين جديدين، ولكنني كنت في دوام العمل، ولا يمكنني المغادرة».
وفور انتهاء مناوبة العمل، اندفع العيداني مسرعا إلى المتجر القريب لابتياع القفازات لولده. ثم سمع دوي الانفجار حال خروجه من المتجر، وكان الدخان يتصاعد من اتجاه ملعب كرة القدم، قفز العيداني في سيارته وهرول إلى هناك مع إحساس بالفزع الشديد.
وكان هناك أناس آخرون يهرولون نحو الملعب خروجا من منازلهم - الآباء، والأشقاء، والأعمام، والأجداد -؛ حيث أثارتهم جميعا قوة الانفجار وشدته، ولقد وصلوا إلى أرض الملعب ليجدوا حالة عارمة من الفوضى الكبيرة وخليطا مروعا من الأطفال المكسورين، والأجزاء الجسدية المبعثرة، وكثيرا من الدماء. تقول ابتسام حامد، التي لقي ابنها وليد (16 عاما) مصرعه بين القتلى في الحادثة: «وجدنا أشلاء للأطفال. وكانت هناك بقايا أشلاء بشرية على الأرض في كل مكان. كان الأمر مثل نهاية العالم بالنسبة إلينا».
توفي بلال، شقيق أنمار، في سيارة عمه في طريقه إلى المستشفى. ومات مهند خزعل (10 أعوام) مشجع فريق ريال مدريد، فيما نجا شقيقه أحمد، لكنه أصيب بشظية في وجهه. ولقد تعرض شقيقه الأكبر فاروق لحروق شديدة في جسده ويرقد في المستشفى حاليا.
في الوقت الذي وصل فيه العيداني إلى ملعب كرة القدم، كان ولده كرار قد نقل إلى المستشفى. ولقد وافته المنية قبل وصول والده الذي قال: «ماذا يمكن أن نقول؟ لا يمكننا سوى أن نحمد الله على كل حال».
بعد أسبوعين من الحادث، لا تزال القرية بأكملها في حالة صدمة عميقة. ولقد تحول الجدار بجوار المكان الذي وقع فيه الانفجار إلى مزار لأهل القرية؛ حيث امتلأ بصور الأطفال القتلى، والبقايا الملطخة بالدماء من ملابسهم وكرات القدم الممزقة. وارتفعت الرايات السوداء المعلنة لحداد أهل القرية أعلى منازل أهالي الضحايا.
وفي الداخل، كانت العائلات تتلقى العزاء في غرف المعيشة بحزن كبير. وقدم الآباء أقداح الشاي، وعرضوا صور أطفالهم القتلى وأعينهم مليئة بالدموع.
كان بلال، شقيق أنمار، من التلاميذ المتفوقين الذي تقدم أقرانه في الصف السادس، ولقد كان لاعب كرة قدم ماهرا؛ حيث تلقى لقب لاعب العام ثلاثة أعوام متتالية وسط فريقه المحلي، كما يقول جده حامد الجنابي: «جاء أساتذته لزيارتنا، ولقد كانوا جميعهم يبكون، فلقد كان أول التلاميذ في كل شيء».
وفي منزل قريب من الشارع نفسه، تذكر والد وليد ابنه ولكن بطريقة مختلفة؛ إذ قال عادل عبيد : «لم يكن جيدا في المدرسة، ولقد رسب في معظم الامتحانات، ولقد كان يعلب كرة القدم كثيرا». كما كان طيب القلب وهادئا، ومحبا للطيور، وقالت والدته: «بعد وفاته، جاء أناس لم أكن أعرفهم من قبل لزيارتي، وأخبروني بأن وليد كان طيب القلب معهم».
تذكرت السيدة سناء ياسين موسى، والدة الطفل القتيل مهند خزعل، ولدها في منزل العائلة المتواضع الصغير، فتقول: «كان محبا لكرة القدم بشدة، كانت كرة القدم في دمه وروحه».
نسي كل من كانوا في الحادثة المروعة نتيجة المباراة. ومن بين من التقينا معهم، كان أحمد هو الوحيد الذي تذكر نتيجة اللقاء؛ حيث فاز فريق السلام بفارق هدف واحد على فريق الأهلي. لكن الفريق الفائز رفض تسلم الكأس الذي استقر في مكانه في موقع الانفجار، محاطا بهالة من كرات القدم والزهور والأعلام الوطنية العراقية.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.