غاز البحر المتوسط يواجه عثرة عابرة في طريق تريليونات الأقدام

انسحاب في مصر.. وقضايا في إسرائيل.. وانتقادات لقبرص

إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)
إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)
TT

غاز البحر المتوسط يواجه عثرة عابرة في طريق تريليونات الأقدام

إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)
إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)

خلال الشهر الماضي تعرضت عملية إنتاج الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط لضربات إدارية وسياسية عدة، لكن جاذبية المنطقة ما زالت عالية، وما زالت اكتشافات الغاز الضخمة هي المكون الأساسي لخطط الطاقة في الدول المطلة على تريليونات الأقدام من الغاز الطبيعي.
في منتصف الشهر الماضي كشفت شركة إيني الإيطالية عن نيتها خفض استثمارات وبيع حصص في حقول نفط وغاز بما يساعدها على زيادة توزيعات الأرباح، والتحول إلى لاعب أصغر حجما في قطاع التنقيب مع التركيز على الغاز، وذكرت الشركة في خطة أعمالها للفترة من 2016 إلى 2019 أنها ستخفض إجمالي إنفاقها الرأسمالي 21 في المائة وميزانيات التنقيب 18 في المائة، بينما ستجمع سبعة مليارات يورو (7.9 مليار دولار) من بيع أصول.
وقال الرئيس التنفيذي، كلاوديو ديسكالزي: إن عمليات البيع «ستكون في الأساس من خلال تقليص حصصنا في اكتشافات... منها اكتشافات تحققت في الآونة الأخيرة»، مشيرا إلى أن حقول الغاز الكبرى التي تعمل بها الشركة في مصر على رأس القائمة.
جدير بالذكر، أن هذا الاكتشاف سيوفر لمصر احتياطات عملاقة من الغاز، وأن المعلومات الأولية توضح أن الاكتشاف يحتوي على «احتياطات أصلية تُقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، بما يعادل نحو 5.5 مليار برميل».
ويغطي الاكتشاف الذي أطلق عليه اسم حقل «ظهر» مساحة 100 كيلومتر مربع في عمق 4757 قدما (1450 مترا)، ويصل عمقه الأقصى إلى نحو 13553 قدما (4131 مترا).
بعدها بأيام وجهت المحكمة العليا الإسرائيلية ضربة لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، حيث رفضت الاتفاق الموقع بين الحكومة وكونسورتيوم، إسرائيلي أميركي، لاستثمار احتياطي الغاز في المتوسط. ومن شأن هذا الرفض أن يعرقل طموحات نتنياهو في تحويل إسرائيل إلى مصدر للغاز الطبيعي.
ورفضت المحكمة الإسرائيلية العليا الاتفاق، وعزت قرارها إلى وجود بند «غير مقبول» في الاتفاق، كونه يحول دون تغيير نص الاتفاق لعشر سنوات.
وقال نتنياهو أمام المحكمة «الاتفاق الحالي لا بديل عنه، وعدم الموافقة عليه سيؤدي إلى تداعيات سلبية على البلاد».
وتزامن قرار المحكمة الإسرائيلية مع تأكيد وزارة الخارجية التركية بأن أنقرة لن تسمح للشركات الأجنبية بالتنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص، وأنها ستتخذ التدابير كافة التي من شأنها حماية حقوقها في تلك المياه، وهذا ردا على اعتزام حكومة «القبارصة اليونانيين» إجراء مناقصة جديدة لمنح تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص.
وقال بيان الخارجية التركية: إن «قرار قبرص الرومية في ما يتعلق بالمناقصة المذكورة يعد انتهاكا لحقوق تركيا النابعة عن الجرف القاري للمنطقة من جهة، وتجاهلا لمصالح وحقوق الطرف التركي من الموارد الطبيعية للجزيرة من جهة أخرى».
ودعت الوزارة «الدول والشركات التي قد تنوي القيام بأعمال التنقيب عن الهيدروكربونات، استنادا إلى رخص باطلة قد تحاول منحها إدارة جنوب قبرص الرومية إلى التصرف بحكمة، والوضع في الحسبان إرادة القبارصة الأتراك المكون الآخر للجزيرة».
ورغم هذه العراقيل الموضوعة تباعا أمام حركة استخراج الغاز الطبيعي من واحدة من أكثر المناطق غنى بالغاز الطبيعي، فإن تنمية المنطقة المهمة واستفادة الدول المطلة من الثروات أمر غير قابل للتوقف.
فبخصوص مصر، فقد صرحت وزارة البترول بأن «خطة تنمية الكشف تم اعتمادها بالفعل والشركة ملتزمة ببرامج التنمية، وحتى لو أرادت الشركة التخارج أو البيع، فإن الشريك الجديد يكون ملتزما بكل شروط التعاقد، كما حدث في أكثر من سابقة».
وانتهت «إيني» بالفعل من حفر بئرين في منطقة الاستكشاف، وبدأت في حفر البئر الثالثة في منطقة شروق البحرية، وتقدر استثمارات المشروع بـ «12 مليار دولار».
وقال خبير بترولي مصري، رفض ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «إن الاستثمار في المياه العميقة في البحر المتوسط ما زال جاذبا، وأن (إيني) إذا فكرت أن تبيع هذا الاكتشاف، فسيكون لكونه جاذبا وعالي الإنتاجية وسهل التسويق، وليس لكونه عبئا على الشركة».
ولم تعلن الحكومة المصرية سعر شراء الغاز من «إيني»، ولكن العقد المبرم يلزم برد التكاليف الاستثمارية أولا للشركة قبل استفادة الحكومة من الإنتاج، كما أن الحكومة المصرية قامت برفع سعر شراء الغاز من «إيني» أكثر من 100 في المائة في يوليو (تموز) الماضي، ليصل السعر إلى 5.88 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية كحد أقصى، وعند 4 دولارات كحد أدنى، ارتفاعا من 2.65 دولار لكل مليون وحدة سابقا، وهذا بخصوص آبار أقل عمقا في مياه البحر المتوسط، ما يعني أن أسعار شراء الغاز من حقل «ظهر» الأكثر عمقا ستكون أعلى.
وتهتم الحكومة المصرية منذ منتصف 2013 بتوفير مصادر الطاقة، مع اهتمام أقل بالحصول على أسعار تفضيلية، حيث تقوم بتوفير الطاقة للمواطنين مع رفع دعم الطاقة تدريجيا، وهذا بعد أن شهدت مصر أسوأ أزمة طاقة في عقود بسبب الانخفاض المتواصل في إنتاج الغاز وزيادة الاستهلاك من الطاقة المدعومة.
وبخصوص قرار المحكمة الإسرائيلية، فإن المحكمة أعطت البرلمان الإسرائيلي مهلة عام لتعديل الاتفاق، ما يسمح بإنقاذ الصفقة التي تم التفاوض عليها لأشهر.
ويقول أستاذ القانون في الجامعة العبرية في القدس، باراك مدينا، «في الواقع، وافقت المحكمة على معظم قرارات الحكومة».
وكانت المحكمة قالت في نص قرارها «قررنا إلغاء الاتفاق حول الغاز نتيجة هذا البند»، الذي يمنع تغيير السعر لعشرة أعوام.
وإن كانت نوبل إنرجي تخوفت من تباطؤ الاستثمار في حقل لوثيان بعد قرار المحكمة، فهي تستثمر بالفعل بالشراكة مع «ديليك غروب» منذ العام 2013 في حقل تمار الواقع على بعد نحو 80 كلم قبالة سواحل حيفا، كما تتعاونان في تطوير حقل ليفياثان الشاسع، الواقع أيضا قبالة المدينة، الذي يتوقع أن يبدأ استثماره عندما يبدأ الاحتياطي في تمار بالنضوب.
وتعهد نتنياهو بإيجاد طرق أخرى «للتغلب على الضرر الشديد الذي سيتسبب به هذا القرار الغريب للاقتصاد الإسرائيلي».
ويوضح أستاذ القانون، أن رد فعل نتنياهو قد يكون مرتبطا بالسياسة أكثر منه بالقرار نفسه، وينتقد خصوم نتنياهو الاتفاق الذي يقولون إنه «يعطي الأفضلية للشركتين المعنيتين على حساب المستهلكين».
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، ديفيد ستوفر، في بيان: إن «قرار المحكمة مخيب للآمال»، ولو أنه اعترف بأن تطوير الغاز الطبيعي في الوقت المناسب مسألة ذات أهمية وطنية استراتيجية لإسرائيل.
وأضاف «الأمر الآن متروك للحكومة الإسرائيلية لإيجاد حل يلبي، على الأقل، شروط اتفاق الإطار، وعليها القيام بذلك بسرعة».
ومن شأن هذه الحقول، أن تغير وضع الطاقة في إسرائيل، ليس لأنها تتيح استقلالا في قطاع الطاقة لبلد يعتمد إلى حد كبير على الخارج في هذا المجال فحسب، بل لأنها تفتح أيضا للدولة فرص تصدير طاقتها وإقامة علاقات استراتيجية جديدة في المنطقة.
ولكن بحسب مدينا، فإن قرار المحكمة العليا قد يسمح له بتنفيذ التغييرات اللازمة من دون اللجوء إلى البرلمان.
ويشير أستاذ القانون إلى أن إحدى الوسائل لحل المسألة تكمن في تضمين الاتفاق دفع تعويض للشركات المعنية في حال حصول تغيير في القانون أو الاتفاق، ويعاد الاتفاق بعد التعديل إلى المحكمة العليا لمراجعته.
ومع أن تجنب الذهاب إلى البرلمان قد يكون الطريقة الأسرع، إلا أن الشركات المعنية ستكون في وضع أفضل في حال تمرير مشروع قانون على البرلمان، بحسب ما تقول بريندا شافير، التي شغلت منصب مستشارة للحكومة الإسرائيلية في قضايا الطاقة.
وتقول شافير، وهي أستاذة زائرة في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة: "إن إقرار القانون في البرلمان سيكون أكثر متانة من قرار حكومي".
ويملك نتنياهو 61 مقعدا في البرلمان في إطار مقاعد الائتلاف الحكومي اليميني الهش الذي يقوده.
وتتابع شافير «قد يكون ذلك أفضل للشركات لأن (الاتفاق) ليس ثابتا جدا من دون موافقة البرلمان، ولهذا أعتقد أنه على الرغم من أن الشركات غير سعيدة اليوم، فإن الأمر يصب في مصلحتها على المدى الطويل».
ولا يُعد تطوير حقل لوثيان مهما لإسرائيل فقط، حيث أعلن مطورو حقل لوثيان في العام الماضي توقيع اتفاق أولي لضخ الغاز إلى مصر عبر خط أنابيب بحري قائم لمدة تصل إلى 15 عاما.
وقالت الشركات: "إن لوثيان، المتوقع أن يبدأ إنتاجه في 2019 أو 2020، سيزود دولفينوس القابضة المصرية بما يصل إلى أربعة مليارات متر مكعب من الغاز سنويا لمدة عشر سنوات إلى 15 سنة».
وقالوا: «إن سعر الغاز مماثل للعقود الأخرى ويرتبط بتكلفة خام برنت ويتضمن حدا أدنى».
وقتها، قالت وزارة البترول المصرية: إن قطاع البترول «ليس لديه مانع للسماح لشركات القطاع الخاص الراغبة في استيراد الغاز مقابل تعريفة يتم الاتفاق عليها».
وقال يوسي أبو، الرئيس التنفيذي لشركة ديليك للحفر الإسرائيلية، «السوق المصرية متعطشة للغاز، سواء للاستخدام المحلي أو لمنشآت التصدير، يوجد مجال كبير للتعاون هناك».
وسيضخ الغاز عبر خط أنابيب بحري أنشأته شركة غاز شرق المتوسط قبل عشر سنوات تقريبا.
هذا، إضافة إلى المفاوضات بين شركاء لوثيان ومجموعة بي.جي البريطانية بخصوص صفقة محتملة لإمداد محطة بي.جي للغاز الطبيعي المسال في «إدكو» بمصر.
وقالت مصر: إنها «ما زالت ترغب في استيراد الغاز الإسرائيلي، رغم اكتشاف (إيني) الإيطالية حقل ظُهر العملاق».
وفي وقت سابق هذا العام، أبرمت دولفينوس اتفاقا مدته سبع سنوات لشراء ما لا تقل قيمته عن 1.2 مليار دولار من الغاز من حقل تمار الإسرائيلي القريب من لوثيان، هذا كما تسعى الأردن أيضا إلى استيراد غاز لوثيان.
وقال أبو: «مصر تتحول إلى مركز إقليمي عن طريق التعاون مع شركاء لوثيان وتمار وإسرائيل وقبرص»، ولم تتعرض الاستثمارات الأجنبية في غاز قبرص لاضطرابات نتيجة الانتقادات التركية المستمرة، ما يرجح فرص استمرار حركة الاستثمار بوتيرة جيدة.
ووفقا للتقارير الدولية، فإن الطلب على الغاز الطبيعي ما زال يتنامى، ويستحوذ على شرائح أكبر من استهلاك العالم من الطاقة، ما يدعم تنافسية قطاع الغاز الطبيعي في المنطقة والعالم بأسره.
ونما الاستهلاك العالمي من الغاز سنويا بـ2.4% في المتوسط خلال السنوات العشر، وهو أعلى من معدل الزيادة في باقي أنواع الطاقة، ما جعل الغاز يستحوذ على نسبة أكبر من الاستهلاك العالمي، وتتوقع وكالة الطاقة العالمية أن يستحوذ الغاز الطبيعي على 25 في المائة من مكونات الطاقة في العالم بحلول 2035.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.