غاز البحر المتوسط يواجه عثرة عابرة في طريق تريليونات الأقدام

انسحاب في مصر.. وقضايا في إسرائيل.. وانتقادات لقبرص

إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)
إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)
TT

غاز البحر المتوسط يواجه عثرة عابرة في طريق تريليونات الأقدام

إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)
إحدى محطات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط - (رويترز)

خلال الشهر الماضي تعرضت عملية إنتاج الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط لضربات إدارية وسياسية عدة، لكن جاذبية المنطقة ما زالت عالية، وما زالت اكتشافات الغاز الضخمة هي المكون الأساسي لخطط الطاقة في الدول المطلة على تريليونات الأقدام من الغاز الطبيعي.
في منتصف الشهر الماضي كشفت شركة إيني الإيطالية عن نيتها خفض استثمارات وبيع حصص في حقول نفط وغاز بما يساعدها على زيادة توزيعات الأرباح، والتحول إلى لاعب أصغر حجما في قطاع التنقيب مع التركيز على الغاز، وذكرت الشركة في خطة أعمالها للفترة من 2016 إلى 2019 أنها ستخفض إجمالي إنفاقها الرأسمالي 21 في المائة وميزانيات التنقيب 18 في المائة، بينما ستجمع سبعة مليارات يورو (7.9 مليار دولار) من بيع أصول.
وقال الرئيس التنفيذي، كلاوديو ديسكالزي: إن عمليات البيع «ستكون في الأساس من خلال تقليص حصصنا في اكتشافات... منها اكتشافات تحققت في الآونة الأخيرة»، مشيرا إلى أن حقول الغاز الكبرى التي تعمل بها الشركة في مصر على رأس القائمة.
جدير بالذكر، أن هذا الاكتشاف سيوفر لمصر احتياطات عملاقة من الغاز، وأن المعلومات الأولية توضح أن الاكتشاف يحتوي على «احتياطات أصلية تُقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، بما يعادل نحو 5.5 مليار برميل».
ويغطي الاكتشاف الذي أطلق عليه اسم حقل «ظهر» مساحة 100 كيلومتر مربع في عمق 4757 قدما (1450 مترا)، ويصل عمقه الأقصى إلى نحو 13553 قدما (4131 مترا).
بعدها بأيام وجهت المحكمة العليا الإسرائيلية ضربة لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، حيث رفضت الاتفاق الموقع بين الحكومة وكونسورتيوم، إسرائيلي أميركي، لاستثمار احتياطي الغاز في المتوسط. ومن شأن هذا الرفض أن يعرقل طموحات نتنياهو في تحويل إسرائيل إلى مصدر للغاز الطبيعي.
ورفضت المحكمة الإسرائيلية العليا الاتفاق، وعزت قرارها إلى وجود بند «غير مقبول» في الاتفاق، كونه يحول دون تغيير نص الاتفاق لعشر سنوات.
وقال نتنياهو أمام المحكمة «الاتفاق الحالي لا بديل عنه، وعدم الموافقة عليه سيؤدي إلى تداعيات سلبية على البلاد».
وتزامن قرار المحكمة الإسرائيلية مع تأكيد وزارة الخارجية التركية بأن أنقرة لن تسمح للشركات الأجنبية بالتنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص، وأنها ستتخذ التدابير كافة التي من شأنها حماية حقوقها في تلك المياه، وهذا ردا على اعتزام حكومة «القبارصة اليونانيين» إجراء مناقصة جديدة لمنح تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص.
وقال بيان الخارجية التركية: إن «قرار قبرص الرومية في ما يتعلق بالمناقصة المذكورة يعد انتهاكا لحقوق تركيا النابعة عن الجرف القاري للمنطقة من جهة، وتجاهلا لمصالح وحقوق الطرف التركي من الموارد الطبيعية للجزيرة من جهة أخرى».
ودعت الوزارة «الدول والشركات التي قد تنوي القيام بأعمال التنقيب عن الهيدروكربونات، استنادا إلى رخص باطلة قد تحاول منحها إدارة جنوب قبرص الرومية إلى التصرف بحكمة، والوضع في الحسبان إرادة القبارصة الأتراك المكون الآخر للجزيرة».
ورغم هذه العراقيل الموضوعة تباعا أمام حركة استخراج الغاز الطبيعي من واحدة من أكثر المناطق غنى بالغاز الطبيعي، فإن تنمية المنطقة المهمة واستفادة الدول المطلة من الثروات أمر غير قابل للتوقف.
فبخصوص مصر، فقد صرحت وزارة البترول بأن «خطة تنمية الكشف تم اعتمادها بالفعل والشركة ملتزمة ببرامج التنمية، وحتى لو أرادت الشركة التخارج أو البيع، فإن الشريك الجديد يكون ملتزما بكل شروط التعاقد، كما حدث في أكثر من سابقة».
وانتهت «إيني» بالفعل من حفر بئرين في منطقة الاستكشاف، وبدأت في حفر البئر الثالثة في منطقة شروق البحرية، وتقدر استثمارات المشروع بـ «12 مليار دولار».
وقال خبير بترولي مصري، رفض ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «إن الاستثمار في المياه العميقة في البحر المتوسط ما زال جاذبا، وأن (إيني) إذا فكرت أن تبيع هذا الاكتشاف، فسيكون لكونه جاذبا وعالي الإنتاجية وسهل التسويق، وليس لكونه عبئا على الشركة».
ولم تعلن الحكومة المصرية سعر شراء الغاز من «إيني»، ولكن العقد المبرم يلزم برد التكاليف الاستثمارية أولا للشركة قبل استفادة الحكومة من الإنتاج، كما أن الحكومة المصرية قامت برفع سعر شراء الغاز من «إيني» أكثر من 100 في المائة في يوليو (تموز) الماضي، ليصل السعر إلى 5.88 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية كحد أقصى، وعند 4 دولارات كحد أدنى، ارتفاعا من 2.65 دولار لكل مليون وحدة سابقا، وهذا بخصوص آبار أقل عمقا في مياه البحر المتوسط، ما يعني أن أسعار شراء الغاز من حقل «ظهر» الأكثر عمقا ستكون أعلى.
وتهتم الحكومة المصرية منذ منتصف 2013 بتوفير مصادر الطاقة، مع اهتمام أقل بالحصول على أسعار تفضيلية، حيث تقوم بتوفير الطاقة للمواطنين مع رفع دعم الطاقة تدريجيا، وهذا بعد أن شهدت مصر أسوأ أزمة طاقة في عقود بسبب الانخفاض المتواصل في إنتاج الغاز وزيادة الاستهلاك من الطاقة المدعومة.
وبخصوص قرار المحكمة الإسرائيلية، فإن المحكمة أعطت البرلمان الإسرائيلي مهلة عام لتعديل الاتفاق، ما يسمح بإنقاذ الصفقة التي تم التفاوض عليها لأشهر.
ويقول أستاذ القانون في الجامعة العبرية في القدس، باراك مدينا، «في الواقع، وافقت المحكمة على معظم قرارات الحكومة».
وكانت المحكمة قالت في نص قرارها «قررنا إلغاء الاتفاق حول الغاز نتيجة هذا البند»، الذي يمنع تغيير السعر لعشرة أعوام.
وإن كانت نوبل إنرجي تخوفت من تباطؤ الاستثمار في حقل لوثيان بعد قرار المحكمة، فهي تستثمر بالفعل بالشراكة مع «ديليك غروب» منذ العام 2013 في حقل تمار الواقع على بعد نحو 80 كلم قبالة سواحل حيفا، كما تتعاونان في تطوير حقل ليفياثان الشاسع، الواقع أيضا قبالة المدينة، الذي يتوقع أن يبدأ استثماره عندما يبدأ الاحتياطي في تمار بالنضوب.
وتعهد نتنياهو بإيجاد طرق أخرى «للتغلب على الضرر الشديد الذي سيتسبب به هذا القرار الغريب للاقتصاد الإسرائيلي».
ويوضح أستاذ القانون، أن رد فعل نتنياهو قد يكون مرتبطا بالسياسة أكثر منه بالقرار نفسه، وينتقد خصوم نتنياهو الاتفاق الذي يقولون إنه «يعطي الأفضلية للشركتين المعنيتين على حساب المستهلكين».
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، ديفيد ستوفر، في بيان: إن «قرار المحكمة مخيب للآمال»، ولو أنه اعترف بأن تطوير الغاز الطبيعي في الوقت المناسب مسألة ذات أهمية وطنية استراتيجية لإسرائيل.
وأضاف «الأمر الآن متروك للحكومة الإسرائيلية لإيجاد حل يلبي، على الأقل، شروط اتفاق الإطار، وعليها القيام بذلك بسرعة».
ومن شأن هذه الحقول، أن تغير وضع الطاقة في إسرائيل، ليس لأنها تتيح استقلالا في قطاع الطاقة لبلد يعتمد إلى حد كبير على الخارج في هذا المجال فحسب، بل لأنها تفتح أيضا للدولة فرص تصدير طاقتها وإقامة علاقات استراتيجية جديدة في المنطقة.
ولكن بحسب مدينا، فإن قرار المحكمة العليا قد يسمح له بتنفيذ التغييرات اللازمة من دون اللجوء إلى البرلمان.
ويشير أستاذ القانون إلى أن إحدى الوسائل لحل المسألة تكمن في تضمين الاتفاق دفع تعويض للشركات المعنية في حال حصول تغيير في القانون أو الاتفاق، ويعاد الاتفاق بعد التعديل إلى المحكمة العليا لمراجعته.
ومع أن تجنب الذهاب إلى البرلمان قد يكون الطريقة الأسرع، إلا أن الشركات المعنية ستكون في وضع أفضل في حال تمرير مشروع قانون على البرلمان، بحسب ما تقول بريندا شافير، التي شغلت منصب مستشارة للحكومة الإسرائيلية في قضايا الطاقة.
وتقول شافير، وهي أستاذة زائرة في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة: "إن إقرار القانون في البرلمان سيكون أكثر متانة من قرار حكومي".
ويملك نتنياهو 61 مقعدا في البرلمان في إطار مقاعد الائتلاف الحكومي اليميني الهش الذي يقوده.
وتتابع شافير «قد يكون ذلك أفضل للشركات لأن (الاتفاق) ليس ثابتا جدا من دون موافقة البرلمان، ولهذا أعتقد أنه على الرغم من أن الشركات غير سعيدة اليوم، فإن الأمر يصب في مصلحتها على المدى الطويل».
ولا يُعد تطوير حقل لوثيان مهما لإسرائيل فقط، حيث أعلن مطورو حقل لوثيان في العام الماضي توقيع اتفاق أولي لضخ الغاز إلى مصر عبر خط أنابيب بحري قائم لمدة تصل إلى 15 عاما.
وقالت الشركات: "إن لوثيان، المتوقع أن يبدأ إنتاجه في 2019 أو 2020، سيزود دولفينوس القابضة المصرية بما يصل إلى أربعة مليارات متر مكعب من الغاز سنويا لمدة عشر سنوات إلى 15 سنة».
وقالوا: «إن سعر الغاز مماثل للعقود الأخرى ويرتبط بتكلفة خام برنت ويتضمن حدا أدنى».
وقتها، قالت وزارة البترول المصرية: إن قطاع البترول «ليس لديه مانع للسماح لشركات القطاع الخاص الراغبة في استيراد الغاز مقابل تعريفة يتم الاتفاق عليها».
وقال يوسي أبو، الرئيس التنفيذي لشركة ديليك للحفر الإسرائيلية، «السوق المصرية متعطشة للغاز، سواء للاستخدام المحلي أو لمنشآت التصدير، يوجد مجال كبير للتعاون هناك».
وسيضخ الغاز عبر خط أنابيب بحري أنشأته شركة غاز شرق المتوسط قبل عشر سنوات تقريبا.
هذا، إضافة إلى المفاوضات بين شركاء لوثيان ومجموعة بي.جي البريطانية بخصوص صفقة محتملة لإمداد محطة بي.جي للغاز الطبيعي المسال في «إدكو» بمصر.
وقالت مصر: إنها «ما زالت ترغب في استيراد الغاز الإسرائيلي، رغم اكتشاف (إيني) الإيطالية حقل ظُهر العملاق».
وفي وقت سابق هذا العام، أبرمت دولفينوس اتفاقا مدته سبع سنوات لشراء ما لا تقل قيمته عن 1.2 مليار دولار من الغاز من حقل تمار الإسرائيلي القريب من لوثيان، هذا كما تسعى الأردن أيضا إلى استيراد غاز لوثيان.
وقال أبو: «مصر تتحول إلى مركز إقليمي عن طريق التعاون مع شركاء لوثيان وتمار وإسرائيل وقبرص»، ولم تتعرض الاستثمارات الأجنبية في غاز قبرص لاضطرابات نتيجة الانتقادات التركية المستمرة، ما يرجح فرص استمرار حركة الاستثمار بوتيرة جيدة.
ووفقا للتقارير الدولية، فإن الطلب على الغاز الطبيعي ما زال يتنامى، ويستحوذ على شرائح أكبر من استهلاك العالم من الطاقة، ما يدعم تنافسية قطاع الغاز الطبيعي في المنطقة والعالم بأسره.
ونما الاستهلاك العالمي من الغاز سنويا بـ2.4% في المتوسط خلال السنوات العشر، وهو أعلى من معدل الزيادة في باقي أنواع الطاقة، ما جعل الغاز يستحوذ على نسبة أكبر من الاستهلاك العالمي، وتتوقع وكالة الطاقة العالمية أن يستحوذ الغاز الطبيعي على 25 في المائة من مكونات الطاقة في العالم بحلول 2035.



استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
TT

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

وأفادت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي في الصين، السبت، بأن هذا الرقم يقل بنحو 15.5 مليار دولار، أو 0.7 في المائة، مقارنة مع نهاية عام 2024، وفقاً للبيانات التي أوردتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وقال لي بين، نائب رئيس الهيئة والمتحدث باسمها، إن هيكل عملات الديون الخارجية للصين شهد تحسناً في عام 2025، بينما بقي هيكل الاستحقاق مستقراً على شكل أساسي.

وبنهاية عام 2025، شكَّلت الديون الخارجية غير المسددة المقومة باليوان الصيني 55.5 في المائة من الإجمالي، بزيادة 1.4 نقطة مئوية قياساً بنهاية 2024.

وبالنسبة لهيكل الاستحقاق، شكَّلت الديون المتوسطة والطويلة الأجل 43.5 في المائة من الإجمالي بنهاية 2025، بانخفاض قدره 0.6 نقطة مئوية عن نهاية 2024، حسبما أظهرت بيانات الهيئة.

وكشفت البيانات أيضاً أن نسبة الديون الخارجية غير المسددة للصين إلى إجمالي الناتج المحلي بنهاية العام الماضي بلغت 11.9 في المائة، في حين بلغت نسبة الديون الخارجية غير المسددة إلى عائدات التصدير 56.3 في المائة.

وأوضح نائب رئيس الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن هذه المؤشرات بقيت ضمن عتبات الأمان المعترف بها دولياً، مضيفاً أن مخاطر الديون الخارجية للصين يمكن السيطرة عليها بشكل عام.

على صعيد آخر، أوضحت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن قيمة التجارة الخارجية للصين من السلع والخدمات تجاوزت 3.93 تريليون يوان في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت الهيئة أن صادرات السلع والخدمات وصلت إلى نحو 2.15 تريليون يوان، بينما تجاوزت قيمة الواردات 1.79 تريليون يوان، ما أدى إلى فائض قدره 360.3 مليار يوان.

وفيما يتعلق بأعمال تجارة الخدمات الرئيسية؛ بلغت قيمة خدمات السفر 159.6 مليار يوان، بينما بلغت قيمة الخدمات التجارية الأخرى 128.5 مليار يوان، وبلغت قيمة خدمات النقل 103.3 مليار يوان، في حين بلغت قيمة خدمات الاتصالات والكومبيوتر والمعلومات 62.8 مليار يوان في الشهر الماضي، وفقاً للبيانات.

ومن حيث القيمة الدولارية؛ بلغت قيمة صادرات الصين من السلع والخدمات 309.2 مليار دولار خلال فبراير الماضي، بينما وصلت قيمة وارداتها إلى 257.3 مليار دولار، ما أدى إلى فائض قدره 51.9 مليار دولار، وفقاً للهيئة.


بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.


«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.