كيف تحولت السجون البلجيكية إلى معقل للمتطرفين؟

ساحة خلفية لتفريخ المتشددين بعيدًا عن أعين الحراس

عبد الحميد أباعود العقل المدبر لهجمات باريس تعرف على صلاح عبد السلام الذي ألقي القبض عليه في بروكسل هذا الشهر داخل السجون البلجيكية («الشرق الأوسط»)
عبد الحميد أباعود العقل المدبر لهجمات باريس تعرف على صلاح عبد السلام الذي ألقي القبض عليه في بروكسل هذا الشهر داخل السجون البلجيكية («الشرق الأوسط»)
TT

كيف تحولت السجون البلجيكية إلى معقل للمتطرفين؟

عبد الحميد أباعود العقل المدبر لهجمات باريس تعرف على صلاح عبد السلام الذي ألقي القبض عليه في بروكسل هذا الشهر داخل السجون البلجيكية («الشرق الأوسط»)
عبد الحميد أباعود العقل المدبر لهجمات باريس تعرف على صلاح عبد السلام الذي ألقي القبض عليه في بروكسل هذا الشهر داخل السجون البلجيكية («الشرق الأوسط»)

يعرف ستيفاني ميدوت أمرًا أو اثنين بخصوص السجون البلجيكية، حيث قضى 10 سنوات بها لإدانته بالتورط في أكثر من 10 جرائم سطو مسلح على مصارف. وخلال فترة سجنه، انتقل ميدوت من سجن لآخر، ومن زنزانة لأخرى.
وعلى مدار تلك الفترة، أصبح مشاركًا داخل منظومة للسجون تحولت لمرتع خصب للمتطرفين المسلمين الذين ينتهجون العنف. واللافت أن الكثير من المتورطين في هجمات باريس وبروكسل قضوا فترات سجن قصيرة بادئ الأمر وراء القضبان لتورطهم في جرائم تافهة نسبيًا. وداخل السجن، التقى الشباب المنحرف بوعاظ غرسوا بداخلهم شعورا جديدا وفتاكا بالعزيمة والإصرار.
داخل أحد السجون البلجيكية، التقى عبد الحميد أباعود، الذي عاون في التخطيط لهجمات باريس ولقي حتفه خلال مداهمة شرطية في نوفمبر (تشرين الثاني)، صلاح عبد السلام، المتهم بتورطه في هجمات باريس والذي ألقي القبض عليه في بروكسل هذا الشهر. أيضًا، قضى إبراهيم، شقيق صلاح، الذي فجر نفسه في باريس، بعض الوقت في السجن.
وقضى اثنان من التفجيريين الانتحاريين في هجمات بروكسل الأسبوع الماضي، وهما الشقيقان إبراهيم وخالد البكراوي، بعض الوقت داخل سجون بلجيكية لتورطهم في جرائم عنف منها سطو مسلح. وقال ميدوت، 37 عامًا الآن، إنه خلال تنقله من سجن لآخر، عاين الروتين ذاته، حيث استغل السجناء النشطون في مجال الدعوة الساعات المخصصة لممارسة الرياضة والنوافذ الصغيرة داخل الزنزانات لتبادل الأخبار ونسخ من القرآن وبعض الهدايا الصغيرة مثل هواتف محمولة غير قانونية. وبمرور الوقت، نجحوا في استقطاب عدد من الشباب الصغير الذين يسهل التأثير عليهم وأقنعوهم بالتوقف عن تناول الكحوليات والشروع في التفكير فيما اعتبروه مظالم، مثل غزو العراق ومأساة الفلسطينيين والمعاملة التي تتعرض لها أسرهم المهاجرة. وأضاف أن حراس السجن الذين لم يكونوا قادرين على فهم العربية، أبدوا تساهلاً حيال الأمر، ولم يفعلوا شيئا لوقف هذا المد المتنامي. وقال ميدوت، وهو غير مسلم: «إذا لم تكن مسلمًا، تشعر بالحاجة للتكيف مع القواعد القائمة». على سبيل المثال، عندما كان يحين وقت الصلاة، كان يطلب من الجميع إغلاق أجهزة التلفزيون حتى لا يشتتوا انتباه المؤمنين المصلين.
جدير بالذكر أن وزارة العدل البلجيكية كانت تخطط لتغيير منظومة السجون التي يجري النظر إليها على نطاق واسع باعتبارها مدرسة لتخريج المتطرفين. وتسعى الخطط الجديدة لخلق مساحتين منعزلتين، تسع كل منها 20 فردًا، داخل كل من سجني هاسيلت وإيتر للسجناء الأكثر تطرفًا. وأعلنت المتحدثة الرسمية باسم الوزارة أنه في الوقت الراهن تنطبق المعايير اللازمة للاحتجاز بهذه الأماكن على خمسة سجناء فقط. ومن المنتظر أن يبدأ هذا الفصل بين السجناء في 11 أبريل (نيسان).
وفي خطة العمل الخاصة بها التي أعلنتها العام الماضي قبل وقوع هجمات باريس وبروكسل، أوضحت الوزارة أن «السبيل الأمثل لمكافحة عملية التحول إلى الراديكالية يتمثل في إقرار فصل كامل بين الأفراد الراديكاليين وباقي السجناء لتجنب حدوث تلوث واسع النطاق لأفكار المسجونين» والحيلولة دون «نشرهم آيديولوجيتهم بين باقي المحتجزين».
أيضًا، أعلنت الوزارة عزمها تحسين الأوضاع المعيشية داخل السجون التي تعاني من التكدس. وذكرت المتحدثة الرسمية باسم وزارة العدل أن بلجيكا بها قرابة 11.000 سجين، تتراوح نسبة المسلمين بينهم فيما بين 20 في المائة و30 في المائة، رغم أنهم يشكلون قرابة 6 في المائة فقط من السكان. والملاحظ أن فرنسا التي تتسم بأكبر مجتمع مسلم على مستوى أوروبا، تعاني من مشكلات مشابهة، وقد أقدمت هي الأخرى على افتتاح وحدات خاصة، يديرها علماء نفس ومؤرخون وعلماء اجتماع للمتطرفين المحتملين داخل خمسة سجون. ومنذ عام مضى، تعهدت بالاستعانة بأكثر من 60 إماما مسلما إضافيا.
من جهته، أعرب ميدوت عن اعتقاده بصعوبة تغيير الثقافة السائدة داخل السجون. وأضاف أن الشباب «يأتون بمفردهم ويشعرون بالوحدة»، وأن السجناء المسلمين الأكبر سنًا «يجتذبون الشباب الساعي في أن يصبح أكثر اندماجًا في مجموعة ما».
يذكر أن ميدوت كان في السجن لدى وقوع هجمات لندن ومدريد وضد مدرسة يهودية في تولوز بفرنسا، وقال: إن الكثير من السجناء احتفلوا بما حققه «إخوانهم». وعند التطرق إلى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ضد الولايات المتحدة، قال الكثيرون إن «الأميركيين سرقوا نفط الشرق الأوسط وإن هذا هو الانتقام العادل». وذكر ميدوت أنه على مدار عدة شهور، اختلط بنزار الطرابلسي، لاعب كرة القدم المحترف الذي انضم لتنظيم «القاعدة» لاحقًا واعترف بتورطه في مخطط تم إحباطه عام 2003 لقيادة سيارة مفخخة إلى داخل قاعدة كلين بروغيل الجوية التابعة لحلف «الناتو» داخل بلجيكا لتفجيرها. وقضى الطرابلسي 10 سنوات في السجن في بلجيكا، ثم تم ترحيله إلى الولايات المتحدة، رغم تنديد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالقرار.
وقال ميدوت: «كان واحدًا من الأشخاص الذين جرى النظر إليهم كأبطال». يذكر أنه داخل أحد السجون البلجيكية، عمل الطرابلسي، تونسي الجنسية، على تعليم سجناء آخرين العربية عبر تمرير كتب لتعليمها عبر نوافذ الزنزانات. كما عمد الطرابلسي لتشغيل أغانٍ إسلامية وتلاوة قرآن بصوت مرتفع من داخل زنزانته، علاوة على تسجيلات لعمليات إطلاق نار. ولم يفعل الحراس شيئا سوى مطالبته من حين لآخر بخفض الصوت.
وأعرب ميدوت عن اعتقاده بأن خطة الحكومة لعزل الراديكاليين لن تفلح، وطرح في هذا السياق عدة تساؤلات منها: من الذي سيحدد أيا السجناء يعد راديكاليًا على نحو يشكل خطرًا على باقي المسجونين؟ وألا يعني عزلهم تحولهم لمزيد من الراديكالية؟ وما الذي سيحدث لهم بعد انقضاء فترة سجنهم؟
من جانبها، أوضحت المتحدثة الرسمية باسم وزارة العدل أن خطة الوزارة تتضمن الاستعانة بمزيد من الخبراء لاجتذاب السجناء بعيدًا عن التوجهات الراديكالية، مضيفة أن الحراس سيتلقون تدريبًا متخصصًا بهذا المجال. وشددت على عزل السجناء الراديكاليين لا يعني بأي حال نبذهم أو التخلي عنهم، وإنما سيتلقون اهتمامًا مكثفًا بدرجة أكبر.
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ«الشرق الأوسط»



حزب بريطاني يصنّف الصهيونية «شكلاً من أشكال العنصرية»

زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)
زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)
TT

حزب بريطاني يصنّف الصهيونية «شكلاً من أشكال العنصرية»

زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)
زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)

صنّف حزب «الخضر» البريطاني، ذو التوجّه اليساري، الأحد، الصهيونية بوصفها «شكلاً من أشكال العنصرية»، وذلك في تصويت أجراه خلال مؤتمره السنوي، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة لدى جماعات يهودية بريطانية والحكومة الإسرائيلية.

أقرّ أعضاء حزب «الخضر» الذي يشغل خمسة مقاعد في مجلس العموم البريطاني المؤلف من 650 مقعداً، والذي حقّق تقدّماً في الانتخابات المحلية والفرعية الأخيرة، التصنيف بتأييد 1022 عضواً ومعارضة 813 عضواً.

وينص القرار على أن تُعامَل الصهيونية «كأي شكل آخر من أشكال العنصرية»، وعلى دعم الحزب لإقامة «دولة فلسطينية ديموقراطية واحدة على كامل (أراضي) فلسطين التاريخية».

وتسجّل شعبية الحزب صعوداً بقيادة زاك بولانسكي، مع استقطاب ناخبين رافضين لموقف حكومة حزب «العمال» حيال الحرب في قطاع غزة.

وقالت ثلاث منظمات تمّثل الجالية اليهودية في رسالة إلى الحزب قبل التصويت «إن إقرار هذا المقترح من شأنه أن يجعل حزب الخضر أول حزب سياسي بريطاني ذي وزن انتخابي يُقر، في الذاكرة المعاصرة، برنامجاً سياسياً يبدو أنه يتضمن مواقف معادية للسامية بشكل صريح».

وحذّرت المنظمات ممّا «قد يترتب على ذلك من تداعيات على أمن كل اليهود البريطانيين وسلامتهم».

من جهتها، حذّرت وزارة الخارجية الإسرائيلية من أن هذه السياسة تتخطى «حدود النقاش السياسي المشروع».

وأضافت: «يتعيّن على كل الأحزاب السياسية في بريطانيا، في مقدّمها حزب العمال الحاكم، أن ترفض بشكل لا لبس فيه هذا القرار المشين».

كذلك وصف الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ قرار الحزب بأنه «وصمة عار». وجاء في منشور لهرتسوغ، على منصة «إكس»، «الصهيونية هي حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي، وهي تشكل الأساس لحق الشعب اليهودي في إقامة دولة ووطن قومي في أرض إسرائيل».

وعلى الرغم من معارضة ثلاثة على الأقل من نواب الحزب الخمسة لمشروع القرار، قال بولانسكي، في وقت سابق من هذا الأسبوع، إن «تهجير الشعب الفلسطيني وإبادته الجماعية» يُعدّان «عنصرية بكل وضوح».


انتخابات بالبوسنة في ظل انقسامات عميقة

باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)
باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)
TT

انتخابات بالبوسنة في ظل انقسامات عميقة

باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)
باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)

توجّه البوسنيون إلى صناديق الاقتراع الأحد للمشاركة في انتخابات وطنية بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والانقسامات العميقة بين الجماعات المكوّنة لجمهورية البوسنة والهرسك. وقد تؤثر هذه الانتخابات على مساعي البلاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى النفوذ الذي تسعى كل من الولايات المتحدة وروسيا إلى ممارسته على الدولة الصغيرة في البلقان.

وصوّت الناخبون لاختيار أعضاء الرئاسة الثلاثية للبوسنة ونواب البرلمان، إلى جانب انتخابات تشريعية محلية في الكيانين الاتحاديين اللذين تتألف منهما الدولة. وقال رئيس اللجنة المركزية للانتخابات في البوسنة يوفان كالابا للصحافيين في سراييفو إن بعض مراكز الاقتراع اضطرت إلى الإغلاق مؤقتاً بسبب مشكلات في نظام التصويت الإلكتروني. وغيّرت اللجنة تصميم بطاقات الاقتراع واستحدثت نظاماً جديداً للتعرف البيومتري على الناخبين، وأجهزة مسح إلكترونية قالت إنها تهدف إلى الحد من التزوير. وأوضح كالابا أن نسبة المشاركة بلغت 11.94 بالمائة بحلول الساعة 11 صباحاً، مقارنة بنحو 15 في المائة في التوقيت نفسه خلال انتخابات 2022.

ميلوراد دوديك الرئيس السابق لجمهورية صربسكا والعضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك في مركز اقتراع قرب بانيا لوكا الأحد (أ.ف.ب)

محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

وتزايد إحباط الناخبين بسبب تباطؤ الاقتصاد وبطء وتيرة محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي واستمرار الأزمة السياسية؛ إذ عرقلت الأحزاب المهيمنة التي يغلب عليها الطابع العرقي في الكيانين مراراً قرارات الحكومة المركزية الضعيفة التي تربط بينهما.

وتجد البوسنة صعوبة ‌في التعافي منذ ‌الحرب الدامية التي دارت بين عامَي 1992 و1995. وحصلت على صفة دولة مرشحة ‌لعضوية الاتحاد الأوروبي في ديسمبر (كانون الأول) 2022، وعلى الضوء الأخضر لبدء مفاوضات الانضمام إلى التكتل في 2024. لكن المفاوضات الفعلية لم تبدأ بعد؛ لأن القادة السياسيين المحليين لم يطبقوا بعد المتطلبات الأساسية مثل تعزيز الرقابة القضائية، وإقرار قوانين لمكافحة الفساد.

وانتهت الحرب بإبرام «اتفاقية دايتون للسلام» عام 1995 بوساطة الولايات المتحدة، والتي قسمت البوسنة على أسس عرقية إلى جمهورية صرب البوسنة واتحاد البوسنيين (البوشناق) والكروات، وتربطهما حكومة مركزية ورئاسة ثلاثية.

تجاوز خطاب الانقسام

ويقول كثير من الناخبين في البلد الذي يبلغ عدد سكانه ‌نحو 3.4 مليون نسمة إنهم يريدون تجاوز الخطاب المثير للانقسام، ‌لكن المشهد السياسي يبدو عالقاً في مكانه. وتتنافس في هذه الانتخابات أحزاب تأسست بناء على توجهات عرقية، وهي حزب العمل الديمقراطي ‌البوسني، وتحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين، والاتحاد الديمقراطي الكرواتي المنتمي للتيار القومي في مواجهة تحالفات معارضة متعددة الأعراق ‌بقيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي. وتشير بيانات «منصة بوليويف» المعنية بتتبع توجهات الانتخابات إلى أن حزب العمل الديمقراطي يتقدم بفارق ضئيل على مستوى البوسنة بنسبة 21.4 في المائة، يليه الحزب الديمقراطي الاجتماعي بنسبة 16.7 في المائة. وفي جمهورية صرب البوسنة، يتصدر تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين بزعامة ميلوراد دوديك، الذي يدعو إلى توثيق العلاقات مع صربيا وروسيا، بنسبة 34.2 في المائة. وقالت زيلكا تسفيانوفيتش، مرشحة ‌تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين الساعية للفوز بولاية ثانية في الرئاسة الثلاثية: «نختار من يمكنهم إدارة بعض العمليات وبناء المجتمع وجعل جمهورية صرب البوسنة آمنة ومستقرة».

وإذا فازت الأحزاب القائمة على أساس عرقي واستمرت في خلافاتها داخل الحكومة المركزية، والتي ستكون الجهة التي ستنضم رسمياً إلى الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف، فمن المرجح أن يشهد التقدم في عملية الانضمام تعثراً أكبر. وقال إسماعيل غاراسلييفيتش (51 عاماً)، وهو معلم في مدرسة ثانوية في العاصمة سراييفو: «بعد أكثر من 30 عاماً على الحرب، لا يزال الوضع على حاله. ما زلنا نتحدث عن القومية... الوجوه نفسها والقصة نفسها باستمرار».

وسعت قوى كبرى منذ فترة طويلة إلى بسط نفوذها على البوسنة. ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى توسيع عضويته في منطقة البلقان، بما في ذلك البوسنة، لكن روسيا تعرقل هذه الجهود من خلال مواصلة دعمها جمهورية صرب البوسنة. وحاولت الولايات المتحدة أيضاً تعزيز نفوذها، وتدفع باتجاه مشروع خط أنابيب تكلفته 1.5 مليار دولار لاستيراد الغاز الطبيعي المسال الأميركي، تتولى تشغيله شركة لها صلات بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن الاتحاد الأوروبي حذر من أن اختيار الشركة يفتقر إلى الشفافية التنافسية. ودخلت واشنطن أيضاً في خلافات مع بروكسل بشأن دور الممثل السامي الدولي، الذي يتولى بموجب اتفاق «دايتون» فرض تطبيق القوانين.


صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)
TT

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)

وقّعت أوكرانيا وألمانيا صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار للمساعدة في التصدي لتصاعد الهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة، فيما تزامنت زيارة تضامنية للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، الأحد، مع ضربات جديدة وصفارات إنذار في كييف.

وتشمل الاتفاقية أسلحة للطائرات المسيّرة القتالية، ودعماً لقطاع الطاقة الأوكراني المتضرر بشدة، والذي تستهدفه روسيا لقطع التدفئة والكهرباء خلال أشهر الشتاء شديدة البرودة، وفق ما كتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد وصل الأحد إلى كييف لتأكيد الدعم الأوروبي لأوكرانيا، فيما تُصعّد روسيا ضرباتها على العاصمة؛ حيث استهدفت مجدداً جسراً، ودوّت صفارات الإنذار مراراً، بما في ذلك أثناء اصطحاب زيلينسكي المستشار فريدريش ميرتس لمعاينة الأضرار التي لحقت بالأكاديمية الوطنية للعلوم، بعدما استهدفتها طائرة مسيّرة هجومية روسية الاثنين الماضي، ما أسفر عن مقتل شخصين.

وقال ميرتس: «هنا يمكننا أن ندرك عبثية هذه الحرب التامة»، مضيفاً: «يجب أن تتوقف هذه الهجمات الهمجية على السكان المدنيين الأوكرانيين».

عنصران من الشرطة يعملان في موقع على الجسر الشمالي في كييف بعد استهدافه بغارة جوية روسية الأحد (رويترز)

استهداف جسر في كييف

وألحق انفجار سُمع في أنحاء المدينة أضراراً بسطح الطريق على الجسر الشمالي، وهو أحد عدة جسور تربط بين شرق كييف وغربها فوق نهر الدنيبر، وتعرضت لضربات متكررة خلال الأيام الأربعة الماضية.

وقال رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو، إن كييف، التي بقيت إلى حد كبير بمنأى عن الدمار الذي لحق بالمناطق القريبة من خطوط الجبهة خلال نحو 5 سنوات من النزاع، ينبغي أن تكون الآن في حالة تأهب بسبب تصاعد الهجمات.

وطالت هجمات متواصلة على مدار الساعة مناطق سكنية ومحطات وقود ومدارس وبنى تحتية للسكك الحديدية والاتصالات، فيما تُعطل صفارات الإنذار شبه المتواصلة الحياة اليومية، وتبقي السكان في حالة توتر.

ويأتي هذا فيما أفاد زيلينسكي، الأحد، بأن الولايات المتحدة تسعى إلى التوسط لعقد جولة جديدة من المحادثات بين أوكرانيا وروسيا بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ 4 أعوام ونصف العام، على أن تُعقد بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول).

وحذّر ميرتس لدى وصوله أوكرانيا من أن دعم أوكرانيا أمر حيوي لأمن أوروبا. وأعلن ميرتس أن «أوكرانيا بحاجة إلى دعمنا الكامل في الأسابيع المقبلة»، مضيفاً أنه «إن لم يتم وقف روسيا ستتجه آلتها العسكرية إلينا عاجلاً أم آجلاً».

وطالبت أوكرانيا مراراً بأنظمة اعتراض متطورة لإسقاط الطائرات المسيّرة الروسية الجديدة والسريعة والمزودة بمحركات نفاثة، إضافة إلى الصواريخ البالستية القوية.

طائرات مسيّرة اعتراضية من طراز التجسس طوّرتها شركة «كوانتوم WIY» للصناعات في أوكرانيا تم عرضها خلال زيارة المستشار الألماني إلى كييف الأحد (د.ب.أ)

إنتاج مشترك للطائرات المسيّرة

وقال ميرتس خلال مؤتمر صحافي مشترك مع زيلينسكي إن الاتفاق الأخير ينص على الإنتاج المشترك لطائرات مسيّرة مخصصة لاعتراض المسيّرات النفاثة. وأضاف: «تحققت بالفعل اختراقات تقنية كبيرة في هذا المجال خلال الأسابيع الأخيرة». وتابع: «تجري الآن زيادة الإنتاج، وهذا يُعزز الدفاع الجوي الأوكراني بسرعة وبشكل كبير».

وقال ميرتس أيضاً: «نحن نزود أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى، وطائرات مسيّرة قتالية، وتقنيات للأقمار الاصطناعية، حتى تتمكن أيضاً من استهداف مواقع الإطلاق الروسية».

وتوعدت روسيا، الأحد، بتكثيف ضرباتها على البنى التحتية الأوكرانية، ردّاً على تصريحات لزيلينسكي توعّد فيها بزيادة الهجمات على مصافي النفط الروسية.

ودعا ميرتس هذا الأسبوع إلى الوحدة في مواجهة روسيا داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا، وكذلك في بلاده؛ حيث يشهد حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف والمقرّب من موسكو صعوداً.

وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان: «عقب التصريحات التي أدلى بها زيلينسكي، ستُكثَّف ضربات القوات المسلحة الروسية على المنشآت العسكرية والصناعية، وكذلك على البنى التحتية المرتبطة بها، في كييف ومناطق أخرى من أوكرانيا». وكان الأمن من أبرز اهتمامات الناخبين في انتخابات نهاية الأسبوع في لاتفيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والتي تشترك في حدود مع روسيا.

وحذّرت روسيا، السبت، الأجانب والدبلوماسيين من البقاء في كييف، قائلة إنها ستتعرض لضربات جوية جديدة «واسعة النطاق». وواصل قادة دول حليفة لأوكرانيا زياراتهم رغم تهديد مماثل صدر في مايو (أيار).

وكتبت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى أوكرانيا كاتارينا ماثيرنوفا على «إكس»، الأحد: «بعثة الاتحاد الأوروبي باقية. تهديدنا لن يوقف دعم أوروبا لأوكرانيا، بل يذكّرنا فقط بأهمية هذا الدعم!».

وقالت كاتارينا ماثيرنوفا: «لا أحد يغادر»، مضيفة أن السفارات الأوروبية لديها دائماً خطط طوارئ، بما في ذلك لفصل الشتاء، حسبما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ميرتس للصحافيين إنه لم يتأثر بالتهديد، لكنه لا يعرف ما إذا كان قد صدر ليتزامن مع زيارته.

وأقرت روسيا بأنها تتعمد استهداف قطاع الطاقة الأوكراني مع اقتراب فصل الشتاء. وفي العام الماضي، أدت هجمات مماثلة إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة لأيام متتالية مع انخفاض درجات الحرارة إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر.

وفي كييف، التي يقطنها نحو 3 ملايين شخص، بدأ السكان التفكير فيما سيفعلونه إذا تكرر ذلك. كما اقترحت الحكومة على الأشخاص الأكثر ضعفاً وذوي الإعاقة التفكير في مغادرة المدينة. وقال ميرتس إن قيمة برنامج الدعم الشتوي الذي تقدمه برلين تبلغ نحو 350 مليون يورو للمساعدة في توفير مولدات ومحطات تحويل وإصلاح شبكة الكهرباء.