جاءت الهجمات الإرهابية التي هزت العاصمة البلجيكية بروكسل يوم 22 مارس (آذار) الحالي، لتضاف لسلسلة من الهجمات المختلفة التي تعرّضت لها أوروبا من طرف التنظيمات الإرهابية منذ بداية الألفية الثالثة. ولقد أظهرت آخر الإحصائيات بالقارة العجوز، أن هذه العمليات الوحشية خلفت 1800 قتيل على الأقل وأزيد من 6500 جريح في الفترة ما بين 2001 و2016م. ويبدو أن شدة الهجمات، ازدادت حدة بعد «الحراك العربي»، وما صاحبه من تدخلات إقليمية ودولية أنتجت تغيرات سياسية وعسكرية، أعادت الحركات المتطرفة لواجهة الأحداث عربيًا ودوليًا.
في الوقت الذي كان الرهان الدولي منصبًا على محاربة الإرهاب، واعتبار بعض دول الشرق الأوسط وأفريقيا ساحة لهذه الحرب؛ أخذت هذه الصورة التقليدية تتلاشى أمام شراسة المواجهة وأسلوبها في قلب أوروبا. فقد ظل الباحثون والمتخصصون يعتبرون التطرف الديني خاصّية «الإسلام السياسي» العربي المتطرف، وفُسّر ذلك بظهور تنظيمي «القاعدة» ثم «داعش».
كذلك اختَزلت هذه التحليلات «الهشة» ظهور وتمدّد الإرهاب في الوضع الاقتصادي المتمثل في الفقر والبطالة التي يعيشها الشباب العربي؛ غير أن هذا التشخيص تعرض لما يشبه النسف في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2011 التي استهدفت الولايات المتحدة – وخصوصًا، مدينتي نيويورك وواشنطن -، حيث تنوعت تشكيلة المهاجمين العلمية والطبقية، واعتبر ذلك «كشفا جديدا» بل وتحولاً جوهريًا في صفوف التنظيمات الإرهابية، وطرق اشتغالها، وتجديد نخبها والتجنيد لفكرتها عالميًا.
وحسب ما تبيّن من الهجمات الإرهابية بعد 2011، فإن هناك «كشفًا أكثر جدة» يمكن الحديث عنه، ويمتثل في «الأخوة الدموية»، فقد تعرّضت مدينة تولوز الفرنسية لعملية إرهابية من الأخوين مراح، وكان الأخوان تسرناييف الشيشانيان وراء عملية «ماراثون بوسطن» بالولايات المتحدة عام 2013، كما شارك صلاح عبد السلام وشقيقه إبراهيم في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 في تنفيذ «عملية باريس» في فرنسا، أما الأخوان إبراهيم وخالد بكراوي فقد نفذا العملية الإرهابية يوم 22 مارس في بلجيكا.
يأتي هذا التطور في الوقت الذي اختلط فيه عالم الإجرام والمخدرات بالفاعل الإرهابي. بحيث يتنقل الشباب من الجيل الرابع من أبناء المهاجرين المسلمين بأوروبا، بسرعة كبيرة من عالم الجريمة والعلب الليلية، إلى زعماء خلايا إرهابية محكمة التنظيم وشديدة الفعالية، ترتكب أعمالا وحشية في الدول التي ولدوا وتربّوا فيها. فهذا الجيل الذي ظهر على السطح لا يمتلك ثقافة دينية، وليس متخصّصًا في علومها. وكثيرون ممن نفذوا العمليات الإرهابية الأخيرة لا يتكلمون اللغة العربية أصلاً، ولا يلجون المؤسسات الدينية الرسمية.
هذا، ويمثل المواطنان البلجيكيان إبراهيم وخالد البكراوي (البالغ من العمر 27 سنة)، الساكنان في العاصمة مدينة بروكسل نفسها، نموذجًا محيرًا ومفسرًا للتغير الاجتماعي الواقع لهذا الجيل الذي يعيش ما يطلق عليه علماء السوسيولوجيا (علم الاجتماع) مسمى «الاغتراب الاجتماعي». فالأخوان معروفان بسجلهما الجنائي لدى الشرطة، إذ حكم على إبراهيم بالسجن لمدة تسع سنوات لإطلاقه النار على أفراد من الشرطة خلال ملاحقته؛ في حين أدين خالد بسرقة سيارات وقبض عليه وبحوزته رشاش من نوع «كلاشنيكوف»، فحكم بخمس سنوات سجنًا عام 2011، بيد أن ملفيهما ظلا خاليين من أي ارتباط بالإرهاب.
ولكن حالة الاغتراب، التي يجسد الأخوان بكراوي وغيرهم من أبناء الجيل الراديكالي الشاب، تجعل الفرد المغترب يعيش حياة من الاضطرابات النفسية والجسدية، لتفكك الروابط مع الجماعة، وديمومة البحث عن تحقيق الكينونة الخاصة، بعيدا عن التماثل والمساومات المعيوشة. وهذا بدوره يعني غياب إيمان المغترب بالتضامن العضوي، أو وحدة الجماعة أو الموروث المشترك.. وبالتالي، يُسهل خلق معايير غير مشروعة، تشكك في القيم المركزية للمجتمع، وتعتبر الوجدان الجمعي، كفرا بالهوية الحقيقية التي تصنع آمالاً جديدة في الخروج من عالم الاغتراب.
وبما أن الجيلين الثالث والرابع من أبناء المهاجرين يعيشون هذا الوضع، فإن مجاراتهم للسياق الاجتماعي وتطوراته، لا تبدو ضعيفة. فعلى الرغم من التهميش الذي يعيشه جزء كبير منهم، فإن حياة ضواحي باريس الفقيرة وحي مولنبيك في بروكسل، لا تخلو من ديناميتها الخاصة المستجيبة للوسطين الداخلي والخارجي الدولي. ففي ظل الإقصاء الاجتماعي، المعيش في دولة الرفاه، ظهر تنظيم «داعش» باعتباره «الجماعة المرجعية الخارجية»، فحلّ محل الانتماء الوطني، بل ومثّل حاجة أخلاقية تشاركية ضمن التكوين الاجتماعي للحاجات الجديدة للشباب المسلم الأوروبي.
ولذا يقترح علينا عالم الاجتماع السياسي أولييفيه روا، بصفته من أكبر المتخصّصين في الحركات الإرهابية، معالجة الظاهرة «بالبحث عن أصول الراديكالية والعدمية لدى الشباب المسلم المولود في أوروبا. ذلك لأن القضية أساسًا ليست دينية، خصوصًا أن الفاعلين لم يتعلموا بالمدارس الدينية الرسمية أو التابعة للجماعات الإسلامية المعتدلة، ولا هم من رواد المساجد، والجمعيات المدنية للجالية المسلمة». ويؤكد روا «إنهم عدميون وراديكاليون يبحثون عن مرجعية، ولذلك يلجأون للاحتماء بالدين الإسلامي.. الموضوع ليس راديكالية الإسلام، وإنما هو أسلمة الراديكالية».
في الإطار نفسه يدعو رافاييل ليوجييه Raphaël Liogier، مدير مرصد الأديان وأستاذ في مؤسسة l›IEP d›Aix «لتجاوز طرح الأصول المغاربية للشباب الإرهابيين، وتعييرهم بالمسلمين». وفي دراسته لسيرة عشرات من المتشدّدين المغاربيين والفرنسيين، من محمد مراح، إلى أولئك الذين نفّذوا هجمات باريس الأخيرة؛ قال إن كل هذه المجموعة «ليس لها خلفية تعليمية لاهوتية أو زيادة تدريجية في ممارسة الشعائر الدينية». وتابع أنه كل ما هناك أنهم في علاقة مع العنف «لأن الإسلام هو الآن مرادف العنف المعادي للمجتمع. إنهم يريدون التعبير عن رغبتهم في أن يكونوا هم المعاديين للمجتمع»، وبالتالي «فمواقفهم الدينية الأصولية مجرّد موقف.. لكنهم في الحقيقة يحملون ثقافة وأسلوبًا جديدًا يسعى لاستعادة ما أطلق عليه بالأفغنة الجديدة».
هناك إذن بحث مستمر لجيل من الشباب للخروج من دائرة التهميش والاغتراب الاجتماعي. وبالتالي، يمكن اعتبار البعد الآيديولوجي «الداعشي» عاملاً مكملاً لنوعية الحراك العنيف الذي يمارسه الجيل الرابع من مسلمي أوروبا. ولو أردنا أن نحلل الموضوع من زاوية اجتماعية - اقتصادية، فإننا سنجد تشابكًا حقيقيًا بين العامل الاقتصادي والاجتماعي، يستحيل معها استفراد أي منها بالتفسير.
وطبقًا للإحصائيات الرسمية البلجيكية، فإن وضعية المسلمين في بلجيكا أسوأ بشكل واضح مقارنة بغيرهم؛ فمؤشر البطالة يسجل أن معدل البطالة بين الشباب من أصول شمال أفريقيا في بلجيكا يبلغ 25.5 في المائة، بينما لا تتعدى تلك النسبة 8.5 في المائة عند ذوي الأصول «العرقية» الأخرى من سكان مملكة بلجيكا.
إلا أن ما يعطي لهذا التفسير أهميته، هو الواقع الذي يعيشه الشباب المسلم في حي مثل مولنبيك القريب من وسط العاصمة البلجيكية. فقد أوردت شبكة «سي إن بي سي» CNBC الإخبارية تصريحات لمؤسس مركز الاستخبارات الأمنية والاستراتيجية، وعميل الاستخبارات البلجيكية السابق كلاود مونيك، قال فيها: «الفقر والتمييز العنصري يغذي الإرهاب في مولنبيك»، مضيفا أن «السلطات لم تجابه هذا التطرف أو هذه الآيديولوجية وجها لوجه. لقد سمحوا للأشقياء بفعل ما يريدونه». وهذا ما أظهره حراك تنظيم «الشريعة من أجل بلجيكا» الذي أسّسه فؤاد بلقاسم في هذا الحي، فتزعم أعمال الشغب التي حدثت 2012، وحكم عليه إثرها بالسجن لمدة 12 سنة بناء على ذلك، في فبراير (شباط) 2015.
ووفقا لإحصاء عام 2014 يسكن في حي مولنبيك نحو 100 ألف نسمة، يشكل واحدة من 19 بلدية داخل مقاطعة بروكسل. ولقد أهّلت الظروف المأساوية اجتماعيًا واقتصاديًا هذا المنطقة الفقيرة والمهمّشة، لـ«تخريج» كثيرين من مجنّدي «داعش» المتحدرين من أصول مغاربية، من أصل 500 بلجيكي غادروا إلى سوريا والعراق. وعاد منهم 128 عام 2015 منهم صلاح عبد السلام، الذي قاد هجمات باريس الإرهابية 13 نوفمبر 2015 (والذي ألقي القبض عليه في مولنبيك قبل ثلاثة أيام من تفجيرات بروكسل)، وعبد الحكيم أباعود الذي ألقي القبض عليه في الحي نفسه بفضل تعاون بين الأجهزة الأمنية المغربية والبلجيكية. ولقد لخّص عمدة الحي فرنسوا شيبمانز، بعد تفجيرات بروكسل، الصورة فقال «أصبح الحي (مولنبيك) بؤرة للإرهابيين بسبب سهولة تخفيهم داخله، فغالبية سكانه من شمال أفريقيا».
فعلاً، يبدو الآن أن بلجيكا لا تملك كل الوسائل المادية والتقنية اللازمة لمواجهة هذه الظاهرة، إذ أصبحت أمام «مجتمع مصغّر» هامشي، مقصي وعنيف. وربما هذا ما دفع آلان وينانت رئيس الاستخبارات البلجيكية خلال الفترة بين 2006 و2014م، للقول: «إن بلجيكا من آخر الأماكن في أوروبا التي حصلت على تقنيات حديثة في جمع المعلومات، مثل أجهزة التنصّت على الهواتف. وفي إحدى المرات اضطرت الشرطة لنفي أنها تركت عبد السلام (صلاح) يفلت من يديها بسب قانون يحظر دهم المنازل ليلاً».
ومن جهة أخرى، تعاني الدولة البلجيكية من بيروقراطية معقدة، نظرًا لطبيعة النظام الإداري والسياسي المنقسم بين الناطقين بالفرنسية (الوالون) والهولندية (الفلمنك). ففي بروكسل وحدها 19 رئيس بلدية يتمتعون بنوع من الاستقلال، كما يوجد في البلد 193 قوة محلية للشرطة مما يصعّب العمل الأمني المركزي للدولة، وكذا التنسيق مع الشركاء الأوروبيين والمغرب.
تبقى الجهود الأمنية عمومًا جزءًا من حل لمشكل أكثر تعقيدًا مما يثار في الإعلام. فللمشكلة تاريخ اجتماعي يعود لنحو أربعين سنة من التشكل الاجتماعي ببلجيكا. ويظهر أن عجز الدولة هنا لا يقارن إلا بذلك العجز الذي تشهده ضواحي باريس الشعبية. ثم إن الإرهاب لا يوحّد بين باريس وبروكسل، بل كذلك «الاغتراب الاجتماعي» بفعل العنصرية، وهذا عامل مشترك يعقّد ويزيد من استفحال آيديولوجية الإرهاب، خاصة، في صفوف محترفي الجريمة والملتحقين حديثًا بالمتدينين الراديكاليين.
ولدى الرجوع إلى أحداث باريس وبروكسل يمكن القول إن «الأخوة» لم تعدْ عند الجيل الرابع من أبناء المهاجرين المسلمين بالغرب، تعني الأخوة في الاغتراب والتهميش والإقصاء الاجتماعي، بل أخذت تتمظهر أكثر في ذلك التلاحم السريالي الذي يمزج القرابة الدموية بالسلاح، وينشد تدمير المحيط العام الذي جعل من الرابط الاجتماعي ملازما للبؤس اليومي في دولة الرفاهية، والحقوق والحريات. فإذا كان الإرهاب والجريمة خصمًا للدولة ولاستقرارها، فإن جيلاً من الإرهابيين المسلمين الأوروبيين اختاروا القفز من عالم الجريمة إلى وحشية الإرهاب «الداعشي»، متسلحين بالثأر والعدَمية والراديكالية العنيفة.
لقد أصبح من المفيد استخلاص الدرس من هجمات بروكسل، حيث اعتبر باسكال بونفاس، مدير مؤسسة العلاقات الدولية والاستراتيجية الفرنسية، في حوار له يوم 23 مارس نشر في موقع مؤسسته «أن الإرهاب يمكن أن يمس أي منطقة في العالم، وبات علينا العيش مع المخاطر». ومن جهة أخرى، لا بد من تفادي الدعاية لـ«داعش» التي يقوم بها الإعلاميون والسياسيون مبرّرين ذلك بأنهم يواجهون الخطر.
«علينا إعادة تركيب طريقة المواجهة - يؤكد بونفاس - دون حديث مضخّم عن «داعش»، فالحرب في سوريا هي واحدة من الدوافع الرئيسية للإرهاب اليوم وليست الوحيدة. هناك حرب في العراق، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. ونحن ندفع ثمن كل الصراعات التي أحيانا بدأناها، والتي نحن انخرطنا فيها مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة».
*أستاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس (الرباط)
تشابك «الاغتراب الاجتماعي» بإفرازات «تطرّف» حروب الشرق الأوسط
قراءة في تفجيرات بروكسل
تشابك «الاغتراب الاجتماعي» بإفرازات «تطرّف» حروب الشرق الأوسط
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
