العلوم الإنسانية ومشكلة الموضوعية

الإنسان عصي على الدراسة والتحكم بسلوكياته والتنبؤ بها

غلاف قواعد المنج في علم الاجتماع
غلاف قواعد المنج في علم الاجتماع
TT

العلوم الإنسانية ومشكلة الموضوعية

غلاف قواعد المنج في علم الاجتماع
غلاف قواعد المنج في علم الاجتماع

حققت العلوم الطبيعية والفيزيائية انتصارات في مجال الكشف عن القوانين المكونة للظاهرة الطبيعية. هذه الانتصارات التي حققتها العلوم الفيزيائية، والطبيعية، مارست إغراء على الفلاسفة والباحثين، دفعتهم إلى التفكير في إمكانية قيام علوم تستطيع دراسة الإنسان عبر المناهج نفسها التي تدرس بها العلوم الطبيعة.
وقد تبلورت هذه النزعة، في البداية، مع الفلسفة الوضعية، كما مثلها روادها المؤسسون، سواء هربرت سبنسر، أو أوغست كونت وإميل دوركايم، ممن دافعوا عن إمكانية قيام علوم إنسانية وضعية، تدرس المجتمع الإنساني وتفسره، وتحلله تحليلا وضعيا، بعيدا عن الذاتية، واستنادا إلى خطوات منهجية، تقوم على الملاحظة الخالصة والتجريب الدقيق. لكن الإشكال المطروح، هو هل يمكن موضعة الظاهرة الإنسانية؟ بمعنى، هل يمكننا عزل الظاهرة الإنسانية التي يتداخل فيها ما هو نفسي واجتماعي وثقافي، ودراستها دراسة موضوعية كما ندرس الموضوعات الطبيعية في العلوم التجريبية؟ هل يمكن أن يكون الإنسان وما صدر عنه من أفعال وسلوكيات وتصرفات موضوعا لدراسة علمية، مع العلم أن منتج هذه الأفعال الذي هو الإنسان يكون دارسا وموضوعا للدراسة؟
بالعودة إلى تاريخ العلوم الإنسانية وتكونها في القرن التاسع عشر، نلمس كثيرا من الدعوات، التي كانت ممتعضة من الثورة الفرنسية، والاضطرابات الاجتماعية، بدأت تفكر في تأسيس علوم تهتم بدراسة الظاهرة الإنسانية، دراسة علمية قصد التنبؤ بها وتوجيهها، والتحكم فيها، وفي هذا الصدد، نجد النظرية الوظيفية كما تبلورت مع مؤسسها أوغست كونت، الذي أكد في كتابه «دروس في الفلسفة الوضعية»، أن دراسة الظواهر الإنسانية دراسة موضوعية ممكنة، شريطة أن يتحرر الباحث من كل التصورات اللاهوتية والميتافيزيقية، لأنها تنتمي إلى مرحلة لم تعمل إلا على عرقلة العلم، وبالتالي فالمرحلة الوضعية تمكن الباحث من خلال مناهجها وتقنياتها، من تفسير وتحليل الظواهر الإنسانية عموما والاجتماعية خصوصا. وفي هذا الصدد، دافع كونت عن تأسيس علم اجتماع يستند إلى مبدأ السببية والملاحظة، وغايته الكشف على القوانين والعلاقات القائمة بين الظواهر. وقد بلغ الإغراء الكبير الذي مارسته العلوم الحقة على رواد العلوم الإنسانية، مرحلة جعلت أوغست كونت يسمي العلم الذي سيهتم بدراسة المجتمع والظواهر الاجتماعية (ثورات - انحرافات - جرائم..)، بـ«الفيزياء الاجتماعية» الذي استبدل، لاحقا، «السوسيولوجيا» به.
في السياق نفسه، سيعمل إميل دوركايم، باعتباره وريث المدرسة الفرنسية في العلوم الإنسانية، على الدفاع عن إمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية في علم الاجتماع. لذلك دافع في كتابه «قواعد المنهج السوسيولوجي»، عن أن الظواهر الاجتماعية يجب أن ننظر إليها باعتبارها أشياء ووقائع مادية، توجد في استقلال عن وعي الأفراد، وعن وجودهم المستقل، وتمارس قهرا عليهم، والأهمية العلمية لدوركايم، باعتباره أحد مؤسسي علم الاجتماع، تتمثل في محاولته صياغة قواعد علمية، تكون منطلقا لعلم جديد اسمه علم الاجتماع. وهذه القواعد حسب إميل دوركايم، التي تمكن العلوم الإنسانية من موضعة الظاهرة الإنسانية، تبدأ بالنظر إلى الظاهرة الاجتماعية باعتبارها شيئا له وجوده المستقل عن الوجود الفردي.
وبالتالي، يمكننا ملاحظتها ودراستها دراسة علمية وموضوعية، شريطة أن يقطع الباحث مع تمثلاته وأفكاره المسبقة عن الموضوع المدروس ضمانا للموضوعية، وهي القاعدة الثانية. فمثلا، إذا كنا نرى عالم الطبيعة يستعيض عن الإحساسات الغامضة التي يثيرها لديه الطقس، أو الكهرباء، بملاحظته للذبذبات التي يسجلها كل من الترمومتر - الإلكترومتر - مقياس الكهرباء، فعالم الاجتماع أيضا عليه أن يحترم هذه القاعدة وأن يتخذ هذه الحيطة نفسها. وما يقصده دوركايم هنا، هو استعانة الباحث بتقنيات منهاجية مثل الاستمارات والمسجل الصوتي وكل التقنيات التي تتيح له جمع المعطيات التي يحتاجها في دراسته. أما القاعدة الرابعة فهي خاصة بتفسير الظواهر الاجتماعية. وعلى من يحاول تفسير إحدى الظواهر الاجتماعية، أن يبحث عن كل من السبب الفعال الذي يدعو إلى وجود هذه الظاهرة والوظيفة التي تؤديها، وأن طريق البرهان في العلوم الإنسانية وعلم الاجتماع خاصة، هو طريق المقارنة والملاحظة، وبالتالي فموضعة الظاهرة الإنسانية ممكنة.
إذا كان ظهور العلوم الإنسانية قد جعل النزعة الوضعية والاتجاهات الوظيفية تعتقد بإمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية وفصلها، ودراستها دراسة تجريبية وفق مناهج العلوم التجريبية، فإن قيام الإبستمولوجية (فلسفة العلوم) باعتبارها الدراسة النقدية للمعارف العلمية وتوسيعها لمجالها، جعلها تهتم كذلك بالعلوم الإنسانية دارسة ناقدة للمعارف التي تنتجها والمناهج التي توظفها في بناء معرفتها. فمثلا نجد من بين الإبستمولوجيين داخل العلوم الإنسانية، جان بياجيه، رائد الإبستمولوجية التكوينية، الذي أكد أن مشكلة العلوم الإنسانية هي الذاتية التي يصعب التخلص منها، لأن الذات العارفة (العالم في العلوم الإنسانية)، هو نفسه موضوع للمعرفة. كما أن الآيديولوجية لديها تأثيرها وحضورها.
ففي مجال الفيزياء أو الرياضيات، يظل حضور الآيديولوجية غير طاغٍ، لأن العالم يتعامل مع ظواهر مستقلة ومعزولة. بينما في العلوم الإنسانية، يتعامل العالم مع مواضيع حية تنتمي إليه نفسيا أو آيديولوجيا أو عقديا. لذلك تحضر الأحاسيس والانطباعات الشخصية والأحكام المسبقة لتوجه البحث وتؤثر فيه، ما يحول دون تحقيق الموضوعية. فمثلا، حينما يكون موضوع البحث هو الدين أو السياسة أو الانتحار، فإن الباحث قد لا يستطيع الفصل بين أفكاره الخاصة عن الموضوع وخصائص الموضوع المدروس، كما هو في المجتمع.
وفي هذا الصدد يلخص بياجيه هذين العائقين الإبستمولوجيين، اللذين يجعلان تحقيق الموضوعية صعبا، في قوله: «إذا كان هذا الواقع (واقع التزام الباحث)، أقل تأثيرا في الأبحاث الرياضية والفيزيائية، وحتى البيولوجية، فإن تأثيره يبقى كبيرا في دراسة الظواهر الإنسانية من طرف العلوم الإنسانية».
وفق هذا التصور، عمل لوسيان غولدمان في كتابه «العلوم الإنسانية والفلسفة»، على توضيح الاختلاف بين عمل العلماء الفيزيائيين والسوسيولوجيين مثلا. فهو ليس اختلافا في الدرجة، بمعنى من هو الأكثر علمية من الآخر: العلوم الفيزيائية أم السوسيولوجية؟ بل هو اختلاف في الطبيعة. فطبيعة الميدان الذي يشتغل فيه الفيزيائي، ليس هو الميدان الذي يشتغل فيه السوسيولوجي. فالفيزيائي في اشتغاله يصطدم فقط بالموضوع المدروس. بينما الباحث السوسيولوجي يصطدم بأبعاد متعددة، آيديولوجية وسياسية وطبقية ومصالح، ما يجعل العلوم الإنسانية حقلا للصراع الآيديولوجي، ما يفرز تعدد المقولات والمفاهيم.
وهي كلها عوائق إبستمولوجية تسد الطريق أمام الفهم الموضوعي للموضوع المدروس. كما أن الفرق الثاني بين المجالين، هو كون العلوم الفيزيائية والتجريبية قادرة على أن تصوغ قوانينها الخاصة التي تستطيع، من خلالها، تعميم تفسيرات يمكننا، من خلالها، التنبؤ والتوقع متى تحدث الظاهرة. بينما في العلوم الإنسانية، يظل التنبؤ بالموضوع صعبا، ما جعل مشيل فوكو يقول، إن الأفعال الإنسانية مهما أنتجنا حولها من مقولات وتفسيرات تظل رهينة بزمن إنتاجها، لأن الإنسان كائن منتج ومتغير.
يمكن القول إن العائق الإبستمولوجي الذي يحول دون موضعة الظاهرة الإنسانية، هو العائق الذاتي. لأن فصل الذات العارفة عن موضوع المعرفة، هو أساس الموضوعية العلمية في العلوم الحقة. لكن ألا يمكن القول إن الركون إلى هذا المعيار، قد يسقطنا في وهم الانغلاق والمحاكاة للعلوم الطبيعية، فنعيد إنتاج أزمتها داخل العلوم الإنسانية؟ لقد لاحظنا كيف أن العقلانية العلمية في إحدى لحظاتها لم تعد عقلانية منغلقة، بل منفتحة على الذات وعلى الواقع. كما أن الشروط التجريبية يبنيها العالم وفق نموذج معين، ما يؤكد أن الذاتية هي صفة ملازمة لكل نشاط معرفي. لكن يجب التسلح بالحذر الإبستمولوجي حتى نتمكن من تقديم تحليل ودراسة موضوعية، وهنا لن تكون الموضوعية التي تنتجها العلوم الإنسانية شبيهة بالموضوعية في العلوم الفيزيائية. بل ستنتج العلوم الإنسانية تصورها الخاص للموضوعية، الذي يتلاءم وطبيعة المواضيع التي تدرسها. لكن على الرغم من ذلك، يظل الإنسان عصيا على الدراسة والتحكم والتنبؤ بسلوكياته. فمن توقع أن إحراق بائع للخضراوات لذاته في تونس، سيدك نظاما سياسيا برمته ويسقطه؟

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.