الطعمة لـ {الشرق الأوسط}: المجتمع الدولي خذلنا.. و«التشكيلة» بعد العيد

رئيس حكومة المعارضة السورية أكد أن جماعة «داعش» لا تمتلك «حاملا اجتماعيا» في سوريا

أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
TT

الطعمة لـ {الشرق الأوسط}: المجتمع الدولي خذلنا.. و«التشكيلة» بعد العيد

أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)

قال رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الطعمة إنه قارب الانتهاء من تشكيل حكومته، كاشفا عن أنه سيعلن أسماء وزرائه بعد عيد الأضحى ويقدمها إلى اجتماع الائتلاف الوطني في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي لنيل الثقة وانطلاق عملها.
وأكد الطعمة في حوار مع «الشرق الأوسط» أجري في مكتبه الخاص الكائن في أحد المجمعات السكنية في إسطنبول، أنه بدأ يميل إلى زيادة نسبة ممثلي الداخل السوري من بين أعضاء حكومته، مشيرا إلى أن هذه الحكومة ستعمل من منطقة قريبة جدا من الحدود رفض أن يسميها (في الوقت الحالي)، لكن المعلومات تشير إلى أنها مدينة غازي عنتاب التي شهدت آخر صدام تركي مع النظام السوري في بداية التسعينات عندما احتشد الجيش التركي قربها ملوحا بدخول سوريا بحثا عن زعيم تنظيم العمال الكردستاني المحظور عبد الله أوجلان. انتهت الأزمة يومها بترحيل أوجلان من سوريا، وقبض عليه في نهاية المطاف حيث يقبع في سجن قريب في إحدى جزر بحر مرمرة قبالة مقر الطعمة، لكن العلاقات التي تحسنت مع تركيا، ما لبثت أن انهارت بعد أن أخذت أنقرة صف معارضي النظام وتدرجت حتى مطالبتها بضرب النظام عسكريا. ويبدو الطعمة واثقا من قدرته على إحداث الفارق في مهمته، ويتحدث بهدوء وثقة مع زواره الكثر من المعارضين الذين أتى بعضهم إليه يشكون ممارسات «الدولة»، أي «تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية».

جلس الطعمة وخلفه خريطة لسوريا هي الأولى من إنجاز المعارضة يبدو فيها إقليم إسكندرونة جزءا من تركيا، وهو إقليم اعترف النظام بملكيته لتركيا قبل أعوام في إطار سعيه لتحسين العلاقة مع أنقرة، علما بأن بعض المعارضين رفعوا يوما خريطة تضع الإقليم في داخل الحدود السورية وهم في ضيافة تركيا.
يعترف الطعمة بأن المجتمع الدولي خذل المعارضة، وأن التأخر في الحال السياسي سوف يفتح الباب أمام كل المشكلات الكبرى المقبلة، بما في ذلك التشدد والتطرف. لكنه يجزم بأنه «إذا اتخذ قرار دولي بحل الأزمة السورية بشرط رحيل النظام، فإننا قادرون من جهتين، أن تدار الحكومة بشكل جيد لكي تقدم خدماتها للناس، وعندها سنتمكن من استعادة أكثر من ثلاثة أرباع الموجودين في تنظيم (دولة العراق والشام)، لأننا على قناعة بأن معظم من انضم إلى هذه الجماعات المتشددة إنما انضم إليها نتيجة العوز والفقر»، مشددا على أنه «ليس لدى هذه الجماعات الحامل الاجتماعي حتى هذه اللحظة».
ويكشف الطعمة عن «وعود أكيدة» بدعم عربي ودولي لحكومته بعيد تأليفها، مشيرا إلى أن هذه الحكومة ستحتاج على الأقل مبلغ 300 مليون دولار شهريا للقيام بعملها.
* أنتم مكلفون بتأليف حكومة مؤقتة، أين أصبحت الاتصالات بهذا الشأن؟
- من مهام رئيس الحكومة الأساسية أن يتشاور مع جميع الكتل، وثلاثة مبادئ أساسية نعمل على أساسها: لن نستبعد أحدا من الكتل الموجودة في الائتلاف، حتى بعض الكتل أو أفراد من كتل لم تصوت لنا، ولا حرج في ذلك، إذ نريد الحصول على حكومة توافقية بأكبر قدر ممكن. ونريد أن تسري هذه الروح الإيجابية التي سرت يوم التكليف، عندما نلت 75 صوتا مع عشرة أصوات معارضة فقط، و12 ورقة بيضاء. النسبة إيجابية جدا، فإذا استطعنا أن نعكس هذا الجو على تشكيل الحكومة، فسيكون لذلك نتائج إيجابية في عمل الحكومة وعلى مستقبل الائتلاف والثورة السورية.
المبدأ الأول أننا لن نقصي أحدا، والثاني تمثيل معظم أطياف الشعب السوري في الحكومة، بحيث إن أي مواطن سوري مهما كان انتماؤه يشعر بأن هذه الحكومة تمثله. والمبدأ الثالث هو مبدأ الكفاءات والتخصصات، نسعى لتوازنات بحيث كل كتلة أو مجموعة تأتي بخير ما عندها، والمشاورات مستمرة.
على صعيد المشاورات، وضعنا بذهننا اللقاء مع أربع تشكيلات: كتل الائتلاف، والتقينا بعدد لا بأس به من المجالس المحلية. وضمن مشاوراتنا مع اللجان ومجموعات المجتمع المدني، إذ نعتقد أن سيكون لها دور هام في دعم الحكومة في تحقيق أهدافها بالتواصل مع الناس، لأننا نريد أن نكون أقرب ما يكون إلى الناس، نحلم بأحلامهم ونتألم لآلامهم؛ إذ بقدر ما نكون قريبين منهم نحقق الهدف المطلوب. نريد أن يشعر الشعب السوري أن القرار الأهم الذي اتخذه في حياته هو قرار الثورة السورية. وعندما نساعده بتحسين معيشته، سينعكس ذلك بالتالي إيجابا على صموده.
الجهة الرابعة التي سعينا إلى التواصل معها هي الجهات العسكرية، أي الكتائب والألوية الموجودة على الأرض، وسعينا للتواصل حتى مع الجهات التي وقعت على البيان (الذي سحب الثقة من الائتلاف ومن هيئة الأركان)، فالتقينا قبل أيام مع الجبهة الإسلامية السورية. طرحنا وجهة نظرنا وسمعنا وجهة نظرهم، لماذا وقعوا على هذا البيان؟ بشكل عام لم أنظر للبيان نظرة متشنجة، أعتقد أن جزءا من مطالبهم حق ويجب أخذها بعين الاعتبار، ومنها أن نتواصل مع الداخل وهذا مطلب حق نرحب به. وطلبنا من جميع الكتل التي التقينا بها، جماعات وأفرادا، أن يقدموا إلينا مرشحين من أهل الداخل لأنه بات لدينا رغبة أكبر في أن تكون نسبة أعضاء الحكومة من الداخل أكبر من قبل. وقلنا إن احتجاجات الإخوة علينا وعلى الائتلاف تعبير عن الواقع المحزن الذي يعيشونه وهناك مخاوف فعلا فيما يتعلق بمستقبل الثورة السورية، وخصوصا بعد أن طرح مؤتمر جنيف على الطاولة مباشرة. البعض يعتقد أن جنيف هو توقيع صك استسلام لصالح النظام، برغم أنني أعتقد شخصيا أن مقررات جنيف بشكل عام تصب في صالح المعارضة. لكن تخوفنا في مسألتين: الأول أن النظام لم ينفذ القرارات، والنقطة الثانية أننا لم نعرف على وجه الدقة ما ستؤول إليه المآلات، فما هو مكتوب ومطروح تفسيره لصالح المعارضة وخصوصا عبارة جسم الحكم الانتقالي الكامل الصلاحيات، بما في ذلك الأمن والجيش والمالية والإعلام وجميع مؤسسات الدولة.. إذا كانت الأمور بهذا الشكل، فهناك نقاط إيجابية من حيث المبدأ، لكن أحد الأسئلة المطروحة: هل سيكون رحيل بشار الأسد متفقا عليه في بداية هذه المفاوضات؟ أم كما يطرح الروس والأميركيون معا أن رحيل الأسد سيكون في ختام المفاوضات ونتيجة لها؟
تلقينا بعض النصائح من سياسيين ومن جهات داعمة للثورة السورية مفادها لا تقبلوا إلا بأن يقال بأن هذه العملية السياسية وفي اليوم الأول من بدئها ستنتهي برحيل الأسد، على غرار ما حصل في العملية اليمنية، حيث قيل في اليوم الأول من المفاوضات إنها ستؤدي إلى رحيل علي عبد الله صالح.
* متى تتوقعون إكمال مهمتكم وإعلان الحكومة، خصوصا أنه سيكون للائتلاف اجتماع موسع في الخامس والعشرين من الشهر الجاري للتصويت؟
- المشاورات مستمرة على قدم وساق، وهي تسير سيرا حقيقيا، ويفترض، إن شاء الله، قبل أسبوع من عقد اجتماع الائتلاف، أن تكون الأسماء جاهزة.
* هذا يعني بعد عطلة العيد؟
- نعم، وسأقدم حكومة إلى الائتلاف للتصويت عليها في اجتماع الخامس والعشرين من الجاري.
* إن أردنا التكلم نسبيا، كم أنجزت من الحكومة حتى الآن؟
- لا أريد الدخول في تفاصيل هذه المسألة، لكن أنجزنا إنجازا مهما.
* الاتفاق المبدئي هو أن تقدم كل الكتل خمسة مرشحين وتعمد أنت إلى الاختيار من بينها؟
- هذا فيما يتعلق بالنسبة لهيئة الأركان، إذ ستقدم خمسة أسماء للدفاع وخمسة أسماء للداخلية. أما بالنسبة لبقية الكتل، فالمسألة تحصل بالتوافق حينا وتقديم المشورات حينا آخر وتقديم أسماء حينا آخر.
* هل سيكون وزير الداخلية مدنيا؟
- الدفاع والداخلية سوف يكونان مدنيين، نريد أن نرسخ مبدأ في مستقبل سوريا، بحيث إن الدفاع والداخلية يجب أن تسير سيرا مدنيا، كما هي الدول المتحضرة التي رسخت فيها الديمقراطية.
* ما المأمول من هذه الحكومة؟
- فكرتنا الأساسية أن نعزز صمود الناس ونستجيب لمطالبهم وتحسين عيشهم. فالمأمول منها أن تقدم الخدمات الأساسية للناس، سواء الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية من ماء وكهرباء والحياة العامة، ثم هناك مسألتان مهمتان جدا، وهما الصحة والتعليم، فالوضع الصحي في سوريا منذ عهد النظام يعوم بالفوضى وينتابه الفشل من كل جهة، وكذلك التعليم. نحن نريد إعادة ترميم كل الأبنية التي تضررت وتدمرت نتيجة القصف، وإعادة بنيانها، سواء في الصحة والتعليم، وكذلك استعادة كل الكوادر الممتازة التي تسبب النظام في تشريدها، إضافة إلى أننا نريد أن نقرر منذ الآن مشاركة المجتمع المدني في الحياة السورية مستقبلا. لقد أبعدنا النظام السوري عن الاهتمام بالشأن العام والعمل السياسي 50 عاما، رغم أن المواطن السوري أو في الأساس طبيعة الإنسان أنه كائن سياسي، فعندما يبعد 50 عاما، فهو في أشد العطش إلى العودة إلى العمل العام والشأن السياسي. ومن النقاط البالغة الأهمية، مأسسة الديمقراطية، إذ نريد أن ننشئ بلدا ديمقراطيا، ودولة مدنية تعددية، يكون فيها الرأي والرأي الآخر. يحق لكل الناس أن يبدوا وجهات نظرهم وأن يدافعوا عنها، وأن تكون لهم المؤسسات الكفيلة بأن تستطيع من خلالها تعويد الناس عليها تمهيدا للحياة السياسية مستقبلا.
نريد سيادة القانون والفصل بين السلطات، ونريد أن يكون هناك قضاء مستقل وعادل، وأن يعيش الإنسان السوري حياة كريمة. هناك نقطة بالغة الأهمية وهي أنه لدينا نحو 7 ملايين شخص، بين مهجر ولاجئ. من سيقوم برعايتهم؟ النظام أراد أن يعطينا رسالة واضحة بأنه إذا أردتم حريتكم فعليكم أن تدفعوا ثمنها غاليا. نحن سنحاول تحسين أوضاع الناس، سنبذل أقصى جهد ضمن الإمكانات المتاحة لدينا، لكن هذا يرتب علينا أعباء كبيرة، وأن نسعى حقيقة إلى إنقاذ الناس.
* هل لديكم القدرة أو وعود محددة وواضحة بشأن مساعدات مالية تمكنكم من القيام بواجباتكم في الفترة المقبلة؟
- بالنسبة للوعود فيما يتعلق بإقلاع الحكومة. نعم. وأعتقد أنها وعود حقيقية وسوف تقلع الحكومة.
* وعود بأرقام واضحة؟
- نعم، إلى حد ما، لكن لا أريد أن أفصح عن هذه المسألة لأنها ستصبح مثارا للجدل، لكن سنعلن عنها بعد قيام الحكومة.
* ما هو تقديركم لحجم المبالغ المطلوبة للنهوض بالوضع في سوريا؟
- تصورنا الأولي أن الحكومة تحتاج إلى 300 مليون دولار شهريا لكي تستطيع فعلا أن تقوم بواجباتها. المنح والمعونات من أصدقاء الشعب السوري ستغطي جزءا، والجزء الثاني لا تنسى أن سوريا مليئة بالخيرات، وفيها آبار نفط وكذلك القمح والقطن والمنتجات الأخرى. صحيح أننا لم نستطع بعد أن نستفيد من آبار النفط، لكننا دخلنا في مشروع جاد للتواصل مع كل الجهات التي يمكننا من خلال التعاون معها للتوصل إلى نتائج معقولة. المشكلة الحالية هي في الظروف التي استجدت خلال الأشهر الماضية والتي أدخلتنا في مآزق.
* ما مدى قدرتكم على التنفيذ على الأرض في ظل وجود قوى أمر واقع لا تقبل بكم ولا تقبل بمبدأ الحكومة؟
- هناك صعوبات كبيرة جدا وتحديات كبرى، لكنها ليست أكبر من قرار التحدي الأكبر، وهو أن الشعب السوري اتخذ قرار القيام بثورته. هذا القرار الأكبر الذي اتخذه الشعب السوري في حياته، وليس هناك تحد أكبر من هذا. أنا سجين سياسي سابق وأعرف ما الذي كان يجري. أتذكر أنه في عام 2005 عندما وقعنا على «إعلان دمشق»، أو حتى قبل ذلك عندما شاركنا ببيان «ألف»، كان الناس يقولون إلى أين أنتم ذاهبون أيها المجانين؟ هل يتجاسر أحد على أن يطالب بحياة ديمقراطية في سوريا؟ وعندما تشكلت لجان إحياء المجتمع المدني وبدأنا نطالب بالإفراج عن المساجين، وطالب البعض بإلغاء قوانين كانت تقضي بإعدام جماعات في المجتمع لمجرد الانتماء، تساءلت الناس هل حقا أنتم توقعون على بيانات مماثلة للمطالبة بالديمقراطية أم أنكم تتداولون بها في الغرف المغلقة فقط؟ وخلال محاكمتنا على إعلان دمشق كنا نقول في قاعة المحكمة إنه لا بد من تغيير المادة الثامنة من الدستور القائلة بأن حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، فكان المحامون يشفقون علينا ويقولون هل يطالب أحد بمادة تعرض قائلها لعقوبة 15 سنة، إذ إن المطالبة بتغيير هذه المادة في جدول النظام تعتبر معاداة النظام الاشتراكي في البلد، وعقوبتها في الحد الأدنى 15 سنة. الناس كانت مرعوبة إلى درجة كبيرة جدا، وأتذكر أنه عندما أفرج عني من السجن، كثيرون من أصدقائي لم يجرؤوا على زيارتي لأن الأمن سيسجل أن فلانا زارني. فأن يبدأ الناس بعد خمسة أشهر من الإفراج ثورتهم العظيمة الرائعة، علما بأنهم كانوا محقونين ومصممين على الثورة منذ سنوات عدة، لكن كان ينقصهم المحفز، وتحقق ذلك بثورة كل من تونس ومصر. عند ذلك، قرر الشعب السوري أن يمضي ويشهر حريته، ولم يقبل بكل عروض النظام بالإصلاحات الوهمية. وكنت أقول بشكل طريف إن إصلاحات النظام وفق المثل العربي: «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، بل أجله إلى بعد غد».
النظام عرض علينا إصلاحات وهمية لكن الشعب قال لا، إنها تحسين لشروط العبودية وليست حرية. وللأسف لم يدرك المجتمع الدولي لماذا قامت الثورة السورية، كان يعتقد أنها صراع على السلطة، وأن هناك مظالم يمكن تحسينها ببعض الإجراءات. هدف الشعب السوري من ذلك كان الحصول على حريته.
* هل خذلكم المجتمع الدولي؟
- طبعا بالتأكيد خذلنا المجتمع الدولي، ومن المحزن جدا أن نصل إلى هذه النتيجة. سبق وأبلغت جهات دولية عدة أنه إذا تأخر الحل السياسي في سوريا، ونحن مع حل سياسي عادل في سوريا منذ اللحظات الأولى، فقلنا لهم إن التأخر في الحال السياسي سوف يفتح الباب أمام كل المشكلات الكبرى المقبلة، بما في ذلك التشدد والتطرف. كنت أقول عبارة دائما مفادها أن الطغاة يجلبون الغزاة والغلاة.
* هل هذا يعني أن الشعب السوري أمام خيارين: التشدد أو النظام؟
- هل هذا ما كنا نريد أن نصل إليه؟ في بداية الثورة السورية نادت كل الشعارات بالدولة المدنية والديمقراطية والحرية والإفراج عن السجناء وتحسين عيش الناس، لم يكن التشدد مطروحا أبدا.
* كيف يمكن الخروج من أزمة التشدد السائدة في سوريا والتي يستعملها البعض «فزاعة»، ويعتبرها طرف آخر سببا للتلكؤ؟
- تبدأ بقرار دولي. حقيقة، إذا قرر المجتمع الدولي إنهاء القضية السورية وحلها، سنصل إلى حل.
* كيف يمكن أن نتخلص من أزمة المتشددين بقرار دولي؟
- بحل القضية السورية، فلو اتخذ قرارا وأنا باعتقادي قصر كثيرا في دعم الشعب السوري، فلو أن المجتمع الدولي قرر أن يحل المشكلة السورية في أشهرها الأولى لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وليس صحيحا ما يقال من أنه بسبب ظروف «الفيتو». المجتمع الدولي مرت عليه حوادث مشابهة تماما، وكما تعرف في اللغة عبارة «السنة» وتعني أن يفعل بالثاني كما فعل في الأول.. لديهم خبرة تراكمية عن حوادث مشابهة، فهم يعرفون ماذا سيحصل وقدموا لنا النصائح في ذاك الوقت، وقالوا افعلوا هذا الأمر ولا تفعلوا ذلك، أي أنهم كانوا يعرفون ما ستؤول إليه الأمور.
الشعب السوري وضع أمام خيارين، إما أن يبقى أسيرا لعبوديته وإما أن يخرج بحرية مع دفع ثمن باهظ جدا، وهذا ما اتخذه الشعب السوري.
فإذا اتخذ قرار دولي بحل الأزمة السورية بشرط رحيل النظام، فإننا قادرون من جهتين، أن تدار الحكومة بشكل جيد لكي تقدم خدماتها للناس وعندها سنتمكن من استعادة أكثر من ثلاثة أرباع الموجودين في تنظيم «دولة العراق والشام»، لأننا على قناعة بأن معظم من انضم إلى هذه الجماعات المتشددة إنما انضم إليها نتيجة العوز والفقر، والنقطة الثانية رغم أننا لا ندري ما ستؤول إليه الأمور بعد ستة أشهر، لكن ليس لدى هذه الجماعات الحامل الاجتماعي حتى هذه اللحظة. وهذا شيء مهم جدا في حياة الشعوب، فلا يمكن لأي مجموعة أن تستمر إن لم يكن لديها حامل اجتماعي. باعتقادي أن هذه الجماعات المتشددة قامت في أساس بنيانها على قضايا فكرية.. أليس كذلك؟ وبالتالي نحن نملك من القدرات والتصورات ما يقارع الحجة بالحجة. دخلت في حوارات مع جماعات متشددة قبل قدومي إلى تركيا. كنا نقول لهم أنتم أمام خيارين: إما أن تكرهوا الناس على أفكاركم، ولو افترضنا أنها أفكار عادلة وصحيحة، لكن مجرد فرضها على الناس إذن أنتم تؤمنون بجواز ولاية المتغلب وهذه النظرية السياسية الأولى.
أو أن تقبلوا بالنظرية الثانية التي يؤمن بها «شيخ الإسلام ابن تيمية» الذي قال: «لا يكون الحاكم شرعيا ما لم ينل بيعة من آحاد الناس، وقائمة على الشورى ورضا الناس». وهذا في العصر الحديث لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال صناديق الاقتراع وتكوين أحزاب تدعو إلى أفكارها. لا يمكن اليوم جمع الناس برفع الأيدي. حوادث كثيرة حصلت في التاريخ الإسلامي تعزز هذا التوجه.
* تحاورت كثيرا مع جماعات متشددة منذ فترة طويلة؟
- نعم قبل خروجي، فأنا قدمت إلى السياسة من خلفية فكرية. منذ 1992 كنت ومجموعة من رفاقي العقلاء ندرس بعمق أسباب المشكلات في العالم العربي والإسلامي. لماذا هذا الاستبداد؟ ولماذا هذا التخلف الحضاري؟ من هنا بدأنا، ووصلنا إلى نتائج مهمة وأولها كان إذا أردنا أن ننهض بالعالم الإسلامي فأول خطوة علينا أن نفعلها هي أن نضع السلاح جانبا. لذلك أنا دائما أتهم بأنني أميل إلى مذهب اللاعنف والمقاومة السلمية. وبعض الناس لا يعرفون ما هي المقاومة السلمية، فالمقاومة السلمية صحيح أنه لا يسمح لك بأن تحمل السلاح ذاتيا، لكن في الوقت نفسه لا يجوز لك بأي شكل من الأشكال أن تقف ساكتا عن نطق الحق.
* متى خرجت تحديدا من سوريا؟
- منذ نحو 4 أشهر.
* أين كنت موجودا في الفترة الفاصلة بين إعلان الثورة حتى خروجك من سوريا؟
- بداية كنت في دير الزور، ثم اعتقلت مرتين على خلفية لقاءات صحافية. وبعد أن حصلت الأحداث الرهيبة في مدينة دير الزور، لم يعد بالإمكان البقاء فيها، فنزحت مع 500 ألف من أبناء دير الزور إلى الحسكة والرقة ومكثنا عدة أشهر.
* وبعد تشكيل الحكومة سيكون عملها من الداخل.
- العمل الأساسي سيكون من الداخل. كما قلت نحن نريد أن نكون قريبين جدا من الناس، مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع الأمنية؛ لأننا لا نريد أن نفرط لا بالوزراء ولا برؤساء المديريات ولا بأعضاء الحكومة. ولأننا في ظرف طارئ، يمكننا أن نتخذ خطوات طارئة أيضا، بمعنى أنه ليس ضروريا أن يكون لدينا مقرات ثابتة، سنكون في أقرب نقطة إلى الداخل السوري من خلال مراكز مؤقتة.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.