الطعمة لـ {الشرق الأوسط}: المجتمع الدولي خذلنا.. و«التشكيلة» بعد العيد

رئيس حكومة المعارضة السورية أكد أن جماعة «داعش» لا تمتلك «حاملا اجتماعيا» في سوريا

أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
TT

الطعمة لـ {الشرق الأوسط}: المجتمع الدولي خذلنا.. و«التشكيلة» بعد العيد

أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)

قال رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الطعمة إنه قارب الانتهاء من تشكيل حكومته، كاشفا عن أنه سيعلن أسماء وزرائه بعد عيد الأضحى ويقدمها إلى اجتماع الائتلاف الوطني في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي لنيل الثقة وانطلاق عملها.
وأكد الطعمة في حوار مع «الشرق الأوسط» أجري في مكتبه الخاص الكائن في أحد المجمعات السكنية في إسطنبول، أنه بدأ يميل إلى زيادة نسبة ممثلي الداخل السوري من بين أعضاء حكومته، مشيرا إلى أن هذه الحكومة ستعمل من منطقة قريبة جدا من الحدود رفض أن يسميها (في الوقت الحالي)، لكن المعلومات تشير إلى أنها مدينة غازي عنتاب التي شهدت آخر صدام تركي مع النظام السوري في بداية التسعينات عندما احتشد الجيش التركي قربها ملوحا بدخول سوريا بحثا عن زعيم تنظيم العمال الكردستاني المحظور عبد الله أوجلان. انتهت الأزمة يومها بترحيل أوجلان من سوريا، وقبض عليه في نهاية المطاف حيث يقبع في سجن قريب في إحدى جزر بحر مرمرة قبالة مقر الطعمة، لكن العلاقات التي تحسنت مع تركيا، ما لبثت أن انهارت بعد أن أخذت أنقرة صف معارضي النظام وتدرجت حتى مطالبتها بضرب النظام عسكريا. ويبدو الطعمة واثقا من قدرته على إحداث الفارق في مهمته، ويتحدث بهدوء وثقة مع زواره الكثر من المعارضين الذين أتى بعضهم إليه يشكون ممارسات «الدولة»، أي «تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية».

جلس الطعمة وخلفه خريطة لسوريا هي الأولى من إنجاز المعارضة يبدو فيها إقليم إسكندرونة جزءا من تركيا، وهو إقليم اعترف النظام بملكيته لتركيا قبل أعوام في إطار سعيه لتحسين العلاقة مع أنقرة، علما بأن بعض المعارضين رفعوا يوما خريطة تضع الإقليم في داخل الحدود السورية وهم في ضيافة تركيا.
يعترف الطعمة بأن المجتمع الدولي خذل المعارضة، وأن التأخر في الحال السياسي سوف يفتح الباب أمام كل المشكلات الكبرى المقبلة، بما في ذلك التشدد والتطرف. لكنه يجزم بأنه «إذا اتخذ قرار دولي بحل الأزمة السورية بشرط رحيل النظام، فإننا قادرون من جهتين، أن تدار الحكومة بشكل جيد لكي تقدم خدماتها للناس، وعندها سنتمكن من استعادة أكثر من ثلاثة أرباع الموجودين في تنظيم (دولة العراق والشام)، لأننا على قناعة بأن معظم من انضم إلى هذه الجماعات المتشددة إنما انضم إليها نتيجة العوز والفقر»، مشددا على أنه «ليس لدى هذه الجماعات الحامل الاجتماعي حتى هذه اللحظة».
ويكشف الطعمة عن «وعود أكيدة» بدعم عربي ودولي لحكومته بعيد تأليفها، مشيرا إلى أن هذه الحكومة ستحتاج على الأقل مبلغ 300 مليون دولار شهريا للقيام بعملها.
* أنتم مكلفون بتأليف حكومة مؤقتة، أين أصبحت الاتصالات بهذا الشأن؟
- من مهام رئيس الحكومة الأساسية أن يتشاور مع جميع الكتل، وثلاثة مبادئ أساسية نعمل على أساسها: لن نستبعد أحدا من الكتل الموجودة في الائتلاف، حتى بعض الكتل أو أفراد من كتل لم تصوت لنا، ولا حرج في ذلك، إذ نريد الحصول على حكومة توافقية بأكبر قدر ممكن. ونريد أن تسري هذه الروح الإيجابية التي سرت يوم التكليف، عندما نلت 75 صوتا مع عشرة أصوات معارضة فقط، و12 ورقة بيضاء. النسبة إيجابية جدا، فإذا استطعنا أن نعكس هذا الجو على تشكيل الحكومة، فسيكون لذلك نتائج إيجابية في عمل الحكومة وعلى مستقبل الائتلاف والثورة السورية.
المبدأ الأول أننا لن نقصي أحدا، والثاني تمثيل معظم أطياف الشعب السوري في الحكومة، بحيث إن أي مواطن سوري مهما كان انتماؤه يشعر بأن هذه الحكومة تمثله. والمبدأ الثالث هو مبدأ الكفاءات والتخصصات، نسعى لتوازنات بحيث كل كتلة أو مجموعة تأتي بخير ما عندها، والمشاورات مستمرة.
على صعيد المشاورات، وضعنا بذهننا اللقاء مع أربع تشكيلات: كتل الائتلاف، والتقينا بعدد لا بأس به من المجالس المحلية. وضمن مشاوراتنا مع اللجان ومجموعات المجتمع المدني، إذ نعتقد أن سيكون لها دور هام في دعم الحكومة في تحقيق أهدافها بالتواصل مع الناس، لأننا نريد أن نكون أقرب ما يكون إلى الناس، نحلم بأحلامهم ونتألم لآلامهم؛ إذ بقدر ما نكون قريبين منهم نحقق الهدف المطلوب. نريد أن يشعر الشعب السوري أن القرار الأهم الذي اتخذه في حياته هو قرار الثورة السورية. وعندما نساعده بتحسين معيشته، سينعكس ذلك بالتالي إيجابا على صموده.
الجهة الرابعة التي سعينا إلى التواصل معها هي الجهات العسكرية، أي الكتائب والألوية الموجودة على الأرض، وسعينا للتواصل حتى مع الجهات التي وقعت على البيان (الذي سحب الثقة من الائتلاف ومن هيئة الأركان)، فالتقينا قبل أيام مع الجبهة الإسلامية السورية. طرحنا وجهة نظرنا وسمعنا وجهة نظرهم، لماذا وقعوا على هذا البيان؟ بشكل عام لم أنظر للبيان نظرة متشنجة، أعتقد أن جزءا من مطالبهم حق ويجب أخذها بعين الاعتبار، ومنها أن نتواصل مع الداخل وهذا مطلب حق نرحب به. وطلبنا من جميع الكتل التي التقينا بها، جماعات وأفرادا، أن يقدموا إلينا مرشحين من أهل الداخل لأنه بات لدينا رغبة أكبر في أن تكون نسبة أعضاء الحكومة من الداخل أكبر من قبل. وقلنا إن احتجاجات الإخوة علينا وعلى الائتلاف تعبير عن الواقع المحزن الذي يعيشونه وهناك مخاوف فعلا فيما يتعلق بمستقبل الثورة السورية، وخصوصا بعد أن طرح مؤتمر جنيف على الطاولة مباشرة. البعض يعتقد أن جنيف هو توقيع صك استسلام لصالح النظام، برغم أنني أعتقد شخصيا أن مقررات جنيف بشكل عام تصب في صالح المعارضة. لكن تخوفنا في مسألتين: الأول أن النظام لم ينفذ القرارات، والنقطة الثانية أننا لم نعرف على وجه الدقة ما ستؤول إليه المآلات، فما هو مكتوب ومطروح تفسيره لصالح المعارضة وخصوصا عبارة جسم الحكم الانتقالي الكامل الصلاحيات، بما في ذلك الأمن والجيش والمالية والإعلام وجميع مؤسسات الدولة.. إذا كانت الأمور بهذا الشكل، فهناك نقاط إيجابية من حيث المبدأ، لكن أحد الأسئلة المطروحة: هل سيكون رحيل بشار الأسد متفقا عليه في بداية هذه المفاوضات؟ أم كما يطرح الروس والأميركيون معا أن رحيل الأسد سيكون في ختام المفاوضات ونتيجة لها؟
تلقينا بعض النصائح من سياسيين ومن جهات داعمة للثورة السورية مفادها لا تقبلوا إلا بأن يقال بأن هذه العملية السياسية وفي اليوم الأول من بدئها ستنتهي برحيل الأسد، على غرار ما حصل في العملية اليمنية، حيث قيل في اليوم الأول من المفاوضات إنها ستؤدي إلى رحيل علي عبد الله صالح.
* متى تتوقعون إكمال مهمتكم وإعلان الحكومة، خصوصا أنه سيكون للائتلاف اجتماع موسع في الخامس والعشرين من الشهر الجاري للتصويت؟
- المشاورات مستمرة على قدم وساق، وهي تسير سيرا حقيقيا، ويفترض، إن شاء الله، قبل أسبوع من عقد اجتماع الائتلاف، أن تكون الأسماء جاهزة.
* هذا يعني بعد عطلة العيد؟
- نعم، وسأقدم حكومة إلى الائتلاف للتصويت عليها في اجتماع الخامس والعشرين من الجاري.
* إن أردنا التكلم نسبيا، كم أنجزت من الحكومة حتى الآن؟
- لا أريد الدخول في تفاصيل هذه المسألة، لكن أنجزنا إنجازا مهما.
* الاتفاق المبدئي هو أن تقدم كل الكتل خمسة مرشحين وتعمد أنت إلى الاختيار من بينها؟
- هذا فيما يتعلق بالنسبة لهيئة الأركان، إذ ستقدم خمسة أسماء للدفاع وخمسة أسماء للداخلية. أما بالنسبة لبقية الكتل، فالمسألة تحصل بالتوافق حينا وتقديم المشورات حينا آخر وتقديم أسماء حينا آخر.
* هل سيكون وزير الداخلية مدنيا؟
- الدفاع والداخلية سوف يكونان مدنيين، نريد أن نرسخ مبدأ في مستقبل سوريا، بحيث إن الدفاع والداخلية يجب أن تسير سيرا مدنيا، كما هي الدول المتحضرة التي رسخت فيها الديمقراطية.
* ما المأمول من هذه الحكومة؟
- فكرتنا الأساسية أن نعزز صمود الناس ونستجيب لمطالبهم وتحسين عيشهم. فالمأمول منها أن تقدم الخدمات الأساسية للناس، سواء الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية من ماء وكهرباء والحياة العامة، ثم هناك مسألتان مهمتان جدا، وهما الصحة والتعليم، فالوضع الصحي في سوريا منذ عهد النظام يعوم بالفوضى وينتابه الفشل من كل جهة، وكذلك التعليم. نحن نريد إعادة ترميم كل الأبنية التي تضررت وتدمرت نتيجة القصف، وإعادة بنيانها، سواء في الصحة والتعليم، وكذلك استعادة كل الكوادر الممتازة التي تسبب النظام في تشريدها، إضافة إلى أننا نريد أن نقرر منذ الآن مشاركة المجتمع المدني في الحياة السورية مستقبلا. لقد أبعدنا النظام السوري عن الاهتمام بالشأن العام والعمل السياسي 50 عاما، رغم أن المواطن السوري أو في الأساس طبيعة الإنسان أنه كائن سياسي، فعندما يبعد 50 عاما، فهو في أشد العطش إلى العودة إلى العمل العام والشأن السياسي. ومن النقاط البالغة الأهمية، مأسسة الديمقراطية، إذ نريد أن ننشئ بلدا ديمقراطيا، ودولة مدنية تعددية، يكون فيها الرأي والرأي الآخر. يحق لكل الناس أن يبدوا وجهات نظرهم وأن يدافعوا عنها، وأن تكون لهم المؤسسات الكفيلة بأن تستطيع من خلالها تعويد الناس عليها تمهيدا للحياة السياسية مستقبلا.
نريد سيادة القانون والفصل بين السلطات، ونريد أن يكون هناك قضاء مستقل وعادل، وأن يعيش الإنسان السوري حياة كريمة. هناك نقطة بالغة الأهمية وهي أنه لدينا نحو 7 ملايين شخص، بين مهجر ولاجئ. من سيقوم برعايتهم؟ النظام أراد أن يعطينا رسالة واضحة بأنه إذا أردتم حريتكم فعليكم أن تدفعوا ثمنها غاليا. نحن سنحاول تحسين أوضاع الناس، سنبذل أقصى جهد ضمن الإمكانات المتاحة لدينا، لكن هذا يرتب علينا أعباء كبيرة، وأن نسعى حقيقة إلى إنقاذ الناس.
* هل لديكم القدرة أو وعود محددة وواضحة بشأن مساعدات مالية تمكنكم من القيام بواجباتكم في الفترة المقبلة؟
- بالنسبة للوعود فيما يتعلق بإقلاع الحكومة. نعم. وأعتقد أنها وعود حقيقية وسوف تقلع الحكومة.
* وعود بأرقام واضحة؟
- نعم، إلى حد ما، لكن لا أريد أن أفصح عن هذه المسألة لأنها ستصبح مثارا للجدل، لكن سنعلن عنها بعد قيام الحكومة.
* ما هو تقديركم لحجم المبالغ المطلوبة للنهوض بالوضع في سوريا؟
- تصورنا الأولي أن الحكومة تحتاج إلى 300 مليون دولار شهريا لكي تستطيع فعلا أن تقوم بواجباتها. المنح والمعونات من أصدقاء الشعب السوري ستغطي جزءا، والجزء الثاني لا تنسى أن سوريا مليئة بالخيرات، وفيها آبار نفط وكذلك القمح والقطن والمنتجات الأخرى. صحيح أننا لم نستطع بعد أن نستفيد من آبار النفط، لكننا دخلنا في مشروع جاد للتواصل مع كل الجهات التي يمكننا من خلال التعاون معها للتوصل إلى نتائج معقولة. المشكلة الحالية هي في الظروف التي استجدت خلال الأشهر الماضية والتي أدخلتنا في مآزق.
* ما مدى قدرتكم على التنفيذ على الأرض في ظل وجود قوى أمر واقع لا تقبل بكم ولا تقبل بمبدأ الحكومة؟
- هناك صعوبات كبيرة جدا وتحديات كبرى، لكنها ليست أكبر من قرار التحدي الأكبر، وهو أن الشعب السوري اتخذ قرار القيام بثورته. هذا القرار الأكبر الذي اتخذه الشعب السوري في حياته، وليس هناك تحد أكبر من هذا. أنا سجين سياسي سابق وأعرف ما الذي كان يجري. أتذكر أنه في عام 2005 عندما وقعنا على «إعلان دمشق»، أو حتى قبل ذلك عندما شاركنا ببيان «ألف»، كان الناس يقولون إلى أين أنتم ذاهبون أيها المجانين؟ هل يتجاسر أحد على أن يطالب بحياة ديمقراطية في سوريا؟ وعندما تشكلت لجان إحياء المجتمع المدني وبدأنا نطالب بالإفراج عن المساجين، وطالب البعض بإلغاء قوانين كانت تقضي بإعدام جماعات في المجتمع لمجرد الانتماء، تساءلت الناس هل حقا أنتم توقعون على بيانات مماثلة للمطالبة بالديمقراطية أم أنكم تتداولون بها في الغرف المغلقة فقط؟ وخلال محاكمتنا على إعلان دمشق كنا نقول في قاعة المحكمة إنه لا بد من تغيير المادة الثامنة من الدستور القائلة بأن حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، فكان المحامون يشفقون علينا ويقولون هل يطالب أحد بمادة تعرض قائلها لعقوبة 15 سنة، إذ إن المطالبة بتغيير هذه المادة في جدول النظام تعتبر معاداة النظام الاشتراكي في البلد، وعقوبتها في الحد الأدنى 15 سنة. الناس كانت مرعوبة إلى درجة كبيرة جدا، وأتذكر أنه عندما أفرج عني من السجن، كثيرون من أصدقائي لم يجرؤوا على زيارتي لأن الأمن سيسجل أن فلانا زارني. فأن يبدأ الناس بعد خمسة أشهر من الإفراج ثورتهم العظيمة الرائعة، علما بأنهم كانوا محقونين ومصممين على الثورة منذ سنوات عدة، لكن كان ينقصهم المحفز، وتحقق ذلك بثورة كل من تونس ومصر. عند ذلك، قرر الشعب السوري أن يمضي ويشهر حريته، ولم يقبل بكل عروض النظام بالإصلاحات الوهمية. وكنت أقول بشكل طريف إن إصلاحات النظام وفق المثل العربي: «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، بل أجله إلى بعد غد».
النظام عرض علينا إصلاحات وهمية لكن الشعب قال لا، إنها تحسين لشروط العبودية وليست حرية. وللأسف لم يدرك المجتمع الدولي لماذا قامت الثورة السورية، كان يعتقد أنها صراع على السلطة، وأن هناك مظالم يمكن تحسينها ببعض الإجراءات. هدف الشعب السوري من ذلك كان الحصول على حريته.
* هل خذلكم المجتمع الدولي؟
- طبعا بالتأكيد خذلنا المجتمع الدولي، ومن المحزن جدا أن نصل إلى هذه النتيجة. سبق وأبلغت جهات دولية عدة أنه إذا تأخر الحل السياسي في سوريا، ونحن مع حل سياسي عادل في سوريا منذ اللحظات الأولى، فقلنا لهم إن التأخر في الحال السياسي سوف يفتح الباب أمام كل المشكلات الكبرى المقبلة، بما في ذلك التشدد والتطرف. كنت أقول عبارة دائما مفادها أن الطغاة يجلبون الغزاة والغلاة.
* هل هذا يعني أن الشعب السوري أمام خيارين: التشدد أو النظام؟
- هل هذا ما كنا نريد أن نصل إليه؟ في بداية الثورة السورية نادت كل الشعارات بالدولة المدنية والديمقراطية والحرية والإفراج عن السجناء وتحسين عيش الناس، لم يكن التشدد مطروحا أبدا.
* كيف يمكن الخروج من أزمة التشدد السائدة في سوريا والتي يستعملها البعض «فزاعة»، ويعتبرها طرف آخر سببا للتلكؤ؟
- تبدأ بقرار دولي. حقيقة، إذا قرر المجتمع الدولي إنهاء القضية السورية وحلها، سنصل إلى حل.
* كيف يمكن أن نتخلص من أزمة المتشددين بقرار دولي؟
- بحل القضية السورية، فلو اتخذ قرارا وأنا باعتقادي قصر كثيرا في دعم الشعب السوري، فلو أن المجتمع الدولي قرر أن يحل المشكلة السورية في أشهرها الأولى لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وليس صحيحا ما يقال من أنه بسبب ظروف «الفيتو». المجتمع الدولي مرت عليه حوادث مشابهة تماما، وكما تعرف في اللغة عبارة «السنة» وتعني أن يفعل بالثاني كما فعل في الأول.. لديهم خبرة تراكمية عن حوادث مشابهة، فهم يعرفون ماذا سيحصل وقدموا لنا النصائح في ذاك الوقت، وقالوا افعلوا هذا الأمر ولا تفعلوا ذلك، أي أنهم كانوا يعرفون ما ستؤول إليه الأمور.
الشعب السوري وضع أمام خيارين، إما أن يبقى أسيرا لعبوديته وإما أن يخرج بحرية مع دفع ثمن باهظ جدا، وهذا ما اتخذه الشعب السوري.
فإذا اتخذ قرار دولي بحل الأزمة السورية بشرط رحيل النظام، فإننا قادرون من جهتين، أن تدار الحكومة بشكل جيد لكي تقدم خدماتها للناس وعندها سنتمكن من استعادة أكثر من ثلاثة أرباع الموجودين في تنظيم «دولة العراق والشام»، لأننا على قناعة بأن معظم من انضم إلى هذه الجماعات المتشددة إنما انضم إليها نتيجة العوز والفقر، والنقطة الثانية رغم أننا لا ندري ما ستؤول إليه الأمور بعد ستة أشهر، لكن ليس لدى هذه الجماعات الحامل الاجتماعي حتى هذه اللحظة. وهذا شيء مهم جدا في حياة الشعوب، فلا يمكن لأي مجموعة أن تستمر إن لم يكن لديها حامل اجتماعي. باعتقادي أن هذه الجماعات المتشددة قامت في أساس بنيانها على قضايا فكرية.. أليس كذلك؟ وبالتالي نحن نملك من القدرات والتصورات ما يقارع الحجة بالحجة. دخلت في حوارات مع جماعات متشددة قبل قدومي إلى تركيا. كنا نقول لهم أنتم أمام خيارين: إما أن تكرهوا الناس على أفكاركم، ولو افترضنا أنها أفكار عادلة وصحيحة، لكن مجرد فرضها على الناس إذن أنتم تؤمنون بجواز ولاية المتغلب وهذه النظرية السياسية الأولى.
أو أن تقبلوا بالنظرية الثانية التي يؤمن بها «شيخ الإسلام ابن تيمية» الذي قال: «لا يكون الحاكم شرعيا ما لم ينل بيعة من آحاد الناس، وقائمة على الشورى ورضا الناس». وهذا في العصر الحديث لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال صناديق الاقتراع وتكوين أحزاب تدعو إلى أفكارها. لا يمكن اليوم جمع الناس برفع الأيدي. حوادث كثيرة حصلت في التاريخ الإسلامي تعزز هذا التوجه.
* تحاورت كثيرا مع جماعات متشددة منذ فترة طويلة؟
- نعم قبل خروجي، فأنا قدمت إلى السياسة من خلفية فكرية. منذ 1992 كنت ومجموعة من رفاقي العقلاء ندرس بعمق أسباب المشكلات في العالم العربي والإسلامي. لماذا هذا الاستبداد؟ ولماذا هذا التخلف الحضاري؟ من هنا بدأنا، ووصلنا إلى نتائج مهمة وأولها كان إذا أردنا أن ننهض بالعالم الإسلامي فأول خطوة علينا أن نفعلها هي أن نضع السلاح جانبا. لذلك أنا دائما أتهم بأنني أميل إلى مذهب اللاعنف والمقاومة السلمية. وبعض الناس لا يعرفون ما هي المقاومة السلمية، فالمقاومة السلمية صحيح أنه لا يسمح لك بأن تحمل السلاح ذاتيا، لكن في الوقت نفسه لا يجوز لك بأي شكل من الأشكال أن تقف ساكتا عن نطق الحق.
* متى خرجت تحديدا من سوريا؟
- منذ نحو 4 أشهر.
* أين كنت موجودا في الفترة الفاصلة بين إعلان الثورة حتى خروجك من سوريا؟
- بداية كنت في دير الزور، ثم اعتقلت مرتين على خلفية لقاءات صحافية. وبعد أن حصلت الأحداث الرهيبة في مدينة دير الزور، لم يعد بالإمكان البقاء فيها، فنزحت مع 500 ألف من أبناء دير الزور إلى الحسكة والرقة ومكثنا عدة أشهر.
* وبعد تشكيل الحكومة سيكون عملها من الداخل.
- العمل الأساسي سيكون من الداخل. كما قلت نحن نريد أن نكون قريبين جدا من الناس، مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع الأمنية؛ لأننا لا نريد أن نفرط لا بالوزراء ولا برؤساء المديريات ولا بأعضاء الحكومة. ولأننا في ظرف طارئ، يمكننا أن نتخذ خطوات طارئة أيضا، بمعنى أنه ليس ضروريا أن يكون لدينا مقرات ثابتة، سنكون في أقرب نقطة إلى الداخل السوري من خلال مراكز مؤقتة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.