«الأمن القومي السوري» تعمد طمس حقائق بشأن معتقلين لبنانيين وتحفظ على الإجابة عن مراسلات دولية

ملخص مذكرة رسمية تفضح أداء دمشق مع «اللجنة المشتركة»

«الأمن القومي السوري» تعمد طمس حقائق بشأن معتقلين لبنانيين وتحفظ على الإجابة عن مراسلات دولية
TT

«الأمن القومي السوري» تعمد طمس حقائق بشأن معتقلين لبنانيين وتحفظ على الإجابة عن مراسلات دولية

«الأمن القومي السوري» تعمد طمس حقائق بشأن معتقلين لبنانيين وتحفظ على الإجابة عن مراسلات دولية

تنشر «الشرق الأوسط» ملخصا لمذكرة شاملة حول ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، أعدها مكتب الأمن القومي السوري، ومن المقرر أن ينشرها موقع «وثائق دمشق» كاملة في الأيام المقبلة، على الرغم من تعرضه للقرصنة مرات عدة، بعد بدئه الاثنين الماضي نشر وثائق رسمية ومحاضر اجتماعات سرية مسربة من دوائر سورية دبلوماسية وسياسية وأمنية.
تكشف المذكرة كيفية تعاطي مكتب الأمن القومي الذي كان يتولى الرد على المراسلات الموجهة إلى الجانب السوري الممثل في اللجنة اللبنانية السورية المشتركة لدرس ملف المفقودين اللبنانيين والسوريين. ويبدو واضحا تعمد المكتب التهرب من كشف أي حقائق حول مئات المعتقلين اللبنانيين في سجونه، على الرغم من أن أجهزة الأمن السورية قدمت له في أحيان كثيرة، بناء على كتب وجهها إليها، معطيات كثيرة تتعلق بالعشرات منهم. فاكتفى بتبيان أوضاع عدد من المعتقلين بتهم جنائية، فيما أغفل تقديم الاستيضاحات عن عدد كبير من المعتقلين بتهم سياسية، بعضهم أعدم والبعض الآخر توفي لأسباب مرضية، وهو ما يعتبره معارضون مرادفا لوفاتهم تحت التعذيب، فيما معتقلون آخرون ما زالوا أحياء.
يستهل مكتب الأمن القومي مذكرته حول المفقودين اللبنانيين في السجون السورية بمقدمة يشير فيها إلى أن «قوى 14 شباط (14 آذار) ركزت بتحريض استخباراتي خارجي بعد خروج القوات السورية من لبنان في نيسان (أبريل) 2005 على فبركة شهود الزور وتلفيق الاتهامات إلى سوريا حول مقتل (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق) الحريري. وفي الوقت نفسه أثارت ملف ما يسمى بالمفقودين اللبنانيين في السجون السورية، والذي تتبنى أموره منظمة لبنانية تدعى (سوليد)»، على حد تعبيره. وفي موازاة إشارتها إلى أن «بعض القوى السياسية لا تزال تعتبره (ملف المفقودين) ورقة ضغط تمارس على سوريا»، تفيد المذكرة «بإنشاء الحكومة السورية جمعية سورية خاصة بالمفقودين السوريين في لبنان كعامل مواجهة لمنظمة (سوليد) اللبنانية، وتم إحصاء جميع السوريين الذين فقدوا في لبنان والبالغ عددهم 1090 شخصا، منهم 283 عسكريا».
وتتطرق المذكرة إلى تشكيل اللجنة السورية اللبنانية المشتركة، التي عقدت 18 اجتماعا، وتتخللها سلسلة مراجعات وتقديم الجانب اللبناني قوائم بأسماء 725 لبنانيا فقدوا في سوريا، هناك أدلة على وجود 98 منهم في سوريا، و133 اسما لا أدلة على وجودهم، و491 أفادت الوثيقة بأن «اللبنانيين يعتقدون أن الميليشيات اللبنانية اعتقلتهم وسلمتهم إلى سوريا».
وفي مقابل القوائم اللبنانية، طرح الجانب السوري 1090 اسما سوريا مفقودا في لبنان، هناك أدلة على اختفاء 800 منهم في لبنان، و283 اسما لعسكريين سوريين فقدوا أيضا في لبنان مقابل سبعة أسماء فردية.
وفي حين عقدت اللجنة المشتركة 18 اجتماعا منذ تشكيلها نهاية شهر يوليو (تموز) 2005 حتى نهاية يناير (كانون الثاني) 2008، أشارت المذكرة المسربة إلى أن الجانب السوري أوضح خلال الاجتماعات معالجته لـ123 حالة، مقابل معالجة الجانب اللبناني لـ96 حالة. ولفتت إلى أن اللجنة «شطبت 4 أسماء قدّمها الجانب اللبناني وهم روبير أبو سرحال، جورج بشّور، ميلاد العلم، وجان خوري، بعد أن عُثر على جثثهم في إحدى المقابر الجماعية في لبنان». وتشدد الوثيقة على أن «هذه حجة قوية يجب أن تستخدم دائما من الجانب السوري».
وفي موازاة صدور اربعة مراسيم عفو رئاسية خاصة عن 25 لبنانيا محكومين وموقوفين في سجون سوريا عام 2009، تكشف المذكرة أن مكتب الأمن القومي السوري «اعتمد أسلوبا سابقا بالتعاطي مع الملف يقوم خلاله بالإجابة عن جميع الكتب المحالة إليه أصولا عن طريق اللجنة المشتركة، أما طلبات الجمعيات الأهلية والمنظمات الدولية والأشخاص التي تحال عن طريق المحافل الدولية (مجلس الأمن الدولي - مجلس حقوق الإنسان) أو بشكل شخصي أو عن طريق وزارة الخارجية التي تحيله بدورها إلى مكتب الأمن القومي، فكان يتم التحفّظ على الإجابة بشأنها».
وفي الشق المتعلق بالمراسلات الخاصة بمكتب الأمن القومي، تشير الوثيقة إلى عشر مراسلات وردت من خلال اللجنة المشتركة للمفقودين (السوريين واللبنانيين)، تتعلق الأولى بحالة 16 لبنانيا، وهم كل من سمير الحاج وبسام مثلج وإلياس بيطار وعادل ذيب وأحمد نصّار وفادي غلام وتوفيق الحجل وتوفيق الفوال ورئيف داغر وحسين شكر وجورج زاهر وعدنان زغيب وشامل كنعان وسامي حمادة وبولس باسيل ونبيل سمعان. وبعد إحالة مكتب الأمن القومي المراسلة إلى شعبة المخابرات والشرطة العسكرية، أفادتا بإعدام كل من مثلج لاتهامه «بقتل عسكري سوري وآخر لبناني»، والفوال بتهمة «اغتيال المساعد أول توفيق العلي (سوري) وقتاله ضد القوات السورية في لبنان». وتمحورت المراسلة الثانية حول 623 لبنانيا سبق أن أوقفوا في سوريا في الفترة الواقعة بين 1990 و2005، وتبين أنهم تم «تسليمهم إلى لبنان إما فرديا أو جماعيا». أما المراسلة الثالثة والمتعلقة بـ725 لبنانيا فقدوا «ويدعي ذووهم، وفق الوثيقة، أنهم موقوفون في السجون السورية وطلب من اللجنة المشتركة دراسة أوضاعهم»، فأفادت إدارة المخابرات الجوية بإعدام «دانيال جوزيف منصوراتي (1992)، وأعلنت الشرطة العسكرية إعدامه أيضا، إضافة إلى كل من سامي حسين شعبان (1982)، سليم بهزات سلامة (1990)، خليل أمين أبو زكي (1990)، نجيب يوسف جرماني (1997)، أحمد وليد رؤوف العمري (1989)، مروان حنا عواد (1990)، بسام رياض مثلج (1990)، توفيق فؤاد الفوال (1989)، قزحيا فريد شهوان (1981)».
وأفادت الشرطة العسكرية بـ«وفاة أحمد قاسم الشوم (1981) بعد مرضه ودفن في تدمر»، وبتسليم جمال رياض حوحو إلى فرع الاستطلاع في لبنان (1978) وتوفي هناك». وتشير المراسلة ذاتها إلى إعدام «أسماء مضافة بخط اليد وهي عبد الناصر خضر المصري وعلم الدين مهنا حسان وحسين محمد جوهري»، بموازاة إخلاء سبيل المدعو نادر محمد بلطجي.
من ناحيتها، أفادت إدارة المخابرات العامة بتوقيف كل من أبو زكي وحوحو ومنصوراتي وشهوان وسلامة وحسان وجرماني ومحمد علي وفيق قصقص، من دون أن تورد معلومات حول مصيرهم، مقابل إشارتها إلى الحكم بالإعدام على سامي حسين شعبان و«عدم توافر معلومات حول البقية». أما شعبة الأمن السياسي فأفادت «بعدم توقيف أي لبناني». وتستفسر المراسلة الرابعة الواردة من اللجنة المشتركة إلى مكتب الأمن القومي عن حالة 408 لبنانيين، فجاء رد إدارة المخابرات الجوية «عدم توافر معلومات عن الجميع»، في حين أفاد رد فرع التحقيق والسجون التابع للشرطة العسكرية بالحكم المؤبد على فهد حنا خيشو بجرم التجسس وقال إنه «ما زال موقوفا»، وبالحكم لمدة 15 عاما على ميلاد شحادة بركات «بجرم التجسس»، وقال أيضا إنه «ما زال موقوفا». وأشار إلى تنفيذ الإعدام بحق اللبناني علي سعيد الحاج «لإقدامه على القتل والعمل مع اليمين المشبوه»، وتسليم سمير فؤاد الصايغ «لمنتدب الفرع 248 عام 1990 بعد إنهاء علاقته»، في حين «توفي علي فاروق العبد الله بعد نقله إلى مشفى التل العسكري عام 1988 نتيجة إصابته بقصور كلوي حاد وسلمت جثته لذويه». كذلك، أشار فرع التحقيق والسجون إلى إعدام عارف محيي الدين الدايخ (1982)، وتسليم حسن محمد إسماعيل عبد الله للفرع 248 (2000)، وإعدام كل من عادل إميل خير الله (1988)، وشارل مانويل قالوستيان (1997)، وعماد إسماعيل القرش (1996). ولفت إلى تسليم كل من جمال رفاعي صالح (1987) وعلي محمد الحسين (1991) والرقيب اللبناني (جندي) إبراهيم جرجس وعادل مصطفى الأطرش (1991) إلى «منتدب الفرع 248»، مفيدا في الوقت ذاته بالحكم على محمد علي نور الدين الموقوف عام 1987 لمدة ستة أشهر. وأجابت وزارة الداخلية «بترحيل» وائل أحمد عكاوي عام 2003 وبتوقيف كل من محمد أحمد الفضل منذ عام 1998 بجرم الاتجار بالحشيش، وطالع محمد عسكر منذ عام 1998 بجرم تهريب الحشيش في سجن عدرا، مقابل إخلاء سبيل كل من علي أسعد غندور بتاريخ 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 ووليد علي عبد الملك عام 2005. ونفت إدارة المخابرات العامة توافر أي معلومات «باستثناء اللبناني عارف محيي الدين دايخ»، الذي «نفذ بحقه حكم الإعدام عام 1982». وعرضت شعبة الأمن السياسي، كما تضيف وثيقة الأمن القومي نفسها، أسماء 36 حالة، 10 منهم سبق أن أوقفوا من قبل جهات قضائية وأمنية و24 منهم بحقهم إجراءات لصالح الأجهزة الأمنية.
وتشير الوثيقة المسربة إلى أنه «تمت إجابة اللجنة المشتركة من قبل مكتب الأمن القومي بموجب كتابه رقم 206/7/أ.ق تاريخ 2006/2/27 بعدم وجود أي موقوف من اللبنانيين الواردة أسماؤهم في اللوائح»، ثم خاطب مكتب الأمن القومي في اليوم التالي اللجنة السورية المشكلة لمعالجة أوضاع المفقودين السوريين واللبنانيين، موضحا فيه حالة اثنين منهما، بسام رياض مثلج، الذي قال إنه «أوقف بجرم القتل قصدا لأكثر من شخص وتم إعدامه عام 1995 وجرى تبليغ الجهات اللبنانية بمذكرة الحكم ومحضر كشف تنفيذ الإعدام لتسجيل واقعة الوفاة أصولا»، إضافة إلى نادر محمد بلطجي، وأفاد بإخلاء سبيله بتاريخ فبراير (شباط) 1992.
وتتعلق المراسلة الخامسة من اللجنة المشتركة بـ494 لبنانيا، رد مكتب الأمن القومي عليها بكتاب تضمن «لائحة توضيحية بأسماء 34 لبنانيا تم إخلاء سبيلهم وتسليمهم إلى لبنان بتواريخ مختلفة، أما بقية الأسماء فلا تتوافر عنهم معلومات». وخصصت المراسلة السابعة (فبراير 2006) لحالة اللبناني المدعو سليم بهزات سلامة، فردت الشرطة العسكرية بأنه «أوقف عام 1989 بتهمة التجسس لصالح العدو، ونفّذ به حكم الإعدام عام 1990»، لكن مكتب الأمن القومي أجاب النائب العام العسكري (مندوب اللجنة المشتركة) بـ«عدم وجود أي معلومات».
واستفسرت اللجنة اللبنانية السورية المشتركة في المراسلة السابعة (مارس/ آذار 2006) «فيما إذا كان اللبناني سليم سلامة موقوفا بفرع فلسطين أم لا»، وردت شعبة المخابرات على مراسلة مكتب الأمن القومي (أبريل 2006) «بعدم توقيف المذكور وورود معلومات حوله تفيد بصلته بالعدو الإسرائيلي والشبهة بعلاقته باغتيال الشهيد جهاد جبريل»، في إشارة إلى نجل مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة أحمد جبريل.
وسألت المراسلة الثامنة المذكورة في الملف المسرب، عن 95 لبنانيا، ردت وزارة الداخلية السورية على كتاب أرسله بشأنهم مكتب الأمن القومي بالإشارة إلى إخلاء سبيل 72 منهم وهروب اثنين وإعدام أحدهم والحكم على 16 منهم ووفاة الأربعة الآخرين. لكن مكتب الأمن القومي اكتفى في رده على اللجنة المشتركة، من خلال ممثله فيها، بـ«بيان وضع 85 حالة لبناني موقوف».
وفي معرض رده على المراسلة التاسعة المتعلقة بحالة 26 لبنانيا معتقلين، تبين لمكتب الأمن القومي وفق الردود الواردة إليه من الأجهزة الأمنية السورية، إعدام خليل أمين أبو زكي في 29 يوليو 1990 (الشرطة العسكرية)، وتوقيف رياض حوحو محمد بتاريخ 20 نوفمبر 1978. لكن مكتب الأمن القومي أجاب بكتاب إلى اللجنة «بعدم توافر معلومات وعدم توقيف أي منهم». وخصصت المراسلة العاشرة للسؤال عن بطرس خوند، وهو مسؤول بارز في حزب الكتائب اللبنانية، ورد في الملف أن «منظمة (سوليد) ادعت أنه موقوف في سوريا». وأجاب مكتب الأمن القومي بناء على أجوبة وردته من دوائر الأمن السياسي وإدارة المخابرات العامة وإدارة المخابرات الجوية وشعبة المخابرات «بعدم توافر أي معلومات حول المذكور وأنه غير موقوف بالقطر». ويشير الملف المسرب المذكور إلى العثور «على إحصائيات حتى عام 2008 لأسماء لبنانيين موقوفين في القطر من قبل جهات أمنية»، إذ أفادت وزارة الداخلية السورية في كتاب (رقم 658، تاريخ 2008/7/20) بقائمة «تتضمن أسماء 104 لبنانيين موقوفين لديها منهم 90 ذكرا و14 أنثى». وتضمن كتابها (رقم 30527/م.و، تاريخ 2008/9/2) «أسماء السجناء اللبنانيين الموجودين في القطر حاليا والبالغ عددهم 107».
كذلك أفادت شعبة الأمن السياسي بأسماء «شخصين لبنانيين وشخصين فلسطينيين لبنانيين موقوفين لديها»، وكذلك فعلت الشرطة العسكرية في كتاب صادر عنها تضمن أسماء 12 لبنانيا، قالت إنهم موقوفون في «السجن العسكري الأول»، و«4 أسماء لفلسطينيين لبنانيين في السجن العسكري الأول وهم موقوفون لأسباب أمنية (تنظيم القاعدة - عصبة الأنصار - جند الشام)». وأشار الملف المسرب إلى «لائحة تفصيلية بأوضاع اللبنانيين والفلسطينيين اللبنانيين المحالين للمحكمة الميدانية وأمن الدولة وعرفيا وقيد التحقيق وعددهم 30 (ثمانية منهم فلسطينيون لبنانيون و22 لبنانيا) بعضهم موقوف في الشعبة (26) والآخرون موقوفون في الجوية (4)». ويورد الجزء الثاني الرئيس من الملف الصادر عن مكتب الأمن القومي السوري، والمتعلق بالمفقودين اللبنانيين في السجون السورية، مجموعة من الطلبات والمراسلات التي وردت من مجلس حقوق الإنسان ومن منظمات دولية وجمعيات أهلية لبنانية ودولية وأفراد تسأل عن مجموعة من المفقودين. ويبدو واضحا من خلال الملف تحفظ مكتب الأمن القومي في حالات كثيرة عن الرد على الرغم من ورود أجوبة إليه من الأجهزة الأمنية عن عشرات المفقودين أو اكتفائه بعرض الموضوع في اجتماعاته الدورية، ورده فقط على المراسلات ذات الطابع البروتوكولي لناحية إفادته بتشكيل اللجنة اللبنانية السورية المشتركة وتقديمه موجزا عن الإجراءات والنتائج التي خلصت إليها.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.