الرمان.. رمز الخصوبة وعنوان الريجيم الصحي

صدّره العرب إلى العالم من الأندلس

الرمان.. رمز الخصوبة وعنوان الريجيم الصحي
TT

الرمان.. رمز الخصوبة وعنوان الريجيم الصحي

الرمان.. رمز الخصوبة وعنوان الريجيم الصحي

من أهم الميزات الغذائية للرمان أنه يحتوي على مضادات أكسدة تحافظ على الصحة العامة كما أنه يخفض من الكولسترول الضار الذي يمكن أن يؤدي إلى صدمات قلبية. وفي دراسة نشرت حديثا في بريطانيا جاء أن تناول نصف كوب من الرمان يوميا مع ثلاث تمرات يمكن أن يقي من أمراض القلب ومن تصلب الشرايين. ويخفض الرمان من نسبة الكولسترول بنحو 28 في المائة عند تناوله المتكرر.
ويحتوي الرمان أيضا على عدة فيتامينات منها فيتامين سي وفيتامين إي وكثير من الأملاح والمعادن المفيدة. ويعد الرمان مصدرا جيدا للألياف والحديد، واستخدم الرمان عبر آلاف السنين ليس فقط كطعام وفاكهة وإنما أيضا لعلاج بعض الأمراض. وعبر عصور استخدم الرمان لعلاج أمراض ضغط الدم العالي وأمراض القلب، بل وبعض أنواع السرطان مثل سرطان البروستاتا.
وهناك دراسات متعددة عن فوائد الرمان منها واحدة أجريت في عام 2006 وأشارت إلى فوائد الرمان في المحافظة على صحة العظام. ولكن الدراسة أجريت على فئران وليس على آدميين ولذلك لم تتأكد نتائجها.
وفي دراسات أخرى جاء أن تناول كوب صغير من عصير الرمان يوميا يمكن أن ببطيء من تطور مرض سرطان البروستاتا، ولكن مجال الدراسة المحدود يحتاج إلى المزيد من الإثبات، ولذلك لا يعتد بها الخبراء حتى الآن.
ولكن تأثير تناول الرمان يوميا على صحة الشرايين ومنع الكولسترول مثبت في أكثر من دراسة، منها دراسة شملت 45 مريضا مصابين بأمراض القلب تناولوا كوبا من عصير الرمان لمدة ثلاثة أشهر. وكانت النتيجة هي سريان أفضل للدم وتراجع خطر الصدمات القلبية.
ومع ذلك كان تعليق خبيرة الأغذية البريطانية اليسون هورنبي أن الدراسات التي أجريت حتى الآن لا تعطي دليلا قاطعا حول فوائد الرمان الصحية، وإن كانت احتمالات الفوائد قائمة. وهي تعتقد أن الرمان له فوائده الصحية مثل أنواع الفاكهة الأخرى التي يجب تناول خمس قطع منها يوميا. كما نصحت بتناول عصير الرمان دون إضافات سكرية له. ويمكن أيضا إضافة حبوب الرمان إلى السلاطة لزيادة قيمتها الغذائية.
وبدأت شجيرات الرمان من منطقة الشرق الأوسط قديما وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العالم. ويزرع الرمان في المنطقة منذ الزمن القديم، وانتشر شرقا إلى الهند ومنها إلى بقية أنحاء آسيا. ولم يصل الرمان إلى أميركا إلا في القرن الثامن عشر وتحديدا في عام 1769 عندما استورده مزارع في كاليفورنيا.
وينمو الرمان على أشجار تصل إلى طول ستة إلى عشرة مترا. وتعيش أشجاره لعقود طويلة، وهناك شجرة رمان في فرنسا يعود تاريخها إلى قرنين من الزمان. ويشتهر الرمان بأزهاره الحمراء براقة اللون. وهناك بعض الأنواع التي لا تثمر وتزرع فقط من أجل إزهارها.
وتختلف ثمار الرمان من موقع لآخر ويصل عدد الحبوب في كل ثمرة من 200 حبة إلى 1400 حبة. وكل حبة مغطاة بغشاء يحجب سائل محيط بالبذرة، وتتراوح ألوانه ما بين الأبيض والأحمر القاتم.
وتنمو أشجار الرمان في مناخ البحر المتوسط وهي تتحمل الجفاف ويمكن أن تعيش على أمطار الشتاء وحدها. وفي المناطق الرطبة يمكن أن تتعرض الأشجار إلى عطب في جذورها. وهي أشجار تتحمل أيضا درجات الحرارة المنخفضة إلى ما دون الصفر مئويا أثناء الشتاء.
ويمكن زرع الرمان من البذور ولكن أفضل أنواعه تكون بزراعة أغصان مقطوعة من الشجرة. وهنالك كثير من الفصائل منها أشجار صغيرة الحجم تزرع في الحدائق للزينة.
وقبل وصول الطماطم من الأراضي الأميركية إلى العالم القديم كان الرمان يدخل في كثير من الوجبات الشرق أوسطية وما زال يستخدم حاليا في وجبات تقليدية في الدول العربية وإيران.
وفي الهند وباكستان تستخدم حبات الرمان المجففة كنوع من التوابل في الوجبات وأنواع الكاري. كما تستخدم حبوب الرمان المجففة في صناعة الحلوى ويمكن أن تضاف إلى الزبادي والآيس كريم والبقلاوة.
وفي سوريا وتركيا يتم خلط عصير الرمان المركز مع الفلفل الأحمر المشوي والثوم والمكسرات في خلطة تسمى «المحمرة». كما يستخدم عصير الرمان في اليونان في كثير من الوجبات وتطلى به قطع اللحم التي تتكون منها وجبة الكباب. وهو يضاف أيضا إلى أنواع بابا غنوج.
* تاريخ حافل
يمكن القول إن الرمان كان منتشرا في كل منطقة الشرق الأوسط منذ العصور القديمة ومنها تم تصديره إلى بقية أنحاء العالم. وتوجد آثار كربونية للرمان في كثير من المناطق مثل الضفة الغربية وقبرص ومصر القديمة تعود إلى العصر البرونزي.
وعرفت مصر القديمة الرمان واعتبرته رمزا للخصوبة والرخاء. ووجدت الكثير من ثمراته في قبور قدماء المصريين منها رمانة جافة وجدت في قبر جيهوتي كبير طهاة الملكة حتشبسوت. كما جاء ذكر الرمان في بردية طبية مصرية يعود تاريخها إلى 1500 سنة قبل الميلاد تذكر فيها بعض الاستخدامات الطبية للرمان في التخلص من ديدان الأمعاء ومن الكثير من الأمراض المعدية.
وخلطت اليونان القديمة بين الرمان وبين أساطيرها المتعددة وظهر الكثير من الشخصيات الأسطورية وهي تحمل الرمان في يد والسيف في يد أخرى كدليل على الخيار بين السلام والحرب. وما زال الرمان يحتل مكانة في المناسبات الدينية اليونانية حتى اليوم، حيث يؤكل في الأعياد وأيام الحصاد.
واستمرت الدلالات الأسطورية مع الرمان في العصر اليوناني وظهرت في كثير من الرسوم التاريخية التي يبقى بعضها محفوظا في المتاحف حتى اليوم. وفي آسيا كان الرمان يصدر من أفغانستان إلى الهند وباكستان وروسيا وأوروبا. كما أن الرمان يعد أحد الفواكه الرئيسية في أرمينيا، وتتخذه البلاد شعارا ورمزا للخصوبة. وكان الرمان يستخدم شرابا في مراسم الزواج التقليدية.
وتحتفل الثقافة الفارسية أيضا بالرمان ويدخل في مكونات كثير من الوجبات التقليدية حتى اليوم. وهناك مهرجان سنوي للرمان يعقد كل أكتوبر (تشرين الأول) في طهران لعرض وبيع أنواع الرمان ومنتجاته.
ويحمل الرمان في الثقافة الهندية القديمة معاني الرخاء والخصوبة، وله أيضا معنى طريف في ثقافة قبائل التاميل، حيث تشتق كلمة الرمان من كلمة تعني «عقل المرأة» وتحمل معاني الحبوب المتعددة وصعوبة تفسير ما يجري في عقل المرأة.
وفي الصين، يعود تاريخ الرمان إلى زمن مملكة تانغ في القرن السابع الميلادي، وفيها كان الرمان يرمز أيضا للخصوبة وكانت صوره تعلق في المنازل لجلب هذه الخصوبة المهمة في الثقافة الصينية.
عرف العرب الرمان بعد الفتوحات الإسلامية وزرعوه في الشام وشمال أفريقيا، وكانت أفضل أنواعه تنمو في الأندلس. وقد أطلق عليه العرب في الأندلس اسم «تفاح غرناطة» واتخذوه شعارا للمدينة التي كانت تصدر أفضل أنواعه لأنحاء أوروبا والشرق.
وحمل العرب معهم ثمار الرمان في تجارتهم مع جنوب شرقي آسيا، ومنهم وصل الرمان إلى أفغانستان التي اكتشفت أن التربة الغنية بالحديد بالقرب من قندهار تنتج أفضل أنواع الرمان ذي اللون الأحمر الأرجواني. ونجحت تجارة تصدير الرمان من أفغانستان إلى كثير من الدول المجاورة.
وفي العصر الحديث يزرع الرمان في بعض الولايات الأميركية وفي إسبانيا والشرق الأوسط والهند والصين. وهو يستخدم على نطاق واسع في الصناعات الغذائية ويعتبر أحد الأغذية السوبر التي تدخل في الريجيم الصحي.
ولأنه يزرع في مناطق مختلفة من العالم يمكن الحصول على الرمان على مدار العام. ويمكن حفظه لمدة أسبوعين في البرادات وتناوله على صورته الطبيعية أو بعد عصره. وتستخدم حبوبه في كثير من الوجبات أو السلاطة وأحيانا يدخل في تحضير بعض الطبخات الشرقية التي تشمل الدجاج والبط والأسماك ولحم البقر.
ويجب توخي الحذر عند تحضير الرمان لأن البقع التي يتركها على الملابس من الصعب إزالتها. وأسهل طريقة لاستخراج الحبوب هي بفتح الرمانة إلى نصفين والضرب على قشر الرمانة بملعقة خشبية لاستخراج الحبوب بسهولة.



أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.


مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
TT

مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)

من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.

في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.

سانت بيتر - سيدني

من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.

ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.

أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.

وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.

أتولييه كرين - سان فرانسيسكو

في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.

وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.

كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.

بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.

يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.

من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.

وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.

بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس

يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.

مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.

ميرازور - مينتون

منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.

يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.


سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.