سينمائيو أول مرة يقودون السينما العربية اليوم

«من أ إلى ب» لعلي مصطفى: اختيار اتجاه
«من أ إلى ب» لعلي مصطفى: اختيار اتجاه
TT

سينمائيو أول مرة يقودون السينما العربية اليوم

«من أ إلى ب» لعلي مصطفى: اختيار اتجاه
«من أ إلى ب» لعلي مصطفى: اختيار اتجاه

أهم انتصارات الفيلم العربي في الأشهر الأخيرة على الأقل هي لمخرجين جدد.
«السلام عليك يا مريم» للفلسطيني باسل خليل، و«ذيب» للأردني ناجي أبونوار هما فيلمان عربيان دخلا سباق الأوسكار (القصير وأفضل فيلم أجنبي).
«بركة يقابل بركة» هو فيلم سعودي بالكامل للمخرج أول مرة محمود الصبّاغ وعرض في تظاهرة «فورام» الرسمية في إطار مهرجان برلين السينمائي المنتهي مؤخرًا، في حين أن الفيلم المصري الذي اختير للعرض في تظاهرة «بانوراما» داخل المهرجان ذاته هو «آخر أيام المدينة» للمصري تامر السعيد الذي يقف وراء أول فيلم طويل له أيضًا. كلا الفيلمين حظي بتغطية إعلامية واسعة.
في المهرجان ذاته أنجز الفيلم التونسي «نحبك هادي» فوزًا مزدوجًا عندما أعلن عن تسلمه جائزة أفضل عمل أول (نالها المخرج محمد بن عطية) وجائزة أفضل ممثل (ماجد مستورة).
وكان الفيلم التونسي الآخر «على حلّة عيني» فاز بعرض أول في مهرجان فينيسيا في العام الماضي ثم بجائزة أفضل فيلم عربي روائي طويل في مهرجان دبي المنصرم.
وفي بادرة أولى، خطفت شركة «نتفلكس» الفيلم الإماراتي «زنزانة» للبث لعموم العالم العربي عبر الإنترنت، وهو بدوره فيلم أول لمخرجه ماجد الأنصاري.
مساحات جغرافية
ظاهرة تدفق المخرجين العرب الجدد على العمل السينمائي ليست جديدة. في الأساس، لكل جيل مخرجه الجدد: يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وكمال الشيخ وكل المجموعة التي أسست للسينما المصرية في الخمسينات والستينات كانت يومًا حديثة. كذلك الحال بالنسبة لكل المخرجين الجدد الذين عملوا في السبعينات والثمانينات جنبًا إلى جنب الجيل السابق، ومنهم خيري بشارة ومحمد خان وعاطف الطيب وبشير الديك وعلي عبد الخالق وغالب شعث وسعيد مرزوق من بين آخرين كثيرين.
وهذا الوضع - الأساس بدوره ساد في باقي السينمات العربية، من لبنان (ميلاد جورج شمشوم وبرهان علوية ومارون بغدادي ورفيق حجار وسواهم) وتونس (رضا الباهي والناصر خمير من بين كثرة) والجزائر (عبد الكريم بهلول ومرزاق علواش بين آخرين) وفلسطين (ميشيل خليفي ورشيد مشهراوي وإيليا سليمان وعدد كبير آخر) إلى العراق (محمد الدراجي، رعد مشتت) والأردن (يحيى العبد الله، ميس دروزة) إلى آخر الدول المنتجة للأفلام على نحو متواصل وعددها 14 دولة عربية.
ما هو جديد دخول السينما مساحات جغرافية لم تكن متاحة من قبل. صحيح أن الكويت والإمارات والبحرين وقطر عرفت إنتاجات سينمائية في السبعينات وجوارها، إلا أنها لم تكن بهذه الوفرة كما هو الحال اليوم. كانت عبارة عن مبادرات فردية آملة وواعدة لكنها غير متواصلة أو مستمرة.
فجأة، تغيّر الوضع فظهر الفوج الحالي من السينمائيين الخليجيين: في السعودية (التي كان عبد الله المحيسن أول من قام بتحقيق أفلامه من بين مواطنيه) برز عبد الله آل عياف وهيفاء المنصور ومحمود الصبّاغ، وهناك آخرون يملأون ميدان الأفلام القصيرة من بينهم توفيق الزايدي ومحمد سلمان ومحمد سندي.
على أن الإمارات هي الميدان الأنشط والأثرى في هذه الموجة، بل بات من الممكن ملاحظة ملامح شخصية لعدد من المخرجين. خذ على سبيل المثال المخرجة نجوم الغانم فهي لم تتخصص، حتى الآن، في السينما التسجيلية، بل صرفت معظم أعمالها لتواكب المرأة في مهنها وأشكال حياتها المختلفة. شملت أعمالها الفنانات والطبيبات الشعبيات كما صاحبات المهن التي كانت تعتبر من خصائص الرجال فقط، كرعاية الجمال وإعدادها لسباق الخيل (كما في «سماء قريبة»).
كذلك يبرز فيها التيار العامد إلى أفلام تجارية الميول ولو أن بعضها حافظ على فنية التناول مثل «الدائرة» و«ظل البحر» لنوّاف الجناحي وبعضها الآخر هدف مباشرة إلى تسويق الفيلم تجاريًا عبر اختيار الموضوع والشكل المناسبين كما الحال مع «دار الحي» و«من ألف إلى باء» لمخرجهما علي مصطفى، وكما الحال اليوم مع «زنزانة» لماجد الأنصاري.
اتجاهات
الثابت في هذا المنوال أن المخرج الخليجي الجديد، كما العربي وعلى امتداد العالم، يواجه سؤال المليون دولار قبل أن يبدأ: هل يريد فيلمًا فنيًا يدخل عبره إلى مهرجانات ومناسبات على أمل الفوز بإحداها وإعلاء شأنه كمخرج - مؤلّف، أو هو يريد تحقيق فيلم تجاري فيه بعض الفن والذات من دون أن يشكل وجودهما عائقًا أمام الجمهور المتلقي الذي يريد التوجه إليه؟
الحل الوسط صعب للغاية. أن يستطيع مخرج جيّد تحقيق عمل يحفظ قيمه الفنية ويمارس عبره لغة المبدع وفي الوقت ذاته يسرد حكاية تسبح صوب ضفاف الجمهور الواسع، أمر صعب جدًّا لأن الناحيتين في الواقع مختلفتان. ليس من المستحيل طبعًا تحقيقهما معًا، لكن الصعوبة تكمن في اختيار ما يبقى وما يتم الاستغناء عنه في كلتا الحالتين. هذا الفعل قد يثمر عن تجانس ما، لكن السائد أن يثمر عن تركيبة لا تحقق الذات الفردية ولا النجاح الشعبي.
لا يعني ذلك استحالة تحقيق فيلم فني يوزّع ويربح تجاريًا (نموذج «وجدة» لهيفاء المنصور) أو تحقيق فيلم تجاري وعناصر فنية مرتفعة (كما أفلام مارون بغدادي حينها أو «ذيب» لناجي أبو نوار من بين سواه حاليًا)، لكن يعني صعوبة هذا الدمج على نحو متواز ومتوازن.
على ذلك، يبقى واضحًا أن غالبية ما تم إنتاجه في العالم العربي من أفلام خلال العامين الماضيين كان من نتاج مخرجين يقفون وراء مشروع الفيلم الروائي الطويل لأول مرّة. هذا يتضمن أيضًا مخرجين مصريين في عقر دار السينما الجماهيرية، ولو لأسباب تعود إلى رغبة المنتج في أن يتولّى طبع العمل بطابعه وخبرته لتأمين رواجه فيستعين بمخرجين جدد كونه من السهل السيطرة عليهم وأرخص من سواهم أيضًا.
ولو أخذنا السينمات الأخرى لنظرة بانورامية سريعة حول العنصر الشبابي وتوفره لوجدناها زاخرة. في لبنان مثلاً ومن بين 21 فيلما اختير للمعاينة من إنتاج العامين الماضيين نجد 16 فيلما من إخراج سينمائيين أول مرّة.
مع مزيد من المواهب التي تنتظر فرص العمل وتبحث عن التمويل من أي مصدر كان، ومع تطويع وسائل التصوير بكاميرات صغيرة قليلة التكلفة ووسائل التوزيع والعروض (مهرجانات وصالات وإنترنت) باتت الأمور، مبدئيًا، أسهل من ذي قبل. يبقى أن ينجح كل مخرج في الخط الذي سيلتزم به.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز