طرابلس ليبيا.. عاصمة للإرهاب (3 من 7): معلومات استخباراتية تجلي أنصار «داعش ليبيا» من صبراتة

أمراء حرب العاصمة زاروا زعيم التنظيم الدموي «للاطمئنان على سلامة مقاتليه» وحصلوا على وعود بمهاجمة الجيش في بنغازي

مقاتل من تنظيم داعش في ليبيا يوجِّه مدفعًا مضادًا للطائرات ضد القوات الجوية للجيش الوطني («الشرق الأوسط»)
 خليفة الغويل -  نوري أبو سهمين -  عيسى عبد المجيد - د. محمد الزبيدي
مقاتل من تنظيم داعش في ليبيا يوجِّه مدفعًا مضادًا للطائرات ضد القوات الجوية للجيش الوطني («الشرق الأوسط») خليفة الغويل - نوري أبو سهمين - عيسى عبد المجيد - د. محمد الزبيدي
TT

طرابلس ليبيا.. عاصمة للإرهاب (3 من 7): معلومات استخباراتية تجلي أنصار «داعش ليبيا» من صبراتة

مقاتل من تنظيم داعش في ليبيا يوجِّه مدفعًا مضادًا للطائرات ضد القوات الجوية للجيش الوطني («الشرق الأوسط»)
 خليفة الغويل -  نوري أبو سهمين -  عيسى عبد المجيد - د. محمد الزبيدي
مقاتل من تنظيم داعش في ليبيا يوجِّه مدفعًا مضادًا للطائرات ضد القوات الجوية للجيش الوطني («الشرق الأوسط») خليفة الغويل - نوري أبو سهمين - عيسى عبد المجيد - د. محمد الزبيدي

هل يمكن أن يكون داعش ليبيا تلقى معلومات عن موعد الغارة الأميركية على «صبراتة» التي وقعت أواخر الشهر الماضي؟ تحقيقات استخباراتية في طرابلس وشهود عيان يقولون إن التنظيم نقل مقاتليه، قبل الضربة الأميركية بفترة وجيزة، إلى مناطق آمنة.
في فجر يوم الجمعة 19 من الشهر الماضي نفذت طائرات حربية أميركية ضربات جوية ضد مقاتلين قيل إنهم على صلة بداعش في صبراتة، وإن عدد القتلى وصل إلى 40 شخصا. لكن «الشرق الأوسط» اطلعت على تقارير لمحققين محليين وآخرين في شركات أمن غربية في العاصمة الليبية تقول إنه، وقبل 48 ساعة من الضربات الأميركية، أصدر زعيم داعش في ليبيا، محمد المدهوني، أمرا للمشرف على داعش في صبراتة، ويدعى عزام أحمد، بإجلاء عناصر التنظيم الدموي من المدينة إلى مواقع أخرى، منها سرت.

عزام كان يقيم في الموقع الذي جرى ضربه، وفقا لمصدر أمني في صبراتة، إذ إنه يشير إلى أن هذا الموقع عبارة عن منطقة يطلق عليها «القصر».. كما يسميها بعض السكان المحليون «المشوطة»، وذلك نسبة إلى منزل رجل يدعى المشوط، يقال إنه كان يقاتل في العراق، ويقع مسكنه بالقرب من مزارع للزيتون هناك.. «عزام، ومن موقعه في صبراتة، أعطى تأكيدا للمدهوني بإجلاء جميع الدواعش، ثم توجه قبل القصف بساعات إلى طرابلس».
وتقول الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية إنها تشعر بالقلق بسبب تنامي نفوذ داعش في ليبيا، لكن طريقة تعامل كثير من تلك الدول مع التنظيم المتطرف في هذا البلد أصبحت مثار شكوك من جانب الليبيين، خصوصا بعد ملابسات أحدثتها عدة غارات أميركية، واحدة على الأرض في منطقة المشوطة المشار إليها، والأخرى في بحر صبراتة، بعد ساعات من الضربة الأولى.
وفقا للمعلومات المتاحة هنا، يبدو أن المشوط، صاحب المنزل الذي تعرض للقصف، من أبناء صبراتة، لكنه كان، فيما مضى، يقاتل مع تنظيم القاعدة في العراق. ويقول مسؤول محلي في صبراتة إن أحد قيادات طرابلس أعاده إلى البلاد منذ أكثر من سنة، وانخرط في التعاون مع الجماعة الليبية المقاتلة، ويبدو أن من بين الأجانب الذين كان يؤويهم في صبراتة ما يزيد على عشرة مطلوبين للسلطات التونسية، إذ إن الرجل لديه عدة مبان سكنية في منطقة الدبابشة والقصر، يقوم بتأجيرها لعمال البناء ورصف الطرق ومزارع الزيتون، وهم من جنسيات مختلفة، بينهم تونسيون وجزائريون.
ويعتقد، وفقا لوثائق استخباراتية اطلعت عليها «الشرق الأوسط» في مقر أمني غربي يقع على شاطئ طرابلس، أن «قصف صبراتة هو عملية تونسية أميركية، إذ إنه يوجد ضغط فرنسي وتونسي على الولايات المتحدة، من أجل حماية الأمن القومي التونسي، لأن الدواعش الليبيين في مناطق الخُمس وطرابلس لم يتعرضوا للقصف». وأضاف التقرير أن النقيب ميلود، في مخابرات طرابلس، أكد من جانبه أن «المخابرات التونسية تعمل بشكل قوي في مناطق غرب ليبيا، وأن قتلى الغارة على صبراتة جرى تسليمهم لتونس بشكل سريع، لدرجة أننا لم نجد الفرصة لحصر أسماء القتلى ومعرفة أصحاب الجثث».
يشير التقرير أيضًا إلى أن بعض الأسماء التي وردت في كشوف القتلى، اتضح في ما بعد أنها «لأشخاص قتلوا في عمليات سابقة، وآخرين ما زالوا على قيد الحياة وموجودين في طرابلس وسرت.. كما أن قيادات داعش في سرت وفي طرابلس لم تبدِ أي اهتمام بضحايا الغارة الأميركية، وكأن الأمر لا يخصهم».
ويقول مسؤول محلي في صبراتة إن المشوط نفسه لم يظهر منذ أسابيع في المدينة وغير معروف إن كان قتل في الغارة أم لا. ووفقا للمصدر نفسه فإن الدواعش الذين كانوا موجودين بكثافة في منطقة الدبابشة والقصر انتقلوا إلى مناطق آمنة في صبراتة وانتقل قطاع آخر إلى سرت، قبل الغارة الأميركية بيومين.. «لدرجة أن أصحاب المحال التجارية في المنطقة شكوا من قلة البيع والشراء وتراجع نشاط السوق المحلية التي كانت تعتمد على الدواعش.. كانوا ينفقون بسخاء ويشترون كميات كبيرة من الخبز واللحوم والخضراوات والفاكهة».
أما باقي الدواعش الذين لم يستهدفهم القصف في صبراتة فكانوا في ذلك الوقت يتمركزون في مناطق لم تستهدفها الغارة الأميركية، ومنها منطقة تليل، على مسافة قريبة من متنزه صبراتة العام، ومنطقة الساحل، ومنطقة نادي المدينة. يشير أحد مسؤولي جهاز المخابرات في طرابلس إلى أنه تبين، بعد ذلك، أن الغارة الأميركية على صبراتة جرى تنفيذها دون إخطار المسؤولين في العاصمة.. «لا رئيس المخابرات ولا قائد الجيش ولا رئيس المؤتمر ولا رئيس الحكومة.. اتصلت بهم في الفجر، وقالوا: لا نعلم شيئا».
أما في صبراتة فيشير المسؤول المحلي إلى أن المدينة، في ساعات الفجر، أي حين بدأ القصف الأميركي، كان فيها أيضًا مجموعة متطرفة تابعة لما يسمى بـ«جند الحق»، وهي جماعة تتعاون مع المدهوني، ويقودها رجل يدعى الشيخ رشيد. كان الشيخ رشيد مطمئنا في البداية. يقول أحد مسؤولي المدينة: «يبدو أن المعلومات التي وصلت إلى الشيخ رشيد كانت تفيد بأن فرقة الاستطلاع التابعة له، والتي كانت تتمركز في وسط صبراتة، وتتكون من نحو 55 متطرفا من جنسيات مختلفة، ليست ضمن الأهداف الأميركية».
ويوضح المصدر أن هذه الفرقة الاستطلاعية يرأسها قائد يدعى عبد الملك ضياء الدين، ويعتقد أنه آسيوي الجنسية (من أفغانستان أو باكستان)، لكنه يضيف أنه «بعد ساعات قليلة من تنفيذ الغارة، أمر الشيخ رشيد الفرقة بمغادرة صبراتة خوفا عليها من حالة الغضب التي أصابت سكان المدينة.. حملوا أسلحتهم وغادروا في اتجاه البحر في طابور واحد، في وضح النهار».
لقد صبَّ أهالي صبراتة نقمتهم على المتطرفين، لأنهم تسببوا في جر المقاتلات الحربية الأميركية إلى بلدتهم. وجرت عملية إجلاء فرقة الاستطلاع التابعة للشيخ رشيد، عبر مراكب صغيرة من سواحل صبراتة، إلى معسكر أبو رقيبة البحري على بعد نحو 30 كيلومترا، كما يؤكد المصدر.
كيف ظهر داعش بكل هذه الحرية في دولة نفطية قليلة السكان وشاسعة المساحة؟ فَهْم المسألة يتطلب العودة قليلا إلى الخلف. فحتى الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو يشير إلى أن «ليبيا قد غرقت في الفوضى»، عاد إلى بداية المشكلة، أي منذ أن نفذ تحالف بقيادة فرنسا وبريطانيا غارات جوية على ليبيا، قبل أن يتولى الحلف الأطلسي (الناتو) الأمر في ما بعد، ما أدى إلى الإطاحة بنظام القذافي في نهاية المطاف.
يرى سياسيو وزعماء القبائل أن الدولة انهارت منذ ذلك التاريخ. يقول الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية في مؤتمر القبائل الليبية: «منذ ذلك الوقت أصبحت ميليشيات مسلحة متنافسة تتناحر على السلطة، وفي هذه الأثناء استفاد تنظيم داعش من الوضع ليوسع نفوذه في البلاد».
عقب مقتل القذافي مباشرة هيمن على السلطة في البلاد شخصيات تنتمي إلى جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة الأقرب لتنظيم القاعدة. من أشهر قراراتها قانون العزل السياسي، الذي يقضي بطرد من عملوا مع النظام السابق، من دولاب العمل في الدولة.
يعتقد على نطاق واسع أن القرار الذي ألغاه البرلمان الجديد كانت له نتائج كارثية، ما زالت مستمرة حتى الآن، لأنه أصاب منظومة العمل الإداري في البلاد بالشلل، وساهم في انتشار الفوضى.
يضيف الدكتور الزبيدي أن من حكموا البلاد بعد القذافي لم يتمكنوا، منذ البداية، من تأسيس جيش ولا شرطة.. «لم يكن لديهم رغبة في ذلك»، وفي المقابل منحوا مسألة حماية الحدود والمؤسسات الرسمية لميليشيات يسيطر على معظمها أمراء حرب من المتطرفين الذين خرجوا من سجون القذافي أو عادوا أثناء الانتفاضة المسلحة، من مناطق ملتهبة مثل أفغانستان وباكستان والشيشان والعراق.
أطلق حكام طرابلس اسم «الثوار» على عناصر الميليشيات التي كانت تحارب القذافي، لكنّ الليبيين وجهوا لهذا التيار ضربة قوية حين اختاروا في انتخابات 2014 برلمانا جديدا لا وجود فيه لهيمنة المتشددين.
وفي خطوة زادت من تعقيد الأوضاع، قام البرلمان السابق (المؤتمر الوطني)، برئاسة نوري أبو سهمين، بالاستمرار في عقد جلساته في العاصمة، رافضا الاعتراف بشرعية البرلمان المنتخب، وأوكل للميليشيات، أو كما يسميها «الثوار»، مهمة محاربة الجيش الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر، المعين من المشرعين الجدد.
التفكُّك الذي أصاب السلطة المركزية، بهذه الطريقة، أدى إلى ظهور تنظيم داعش.. أولاً في مدينة درنة، منذ أواخر عام 2014 ثم انتشر التنظيم الدموي كالنار في الهشيم في سرت، إلى أن بدأ أخيرا ينصب قواعد قوية له في العاصمة نفسها.
يقول ضابط يعمل في شركة أمن غربية في طرابلس: يوجد بيان متسلسل وتفصيلي عن حركة الخلايا التي بدأ فيها النشاط المتطرف انطلاقا من درنة وبنغازي، ثم انتقال هذه الخلايا إلى سرت، وأخيرا في طرابلس، مشيرا إلى أن قادة ميليشيات الإخوان والجماعة المقاتلة، في العاصمة، كانوا يشعرون بأن الخطر يكمن في حفتر والجيش الوطني، لكن اليوم، يبدو أن لدى هؤلاء القادة مخاوف حقيقية من قوة داعش وقوات القبائل المحسوبة على القذافي.
من تحت الطاولة يبدو أنه يوجد مساران جديدان أو بالأحرى خياران أمام عدد من أمراء الحرب في العاصمة.. الأول زيادة وتيرة التعاون مع داعش، والتفاهم مع المدهوني، والثاني إيفاد مبعوثين للتواصل مع قيادات القبائل المحسوبة على نظام القذافي ممن يقيمون في دول الجوار مثل تونس ومصر والجزائر. في ظل هذه المعمعة يشعر داعش بتنامي قوته واتساع نفوذه، والأهم «قدرته على حماية مقاتليه من الغارات الغربية»، بحسب ضباط مخابرات في سلطة طرابلس.
مع شروق شمس الصباح، هرع عدد من قادة الميليشيات المتطرفة للاطمئنان على المدهوني، زعيم داعش في مقره بالعاصمة، وعلى قواته في صبراتة، بعد الغارة الأميركية. كان من بين من التقوا به قيادي في ميليشيا «أبو سليم»، يدعى غنيوة. طمأن المدهوني غنيوة، وقال له ألا يشغل باله. ووفقا للمصدر نفسه، فقد طمأن زعيم داعش باقي قادة الميليشيات الذين ينسجون خيوط التعاون معه، وقال لهم إن الغارة لم تكن تستهدف عناصر التنظيم.
محضر تحقيق يجري بالتعاون بين مخابرات طرابلس وفرقة أمنية أميركية في العاصمة، أورد قول المدهوني لزواره، ومن بينهم غنيوة أيضا: «لسنا مستهدفين بأي شيء.. الإخوة في أمان وفي سلام. لم يمسسنا سوء. ما أريدكم أن تعلموه هو أننا، بإذن الله، منتصرون على الأعداء».
كما تطرق المدهوني إلى العمليات العسكرية بقيادة حفتر، في بنغازي وقرب مدينة إجدابيا، وقدم تبريرا لتقدم الجيش في تلك المحاور التي كان يسيطر عليها خليط من الدواعش والإخوان وأنصار الشريعة والجماعة المقاتلة. قال لضيوفه بحسب محضر التحقيق: «نحن من قرر التراجع. كما تعلمون، الحرب كر وفر. سنعيد الهجوم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فلا تيأسوا».
منذ نحو ثلاثة أشهر، بدأ التواصل بين أمراء للحرب في طرابلس، والمدهوني، وذلك من خلال عمليات تنسيق وتحريك مقاتلين وبيع أسلحة وغيرها. هذا الخيار، بالتقرب من داعش، جاء من جانب قادة أصيبوا بالإحباط من دول يقولون إنها كانت تدعمهم بشكل كامل حتى شهور قليلة مضت.
«باختصار..».، كما يقول أحد قادة جماعة الإخوان في مصراتة.. «الدول التي كانت تقف معنا، أصبحت تميل إلى التنسيق مع داعش. هذا ما يظهر من تصرفاتها.. الدول الصديقة لم تعد كالسابق، فهي تطلب منا الصبر والانتظار بينما داعش يتغلغل في سرت وطرابلس، ويسعى لمحاصرة مصراتة».
من جانبه يقول عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، لـ«الشرق الأوسط»: «نعم.. ما نراه اليوم هو قيام الغرب بفتح الطريق أمام المتطرفين لتخريب ليبيا، وتقسيمها لدويلات، أو أيا كان.. إذا استمرت الأحوال على هذا المنوال فسيأتي يوم لن يجد فيه الشعب دولته».
حتى ضابط المخابرات، النقيب ميلود، في مكتب مخابرات طرابلس، لا يعرف لماذا تتحرك الريح بطريقة غير مفهومة. مخابرات العاصمة قدمت تقريرا عن واقعة استهداف الغارة الأميركية للدواعش في صبراتة، خلال اجتماع آخر في فندق ريكسوس بحضور أمراء الميليشيات. بدا من التقرير أن داعش لم يصب بخسائر تذكر. أكثر شيء مثير للقلق، ومن السهل ملاحظته من طريقة كلام المتحدثين، هو الاعتقاد في عدم وجود نيات حقيقية لدى «الأصدقاء الغربيين» على محاربة داعش.
كلما تأزمت الأمور أمام أمراء الميليشيات، زادت حدة الخطاب العصبي والشكوك. اتخذ اللقاء الجديد في «صالة الاجتماعات» في الفندق نفسه، طابعا رسميا أكثر من السابق. لقد شارك فيه مسؤولون في حكومة الإنقاذ غير المعترف بها دوليا، برئاسة خليفة الغويل، ونواب في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته (البرلمان السابق)، والذي يرأسه أبو سهمين.
بعض القادة حول الطاولة هنا عبّروا صراحة عن وجود ميل، من الدول التي تدعم ميليشيات طرابلس منذ عام 2011، للتغاضي عن تنظيم داعش ليبيا. لهذا، كما يقول أحد قيادات المدينة، تجد اتصالات وتعاونا من تحت الطاولة بين قادة في هذه الميليشيات، والمدهوني.. «هذا معلوم، وهو من أسباب تراجع الثقة بين الجميع».
أحد مسؤولي المخابرات ممن شاركوا في الاجتماع يشير إلى أن الغارات التي ينفذها الغرب بين وقت وآخر «تبدو قصة مضحكة». لماذا؟ يجيب موضحا: «لأن أماكن معسكرات داعش معروفة للطائرات التي تراقب الأراضي الليبية على مدار الساعة. حين تُقرر إحدى الدول الغربية توجيه ضربة لداعش، فإنها تضرب في المكان الخطأ.. هذا ما حدث في صبراتة وفي سرت وفي درنة. هذا أمر محيِّر».
وفي اليوم التالي ازدادت الشكوك حين جاءت تقرير جديد عن واقعة قصف طائرات حربية أجنبية لزورق على شاطئ صبراتة، وذلك بعد ساعات من القصف الأميركي للمدينة. صاحب الزورق الذي جرى قصفه، كان معه عدد من التونسيين الذين يعملون في صيد السمك، و«هؤلاء حصلوا على ترخيص، كما اعتادوا في السابق، من بلدية صبراتة»، كما يقول التقرير.
يتساءل النقيب ميلود، وفقا للتحقيق: «إذا كان الزورق يخص صيادين، فلماذا تصر بلدية صبراتة على أنهم متطرفون تونسيون جاءوا للانتقام لضحايا الغارة الأميركية على منطقة المشوطة في صبراتة، بينما هم في الحقيقة ليسوا كذلك؟».
الدكتور الزبيدي، من جانبه، يعلق قائلا إن داعش «أصبح شماعة من جانب الغرب للقضاء على ما تبقى من ليبيا منذ تدخل حلف الناتو لتدمير بلدنا». ويضيف: «وضعوا داعش في ليبيا، وإذا أرادوا تدمير مدينة أو موقع، أو إذا أرادوا إثبات الوجود في مكان ما، قالوا لك: لم نقصر.. فها نحن نقصف الدواعش».



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.