فضاء الذكريات والانكسارات خلال مسيرة 4 عقود

حسين عبد الرحيم يأخذ السينما لعباءة السرد في مجموعته «زووم إن»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

فضاء الذكريات والانكسارات خلال مسيرة 4 عقود

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

إلى السينما وعالمها السحري وما ينطوي عليه من إثارة ومتعة، يأخذنا القاص والروائي «حسين عبد الرحيم» من خلال مجموعته القصصية «زووم إن». فمنذ الوهلة الأولى يطالعك العنوان بمصطلحه السينمائي، فتتهيأ لمشاهدة قصص تغلب عليها الصورة السينمائية، ونراها جليّة في قصة «عبده فلاش» والتي يقول فيها: «دفقات الموج الصاخب تصطدم بالصخور الإسمنتية عند المدينة الساحلية وترتج السماء، ويدوي الرعد ويلمع البرق في المدينة، فترى ألواح الصاج تتطاير من فوق أسطح المنازل، وينزلق رجل وامرأة وطفل صغير أسفل طور الثكنات العسكرية فيرتجف الجندي بزيه الكاكي ويتشبَّث بسلاحه الميري». (ص9). في هذا المقطع تبرز عناصر المشهد السينمائي: الموسيقى «أصوات الأمواج، الرعد، البرق، الرياح والمطر»، الإضاءة «ليل - خارجي»، الشخوص: «الرجل، المرأة، الطفل والجندي»؛ وغيرها من التفاصيل الدقيقة التي يحيلها المشهد إلى لوحة فنية.
فكاتبنا «البورسعيدي»، مدينته الساحلية لا تفارقه، ذكرياته فيها تطارده حتى وإن فارقها بجسده، فهي تصاحبه في كل خطواته. ومن «الإهداء» الذي يتصدر المجموعة يتبيّن لنا أن هذه الشخوص التي سنتعرّف عليها من خلال القراءة، هي شخصيات عرفهم الكاتب واقترب منهم وصادقهم، فهم من واقع عاشه ويحدثنا عنه، وستجدها في قصص: «عبده فلاش» وهي قصة تحمل اسمه وكذلك الكابتن أحمد عمار في قصة «يا حمام الروح»، وياسر مصطفى محمود ابن الحاجة فاطمة بنت الحاج حسن في قصة «وهذا البلد»، وحمادة فوزي في قصة «يوم جمعة».
ومن خلال السرد يطالعنا «حسين عبد الرحيم» بلغة حادة قوية، تشعر فيها وكأنه ينحت حروف كلماتها، ليُخرِج لنا من خلالها صيغة غاية في القوة والرقة في آن واحد، وكذلك اهتمامه بتفاصيل الشخوص وهيئتهم، ويسردها بشاعرية ونعومة، نلمسهما مثلاً في قصة «يا حمام الروح»، التي يقول فيها عن بائع العصافير الذي صادفه في سوق وسط المدينة في القاهرة، والذي رأى فيه صديقه القديم «الكابتن أحمد عمار»: «جلس على كرسي خشب ووضع اليانك الأزرق فوق رأسه وأمسك بطرف حبل مبروم تدلَّت منه عشرات العصافير المذبوحة. وضع ساقًا فوق ساق فبانت أناقته مع ارتدائه الحُلة البحرية الزرقاء في أبيض، والحذاء «الهاف بوت، الكِرب الهافان» ونظارته الشمسية «بيرسول الفامية». (ص14)، كما أن لغة الحوار في قصص المجموعة تنطقها الشخوص ولا يستنطقها المؤلف، ويتبين ذلك جليّا في الحوار بين البطل «جمال الأكيابى» وبائع العصافير في القصة نفسها:
- «انت منين يا ريس»؟!
فرد قائلاً:
- ليه؟ من بورسعيد يا سيدي، وتركتها، ودي شغلتي من خمسين سنة.. هتحقق معايا انت كمان؟» (ص15)
وببراعة مخيلة يمزج الكاتب العاشق للسينما، بين رقص الكابتن أحمد عمار على أنغام السمسمية، وهو يلّوح بيديه ويضرب الأرض بقدميه، وسط الفتيات من الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش هناك حينها (عام 1975)، ورقصة «زوربا اليوناني» الشهيرة للممثل «أنتوني كوين» في الفيلم؛ وجعلنا وكأن الصفحة أمامنا شاشة سينما منقسمة إلى قسمين بالتساوي، أحدهما لزوربا «اليوناني» يرقص مختالاً، والنصف الآخر لأحمد عمار «البورسعيدي»، نقلها إلينا بحرفية عالية وبأسلوب ولغة غاية في التحكم والسيطرة عليها من جانبه.
كما يتذكر أيام التهجير بعد عدوان 1967، في القصص التي تحمل عناوين: (جووب موف - طفولة - فهمي الجمال - طيري يا طيارة)، وذكرياته في مدينة «طلخا» ومدرسة (قنصوه الغوري) الابتدائية هناك، و«فهمي الجمال» المهندس السابق في السد العالي العاشق للنيل، ووفاة جمال عبد الناصر وهو مع أسرته أثناء التهجير في قرية «البصراط» النائية التابعة لمحافظة الدقهلية، وكان ساعتها يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وفي مشهد غاية في الأسى والحزن ينقل لنا «حسين عبد الرحيم» صورة الجموع الحاشدة من أهل القرية وهي تسير خلف نعش «وهمي» للزعيم الراحل، والذي يصف لنا فيها حالة الطفل (المؤلف ساعتها) فيقول: «كان غطاء التابوت يصعد لأعلى وأنت تعتلي مناكب الرجال طويلي القامة. تبكي، تقفز فوق التابوت، تنزع الغطاء القرمزي، تصرخ ثم تبتسم. ترى وجهًا يحمل البراءة، يذرف الدمع، ينظر للفقراء ويبتسم. يطل على العالم. ينظر إلى السماء. تراه ممددًا بالتابوت، بحلته وشعره المتساوي. وجه كالبدر. قمر في استدارته». (ص60)
تتوالى الذكريات لدى الكاتب، فيحدثنا عن ميلاد ابنته «فرح» في قصته (كم أنت بعيد يا فرح)، التي لم يستطع أن يتخفى كثيرًا وراء اسم «جاسر» الذي اختاره لبطل قصته ليعلنها صراحة: «الدكتور قال بنت يا «جاسر» (والله بنت يا حسين) (ص38)، والتي يقول عنها بقلب الأب الحنون المحب: «فرح صارت ملح الأرض بعد ما زادت كآبتي في أعوامي الأخيرة وأمي الصديقة تقول: كأنك حزين، كأنك مفارق، لماذا تنظر إلى ابنتك هكذا؟!» (ص39)
هنا يأخذنا الكاتب إلى منحى جديد في المجموعة، تبز فيه دلالات الانكسار والقهر في قصة (مشوار)، الوحدة واليأس (قفزة أخرى لطائر وحيد)، القضاء والقدر (طريق) ثم الموت (يوم جمعة).
ففي لوحة سردية مفعمة بالعذوبة نرى «الانكسار والقهر» في أبشع صورهما، في قصة «مشوار»، من خلال لواء الجيش، الذي لم يصرّح الكاتب برتبته، ولكن تكتشفها من خلال (النسر والسيفين المتقاطعين) اللذين سيأتي ذكرهما من خلال السرد. فمن خلال هذه الشخصية التي ترى في أواخر أيامها أن كل ما حاربت ودافعت من أجله، ينهار ويُباع من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي عام 1974، وبعدها ما سميت بمعاهدة السلام مع العدو الإسرائيلي عام 1977 في عهد السادات، ثم ما سُمي «بالخصخصة» في عهد مبارك؛ والتي تم من خلالها تصفية القطاع العام آخر مكاسب ثورة يوليو (تموز) 1952. عند هذه النقطة يكتشف أن حياته على طولها كانت عبثية، النياشين والأوسمة التي حصل عليهما أثناء خدمته عبث، حياته مع زوجته الخالية من الحب والعواطف.. عبث. وببراعة عبّر الكاتب عن حالة القهر التي اجتاحته، وهو يرى حالة الانهيار التي راحت إليها البلاد؛ فيقرر الانتحار ليضع نهاية لهذا المشوار العبثي الذي عاشه طوال سبعة وأربعين عامًا: «انتعل نصفي حذائه الأماميين. توجَّه نحو الشرفة الخالية وهو يترنَّح. حدَّق في عمق السماء. أحس بالنجوم البراقة وهى تتهاوى نحو صفحة النيل». (ص24)
وفي قصة «قفزة أخرى لطائر وحيد»، يحدثنا عن حالات «الوحدة واليأس» التي تنتابنا وتجعلنا ساعتها نشعر بالاختناق، وهو يصفها لنا من خلال بطله «محمود» البالغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، والتي يعبر بها عن حالة شريحة عامة من الشباب في مثل هذا العمر، ومونولوجه داخل أغوار نفسه: «مخنوق يا محمود.. كبت وحرمان وشقاء ويقظة بلا حدود. الوعي عبء وأنت مثقل بالأنين دومًا». (ص19).
ولكن تأتي اللحظة الفارقة عند هرولته لنجدة الطفل الغريق وإعادته إلى أمه الملهوفة، وساعتها يشعر بالتحرر والانطلاق، خارجًا من شرنقته، ليبدأ بعدها حياة جديدة، ينغمس فيها مع الناس من حوله، يفرح لفرحتهم، ويسارع لإسعادهم، كل هذه المعاني يقول عنها الكاتب بعبارات جزلة: «خرجت سنوات العمر الفائت عبثًا تفر مع الرياح.. خلف طائر النورس الوحيد. هرول راكضًا ليصعد درجات السلَّم المنتصب. تجرد من ملابسه وقفز إلى الأعماق الباردة». (ص21)، في إشارة واضحة إلى انتقاله من حالة الاختناق والوحدة التي كان يعاني منهما، ليعود بعدها مغتسلاً متطهرًا متسقًا مع المجتمع من حوله. وعن «الموت» يقول في قصة «يوم جمعة»؛ وبكلمات موجزة، وبنبرة يشوبها الحزن والحسرة، عند سماعه بخبر وفاة صديقه «حمادة فوزي» كما كان يناديه: «عمري ثلاثون عامًا من عمره، أنا الحزين الذي خصته الأقدار بتوديع الأحباب، عند المغارب، أيام الجُمع، أين سيكون المستقر يا حسن؟» (ص57)
ثم أخيرا في قصة (زووم إن)، التي تحمل اسم المجموعة، يحدثنا الكاتب عن السينما المصرية وعشقه لأسماء بعينها تكررت في الأفلام التي سردها: بشير الديك (سكة سفر) - محمد خان (الحريف - طائر على الطريق) - عاطف الطيب (سواق الأتوبيس - الغيرة القاتلة - الهروب) - خيري بشارة (آيس كريم في جليم)، والتي كان يرى من خلال مشاهدته لهذه الأفلام وكأنه يرى نفسه في أبطالها؛ بكل معاناتهم وإحباطهم.
وفي الختام وفي جملة بليغة، كأنها وقفة مع النفس، يلخص مشوار حياته الطويل وذكرياته ونظرته إلى المستقبل المجهول، قائلا: «آن للحكواتي، ابن عصره وكل العصور قاطبة، أن يفتش في أدراج رياح التحول، بعيدًا عن كابوسية (كافكا) وعبث بوتزاني في (صحراء التتار)، وغنوة ذرياب في حديقة حلمه المجهض، وصوت إيقاع بشارف (حادي الجمال) وهو يدون أثره على الرمال، منصتًا لصوت الأيام في البرية، ذارفًا دمعة أخيرة متحجرة على سريان التلون الميلودي المخترق أذنيه وهو يراقب محطات عمره من أعلى سطح القطار المتجهم الذاهب للمجهول». (ص76)



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.