«أومامي».. المذاق الخامس الذي يمنح الطعام لذته

بعد الحلو والمر والمالح والحامض

«أومامي».. المذاق الخامس الذي يمنح الطعام لذته
TT

«أومامي».. المذاق الخامس الذي يمنح الطعام لذته

«أومامي».. المذاق الخامس الذي يمنح الطعام لذته

نشرت مجلة نيتشر العلمية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014 واحدا من أهم الأبحاث العلمية عن الطعم أو المذاق التي قامت بها جامعة كولومبيا الأميركية. وقد أظهرت الدراسة أن لمجسات اللسان مجسات مشابهة في الدماغ، أو بكلام آخر أن الدماغ يحتوي على خلايا عصبية خاصة بكل أنواع المذاقات، الحلو، المر، المالح، الحامض، والأومامي. وهذا يعني أننا لا نشعر بالمذاق الحلو أو أي مذاق على رأس لساننا فقط. كما أن بإمكان كل برعم من براعم اللسان التي يصل تعدادها إلى نحو ثمانية آلاف برعم قادرة على تحسس جميع أنواع المذاقات.
وتشير الأبحاث العلمية أن مذاقي الأومامي والحامض يعتمدان على حمضي الغلوتاميك والاسبارتيت، أما الطعم المر فيعتمد على أحماض الفينيلالينين والفالين والالوسين وتايروسين واللويسين والهيستدين والميثيونانين والايسوليوسين أما الطعم الحلو فيعتمد على الغليسين والثيونين والسيرين واللانين والبرولين والغلوتأمين.
الأومامي هو واحد من المذاقات الأساسية الخمسة إلى جانب الحلو، المر، الحامض والمالح، وتعني الكلمة الياباني طعم لاذع أو لذيذ، ويعتمد هذا النوع من المذاقات على حمض الغلوتاميك - Glutamic acid أو بكلام آخر أن هذا الحمض أهم مكونات هذا المذاق وهو أحد مكونات أو عناصر الكثير من الأطعمة كاللحوم والألبان والأجبان والسمك والخضار. ويمكن وصف مذاق الأومامي على أنه خفيف أو رقيق يمتزج بسهولة مع بقية المذاقات ليمنحها طعما متجانسا ومتكاملا. ورغم أن الكثير من الناس لا يتعرفون عليه بسهولة فإنه يلعب دورا رئيسيا ومهما لجعل الطعام لذيذا أو أكثر لذة، أكثر مما تلعبه الحواس الأخرى كالبصر والسمع والشم واللمس والطعم في هذا المضمار.
وفي حالة الأومامي يبدو أن براعم اللسان ليست وحدها ما يقرر على الإحساس بالطعم وإرسال رسائل إلى الدماغ، وأن مجسات المعدة تلعب دورا مكملا لإيصال هذه الرسائل بسبب وجود حمض الغلوتاميك.
وتشير الأبحاث العلمية إلى أن حمض الغلوتاميك الذي يعتبر العنصر الرئيسي في تكوين هذا المذاق، موجود تقريبا في جميع بروتينات الجسم ويلعب دورا كبيرا أيضا في وظائف ونشاط الأعضاء المهمة وعلى رأسها الدماغ والاستقلاب الغذائي الصحي. ويخزن الجسم عادة ما لا يقل عن 2 كيلو من هذا الحمض يوميا في الأعضاء الرئيسية كالعضلات والكبد والدماغ والطحال. كما يستهلك الفرد بين 10 و20 غراما من حمض الغلوماتيك من الطعام يوميا. وأهم ما نعرفه عن هذا الحمض أنه يلعب دورا كبيرا في كمية الأكل التي نتناولها عادة لأنه يلعب دورا هاما في فتح الشهية والشعور بالشبع. كما يساهم الغلوماتيك بمنح الطعام مذاقه اللذيذ والطيب والشهي من دون اللجوء إلى استخدام الكثير من السمن أو الزيوت التي عادة ما تلعب دورا في مسألة الطعم. وبكلام آخر أنه يساهم في التقليل من السمنة. كما تشير الأبحاث أيضا إلى أن الغلوتامات الأحادية الصوديوم تساعد الفرد على التمتع بالطعام ومذاقه من دون إضافة الملح الذي يعتبر مصدرا خطيرا من مصادر الضغط العالي والجلطات القلبية. أي عبر هذا الحمض يمكن التقليل من الأملاح من دون خسارة الطعم الطيب التي تمنحها هذه الأملاح عادة للطعام. ولا يتوقف الأمر على تعويض الطعم الذي يمنحه الملح للطعام، بل يحسنه ويضيف إلى نوعيته. ويقارن البعض المذاق به كمذاق الطعام مع العسل بدل السكر.
كما يوازن حمض الغلوتاميك المذاق أو الطعم ويجعله أكثر غنى ورهافة كما هو الحال في مرق اليابان ويخناتها الأساسية، كمرق الداشي الذي يعتمد على أعشاب الكومبو البحرية الغنية بالغلوتاميك وحمض الاينوزينات الموجود في شرائح سمك البونيتو الرقيقة التي يطلق عليها اسم كتسوبوشي (katsuobushi). وينطبق الأمر على الطعام الإيطالي، إذ إن البندورة الغنية بالغلوتاميك مع اللحم تمنح طبق البولونيز طعمه الطيب. والأمر ذاته ينطبق على إضافة الجبنة إلى ساندويتش الهامبرغر مع الكاتشاب، بحيث تؤدي جميع العناصر إلى مذاق طيب وممتع.
بأي حال فإن بالإمكان استخدام الأطعمة الغنية بحمض الغلوتاميك للحصول على مذاق الأومامي المتكامل واللذيذ، ويمكن تتبيل الطعام بالحمض عبر السمك أو القريدس أو المنتوجات البحرية المخمرة أو الحبوب أو الفاصوليا المخمرة التي عادة ما تتوفر على شكل معجون أو سائل. أو عبر استخدام فطر الشيتاكي أو المواد المخمرة المستخلصة من اللحوم والألبان والجبان والبندورة.
وقد درج الرومان قديما على استخدام السمك المخمر (السرجين والماكريل) لتتبيل الطعام، وكان هذا السمك لا يقل أهمية عن زيت الزيتون والنبيذ وغيره من المواد الهامة والأساسية في المطبخ الروماني. وكان الرومان يطلقون على صلصة السمك المخمر اسم الغاروم - garum الذي يظهر كثيرا في وصفات الطبخ القديمة قبل بدء استخدام السكر والملح.
وبما أن الغلوتاميك يحسن الطعم، فإنه يحسن التغذية أيضا، فالطعم الطيب لا يتوقف على متعة تناوله، لأن براعم اللسان عند تناول أي طعام طيب تساهم في إطلاق عمليات استقلابية وهضمية مهمة تساعدنا على الاستفادة أكثر من المغذيات الأساسية التي نتناولها. أي أن البراعم عند الإحساس بالطعم والمذاق الطيب واللذيذ والشعور بالاكتفاء والسعادة، ترسل رسائل إلى الجسم بأن الغذاء على الطريق. وينصح الأطباء عادة بإضافة الغلوتاميك إلى الأطعمة التي يتناولها كبار السن الذين يفقدون الشهية ليساعدهم على تناول الطعام والتقليل من الأمراض المرتبطة بالعجزة.
ويقال إن الدكتور كيكوناي ايكادا من جامعة طوكيو الإمبراطورية هو الذي اكتشف مذاق الأومامي ومنحه اسمه عام 1908. وتم ذلك عندما كان ايكادا يحاول اكتشاف سر الطعم الطيب واللذيذ لمرق الداشي الذي يحتوي على سمك أعشاب الكومبو البحرية. وقد تمكن ايكادا من استخلاص أو استخراج الغلوتامات أو حمض الغلوتاميك من الكومبو واكتشف أنه أهم عناصره وأنه وراء الطيب الذي يمنحه إلى المرق والطعام.
ولا بد من الذكر هنا أيضا أن هناك ما يسمى بالمذاق السادس الـ«كوكومي» - Kokumi - الذي جاء على ذكره توماس هوفمان في أبحاثه على المذاقات في جامعة ميونيخ في التسعينيات من القرن الماضي، مأخوذا عن دراسة للدكتور يوشي أويدا من شركة اجينوموتو المعروفة في اليابان. والاسم مركب من كلمتي، غني وطعم. ومن أهم مواصفات مذاق الكوكومي التي تتدرج من البصل والثوم هي السماكة والاستمرارية أو التواصلية والفم الملآن وبشكل أدق الاتقاد أو الحماسة.
وبكلام آخر، أن الكوكومي، توصيف لجزئيات في الطعام لا تنعم بطعهما الخاص بها، لكنها تستحوذ على طعم معين ومشبع عند اندماجها واتحادها. وأهم هذه الجزئيات جزيء الببتيد الذي يحتوي على ثلاثة أحماض مهمة وهي الغلوتامين والفالين والغليسين.
ومن الثروات البحرية الغنية بالأومامي هي: الطحالب البحرية، اللاميناريات من نوع كومبو، شرائح سمك البونيتو الرقيقة المعروفة باسم الكاتسوبوشي، سمك البونيتو نفسه، سمك السردين الصغير المجفف المعروف باسم نيبوشي، سمك السردين العادي، سمك التونا، المحار، الأصداف (الصدف)، الحبار، قريدس، سمك البكلاء أو القد، سمك الاسقمري، وسمك المرجان.
أما من الخضار الغنية بالأومامي فهي: البندورة، فطر الشيياتاكي، فطر الانوكيتاكي، البطاطا، البطاطا الحلوة، الملفوف الصيني، الجزر، الكمأ، وفول الصويا.
واللحوم الغنية بالأومامي هي: لحم البقر والدجاج. أما المواد الأخرى الغنية به فهي جينة البارمازان والشاي الخضراء وصلصة الصويا والبيض وصلصة المحار.
تعتبر جبنة البارمزان الإيطالية التي يعود تاريخ استهلاكها إلى القرن العاشر من أغنى المواد بمذاق الأومامي، لأنها تحتوي على نسبة كبيرة من الغلوتاميك. وتساعد السنوات العشر التي تحتاجها الجبنة للنضوج، والتحولات الكيميائية التي تحتاجها على جعل هذه الجبنة من أكثر المواد احتواء للأومامي.
الأمر نفسه ينطبق على البندورة التي تحتوي على نسبة عالية من حمض الغلوتاميك. وكلما كانت البندورة أكثر نضوجا كانت النسبة أعلى وكان الطعم أطيب وأرخم. ولا ينصح الخبراء الناس بتقشير البندورة والتخلص من البذور عند تحضير الطعام أو الصلصات، لأن الأومامي يتركز في وسط البندورة ومن شأن إبقاء البذور والقشور من منح الطعام المزيد من مذاق الأومامي المطلوب.
ويعتبر الشاي الخضراء أيضا من المواد الغنية جدا بالأومامي بسبب التلاقح بين حمض الغلوتاميك وحمض الثيونين، ويأتي الطعم الحلو في هذا النوع من أنواع الشاي من الأحماض عادة. وتحتوي الشاي الخضراء أيضا على الكثير من المغذيات لأن الأوراق الخضراء غير المحمصة لا تخسر الكثير من خواصها خلال عملية التجفيف.
وفيما يتركز الغلوتاميك في صفار البيض، يتركز أيضا في وسط الملفوف الصيني المعروف باسم هوكوساي الذي يستخدم كثيرا في ليخنات والشوربات والمأكولات الآسيوية المقلية وبشكل خاص في الطبق الكوري الشهير الكيمشي - الكيمخي الذي يمزج بين الملفوف والخيرات البحرية.
مهما يكن فإن العلماء يقولون بأن حمض الغلوتاميك موجود بكثرة في حليب البشر كما هو الحال في حليب الحيوانات، لكن حليب البشر أغنى من حليب البقر بالحمض وبالتالي بالأومامي وخصوصا عندما يبلغ المولود يومه السابع. ويحتوي حليب الأم إضافة إلى حمض الغلوتاميك على مادة أومامية أخرى أو حمض أومامي آخر وهو إينوزينات ثنائية الصوديوم. ويقال إن نسبة الأومامي في حليب الأم لا تقل عن نسبة الأومامي في صلصة الداشي اليابانية، أي إنه غني جدا به. ويؤكد العلماء أن السائل الأمنيوتي أو سائل الغذائي الذي يوفر الحماية للجنين يحتوي على الأومامي، ولذا يقال إن الطفل يعرف الأومامي قبل ولادته. ولا شك أنه يمكن للأطفال الصغار التعرف على أنواع المذاق في وقت مبكر ومنها مذاق الأومامي، إذ إن رائحة حليب الأم تتأثر كثيرا برائحة الطعام الذي تتناوله وما يعني أنه من خلال الحليب يخبر الطفل ويتعرف على أنواع المذاقات. ولذا يبدي الطفل أو يعبر عن الطعم الحلو بالنشوة والسعادة ويكشر عند التعبير عن تناوله مذاقا مرا ويبدي ارتياحا وهدوءا عند تناول شوربة الخضار الغنية بالأومامي.



المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.