مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»

وسط أجواء التأزم وعلى وقع طبول الحرب

مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»
TT

مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»

مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»

تؤكد التقارير الرسمية الإيطالية والأميركية والأطلسية أن «شن الحرب الشاملة ضد ميليشيات (داعش) وحلفائها في ليبيا» بات وشيكًا. كذلك كشفت تقارير «سريّة» من صناع القرار العسكري والسياسي أن ما لا يقل عن 6 آلاف عسكري تابعة لقوات الحلف الأطلسي (ناتو) بقيادة إيطاليا والولايات المتحدة جاهزون للمشاركة في «عمليات عسكرية واسعة» في ليبيا تدعمها قوات من حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» التي انتقلت من الخليج إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى جانب قوات أطلسية ستتحرك انطلاقًا من قواعد في مالطا وإيطاليا والنيجر. وفي هذه الأثناء تتباين مواقف الزعماء الليبيين والمسؤولين التونسيين من حرب يتخوفون من مضاعفاتها داخل ليبيا وعلى دول جوارها، وخصوصًا على تونس، التي فر إليها في «حرب 2011» نحو ثلث الشعب الليبي وملايين العمال الأجانب، وهي لا تزال تؤوي مئات آلاف اللاجئين وغالبية الساسة الليبيين وأعضاء البعثات الدبلوماسية والأممية المعتمدة في طرابلس. والسؤال الكبير اليوم في تونس والعواصم الغربية المقربة منها: كيف ستنعكس المستجدات العسكرية والأمنية في ليبيا على تونس وشعبها وثورته التي يعتقد كثير من المراقبين أن من بين «أبرز أسباب تعثّرها حروب ليبيا وأزماتها»؟

محمد جنيفان، سفير تونس سابقًا في ليبيا، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «اندلاع الحرب في ليبيا يعني بالضرورة بروز أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية في تونس بحكم تداخل التركيبة الاجتماعية والقبلية والمصالح في الشعبين والبلدين إلى درجة أن كل الخبراء يعتبرون منذ عقود أن ليبيا وتونس أقرب العرب إلى بعضهم». وفي السياق ذاته، اعتبر صلاح الدين الجمالي، مساعد وزير الخارجية التونسي سابقًا وآخر سفير لتونس في ليبيا إبان عهد معمّر القذافي، أن «الحرب في ليبيا ستعني تفجير مزيد من الأزمات في تونس، وصعوبات بالجملة داخل الجالية التونسية في ليبيا التي تضم عشرات آلاف العمال التونسيين المقيمين في ليبيا منذ عقود».
* أخطر رسالة
وقبل أيام، صدرت «أخطر رسالة» من الميليشيات المسلحة في ليبيا ردًا على «الغارة الأميركية» التي استهدفت بنهاية فبراير (شباط) الماضي مسكنًا يؤوي عشرات المسلحين في مدينة صبراتة الليبية (70 كلم غربي الحدود التونسية - الليبية)، وأعلن أنها تسببت في «مقتل أكثر من 40 إرهابيًا تونسيًا» مقرّبين من مسلحي تنظيمات داعش و«القاعدة» و«أنصار الشريعة».
هذه «الرسالة» تمثلت بتسلل مجموعة من المسلحين التونسيين داخل محافظة مدنين، في الجنوب الشرقي التونسي، وبحوزتها أسلحة ثقيلة ومتوسطة ومتفجرات وأحزمة ناسفة و5 مركبات رباعية الدفع.
ولقد كشف ياسر مصباح، رئيس فريق الإعلام والاتصال لدى وزير الداخلية التونسي الهادي مجدوب، أن قوات الأمن والجيش التونسي اكتشفت المتسللين ونظمت ضدهم «عملية استباقية تحسبًا لتسلل عناصر إرهابية إلى تونس عقب ضربة صبراتة». وأعلن أن عددًا المسلحين من مستخدم مركبات رباعية الدفع، قادرة على التسلل عبر الرمال الصحراوية، حاولوا الدخول للتراب التونسي. وعندما تفطّنت لهم قوات الأمن والجيش، وأطلقت النار عليهم فرّ عدد منهم بمركباتهم وعادوا إلى التراب الليبي، في حين «تحصن عدد من الإرهابيين بأحد المنازل داخل تونس». ولقد أسفر تبادل إطلاق النار مع هؤلاء عن قتل 5 إرهابيين واعتقال 5 آخرين على الأقل. كذلك، كشف الناطق باسم وزير الداخلية التونسي أن قوات الأمن والجيش نجحت في احتجاز 3 مركبات تابعة لهذه المجموعة الإرهابية، إضافة إلى سلاح حربي ثقيل و5 أسلحة كلاشنيكوف ومخزنين لسلاح كلاشنيكوف، وأحزمة ناسفة وكمية كبيرة من الذخيرة ورمانات يدوية وهواتف جوالة.
* عبور.. وعمليات تونس
لكن ما يدعو المراقبين إلى القلق أن تصريحات الناطق الرسمي باسم وزير الداخلية نفسه تقرّ بأن الميليشيا الإرهابية المقبلة من ليبيا «اكتشفت» بعد نجاحها في التسلل إلى الداخل التونسي. ولكن أمكن «تجنب الكارثة» والكشف عن هؤلاء المسلحين في أعقاب عثور أعوان من الحرس الوطني - قبل ساعة من حدوث الاشتباكات - على «مخزن ذخيرة فارغ» ملقى على الأرض في أحد الطرق الجانبية المؤدية إلى مدينة بن قردان الحدودية مع ليبيا. وبعد اقتفاء آثار المركبات الرباعية الدفع، وجد أعوان الحرس الوطني هذه المجموعة الإرهابية. ولئن كشفت هذه الرواية عن نجاح الإرهابيين الآتين من ليبيا في التسلل إلى تونس، وبحوزتهم جوازات سفرهم التونسية، فإنها تؤكد أن الكشف عنهم حصل بسبب غلط ارتكبه أحدهم لما ألقى مخزن الذخيرة الفارغ في الطريق.
لهذا اعتبر الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري والقمارق (الجمارك) التونسية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحرب في ليبيا لا مفر منها، وهي الطريق الأسلم لاعتقال الإرهابيين أو قتلهم في ليبيا قبل تفكيرهم في استخدام تونس معبرًا نحو أهداف في تونس أو وجهات إقليمية ودولية جديدة». ورأى المؤدب أن «الحرب المقبلة في ليبيا ستعني كذلك استفحال المخاطر والأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية في تونس لأن كل المؤشرات توحي بوجود آلاف الشباب التونسي والعربي والأفريقي الذي تدرّب على السلاح في معسكرات سرت ودرنة وبنغازي وصبراتة في ليبيا. وسيعمل هؤلاء على الفرار من قصف طيران (ناتو) وسلاح الجو الليبي ومن سيناريو الاعتقال عبر الفرار إلى الدول المجاورة عبر التراب التونسي.. مع إمكانية تنظيم بعضهم هجمات جديدة في تونس».
* مخاوف حقيقية
وفي الوقت الذي تحاول قوات الأمن والجيش الوطني إثبات نجاحها في مراقبة الحدود التونسية الليبية بعد بناء منطقة عازلة وجدار رملي كبير يغطي 200 كلم من الحدود الصحراوية ذات الـ500 كلم، أعلنت مصالح القمارق التونسية عن حجز معدات وأسلحة جديدة تابعة لإرهابيين حاولوا التسلل من ليبيا إلى تونس بعد عملية صبراتة. وبالفعل عثرت قوات حرس هذه المصالح وفق إعلانها أخيرًا في «المنطقة العازلة» على مركبة جديدة رباعية الدفع تابعة لمجموعة إرهابية، تحمل قاعدة رشاش وذخيرة وجوازات سفر وملابس مستعملة. كما عثرت قوات الأمن الديواني الحدودي على مركبة رباعية الدفع تحمل أيضًا قاعدة رشاش وذخيرة كلاشنيكوف، ليرتفع بذلك عدد السيارات التي عثر عليها في ظرف يومين فقط.
هذه الاكتشافات الأمنية أثارت مزيدًا من المخاوف في صفوف المواطن التونسي ورجال الأعمال والمستثمرين التونسيين والليبيين - وخصوصًا في الجنوب التونسي - «حيث تعددت في الأسابيع القليلة الماضية محاولات إقامة مشاريع تونسية ليبية جديدة»، وفق عبد الحفيظ السكروفي، رئيس المجلس الأعلى للأعمال التونسي الليبي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
* نصف مليون ليبي
السكروفي قدّر عدد الليبيين المقيمين بصفة دائمة في تونس حاليًا بنحو نصف مليون مقيمًا مسجّلاً. لكنه أردف أن عددهم انخفض كثيرًا العام الماضي «بسبب انخفاض قيمة الدينار الليبي بنسبة تجاوزت الـ70 في المائة، واستفحال الصعوبات المالية والاقتصادية في ليبيا، وعجز غالبيتهم عن تسديد تكاليف الإيجار والعيش في تونس». ويتوقع السكروفي الآن أن تتعقّد الصعوبات المالية والاجتماعية في أغلب المؤسسات الطبية والسياحية التونسية إذا مدّدت الأزمة الليبية ولم يحسم ملف الإرهاب والحروب فيها. وللعلم، كان عدد اللاجئين الليبيين في تونس قد بلغ في فترة سابقة، حسب وزارة الداخلية التونسية، مليونًا و650 ألفًا غالبيتهم من غرب ليبيا أو من بين العائلات التي لديها مرضى وجرحى قدموا إلى تونس للعلاج.
ومن جهة ثانية، أبلغ المحامي التونسي فريد نصري «الشرق الأوسط» أن الشركات الطبية الليبية التي يمثلها في تونس أغلقت أبوابها أو تراجع دورها «بعدما كان بعضها في عهد القذافي، ثم في السنوات الأولى للثورة، يجلب سنويًا لتونس عشرات آلاف المرضى ومرافقيهم ضمن ما يسمى بـ(السياحة الطبية الليبية في تونس)». وفي الاتجاه ذاته، يخشى الإعلامي الليبي المقيم في تونس فؤاد عوام أن تؤدي الحرب المرتقبة في ليبيا إلى فرار عشرات الآلاف من الجرحى وأفراد عائلاتهم إلى تونس من دون أن تكون لديهم قدرة مالية على تغطية علاجهم ونفقات إقامتهم، بعد وصول أغلب مؤسسات التأمين الليبية إلى ما يشبه الإفلاس والعجز.
ومن جانبه، أوضح البرلماني التونسي أحمد العماري أن 15 مصحّة طبية خاصة كبيرة أنجزت في تونس خلال الأعوام القليلة الماضية لمواكبة إقبال ملايين المرضى الليبيين الميسوري الحال على تونس. لكن «حرب مطار طرابلس» في صيف 2014، وما أعقبها من أزمات وحروب، تسببت في تراجع الموارد المالية لليبيين مما تسبب بـ«إفلاس» أصحاب هذه المصحّات والحد من الزوار الليبيين في الفنادق التونسية، خصوصًا في منطقة جربة - جرجيس السياحية القريبة من الحدود الليبية وفي مدينة صفاقس، عاصمة الجنوب التونسي، (270 كلم جنوبي شرقي العاصمة تونس).
أيضًا، في ظل الأزمة التي تمرّ بها قطاعات السياحة والصناعات التقليدية والخدمات التونسية منذ الهجمات الإرهابية على متحف باردو بتونس العاصمة قبل سنة، ثم على منتجع سوسة السياحي في شهر رمضان الماضي، يواجه الاقتصاد التونسي عامة - وقطاع السياحة خاصة - حسب الخبير الاقتصادي جمال عويديدي «خطر الانهيار بصورة نهائية ما لم يتوافد السياح الليبيون والجزائريون بكثافة من جديد».
* أزمة متعدّدة الأوجه
وحقًا، يجمع التونسيون والليبيون على كون الشراكة الاقتصادية بينهما كانت دائمًا «فرصة ملموسة» لخدمة مصالح الشعبين والبلدين. ويسجل الخبير الجامعي منصف ونّاس أن الأزمات التي مرّت بها العلاقات التونسية الليبية في عهد الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي لم تمنع الشعبين من ابتكار أساليب لتطوير المبادلات التجارية القانونية وغير القانونية في الاتجاهين. وفعلاً، قدر سفير ليبيا بتونس سابقا أحمد النقاصة القيمة الحقيقية للمبادلات في الاتجاهين بأكثر من 8 مليارات دولار، أي ضعف قيمة المبادلات مع فرنسا التي توصف دومًا بكونها الشريك الأول لتونس. غير أن محمد المعلول سفير ليبيا الحالي لدى تونس يتحدث عن «تراجع فرص تشابك المصالح اليوم بين الشعبين التونسي والليبي بسبب انتشار الإرهاب والعصابات المسلحة في ليبيا، واستفحال المشكلات المادية لليبيين المقيمين في تونس ولمئات آلاف التونسيين الذين كانوا يعتمدون في استثماراتهم الصناعية والخدماتية والسياحية على السوق الليبية».
أما محمد نوّار نائب رئيس مجلس الأعمال التونسي الليبي، فيعرب عن انزعاج التونسيين والليبيين المقيمين في تونس منذ سقوط القذافي في 2011 من ظواهر اجتماعية «سلبية» جديدة من بينها حرمان نسبة كبيرة من أطفال ليبيا وشبابها من الدراسة والرعاية الثقافية والاجتماعية والنفسية، بسبب الفرار من بؤر التوتر في ليبيا وتعقيدات مرحلة الصراعات المسلحة. وبالمناسبة، كانت وزارة التربية التونسية قد أصدرت قرارًا استثنائيًا يسمح للأطفال والشباب الليبيين بالدراسة مجانًا في المدارس والمعاهد والجامعات التونسية على غرار نظرائهم التونسيين، بيد أن نسبة كبيرة من الطلبة الليبيين عجزوا عن الاندماج تربويًا وتعليميًا في المؤسسات التونسية.
ولئن نجحت أطراف ليبية في تأسيس خمس مدارس ليبية خاصة بالطلبة الليبيين في تونس، فإن طاقة استيعابها تظل أقل بكثير من عدد الأطفال والشباب، الذي يظل منذ خمس سنوات محرومًا من الدراسة. ولذا يخشى عدد من الخبراء وعلماء النفس والاجتماع، مثل المهدي مبروك والمنصف وناس، أن يتسبب حرمان أعداد هائلة من هؤلاء الأطفال والمراهقين من الدراسة في دفعهم نحو «الحلول اليائسة»، وبينها الانضمام يومًا ما إلى الجماعات المتشددة والتنظيمات المسلحة.
كما تتخوف رئيسة مركز دراسات الأمن الشامل بدرة قعلول من أن تتسبب الحرب الأطلسية المقبلة في ليبيا «في ضخ الميليشيات المسلحة الليبية والتونسية المقيمة في ليبيا بمزيد من المتطوعين» للقتال من بين الشباب المتأثر بمقولات متشددة وبسياسيين سيوظفون التدخل العسكري الإيطالي والأميركي والفرنسي البريطاني من أجل تعبئة مزيد من الأنصار «للجهاد في سبيل الله وطرد الغزاة الجدد».
في كل الحالات تبدو تونس وليبيا مقبلتين على مرحلة جديدة من الصعوبات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والأمنية قد تزيدها خطورة صراعات السياسيين وصناع القرار في البلدين، وغياب مواقف واضحة لديهم من استراتيجية مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة ومن سيناريو تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة في طرابلس.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.