هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟

أندريه كونت سبونفيل يصدر مذكراته الفلسفية

هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟
TT

هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟

هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟

أصبحت كتب الحوارات الفلسفية «على الموضة» هذه الأيام في فرنسا. فما إن انتهينا من مذكرات لوك فيري وحواراته حتى شغلنا بمذكرات أندريه كونت سبونفيل. وهو لمن لا يعرفه أحد فلاسفة فرنسا المعدودين بالإضافة إلى فيري ذاته وريجيس دوبريه وآخرين. وفي هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن مساره الفكري على مدار ثلاثين سنة متواصلة. إنه يتحدث عن طفولته المعذبة الشقية بسبب مرض أمه وجنونها وانتحارها. وكان يحبها إلى درجة العبادة ويكره أباه كرهًا شديدًا بسببها أو بسبب معاملته القاسية لها. لم يغفر له فعلته تلك أبدًا. وظل ناقمًا عليه وحاقدًا.
وهذا الحدث الأساسي هو الذي دشن حياته وجعل منه فيلسوفًا حقيقيًا. فهو يتفلسف لكي يفهم سبب العذاب البشري ولكي يحل قصته الشخصية أيضا. «فلا أحد ينجو من طفولته مهما حاول»، كما يقول هذا الفيلسوف المهم. والحياة حلوة وحنونة دون شك، ولكنها قد تكون هشة أيضًا بل وخطرة جدًا. والفلسفة علاج أو عزاء لمن لا عزاء له في هذا العالم. وكذلك الشعر.. ولكن الدين أيضًا يمكن أن يكون عزاء ودواء مهدئًا ومسكنًا لمن يؤمن به. وهو إيمان فقده فيلسوف الفرنسيين كالكثير من مثقفي جيله اليساريين. وبالتالي لم يبق له إلا الفلسفة. فراح يغوص في جنباتها وأعماقها ويطلع على نظريات كبار الفلاسفة منذ أفلاطون وأرسطو وحتى اليوم مرورًا بمونتيني وديكارت وسبينوزا وكانط وهيغل ونيتشه وهيدغر وعشرات غيرهم. فالرجل مطلع على تاريخ الفلسفة من أوله إلى آخره. والحق أنه لا يمكن أن تصبح فيلسوفًا حقيقيًا قبل أن تطلع على نظريات كبار الفلاسفة. كما لا يمكن أن تصبح شاعرا قبل أن تطلع على أعظم القصائد وتنجبل بها وتهضمها ثم تنساها! والشيء الممتع هنا هو أنه يعطينا رأيه في فلاسفة عصره وفلاسفة العصور الغابرة. ونفهم منه أنه يفضل سبينوزا على نيتشه. لكن ما قراءاته الفلسفية الأولى؟ بمن تأثر في بداية شبابه؟ على هذا السؤال يجيب أندريه كونت سبونفيل قائلا إن أولى كتب الفلسفة التي قرأها وحتى قبل البكالوريا هي كتاب «الأفكار» الشهير لباسكال، و«الخشية والارتعاش» لكيركيغارد، و«أسطورة سيزيف» لألبير كامو. ثم تلاها «الوجود والعدم» لسارتر و«علم ظاهريات الإدراك والتصور» لميرلو بونتي.. ولكن الفلسفة الوجودية أضجرته بسرعة فانصرف عنها. وغطس عندئذ في كتب أبيقور وسبينوزا وماركس وفرويد وألتوسير وكلود ليفي ستروس. فقد بدت له أكثر إضاءة وأكثر قوة وأكثر صحة وإنقاذا أو علاجا! والشيء الذي أعجبه لدى باسكال وكيركيغارد وألبير كامو هو رفضهم التعزي بسرعة أو بسهولة من ضربات الحياة، وميلهم للألم والعذاب والقلق والشقاء: أي إلى كل ما نتحاشاه في حياتنا ولا نأمله لأحبائنا. بمعنى آخر فإن تركيزهم على البعد التراجيدي في الوجود أعطاهم قيمة كبرى في نظره، لأن طفولته كانت تراجيدية كما ذكرنا. والبعد التراجيدي أو المأساوي للحياة ليس قمة الفرح على عكس ما يزعم نيتشه. وإنما هو الشعور المخيف باللاعزاء في هذا العالم أو قل الأخذ بعين الاعتبار كل ما هو بشع ومرعب ومخيب في الشرط البشري. ولكن ألا تكمن هنا تعاسة الإنسان دون الله أو دون الإيمان بالله؟ السؤال يطرحه أندريه كونت سبونفيل على نفسه وبحق. ولكنه مطروح على كل الفلسفة الإلحادية والتراجيدية الغربية المعاصرة. بل ومطروح حتى على أدب العبث ومسرح اللامعقول وبانتظار غودو إلخ.. ويعترف المؤلف بأنه حاول أن يهرب من هذا التراث الفلسفي التراجيدي عن طريق تبني الفلسفة المادية على طريقة أبيقور وماركس، أو الفلسفة العقلانية المحضة على طريقة سبينوزا ولكنه لم يستطع أن ينجو بجلده من القلق التراجيدي للوجود. وبالتالي فحياته كلها تذبذب بين باسكال وسبينوزا. سبينوزا أكبر فلسفيا في رأيه ولكن باسكال أعمق سيكولوجيا.
ثم ينتقل المؤلف إلى فكرة أخرى تخص العلاقة بين الفلسفة والأدب. ويقيم هنا مقارنة بين فلاسفة فرنسا والفلاسفة الألمان. ويرى أن خصوصية الفلاسفة الفرنسيين هي أنهم كانوا جميعا تقريبا كتابا كبارا. فديكارت لم يكن فيلسوفًا كبيرًا فقط وإنما كان كاتبا كبيرا أيضا.عندما تقرأ كتابه «التأملات الميتافيزيقية» تشعر بأنه عبارة عن قصة روح، قصة شخص يبحث عن الحقيقة والنجاة والحكمة بوسائل العقل الخاصة.
إنه شخص حائر ولكنه أصبح واثقا من نفسه بعد أن توصل إلى المنهج الموثوق والحقيقة الراسخة. ولكنه لم يتوصل إلى بر الأمان قبل المرور بمرحلة الشك والقلق والعذاب. بل ووصل به الشك في لحظة ما إلى حافة الجنون. ولكن الفلسفة كانت بالنسبة له خشبة الخلاص. ويمكن القول إن معظم الفلاسفة الفرنسيين الآخرين كانوا كتابا كبارا. يكفي أن نذكر اسم جان جاك روسو هنا أو فولتير أو مونتسكيو أو ديدرو. وفي المعاصرين أضف إليهم بيرغسون وجان بول سارتر وألبير كامو إلخ.. أما فلاسفة الإنجليز والألمان فقد كانوا عباقرة من دون، شك ولكنهم ليسوا كتابًا بالمعنى الأدبي للكلمة. هذه خصوصية فرنسية. لا ريب في أن هوبز ولوك وهيوم ولايبنتز وكانط وهيغل هم من أضخم الفلاسفة. ولكنهم على المستوى الأدبي لا شيء تقريبًا. بمعنى أنهم يكتبون بلغة عادية جدا، بل ونثرية وعرة مملة في معظم الأحيان. ثم يردف المؤلف: «أقول ذلك على الرغم من أني أعتبر كانط أكبر فيلسوف في الأزمنة الحديثة كلها. والله يعلم أني لست كانطيًا! ولكن الحق أحق بأن يقال. وأعتبر أرسطو أعظم فيلسوف في العصور القديمة كلها (بين قوسين قال لي كاستورياديس عندما قابلته في منزله بباريس قبل ربع قرن لصالح مجلة (الكرمل) بأن أفلاطون هو أعظم عبقرية فلسفية ظهرت في تاريخ البشرية. وهو يوناني الأصل ويعرف عما يتحدث..).
ولكن سبونفيل يعترف باستثناء كبير للألمان: هو نيتشه! فمن يستطيع أن يقول إن نيتشه يكتب بشكل رديء ككانط مثلا؟ يجب إعدامه فورا! نيتشه لا قبله ولا بعده من حيث قوة الأسلوب وجاذبية النص. إنه عبقري هائل لغويا وشاعر مجنون. أو قل إنه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء كما قيل سابقا عن المعري. وأما التوحيدي فهو أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء تماما كمونتيني الذي يحبه المؤلف كثيرا.. وأما الجاحظ فهو فولتير! من يكره الأسلوب الساخر الضاحك للجاحظ أو فولتير ينبغي أن نشنقه! بهجة الحياة أن تقرأ هذين الكاتبين العظيمين.. يكفي أن تقرأ أحد كتبهما لكي تنسى قلق الحياة وملل الوجود. لا داعي لأن تذهب إلى السينما أو إلى المسرح. يكفي أن تفتح على رسائل فولتير أو كتاب البخلاء للجاحظ لكي تموت من الضحك والانشراح.
أخيرا لننتقل إلى محور ثالث في هذا الكتاب القيم ولنطرح هذا السؤال: هل كان نيتشه نازيا؟ النيتشويون الفرنسيون وعلى رأسهم فوكو وديلوز وآخرون يقولون: لك والعياذ بالله! نيتشه كان ضد النازية ولا علاقة له بها من قريب أو بعيد. ولكن الأمور ليست بمثل هذه البساطة كما يقول أندريه كونت سبونفيل. صحيح أن نيتشه عندما مات عام 1900 كان هتلر طفلا لما يتجاوز الحادية عشرة بعد. وبالتالي فكيف يمكن أن يكون نازيا؟ ولكن هناك حقيقة لا نستطيع أن نهرب منها: وهي أن النازيين وجدوا في فكر نيتشه غايتهم وضالتهم. ولذلك بجلوه ورفعوه إلى أعلى مقام واعتبروه زعيمهم الفكري. لماذا لم يتخذوا هيغل قائدا فكريا أو منظرا آيديولوجيا؟ لماذا لم يتخذوا كانط؟ هذا الشيء ليس مصادفة. ففي فكر نيتشه مقاطع وعبارات مخيفة تفسر لنا سبب إعجاب النازيين به. لنضرب على ذلك مثلا العبارة التالية: «ليهلك الضعفاء والفاشلون ولنساعدهم على الانقراض»! ألم يطبق هتلر هذا المبدأ عمليا عندما أمر باستئصال كل من ليس جرمانيا آريا قويا مليئا بالصحة والعافية؟ وعندما تشاهد هتلر وهو يخطب في الجماهير بكل هياج وانفعال، عندما تراه وهو يجذب كل ألمانيا إليه ويكهربها كالمغناطيس، تكاد تتذكر نيتشه و«طلعاته النارية» ذات البلاغة التي لا تضاهى: «أنا لست إنسانا، أنا الديناميت»! يضاف إلى ذلك أن هتلر زار بيت نيتشه مرتين وسلم على أخته إليزابيث، وانحنى بكل وقار أمام تمثال الفيلسوف، في حين أنه لم يفعل ذات الشيء مع كانط أو هيغل. ولا ننسى أن نيتشه صب جام غضبه على القيم التي تفتخر بها العصور الحديثة: كالديمقراطية والاشتراكية والتقدمية وحقوق المرأة والمساواة بين البشر والعدالة الاجتماعية، إلخ.. كل هذه أشياء أخذها النازيون عنه. فقد كانت كتبه إنجيلهم. هل يعني ذلك أن كل نيتشه خطأ في خطأ وأنه لم يضف شيئا يذكر إلى الفكر البشري؟ بالطبع لا، وألف لا. فهناك أفكار عميقة جدا وتحليلات عبقرية يمكن الاستفادة منها. ينبغي أن نفرز الحنطة عن الزؤان، الصالح عن الطالح.
ينبغي أن ننتهي من ذلك الموقف التبسيطي الذي يقول لك: «إما أن نأخذ من المفكر كل شيء، وإما أن نرفض كل شيء»! هذا خطأ. لا يوجد مفكر واحد يؤخذ بكليته. لا يوجد مفكر واحد إلا ويعاني من نقاط نقص أو ضعف. الكمال ليس على هذه الأرض. الكمال لله وحده.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».