{الشرق الأوسط} تنشر تفاصيل الشبكات الإخوانية المتهمة بإفشاء معلومات تخص الدولة المصرية

اعتمدت على استقطاب شبان من مواقع التواصل الاجتماعي* شملت تسجيلات خلال حكم مرسي.. واعتراض «مكاتبات سرية» بعد عزله

المشير عبد الفتاح السيسي  ،  الرئيس المعزول محمد مرسي
المشير عبد الفتاح السيسي ، الرئيس المعزول محمد مرسي
TT

{الشرق الأوسط} تنشر تفاصيل الشبكات الإخوانية المتهمة بإفشاء معلومات تخص الدولة المصرية

المشير عبد الفتاح السيسي  ،  الرئيس المعزول محمد مرسي
المشير عبد الفتاح السيسي ، الرئيس المعزول محمد مرسي

في الساعة السابعة من صباح يوم 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وصلت مجموعة من الضباط المصريين إلى عمارة رقم 462 بالحي الثالث «المجاورة الثالثة» في مدينة «السادس من أكتوبر» غرب القاهرة، لكنهم وجدوا باب المدخل مغلقا بالأقفال.
ومن وراء الأطوال الحديدية للسياج ظهر وجه زوجة حارس المبنى. وبعد دقائق من الجدل حول ملابسات ما يجري، صعد الضباط إلى الطابق الثاني. طرقوا باب الشقة ليجدوا فيها الرجل المطلوب، ولقبه «القزاز»، ويبلغ من العمر 23 سنة.. إنه أحد الخيوط في عملية سرقة تسجيلات واعتراض مكاتبات سرية تمس مصالح عليا للدولة، جرت في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وفي الشهر التالي لعزله.
وجرت الواقعة في ربيع العام الماضي، حين بدأت العلاقة تتوتر بين الإخوان من جانب، ومؤسسات الدولة وغالبية الشعب من الجانب الآخر. وفي أعقاب ثورة 30 يونيو (حزيران) الماضي، أي حين انحاز الجيش إلى ملايين المصريين المطالبين برحيل الإخوان عن الحكم، حاول قادة في الجماعة استخدام ما حصلوا عليه سابقا، وهي عدة ساعات من تسجيلات جرى الاستيلاء على بعض النسخ منها، من إحدى المؤسسات السيادية العليا، وكذا نحو 23 من المكاتبات «السرية للغاية»، وصور لوحدات نظامية، وغيرها، لتشويه كبار القادة والمؤسسات في البلاد.
وبدا من الوثائق التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها أن قيادات في الجماعة بدأت بتجنيد شبان من الخريجين الجدد بالجامعات لا علاقة لهم بالإخوان أساسا، وكل مشكلتهم أنهم يبحثون عن فرصة عمل. وجرى استقطاب أولئك الشبان عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، في أعقاب أحداث 25 يناير (كانون الثاني) 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، والاستعانة بهم في جلب المعلومات. وظهر أول خيط لهذه العملية بعد عزل مرسي بنحو ثلاثة أشهر، وحينها بدأت السلطات الأمنية العليا في تعقب القضية.
وأظهرت الوثائق أيضا أن أعضاء في الجماعة نظموا عملية تسليم وتسلم وبيع وشراء، لمعلومات سرية تخص الدولة، وذلك عبر مقابلات جرى بعضها في ضاحية الدقي غرب القاهرة، وأخرى في الخارج بين عناصر إخوانية مصرية تقيم في كل من قطر وتركيا، حيث جرى بث بعضها على شبكة الإنترنت وعلى قناة «الجزيرة» الفضائية، في مقابل عدة آلاف من الدولارات.
ويقول أحد المحامين عن المتهمين إن الشبكات المشار إليها (مواقع خاصة وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي) يمولها قادة من جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي، لكنها كانت في البداية، أمام الرأي العام، مجرد وسيلة إعلامية على الإنترنت مثل المئات من المواقع الإخبارية التي ظهرت على الشبكة العنكبوتية خاصة بعد سقوط نظام مبارك. لكنها أصبحت معروفة منذ أشهر بأنها «لسان حال الإخوان وأنصارهم من الإسلاميين وأحزابهم».
أما أحد الخيوط الأخرى التي قادت المحققين إلى باقي الشبكة، فتضم أيضا رجلا يبلغ من العمر 23 سنة، ولقبه «أحمد»، وهو شاب من أسرة فقيرة، ومن منطقة تسمى «فرسيس» تابعة لمدينة زفتى بمحافظة الغربية (شمال القاهرة)، وجرى تجنيده من الإخوان عبر صفحات «فيسبوك» أثناء دراسته في الفرقة النهائية في كلية العلوم في عام 2011.
وتعرف أحمد عن طريق الدردشة على الإنترنت على كل من «القزاز) الذي قال محاميه لـ«الشرق الأوسط»: «إنه لم يكن إخوانيا، وإن كان قد انضم فيما بعد إلى حزب الحرية والعدالة الإخواني». كما تعرف أحمد على قيادي آخر من الجماعة يلقب بـ«درويش». ومن خلال الدردشة الإنترنتية معه، جرى تكليف أحمد بتجميع الأخبار من وسائل الإعلام وإرسالها للقياديين الإخوانيين لإعادة توجيهها قبل بثها على مواقع إخبارية تابعة للجماعة.
ويقول أحمد المحتجز حاليا لدى سلطات التحقيق، إنه كان يحب مثل هذا العمل الإعلامي، ولهذا كان يؤديه في البداية، أي وهو طالب، من دون أجر، على أمل أن يتقاضى أجرا بعد تخرجه، وهو ما حدث.. كان ذلك في أواخر صيف 2011، حيث جرى طي صفحة مبارك، وبدأت مصر في البحث عن طريق جديد للمستقبل. وكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو من يدير البلاد برئاسة قائد الجيش السابق المشير حسين طنطاوي، بينما الإخوان ينشطون على الساحة السياسية والإعلامية، ويهيمنون على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا قرر كل من «القزاز» و«درويش» استدعاء «أحمد» إلى موقع شركة الإعلام الإخوانية، ومقرها في شارع هارون في ضاحية الدقي، للاستعانة به في مهام أكثر احترافية. وجرى تكليفه بمتابعة برامج «التوك شو» على القنوات التلفزيونية، والتي كان عددها قد بدأ يتزايد عقب «ثورة 25 يناير». وكان عمل «أحمد» يتلخص في «قص التصاريح التلفزيونية المهمة والأخبار العاجلة لتنزيلها على المواقع الإعلامية للإخوان»، براتب كان يتراوح في البداية بين 900 جنيه إلى 1100 جنيه.
واستمر هذا الوضع إلى أن حان موعد التحاقه بالخدمة الإلزامية في إحدى المؤسسات السيادية، وذلك في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2012، ومدتها سنة، أي بعد فوز مرسي بالرئاسة بنحو أربعة أشهر، حيث شهد «أحمد» وملايين المصريين متغيرات كثيرة خلال تلك الفترة، منها قرار المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب الذي كان يهيمن عليه الإخوان، وقيام مرسي بإصدار إعلان دستوري يزيد فيه من سلطاته، وتشكيله للجنة يغلب عليها الإخوان لصياغة دستور للبلاد، وقيام مرسي أيضا بالإطاحة بالمشير طنطاوي وتعيين السيسي قائدا للجيش.
وبدأ الغضب الشعبي يتزايد ضد حكم الجماعة. وخلال تلك السنة استمرت علاقة «أحمد» بكل من «القزاز» و«درويش».. كان التواصل يجري بشكل عادي عن طريق المكالمات الهاتفية أو عن طريق الإنترنت، من داخل المؤسسة التي يؤدي فيها «أحمد» الخدمة الإلزامية، وهي نفسها التي زارها قائد الجيش، السيسي، والتقى فيها مع ضباط ذوي تخصصات دقيقة، وذلك بتاريخ 26 ديسمبر (كانون الأول) 2012. ولم يكن هذا اللقاء مذاعا، كما لم يكن «أحمد» موجودا في تلك المؤسسة في هذا اليوم. كان في إجازة في بلدته، لكنه، في نهاية المطاف، تمكن من الوصول إلى تسجيل كامل، صوتا وصورة، يتضمن ما دار بين السيسي وضباطه.
كيف حدث هذا؟ يقول «أحمد»، وفقا لروايته للمحققين، إنه، في يوم 20 أبريل (نيسان) 2013، أي قبل عزل مرسي بنحو سبعين يوما، دخل إلى جهاز الحاسب الآلي الموجود في أحد الأماكن الخاصة بالمؤسسة لكي ينسخ صور شخصية له من الجهاز، إلا أنه حين انفرد بنفسه داخل غرفة الحاسب الآلي، أخذ يستطلع ما هو موجود على الكمبيوتر، إلى أن وجد التسجيل الخاص بلقاء السيسي مع الضباط. فقام بالاتصال بـ«درويش» وحين أبلغه بموضوع التسجيل، طلب منه «سرقة هذا الفيديو» وأخذ نسخة منه. وكان مع «أحمد» ذاكرة إلكترونية سعتها اثنين غيغابايت، قام بتوصيلها بالكومبيوتر ونسخ التسجيل.
ظل «أحمد» يحتفظ بالذاكرة الإلكترونية التي كان قد دخل بها للمؤسسة المشار إليها، عن طريق وضعها في مذياع إلكتروني أيضا، إلى أن جاء موعد خروجه في إجازة، في شهر مايو (أيار) 2013.. حينها اتصل بـ«درويش» واتفقا على اللقاء عند محطة مترو الأنفاق في ضاحية الدقي، بجوار مقر الشركة الإعلامية الإخوانية، وسلمه التسجيل.
ولم يقرر قادة الجماعة في الشركة بث التسجيلات ولا الوثائق الأخرى التي جرى تجميعها من أماكن مختلفة، إلا بداية من يوم الثاني من شهر أكتوبر 2013، أي بعد أن اتسعت الهوة بين الجماعة والحكام الجدد. وكان أول ما أذيع عبارة عن مقطع مدته ست دقائق وعشرون ثانية، وفيه مناقشة بين السيسي وأحد الضباط بشأن الإعلام في مصر. وفي الرابع من أكتوبر 2013 جرى بث مقطعين آخرين مدة الأول 41 ثانية، حول نظرة السيسي وضباطه للمظاهرات في مصر، ومدة الثاني دقيقة و43 ثانية، حول قضية دعم السلع والخدمات في البلاد. ثم توالى نشر مقاطع ومكاتبات سرية. وهنا كان المحققون قد بدأوا في البحث عن مصدر هذه المعلومات والمشاركين في بثها وتسريبها في الداخل والخارج.
رغم انشغال الأجهزة الأمنية في مواجهة مظاهرات الإخوان ومطاردة «الإرهابيين» في سيناء ومناطق أخرى في خريف العام الماضي، فإن عمليات التحري بشأن ما يظهر بين يوم وآخر من تسريبات على مواقع الإخوان وعلى قناة «الجزيرة»، بدأت تجري على قدم وساق. وفي صباح يوم 18 نوفمبر، حيث كانت الرياح الباردة تهب على القاهرة، كان المحققون يتتبعون، ناحية جامعة عين شمس، في شرق العاصمة، خطوات رجل في بداية العقد الثالث من العمر، متوسط البنية والقامة، قمحي البشرة، ذي شعر أسود كث، وحليق الشارب، وله لحية سوداء خفيفة، ويرتدي قميصا لونه بني مدون عليه عبارة باللغة الأجنبية، وبنطال جينز أزرق، وحذاء رياضيا أسود وبه خطوط بيضاء.
شاب، مثل أي شاب، يبلغ من العمر أيضا 23 عاما ويلقب بـ«الحمصي»، وعلى كتفه حقيبة. إنه أحد المطلوبين في قضية بث معلومات سرية تخص الدولة على بعض شبكات الإخوان الإعلامية. ويدرس هذا الطالب في الفرقة الرابعة في كلية التجارة في جامعة عين شمس.. هو أصلا من القاهرة، من حارة الدمياطي، ومن أسرة «على قد الحال»، وفقا لإفادة محاميه، الذي قال أيضا إنه لم يكن إخوانيا.
وحين جرى توقيف «الحمصي» أثناء سيره على قدميه أمام مسجد جمال عبد الناصر، في ضاحية عين شمس، كان معه كومبيوتر محمول ماركة «إيسر» واسطوانات مدمجة وهاتف ماركة «سامسونغ»، ومبلغ مالي قدره 690 جنيها.
اقتاده المحققون إلى غرفة الاستجواب وبدأوا في تفريغ محتويات الكومبيوتر المحمول، ووجدوا فيه، التسجيل المسرب الخاص بلقاء السيسي مع بعض الضباط، ومدته 57 دقيقة و38 ثانية، وأربعة مقاطع فيديو أخرى من اللقاء على اسطوانات مدمجة، بالإضافة إلى 23 ورقة مصورة، إحداها خطاب صادر من إحدى الجهات السيادية العليا، إلى أمين عام مجلس الوزراء بتاريخ السادس من أغسطس (آب) 2013، أي عقب عزل مرسي بنحو شهر، وكذا غلاف دراسة صادرة عن إدارة الأزمات بإحدى الجهات العليا أيضا، عن «الصمود والدفاع عن الشعب بالنفس الطويل، وإجراءات الوزارات والأجهزة المعنية بالدولة لمجابهة الاستراتيجيات الواردة لسيناريو».. (كلام غير مكتمل في إحدى الوثائق التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» بخصوص القضية)».
وكان على جهاز «الحمصي» أيضا مجموعة صور تخص قوات التأمين في الشوارع المصرية، يظهر فيها جنود على أسطح مبان لوحدات نظامية، وكذلك صور لبعض الشبان مع مجموعة من الجهاديين، وفيديو آخر لمجموعة شبان داخل أحد الأنفاق الواصلة بين رفح وقطاع غزة، إلى جانب مقاطع لتسريبات من حوار السيسي مع صحيفة «المصري اليوم»، إضافة لمقاطع فيديو أخرى لم يكن قد جرى بثها بعد.
و«الحمصي» محتجز في الوقت الحالي على ذمة التحقيق معه. لكن كيف التحق بالشركة الإعلامية الإخوانية؟ يروي قصته للمحققين قائلا إنه منذ عام 2010 كانت هوايته تسجيل برامج من التلفزيون ووضعها على صفحته على «فيسبوك» وعلى مدونة له على «غوغل». وفي بداية 2011، أي مع ثورة المصريين ضد مبارك أيضا، تلقى حديثا على الدردشة الإنترنتية من رجل يلقب بـ«عبد الوهاب»، عرض عليه العمل معه في الشبكة الإخوانية، على أن تكون وظيفته «رفع مقاطع الفيديو على الشبكة، قبل أن يتولى آخرون اختيار ما ينبغي نشره على زوار المواقع الإخوانية على الإنترنت».
كل هذا جرى قبل أن يلتقي «الحمصي» مباشرة بأي من المسؤولين المباشرين عن الشركة الإخوانية وشبكاتها الإنترنتية المتعددة. وبمرور الوقت، أي مع اقتراب عام 2012 حيث كان الجسد الإخواني يتضخم في السياسة المصرية، ومع دنو موعد انتخابات البرلمان ووضع دستور جديد للبلاد، جرى تكليفه باختيار مقاطع فيديو بعينها، وسمحوا له، عبر الدردشة أيضا، بالدخول إلى مجموعة خاصة على «فيسبوك» لوضع تلك المقاطع، وجمع مواد إعلامية من مراسلين من مناطق مختلفة.
ووفقا لما رواه «الحمصي» فإن كل هذا العمل جرى مع أولئك المسؤولين الإخوانيين، دون أن يعلم مع من يتحدث بالتحديد. ويضيف أنه كان يتعامل مع الأمر كعمل تطوعي دون مقابل، إلى حين تخرجه في الجامعة، أملا في أن يفتح له هذا المجال فرصا للعمل مستقبلا. واستمر الوضع على هذا الحال إلى أن وجهت له دعوة لاجتماع للمراسلين والعاملين في الشركة (الإخوانية) وشبكتها في منتصف عام 2011. كان الاجتماع على أحد مقاهي منطقة البورصة الشهيرة والقريبة من ميدان التحرير.
وهنا، حسب أقوال «الحمصي»، كانت المرة الأولى التي يقابل فيها «عبد الوهاب» والعديد من العاملين في الشركة. وناقش الاجتماع الموضوعات التي سيجري نشرها خلال شهر رمضان على الشبكات الإخوانية (دون أن يعلم أنها تابعة للإخوان، وفقا لمحاميه). ويقول «الحمصي»: «منذ ذلك الوقت تكررت اللقاءات على إفطار رمضان في أحد المطاعم المطلة على ميدان التحرير، ثم جرى بعد ذلك بحث موضوع انتخابات مجلسي الشعب والشورى والاستفتاءات منذ بداية 2012، وكيفية تغطيتها على الإنترنت، وهي الانتخابات التي فاز فيها الإخوان بأغلبية كبيرة ومرروا بعدها الدستور الجديد».
ويضيف أنه، في ذلك التوقيت، بدأ يظهر الرجل الملقب بـ«درويش» في الصورة. وتعرف عليه، وعلم أنه رئيس مجلس إدارة الشبكة، وقرر اختياره ليكون أحد الناشرين على الشبكة، أي أن تكون معه صلاحية الدخول وبث الأخبار، وحدد له أجرا شهريا قيمته 1200 جنيه. واستمر هذا الحال بينما كانت الاضطرابات السياسية تزداد اشتعالا في مصر، إلى أن تقرر عزل مرسي، وفض اعتصامي المؤيدين له في أغسطس.
وفي أواخر سبتمبر (أيلول) 2013 تلقى «الحمصي» اتصالا عبر الدردشة على «فيسبوك» من «درويش» وأخبره أن معه شيئا مهما سيرسله له عبر رسالة على «فيسبوك»، عن لقاء السيسي مع الضباط (التسجيل الذي حصل «أحمد» على نسخة منه من المؤسسة المشار إليها).
وطلب «درويش» من «الحمصي» أن ينشر أجزاء معينة حددها له بأنها تبدأ من الدقيقة كذا وتنتهي عند الدقيقة كذا، على الشبكة الإخوانية. ويضيف أنه جرى بيع المقطع الأول ومدته ست دقائق تقريبا لقناة «الجزيرة». وتقول رواية «الحمصي» إن «درويش» أرسل له أيضا الـ23 ورقة المشار إليها سلفا، والتي كان مكتوبا عليها «سري جدا»، والتي أرسلها بدوره إلى مبرمج في الشبكة يدعى «شاهين» وهو رجل لم تتمكن السلطات من توقيفه عقب اختفائه أواخر العام الماضي، وهو خريج معهد فني تجاري ومن منطقة ميت خاقان بمركز شبين الكوم في محافظة المنوفية، شمال القاهرة.
أما بالنسبة لـ«درويش» الذي كان يرأس مجلس إدارة الشبكة الإخوانية، فلم يعثر عليه المحققون حين توجهوا لمقر سكنه في شارع القوص بمنطقة شبين القناطر بمحافظة القليوبية (شمال العاصمة) أيضا. وتبين سفره إلى تركيا منذ يوم الخامس من يوليو (تموز) 2013، وفقا لإفادة مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية بمصر، بينما يوضح أحد محاميه أن حالته المادية ميسورة، وأنه لم يكن يقصد الإساءة للدولة، من خلال ما جرى بثه من تسريبات.
أما بالنسبة لـ«القزاز» فإنه مصري لكنه مولود في الإمارات، ومن أسرة ميسورة الحال، وتخرج في كلية الإعلام جامعة السادس من أكتوبر. وجرى اتهامه بتمرير المكالمات الخاصة بالمراسلين في الشبكة الإخوانية إلى قناة «الجزيرة»، و«إرسال الفيديوهات التي يجري تصويرها إليهم»، نظير تلقيه تمويلا ماليا من شخص يقيم في قطر، يلقب بـ«عيد»، حيث رصد المحققون إرسال ثلاث حوالات مالية، باسم زوجته، قادمة من قطر على بنك القاهرة فرع مدينة السادس من أكتوبر، بلغت قيمة الحوالة الأولى ألف دولار، والثانية ثلاثة آلاف دولار والثالثة خمسة آلاف دولار.
لكن حين سأله المحققون عن علاقته بقناة «الجزيرة» قال إنه صحافي متعاون معها منذ شهر أكتوبر الماضي، و«وظيفتي تجميع أخبار، وأبعثها بالإيميل لكي تنشرها القناة». وأضاف قائلا عن الأموال التي حولها له «عيد» من قطر، إنها خاصة بشراء كاميرات لمراسلي القناة وسداد رواتبهم وشراء كاميرات إضافية.
وسأل المحقق «القزاز» عن كيفية وصول عدد من المواد الفيلمية المسربة، إلى قناة «الجزيرة»، فأجاب أن مصريا يعيش في قطر (ذكر اسمه) ويعمل في قناة «الجزيرة»، سافر لـ«درويش» في تركيا واشترى منه مقاطع الفيديو الخاصة بلقاء السيسي مع الضباط.
وحين دخل المحققون إلى شقة «القزاز»، في مدينة السادس من أكتوبر، قبل أربعة أشهر، كانت السلطات قد أغلقت مقر الشركة الإخوانية في ضاحية الدقي، لكن عملها على الإنترنت لم يتوقف من مقار مختلفة، وغير محددة، داخل مصر وخارجها.

{جانب من محضر التحقيقات مع المتهمين بالعمل مع الشبكات الإخوانية جرى طمس بعض معلوماتها بناء على طلب المصدر («الشرق الأوسط»)}



مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.


مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
TT

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

وقالت وزارة الداخلية المصرية في بيان مقتضب، الأحد، إنه «لا صحة لما تم تداوله بأحد المواقع الإخبارية بمواقع التواصل الاجتماعي، بشأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين للأراضي المصرية»، دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول ما يتردد عن ملاحقة مخالفي شروط الإقامة بالبلاد.

وخلال الأيام الماضية، جرى تداول أخبار ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن أجهزة الأمن المصرية تنفِّذ حملات مطاردة للسوريين الموجودين بمصر، وتضبطهم وترحلهم، فضلاً عن منع دخول السوريين للبلاد. وتسببت تلك الأنباء في حالة من الجدل الواسع.

إلا أن رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر»، تيسير النجار، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن أصدرت السلطات المصرية تنبيهات عدة للسوريين الموجودين بمصر بضرورة تقنين أوضاعهم، بدأت الشرطة في تنفيذ حملات تدقيق ضد غير الملتزمين. وهذا حق سيادي مصري باتخاذ اللازم ضد مخالفي القوانين؛ سواء أكانوا سوريين أم غيرهم، وترحيلهم من البلاد، بينما يتمتع الملتزمون بحقوقهم كاملة».

وأضاف النجار: «السلطات المصرية أيضاً أعطت تسهيلات تتمثل في إعفاء راغبي المغادرة من غرامات مخالفة الإقامة، وسافر فعلاً عدد ضخم من السوريين وعادوا إلى سوريا، وهناك آخرون يفكرون في السفر، ولكن بعضهم تهدمت منازلهم في سوريا خلال الحرب، ويعملون على إعادة بنائها»، موضحاً: «نبذل جهوداً مع السلطات المصرية للسماح لهم بالبقاء لحين ترتيب أوضاعهم في سوريا، ووقتها سيغادرون».

وقال رئيس الجالية السورية بمصر سابقاً، راسم الأتاسي، لـ«الشرق الأوسط»: إن «حملة تدقيق بدأتها السلطات المصرية منذ أول العام الجاري»، ووقتها غادر إلى سوريا، وحالياً يتلقى اتصالات كثيرة من سوريين في مصر يطالبون بالتدخل لدى السلطات، للسماح لهم بالبقاء حتى ترتيب أوضاعهم.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

وقدَّر رئيس «الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر»، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون شخص، يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى الاتحاد، باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال «الملتقى الاقتصادي السوري- المصري»، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعام 2024، وضعت السلطات المصرية اشتراطات لدخول السوريين القادمين من دول أخرى إلى أراضيها، تتضمن الحصول على موافقة أمنية مسبقة، إلى جانب تأشيرة الدخول، وغيرها من الاشتراطات، مثل ضرورة الحصول على الموافقة على فتح مطاعم أو شركات سورية في مصر.

من جانبه، قال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد: «نتابع ببالغ الاهتمام أوضاع المواطنين السوريين في مصر، ومنذ مطلع العام، أجرينا لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه أهلنا هناك».

وأضاف عبر حسابه الرسمي على موقع «إكس»: «وجَّهنا سفارتنا في القاهرة إلى تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدَّمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر. حقوق السوريين وحماية مصالحهم في الاغتراب ستبقى دائماً على رأس أولويات عملنا الدبلوماسي».


مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمسّ هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، وقال في مؤتمر صحافي، الأحد، عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب، مع الصومال.

وتوافقت مصر والصومال على «تكثيف التنسيق لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي». وشدد الرئيس السيسي ونظيره الصومالي على أن «مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما».

وأشار السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى «الدور الخاص المنوط بمصر والصومال، على ضوء موقعهما الفريد، على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

مؤتمر صحافي مشترك بين السيسي وحسن شيخ محمود الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بينما تتصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا سيما مع اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولة مستقلة، والذي قوبل برفض مصري وعربي؛ ما يعكس بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إدراك البلدين خطورة التحديات التي تواجه القرن الأفريقي.

وأكد السيسي «عزم بلاده استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع ربوع الصومال»، وقال إن «مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال... وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وجدد السيسي التأكيد، على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذى يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي... وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره».

بدوره، أعرب الرئيس الصومالي عن «تقديره لموقف مصر وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، مؤكداً «حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبحسب الباحث الصومالي الدكتور شافعي يوسف عمر، فإن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، في ظل توترات في القرن الأفريقي ومحاولات المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الصومال لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وأمن الممرات البحرية الدولية».

وتابع: «هذه الزيارة تؤكد أن القاهرة ومقديشو تتحركان اليوم كجبهة سياسية واحدة لمنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع في عالم يشهد تحولات حادة في موازين القوة».

وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً، تلته جلسة مباحثات موسعة، تم خلالهما التأكيد على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، والتحذير من أي خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول، بوصفها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.

وأضاف البيان المصري: «الرئيسان توافقا على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليمي، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية».

مصر جددت رفضها المساس بوحدة الصومال أو الاعتراف باستقلال أي إقليم منه (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير علي الـحفني أن «الوضع الراهن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يستدعي تكرار الزيارات واللقاءات على أعلى مستوى والتشاور والتنسيق بين الزعيمين». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تشهد تطورات مهمة تتعين متابعتها والتحسب لتداعياتها، والحيلولة دون أي محاولات لزعزعة الاستقرار».

وهذه هي الزيارة الخامسة للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024. وأعرب السيسي عن «تقديره لتنامى وتيرة الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين بما يعكس عمق وخصوصية العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية، والتي تجسدت في الشراكة الاستراتيجية، التي أعلن عنها، خلال زيارة شيخ حسن محمود للقاهرة في يناير 2025».

وأشار إلى أن «هذا الزخم يعكس حرص البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية، وتعزيز التنسيق؛ من أجل دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وعدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري».

ولفت الباحث الصومالي إلى أن «تكرار اللقاءات بين الرئيسين هو انعكاس لانتقال العلاقات من إطار الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية قائمة على التنسيق العميق» مشيراً إلى «إرساء القاهرة ومقديشو أساساً قانونياً وسياسياً للعلاقات عبر (إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة)، و(بروتوكول التعاون العسكري والأمني) وغيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها في السنوات الثلاث الماضية». وقال: «هذه الاتفاقيات ليست شكلية، بل تعبّر عن إرادة سياسية مشتركة لبناء محور استقرار في القرن الأفريقي». وأوضح أن «التحالف المصري - الصومالي ركيزة أساسية لمنع زعزعة هذا التوازن الاستراتيجي».

وتناولت المباحثات – وفق البيان الرئاسي المصري - عدداً من ملفات التعاون الثنائي، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، وتعظيم الاستفادة من سهولة الربط الجوي والبحري بين البلدين. وأكد السيسي أن «مصر تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الصومال في المجال الطبي»، مشيراً إلى أن القاهرة «تعتزم إرسال قافلة طبية إلى الصومال قريباً».

كما تطرقت المباحثات أيضاً إلى «تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات، عبر برامج (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، إلى جانب التعاون العسكري والأمني»، وأعرب السيسي عن «استعداد بلاده لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال».