شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا

محللون: الاتفاق محاولة ضعيفة لوقف القتال وإيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة

شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا
TT

شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا

شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا

أعلنت الولايات المتحدة وروسيا عن اتفاق، أول من أمس (الاثنين)، لهدنة جزئية في سوريا، على الرغم من المحاذير والعبارات الحذرة لدى جميع الأطراف التي تؤكد على العقبات التي تعترض طريق آخر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة هناك منذ خمس سنوات.
ويُطلب من الحكومة السورية والمعارضة المسلحة هناك، بموجب شروط الاتفاق، الموافقة على «وقف الأعمال العدائية»، والتي يبدأ العمل به اعتبارا من ليلة الجمعة - السبت المقبل. ولكن الاتفاق لا ينطبق على اثنتين من أكثر الجماعات المتطرفة العاملة في سوريا، وهي تنظيم داعش الإرهابي وجبهة النصرة، مما يثير الكثير من التساؤلات حول ما إذا كان الاتفاق الحالي سوف يكون أكثر استدامة من قرار وقف إطلاق النار السابق.
ويطالب الاتفاق الجديد الحكومة السورية والمعارضة بالإشارة قبل ظهر يوم الجمعة، ما إذا كان كل طرف منهما سوف يمتثل لوقف الأعمال العدائية، وهو الشرط الذي تم اختياره بعناية فائقة إذ إنه لا يتطلب ذلك النوع من الاتفاقات في الوقف الرسمي لإطلاق النار بين الجانبين. وتلتزم الولايات المتحدة باتساق وتوافق آراء مختلف جماعات المعارضة السورية حيال الاتفاق، في حين أن المفترض من الجانب الروسي ممارسة الضغط على الحكومة السورية في هذا الصدد. كما وافقت كل من واشنطن وموسكو أيضًا على وجود خط ساخن لمراقبة امتثال والتزام كلا الجانبين.
واختتم الرئيس أوباما الشروط النهائية للاتفاق المذكور في مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أصبح أكثر اللاعبين المؤثرين في الحرب الأهلية السورية منذ إقحام روسيا نفسها في الصراع خلال شهر سبتمبر (أيلول) بالنيابة عن عميلها، الرئيس بشار الأسد. وأعلن بوتين: «أنا واثق من أن الإجراءات المشتركة، والمتفق عليها مع الجانب الأميركي، قادرة على إحداث التغيير الجذري في الوضع المتأزم في سوريا. وأخيرًا، سنحت الفرصة الحقيقية لإيقاف حمام الدم والعنف الدائر هناك منذ فترة طويلة».
والتزم البيت الأبيض حالة من التحفظ والصمت حيال الاتفاق، حيث لم يصدر عنه سوى ملخص من فقرتين لمحادثة الرئيس الأميركي مع الرئيس الروسي، رحب فيه بالاتفاق المعلن، غير أنه لم يحتف به. والأولويات التي أشار إليها أوباما في حديثه الهاتفي مع بوتين، تتمثل في «تخفيف معاناة الشعب السوري»، وتسريع التسوية السياسية للأزمة، والتركيز الشديد على معركة قوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.
وصرح جوش إرنست السكرتير الصحافي في البيت الأبيض بقوله: «سوف يكون من الصعب تنفيذ ذلك. وتكمن الحقيقة في أن الوضع في سوريا أصبح شديد الصعوبة عما كان عليه الأمر في بدايته».
وعلى أرض الواقع في سوريا، باتت احتمالات التوصل إلى نهاية لسفك الدماء بعيدة المنال عن ذي قبل. ففي الأسبوع الأخير وحده، تعرض أكثر من 100 شخص للقتل في حمص ودمشق بواسطة التفجيرات الانتحارية التي ينفذها تنظيم داعش. وأسفرت الغارات الجوية التي تشنها طائرات النظام الحاكم والمقاتلات الروسية المساندة عن مقتل العشرات في مدينة حلب وحدها، بما في ذلك 5 مستشفيات، إحداها تخضع لإدارة منظمة أطباء بلا حدود الخيرية الدولية. وإلى شرق البلاد، يقول السكان المدنيون إن عشرات المواطنين لقوا حتفهم بسبب الغارات الجوية لقوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة التي تقاتل تنظيم داعش.
وأسفرت الجهود الدبلوماسية عن انتصار صغير: وصول المساعدات الإغاثية لأول مرة منذ شهور إلى الكثير من البلدات بعد تصريح المقاتلين بدخولها تحت ضغط دولي شديد. ولكن مئات الآلاف من المواطنين السوريين لا يزالون محاصرين في المناطق المصنفة بأنها تحت الحصار أو يصعب الوصول إليها، والتي تفتقر إلى الإمدادات المنتظمة للغذاء والدواء.
وجاء الاتفاق المعلن بعد بداية خاطئة، حيث أعلن جون كيري وزير الخارجية الأميركي في ميونيخ في 12 فبراير (شباط) أن الهدنة سوف تكون سارية المفعول خلال أسبوع، ولكن الموعد المستهدف مر حيث كان الطرفان يتصارعان حول كيفية تنفيذه. وفي عمان بالأردن، يوم السبت، تحدث كيري عبر الهاتف ثلاث مرات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتسوية تفاصيل الاتفاق.
وفي يوم الاثنين الماضي، وأثناء عودته بالطائرة إلى واشنطن، أخبر كيري الوزراء في كل من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، عن الاتفاق، وفقا لأحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية الأميركية.
كان كيري يميل لأن يكون أكثر تفاؤلا من البيت الأبيض حول آفاق التسوية الدبلوماسية في سوريا. ولكن بيانه الصادر أول من أمس، كان متحفظا بعض الشيء. حيث لم يأتِ على ذكر تاريخ 27 فبراير، وقال في حين إن الاتفاق يمثل «لحظة واعدة»، فإن «تحقيق ذلك الوعد يتوقف بالأساس على الإجراءات».
يقول المسؤول الكبير في الخارجية الأميركية، الذي فضل عدم ذكر هويته، لمناقشة أفكار كيري إنه «مسرور بكل تأكيد لأننا توصلنا إلى اتفاق بشأن الطرائق وتاريخ بدء السريان. ولكنه غير مستعد في الوقت الحاضر إلى التسليم بأي شيء. وفي تصوره، لم يحن الوقت للاحتفال بعد».
وأعرب المحللون عن قلقهم وتشككهم في الاتفاق، مشيرين إلى أنه في الخمسة أيام السابقة على سريان الهدنة، يمكن للقوات السورية وحلفائها من الروس، التسبب في أضرار بالغة بمدينة حلب من خلال الغارات الجوية والقصف بالقنابل. وتكهن البعض بأن روسيا قد توسع من نطاق عملياتها العسكرية حتى مدينة إدلب، إلى الجنوب الغربي من حلب، حيث ينشط فيها مقاتلو جبهة النصرة.
يقول فريدريك سي هوف، الزميل البارز لدى مركز الأطلسي، الذي يعمل على شؤون السياسة السورية منذ الولاية الأولى لإدارة الرئيس أوباما «يتوقف الأمر برمته على حسن نيات الجانب الروسي، وإيران، ونظام الأسد، ولم يُظهر أي منهم أي بادرة لحسن النيات خلال السنوات الخمس الماضية».
وأضاف هوف: «يمتلك الروس المقدرة على إيقاف ذلك في خمسة أيام. وحقيقة أنهم يستغرقون خمسة أيام أخرى، تشير إلى أنهم سوف يستخدمون جبهة النصرة كذريعة للذهاب إلى أبعد مما هم عليه الآن».
وفي الرياض، يوم الاثنين، قال ائتلاف من المعارضة السورية والمعارضين السياسيين إنهم سوف يوافقون على شروط الهدنة. ولكن رياض حجاب، الذي يعمل على تنسيق جهود الائتلاف، لا يتوقع من الحكومة السورية، أو إيران، أو روسيا، الالتزام بشروط الهدنة، إذ إن نجاة الأسد، كما يقول، تتوقف على «استمرار حملته من القمع والقتل والتهجير القسري».
بالنسبة لإدارة الرئيس أوباما، قد تكون الهدنة الجزئية في سوريا مجرد وسيلة للتغطية على العنف الدائر هناك، في حين يتحول الانتباه إلى تخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية ضد مقاتلي تنظيم داعش في ليبيا. وقال بعض المحللين إن الاتفاق ليس إلا محاولة ضعيفة لوقف القتال في سوريا من أجل تخفيف حدة إراقة الدماء، بما يكفي للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدن والبلدات المنكوبة مثل حلب.
يقول إندرو جيه تابلر، الخبير في الشؤون السورية لدى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: «إن سياسة واشنطن المعلنة ليست إنهاء الحرب السورية. إنهم يريدون فقط تسوية الأوضاع حتى يغلي أوارها بوتيرة أبطأ قليلا. وهي محاولة أخرى لاحتواء الصراع الذي لا يمكن احتواؤه».

* خدمة «نيويورك تايمز»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.