هيكل.. رجل التناقضات

كان دائما تواقًا لجذب الانتباه والاهتمام في وقت كان فيه على بداية الطريق نحو الانزواء والخفوت الصحافي

مصريون يودعون كاتبهم أثناء خروج جنازته من مسجد الحسين (أ.ف.ب)
مصريون يودعون كاتبهم أثناء خروج جنازته من مسجد الحسين (أ.ف.ب)
TT

هيكل.. رجل التناقضات

مصريون يودعون كاتبهم أثناء خروج جنازته من مسجد الحسين (أ.ف.ب)
مصريون يودعون كاتبهم أثناء خروج جنازته من مسجد الحسين (أ.ف.ب)

«لا يمكن أن يكونوا في انتظاري»، قالها محمد حسنين هيكل مع ومضة بدت في عينيه. وكان يشير إلى جمع من الصحافيين والمصورين الذين ينتظرون خارج ذلك الفندق الفاخر في ميلانو حيث كنا نحضر المؤتمر الذي ترعاه منظمة اليونيسكو حول «النظام الجديد للاتصالات والمعلومات في العالم».
واتضح أن جماعة المصورين والصحافيين كانوا ينتظرون، سرا، خروج مجموعة من كبار الموديلات العالميات الموجودات في المدينة لحضور عرض الأزياء السنوي هناك.
«حسنا، كما توقعت»، قالها نجم الصحافة المصرية بطريقة فلسفية، حيث كانت لهجته مزينة بلمحة من لمحات خيبة الأمل. كان هيكل دائما تواقا لجذب الانتباه والاهتمام، وفي ذلك الوقت تحديدا، في أواخر السبعينات، كان على بداية الطريق نحو الانزواء والخفوت الصحافي. فلقد توترت علاقاته كثيرا بالرئيس أنور السادات، وعانى كثيرا على يديه، وحرمه تقريبا من حق ممارسة مهنته المحببة إلى قلبه. وبالنسبة إليه، كما هو الحال بالنسبة لكافة الصحافيين الحقيقيين، كان الانخراط في الأحداث اليومية مثل المخدر الذي إن حُرم منه يحول حياته إلى جحيم لا يُطاق على الأرض.
ونظرا لحياته الطويلة جدا والمليئة بالكثير من الأحداث الكبيرة، كان يمكن اعتبار هيكل مجموعة من الرجال الممتزجين في رجل واحد. فلقد رأيناه من قبل حينما كان مراسلا صحافيا شابا لدى واحدة من الصحف المصرية الناطقة باللغة الإنجليزية، وهي صحيفة «ذي إجيبشيان غازيت»، والموجهة بالأساس لخدمة الوافدين العاملين في البلاد. ومن خلال عمله هناك أظهر هيكل موهبة صحافية متفردة كصحافي ميداني يعمل على تغطية الحرب العالمية الثانية وهوامشها الأفريقية، ثم، حركة التأميم النفطي في إيران. وكانت إيران هي موضوع كتابه الأول المعنون «البركان الإيراني»، والذي بسط فيه القول كثيرا حول رؤية العرب للتحولات الإيرانية أكثر من حديثه عن تلك التحولات نفسها.
لم يكد هيكل يبلغ من العمر 30 عاما حتى تولى رئاسة تحرير جريدة «أخبار اليوم» المصرية العريقة، وبالتالي أمّن لنفسه موطئ قدم راسخاً داخل عالم السياسة رفيعة المستوى في القاهرة، وسط دهاة السياسة وأساطينها. ثم جاء وقت معرفته بالمقدم جمال عبد الناصر، الضابط الكاريزماتي الذي تزعم حركة الضباط الأحرار شبه السرية بالجيش المصري والتي بسطت سيطرتها على مقاليد الحكم في القاهرة.
كُتبت، عبر العقود اللاحقة، الكثير من المقالات والكتب حول العلاقة الرابطة بين عبد الناصر وهيكل. وجاء السرد العام واصفا تلك العلاقة بالوثيقة، أو الصديقة، أو ربما الأخوية بين الرجلين، وهو ما قوبل باعتراض معتبر من قبل الكثيرين وآخرهم أرملة السيد ناصر نفسه؛ إذ صورت هيكل في مذكرات لها نُشرت قبل بضع سنوات، بأنه لم يكن أكثر من بوق كبير من مختلف الأبواق التي كانت تحيط بزوجها الراحل. وقالت أيضا، من بين أشياء أخرى، إن المقالات الافتتاحية الشهيرة التي كان يخطها هيكل في صحيفة «الأهرام» المصرية الكبيرة، التي ترأس تحريرها لما يربو على 18 عاما في عهد ناصر ثم السادات، كانت تُنشر وفق إملاءات مباشرة من جانب زوجها إلى هيكل الذي لم يكن يضيف عليها من شيء سوى اسمه. وجدت ذلك عصيا على التصديق. قد يكون ناصر ممليا الموضوعات السياسية الرئيسية في كل يوم إلى هيكل. ولكن هيكل، ومن دون شك، كان أكبر من مجرد قلم مستأجر لخدمة نظام حاكم.
في واقع الأمر، وعبر مقالاته، وضع هيكل بصمته وأسلوبه الصحافي الفريد، من خلال استخدام العبارات الحادة الموجزة، والمفردات اللغوية البسيطة التي لا تتجاوز الألفي كلمة بحال، وبالتالي يمكنها الوصول حتى إلى المواطنين العرب من الأميين الذين كانوا يستمعون لمقالاته عبر إذاعة صوت العرب.
ليس هناك من شك أنه ما من صحافي عربي في التاريخ وحتى الآن قد استحوذ على تلك القاعدة الواسعة من الجمهور مثل هيكل. ويرجع نجاح هيكل، في جزء منه، إلى موهبته الخاصة في «تبسيط» الأطروحات والأفكار السياسية المعقدة بالإضافة أنه كانت لدى هيكل دائما قصة جيدة تستحق الرواية. وسواء كان أحدنا يحب عبد الناصر من عدمه، فأنا من بين أولئك الذين لا يحبونه، إلا أنه كان يقدم سردا جذابا ومميزا على الدوام. فلقد أخبر العرب بأنهم تعرضوا للاحتلال والإذلال لقرون كثيرة، وأن الوقت قد حان بالنسبة لهم للتحرر من قيودهم والسلاسل التي تربطهم والعودة إلى التاريخ كأمة موحدة وكبيرة. كما كانت الهوية المصرية، وهي تيمته الفرعية في كل خطاب، تتمتع بقدرها المعقول من الجاذبية أيضا: فبعد كل شيء، كان ناصر هو الرئيس «المصري» الأول الذي يحكم مصر منذ عهد الفراعنة. لم تفلح سياسات الإصلاح الزراعي في نقل الفلاح المصري من طبقة الفقراء إلى زمرة الأغنياء. ولكنها منحتهم «شعورا»، أو لعلي أقول: «وهما» بأن المستقبل الأفضل بات يلوح في الأفق. وفي حين أن المواطن المصري ليس مقاتلا بالسليقة، إلا أن أغلب المصريين كانوا يتيهون فخرا بإعادة بناء قواتهم المسلحة في أعقاب هزيمة عام 1948 المهينة، وهو الفخر الذي ازداد عمقا بعد الفشل الذريع الذي منيت به قوات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في مصر.
أعاد هيكل طرح هذا السرد مرارا وتكرارا في كل مناسبة مع الجرعة المناسبة من العاطفة الخطابية المؤثرة.
ومع ذلك، يتعين علينا الاعتراف بأن الفرصة التاريخية لعبت دورها الرائع في بناء موقف هيكل الأسطوري. حيث كانت مصر الدولة الوحيدة القادرة على تطوير ودعم وسائل الإعلام ذات الامتداد العربي القومي الكبير. وكان لدى لبنان الموهبة وربما بعض من رؤوس الأموال الخاصة التي تمكنها من إنتاج المواد الإعلامية الخاصة. ولكن إثر الانقسامات الطائفية التي قزّمت الدولة إلى كانتونات عرقية، لم يكن لبنان الصغير يستطيع توفير الخطاب القومي العربي المؤثر مثل مصر. حيث كانت وسائل الإعلام اللبنانية تخاطب شريحة محددة وصغيرة للغاية من المثقفين العرب، وكان الإعلام اللبناني بمثابة المطبخ الصغير عند مقارنته بمتاجر الوجبات «الإعلامية» المصرية السريعة والشهيرة في عهد ناصر. وفي تلك المتاجر الإعلامية الشهية، كان هيكل يشغل منصب كبير الطهاة. وجود هيكل في وقتنا هذا يعد ضربا من المستحيل نظرا للانفجار الإعلامي العربي الهائل، وحقيقة أن الحكومات العربية فقدت فعليا احتكارها للمعلومات، ناهيكم عن سحر الإنترنت الذي حول الملايين من الناس إلى صحافيين، من كافة الأنواع والأشكال.
كان يصور نفسه متلفعا بالنزعة الثورية الشعبية ولكن مع ذوق الباشا المصري الأصيل. وكان لديه حساب شخصي لدى دار هاويس وكيرتس في لندن حيث كانوا يصنعون له ستراته الفاخرة الخاصة، وخصوصا الصدريات الجذابة التي كان يعتز بها كثيرا. وكان سيجار هافانا المفضل لديه دائما ما يأتي من عند ديفيدوف، ولم يكن يرضى بأي نوع آخر غير مشروبه المفضل ماركة شيفاز ريغال. وفي رحلاته السنوية المقدسة إلى لندن كان لا يمكث إلا في فندق كلاريدج الفاخر، وهو من أرقى وأغلى الفنادق في العاصمة البريطانية بأسرها.
عانى هيكل كذلك من مرض التناقضات السياسية العضال. كان يبشر بالتحالف مع الكتلة السوفياتية القديمة باسم معاداة الإمبريالية ولكنه كان بكل جوانحه مناهضا عميقا لليسار. وفي الحقيقة، لعب الرجل دورا مثيرا للجدل في سياسة السادات للتطهير من الناصريين اليساريين، ومن بينهم علي صبري وشعراوي جمعة. كان متحمسا للغاية للاستيلاء على السلطة في إيران على يد فدائيي الإسلام، وهم النسخة الإيرانية من الإخوان المسلمين، تحت قيادة آية الله الخميني، ولكنه عارض وبشدة وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر عن طريق الانتخابات.
ومن بين التناقضات الأخرى كان تفاخره بأنه ليس إلا «مراسلا»، مشددا على أن الصحافيين لا ينبغي عليهم الضلوع في أمور الحكم والسياسة، ناهيكم بسياسات ما وراء الكواليس. وبرغم ذلك، تولى منصب وزير الإعلام، وإنني على يقين، أنه تطلع إلى منصب وزير الخارجية كذلك. وبمزيد من الأهمية، كان يتيه بسعادة غامرة لما انخرط في جهود الوساطة السرية بين واشنطن وطهران بشأن إطلاق سراح الدبلوماسيين الأميركيين الرهائن لدى ملالي الخميني في طهران. وكان شريكه في تلك الجهود الأسطورية هو اريك روليو الصحافي الفرنسي المصري الذي امتدت علاقته بهيكل لأكثر من 30 عاما.
كان هيكل يتمتع بحس فكاهي لاذع. ولذلك، كان قد أعرب عن تقديره للبيان المنشور في طهران من جانب رابطة الصحافيين المسلمين الذي وصفه بعبارة «الجندي الحقيقي للإسلام». ومن الأفكار المطروحة للنقاش في الوقت الحالي هي إعادة تسمية الشارع الذي تقع فيه السفارة المصرية في طهران ليحمل اسم هيكل. وهو الشارع الذي يحمل الآن اسم خالد شوقي الإسلامبولي، وهو الرجل الذي اغتال الرئيس الراحل محمد أنور السادات.



الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».


توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.