المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء.. مظاهرة ثقافية جمعت بين الساسة والأدباء والفنانين

شكّل تنوعًا ثقافيًا عبر 130 نشاطًا

الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط)  في إحدى الفعاليات
الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط) في إحدى الفعاليات
TT

المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء.. مظاهرة ثقافية جمعت بين الساسة والأدباء والفنانين

الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط)  في إحدى الفعاليات
الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط) في إحدى الفعاليات

اختتمت اليوم فعاليات الدورة الثانية والعشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، وضمت توليفة من الأنشطة التي تعددت مجالاتها وتفريعاتها، وتميزت بغنى برنامجها الثقافي وتنوع المتدخلين من المحاضرين والمبدعين والمفكرين والسياسيين والفنانين والمؤطرين، أنشطة تعدت 130 نشاطا من ندوات حول الكتابة والتعدد، وكتب في الطريق إلى التتويج، وتجارب في الكتاب وساعة مع كاتب، وتقديم كتب جديدة، إضافة إلى كتب في الطريق إلى التتويج.
في معرض الدار البيضاء، برز عنوان التنوع كلافتة تكتسيها الأروقة من كتب ومجلات، وكناشرين من 44 دولة، وكضيوف من مختلف المجالات، إذ لا يمكن لفعل الكتابة أن يحقق تأثيره وفعاليته إلا من خلال انحيازه لمبدأ التنوع، وأيضا بتركيزه على كل القيم الكفيلة بإشاعة هذا الطموح. فكانت من سمات التنوع أن سعت دورة هذا المعرض إلى الوقوف عند عدد من التجارب المغربية في مجال الدراسات والترجمة والبحث والإبداع الأدبي والفكري، ممن أبان أصحابها على عمق معرفي وإسهام لافت، كل في مجال تخصصه، مما أسهم في احتلال أعمالهم لمكانة خاصة، ليس فقط من حيث نسبة المقروئية، وإنما أيضا في خريطة عدد من الجوائز العربية المرموقة. وكذا من خلال لقاءات مباشرة مع كتاب ومبدعين مغاربة وعرب وأجانب، للاقتراب أكثر من عوالمهم وانشغالاتهم وهواجسهم، وأيضا من خلال نقاش مفتوح، صريح ومباشر، حول مواضيع وقضايا مرتبطة بفعل الكتابة وشؤون الحياة.
ويظل الإنسان حتى بعد موته، حاضرا في فعاليات المعرض وبرنامجه الثقافي، بالنظر إلى سيرته في هذه الحياة الدنيا، وإلى ما خلفه من أعمال ومنجزات تنفع الناس، عن طريق فقرة «ذاكرة» التي تستعيد سير ومناقب عدد من الكتاب والفنانين والمبدعين الذين غيبهم الموت، من دون أن يعني ذلك اختفاء آثارهم، ومن بينهم محمد العربي المساري الذي ظل حتى آخر جملة ولآخر سطر، يربي أنفته ونظافة يده بكثير من الحرص والهدوء والاتزان. وسواء من موقعه كمناضل بأفق رحب، أو كنقيب للصحافيين المغاربة أو كرجل دولة من طينة نادرة، بقي الراحل محمد العربي المساري، يتصرف مع الجميع بنفس التواضع والطيبوبة وسعة الخاطر، ولم تبدله المواقع والمسؤوليات تبديلا. وفي كل مرة، حين كان يشعر بغربة صوته داخل كورال ما، كان ينحاز إلى صمته الحكيم، وينتظر اتضاح الطموحات، قبل أن يعود إلى الموقع الذي ارتضاه لنفسه. أما ذاكرة الراحل الدكتور عبد الهادي التازي، فأبرزت أنه واحد من علماء المغرب الكبار، ممن كانت لهم أياد بيضاء على أكثر من جيل داخل الجامعة المغربية. وهو إلى ذلك، صاحب علم ومعرفة في تخصصات متنوعة، على الرغم من أن شهرته حازها من إسهامه الغزير في مجال التاريخ؛ بحثا وتأليفا وتحقيقا وترجمة. وعلى الرغم من جسامة المسؤوليات الدبلوماسية التي تحملها في مراحل معينة من مساره الأكاديمي، فإنه حرص على أن يبقى شديد الالتصاق والاتصال بمجال البحث العلمي التاريخي، بنفس تلك الروح المتواضعة والمرحة التي اشتهر بها.
واستضافت الأيام الأولى من فعاليات المعرض، مجموعة من الأسماء الجديدة في الكتابة، للتعبير عن نفسها، بما يكرس لصوتها في الحاضر وفي المستقبل، وتقف في لحظات شعرية مع قراءات لشعراء تتيح الفرصة لعشاق الشعر للإنصات إلى شعراء مغاربة وعرب وأجانب وهم يتلون قصائدهم مباشرة، بما يضاعف من متعة الإنصات ويوسع من هامش التواصل والفهم، فكان الجمهور على موعد مع ثلاثة شعراء ينتمون إلى ثلاثة أجيال مختلفة، لكن ما يجمع بينهم هو ذاك الإصرار المتواصل على كتابة نص شعري خاص ينتصر لصوت كل واحد منهم. وهم، سميرة فرجي، جلال الحكماوي، طه عدنان، إضافة إلى موعد مع ثلاثة تجارب شعرية، تنتمي إلى لغتين مبدعتين: العربية والفرنسية، بمشاركة الشاعر الفرنسي كريستوف مانون، والشاعر الفلسطيني طاهر رياض، والشاعر المغربي إدريس الملياني.
وضمت تجارب في الكتابة رصد دينامية الكتابة الشعرية النسائية في المغرب، التي حققت منجزا كميا وكيفيا بات مثار اهتمام متزايد، إضافة إلى سؤال المتخيل والتاريخ في السرد، الذي قارب فيه كل من الروائيين المغربيين أحمد المديني ومبارك ربيع والروائي المصري وحيد الطويلة، موضوع السرد وسؤال المتخيل والتاريخ، بالتركيز على تجارب مكرسة في مظان هذا الأفق، الذي راهن أصحابه على استثمار الحدث التاريخي، كإمكانية إبداعية موازية، بما يدعم فعالية التخييل في إنتاج نص سردي مختلف، يستحق الدراسة والانتباه.
وعلى مستوى ندوات المعرض، عرفت ندوة «خمسون سنة على ولادة مجلة (أنفاس)»، التي ظلت منذ تأسيسها في سنة 1966 حتى حدود تاريخ توقفها عن الصدور في سنة 1973. تُعتبر واحدة من المجلات المغربية الرائدة، التي راهن طاقمها التحريري، ليس فقط على إثارة الانتباه إلى عدد من الموضوعات الطريفة والقضايا الشائكة، التي كانت تحسب في عداد مهملات الكتابة والبحث، وإنما أيضا على ربط هذا الاختيار الثقافي والأدبي بأفقه النضالي الإنساني.
وسواء تعلق الأمر بنسخته الفرنسية أو العربية، بقي هذا المنبر الحر يعتبر بمثابة خلية نشطة، تسعى، عبر نخبة من خيرة المثقفين والفنانين والشعراء المغاربة، إلى إشاعة تفكير تحديثي يراهن على ضخ روح جديدة في حقل الثقافة والفكر المغربيين التقليديين، بما يساهم في ترسيخ فعل ثقافي وطني، ناضج وملتزم. وكان اللقاء الذي شارك فيه عبد اللطيف اللعبي، والشاعر مصطفى النيسابوري، والفنان التشكيلي محمد المليحي، مناسبة للاحتفاء بإعادة طبع مجمل أعداد «أنفاس» وللإعلان عن تأسيس مؤسسة اللعبي للثقافة. وحول ذلك قال اللعبي «ستكون أفضل وسيلة، في البقية الباقية من عمري ثم فيما وراء ذلك، لمواصلة الدفاع عن الأفكار المعروضة، ولضمان انتقال مشعلها لمن هن مقتنعات وهم مقتنعون مثلي بصلاحيتها وسدادها»، موضحا أن المجلة كان من رهاناتها البارزة؛ مَحْو الاستعمار من العقول، وإعادة بناء الهوية المغربية أخذا بعين الاعتبار طابعها التعددي، وربط الثقافة بقاطرة الحداثة وفتحها على الكونية، وتشكيل القيم الإنسانية الخاصة، والإقناع بالمكانة المحورية للثقافة والتعليم والبحث العلمي داخل أي مشروع ديمقراطي جدير بهذا الاسم، إضافة إلى الدفاع عن حرية التعبير والرأي.
وأجمع المتدخلون في ندوة «السياسيون والكتابة: بين كلمة السلطة وسلطة الكلمة»، أن فعل الكتابة في عموميتها ليس مجرد نشاط نخبوي محصور في فئة حالمة من فئات المجتمع، هي فئات المبدعين، وإنما هي، فضلا عن ذلك، فعل إنساني رفيع وراق، يحفظ ذاكرة الشعوب ويصون تواريخ الأمم، وأثار المتدخلون الانتباه لما يمكن اعتباره إهمالا كبيرا لهذا السجل المهم لدى كثير من الفاعلين السياسيين المغاربة، ممن لا يولون الاهتمام اللازم لفعل الكتابة؛ كتابة السير الخاصة بحصر المعنى. وكشف الزعيم اليساري محمد بن سعيد آيت إيدر، أنه من بين الإشكالات التي كانت في قديم الزمان عند كتابة المذكرات هي محدودية الرأي والتعبير مما جعل الكتابة ضعيفة ومحدودة، وقال آيت إيدر «حتى من كانت لديهم الحقيقة كانوا يجدون صعوبة في الإفصاح عنها عبر الكتابة»، مشيرا إلى أن هناك تطورا اليوم يجب الاستفادة منه لتصحيح ما وقع.
وعرف الوقوف في فقرة «ساعة مع شكري المبخوت» (الحاصل على جائزة البوكر لسنة 2015)، محطة تعرف من خلالها الجمهور عن قرب، على واحد من ألمع كتاب الرواية، ليس في بلده تونس فقط، وإنما في مجموع البلاد العربية، هذا الحضور اللافت لشكري المبخوت كرسه حصوله على جائزة البوكر العربية عن عمله العميق «الطلياني»، مما اعتبره كثير من المتتبعين والدارسين اعترافا مضاعفا بقامة سردية تستحق الاحترام. ونفى الكاتب التونسي أن تكون روايته سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة جيل بأكمله عايشه شكري بآلامه وطموحاته وأحلامه. وقال المبخوت «في الحقيقة ليست سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة جيل بأكمله وعبد الناصر الطلياني بطل الرواية يعبر عن هذا الجيل بكل تناقضاته»، مضيفا أنه لم يكن بحاجة إلى بحث تاريخي، بيد أن تلك الفترة من تاريخ تونس ليست مكتوبة والتحدي الذي خاضه هو أن يكتب قصة جيله سرديا وفي الآن نفسه مسيرة بلد يعيش تلك التحولات والتناقضات والأزمات.
يشار إلى أن رواية المبخوت تحكي قصة شاب تونسي يساري يدرس في الجامعة وفي نفس الوقت قيادي في الاتحاد العام لطلبة تونس إبان فترة حكم الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة وما تلاها.
ودأب المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء أن يكون مناسبة للاطلاع على جديد دور النشر الوطنية والأجنبية، بما هو حصيلة ما أنتجه كتاب ومبدعون ينتمون إلى جغرافيات متفرقة، وفي مجالات وحقول ثقافية وفكرية وإبداعية مختلفة. فكانت فقرة «تقديم كتاب» محطة يتم فيها التعريف بهذه المنشورات، فضلا عن فتح نقاش وحوار مباشرين مع أصحابها ومع ناشريها، بما يقرب عموم الجمهور من محتوياتها ومن القضايا التي تطرحها. ومن بين الكتب التي جرى تقديمها؛ كتاب «مذكرات في النضال الوطني السياسي والدبلوماسي» لعبد الحق التازي، أحد قياديي حزب الاستقلال، إضافة إلى كتاب «خمسة أشهر لدى البيضان»، لكاميلدولز، ترجمة حسن الطالب. وكتاب «مفتاح نظرية السينما: 200 مصطلح». أندريه غاردي وجون بيساليل، ترجمة محمد عبد الفتاح حسان، ونور الدين بوخصيبي، وبوبكر الحيحي. كما جرى تقديم أعمال الشاعر العربي العراقي سعدي يوسف «الحياة في خريطة»، و«دروب الذهب»و «محاولات في العلاقة»، الذي يعتبر مبدعا مثيرا للأسئلة، سواء من جانب ما يقدمه من إبدالات شعرية، أو من حيث آرائه الجريئة، التي طالما خلقت الحدث وشغلت الناس من قبيلة الشعراء. وهو، بين هذا وذاك، شاعر يموضعه النقد الحديث في خانة الشعراء المجددين لآفاق الشعرية العربية.



في رحيل سعيد السريحي.. المعتَزَلُ ووعُولُه

د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
TT

في رحيل سعيد السريحي.. المعتَزَلُ ووعُولُه

د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)
د. سعيد السريحي (أرشيف السريحي)

هل لي أن أعيد تعريف الموت بطريقة أخرى؟ فمرّات قليلة فقط يظهر فيها هذا الشبح الأسود في صورة قنّاص محترف، فلا فريسته هذه المرة من الداجن والأليف، ولا البندقية مستعدة لإفراغ حشوتها في حقل من القطن.هكذا يصبح الأمر مبرراً، فالبندقية مصوّبة ومتكئة فوق صخرة من الهواء الصلب، بينما الفريسة تنتقل في خفة وراء طرائدها دون أن تلتفت، إنه مرح المعرفة المرعب، ماؤها المزجج بذهب وريش، غير المهتم بالخطر والمراقبة.

ومع كلّ هذا، لا يمكن اختصار السريحي في خطبة كالتي أحاول أن أبنيها من حطب الغابة. وحتى دون أن أكون متصوفاً أو كاهناً، يمكن أن ألمح تلك الصومعة اليتيمة على جناح السروات، صومعةٌ تفرّغ فيها السريحي لِسَنِّ قرون وعوله، معتزلٌ يليق بلغة فيها من حرارة العراك بين الوحشي والأليف ما يكفي لإيقاظ جبانة من الكبريت، فقد كان السريحي مبللاً بالحريق على الدوام.

ومع كلّ صباح كان يقوم بتدريب شاق صعوداً ونزولاً على منحدرات وحواف حادة من الرعود والصواعق، ولكنه في نهاية اليوم، دائماً ما كان يملأ صحاف الليل بالبخور، ربابته إلى جانبه، مطرقاً على الدوام، مهتماً على الدوام، قاطعاً أرسان وعوله، مسرّحاً إياها لتملأ جيوب الليل بأنفاسها التي ما إن تلفح فجّاً من الصخور إلا وشبَّ وكأنه شواظ من الجمر.

د. سعيد السريحي أمام قصر فرساي في فرنسا 2025 (من أرشيف السريحي)

هل لي أن أعيد تعريف الموت بطريقة أخرى؟ برباطة جأش كالتي لمقاتل طروادي، فقد كان السريحي يجيد هذا النوع من القتال أيضاً، يجيد الدفاع عن قلاعه ببسالة كالتي لحديد، وليونة كالتي لعشب، منتقلاً بين ضفتيهما، حابساً أنفاس الماء والهواء معاً، يفعل كل ذلك من أجل أن تنام قصيدته هيلين مطمئنة تحت شجر الليل، كما يقترح هو في قصيدته «خليص».

«خليص» و«مصر حلوة» تحديداً، حتى لا أذيب شحم هذا الحبر فيما هو أبعد، فمقدمة منطقية محكية ومشحونة بالبداوة وخفة الظل كالتي يقترحها هذا التوأم، مقدمة كهذه تتوفر على سليقة سيل وناب ذئب تغطيهما سماء من الفراش، لن تترك للخيال الشيء الكثير ليصطاد الصقور، ليكتشف ما هو عليه السريحي في بقية إجراءاته الإبداعية، هذا العدم الشعري الذي كان يخفيه السريحي وراء جلد كونه السميك والظاهر، كون من نيازك الحداثة الصلدة ومذنباتها، كون كان يعرف مسالكه وأقفاله أكثر مما يعرف عن مزاليج عشّه الدنيوي. في الحقيقة كان ذلك العدم عدماً مشبعاً بالنور والاشتعالات السديمية.

وكأن لغة السريحي مفطومة على العراء، مجبولة من رغبة فرناسية في الطيران المحفوف، حتى صارت ترضع من ثدي الأسطورة الشخصية بمعناها المركب والعميق.

الناقد السريحي والشاعر محمد الماجد (أرشيف الماجد)

ومع ذلك، يمكن أن يكون التوأم هذا صدفة زواج سعيدة، لكنني أفضل أن أصفه بالصدمة، كهرباء تسري في الجسد فتجعله يرتعد. ففي المناسبات الرسمية والأكاديمية، كان السريحي يعتمر قبعة الأكاديمي الصارم، لا أستطيع تشبيه حضوره سوى بكمرة من الخرسانة العارية، أو ضفيرة من الألماس، هكذا هو، دائماً ما كان يكمل مثلث الصلابة بصلصاله العتيد، ولكنه عندما يفترش الحصير والدلال بين أصدقائه، يستحيل إلى رويٍ راقص، رويّ ينتقل بخفة بين خيام الشعر دون ملل، يقول فيستزيده الأصدقاء، يدق البنَّ، ثم يشعل سيجاره، يسرح الهواء بفضة رأسه ويبدأ بعدها بالغناء.

كم كانت كتب السريحي ودراساته رائعة وجميلة، سرداً ملغوماً بغزالات وفوانيس من الزيتون، وكأنها سلة حصاد لمئوية كاملة من الكد الحداثي. ولكنني عندما أقارن ذلك بممارسته، أستطيع بوضوح أن أرى كفة الميزان وهي تميل لصالح هذه الأخيرة، لصالح الترجمة الحيّة، وهذا ما يبرع فيه السريحي دون تكلّف، وكأنه يصرخ: المفاهيم والمصطلحات تركتها هناك، حيث الدرس والتعلم، أما هنا فلا أستطيع سوى الإشعال في جسدي لكي تروا تماماً وبوضوح ما كنت أرمي إليه دائماً.

——

(*) شاعر سعودي


إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.