المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء.. مظاهرة ثقافية جمعت بين الساسة والأدباء والفنانين

شكّل تنوعًا ثقافيًا عبر 130 نشاطًا

الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط)  في إحدى الفعاليات
الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط) في إحدى الفعاليات
TT

المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء.. مظاهرة ثقافية جمعت بين الساسة والأدباء والفنانين

الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط)  في إحدى الفعاليات
الشاعر عبد اللطيف اللعبي(وسط) في إحدى الفعاليات

اختتمت اليوم فعاليات الدورة الثانية والعشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، وضمت توليفة من الأنشطة التي تعددت مجالاتها وتفريعاتها، وتميزت بغنى برنامجها الثقافي وتنوع المتدخلين من المحاضرين والمبدعين والمفكرين والسياسيين والفنانين والمؤطرين، أنشطة تعدت 130 نشاطا من ندوات حول الكتابة والتعدد، وكتب في الطريق إلى التتويج، وتجارب في الكتاب وساعة مع كاتب، وتقديم كتب جديدة، إضافة إلى كتب في الطريق إلى التتويج.
في معرض الدار البيضاء، برز عنوان التنوع كلافتة تكتسيها الأروقة من كتب ومجلات، وكناشرين من 44 دولة، وكضيوف من مختلف المجالات، إذ لا يمكن لفعل الكتابة أن يحقق تأثيره وفعاليته إلا من خلال انحيازه لمبدأ التنوع، وأيضا بتركيزه على كل القيم الكفيلة بإشاعة هذا الطموح. فكانت من سمات التنوع أن سعت دورة هذا المعرض إلى الوقوف عند عدد من التجارب المغربية في مجال الدراسات والترجمة والبحث والإبداع الأدبي والفكري، ممن أبان أصحابها على عمق معرفي وإسهام لافت، كل في مجال تخصصه، مما أسهم في احتلال أعمالهم لمكانة خاصة، ليس فقط من حيث نسبة المقروئية، وإنما أيضا في خريطة عدد من الجوائز العربية المرموقة. وكذا من خلال لقاءات مباشرة مع كتاب ومبدعين مغاربة وعرب وأجانب، للاقتراب أكثر من عوالمهم وانشغالاتهم وهواجسهم، وأيضا من خلال نقاش مفتوح، صريح ومباشر، حول مواضيع وقضايا مرتبطة بفعل الكتابة وشؤون الحياة.
ويظل الإنسان حتى بعد موته، حاضرا في فعاليات المعرض وبرنامجه الثقافي، بالنظر إلى سيرته في هذه الحياة الدنيا، وإلى ما خلفه من أعمال ومنجزات تنفع الناس، عن طريق فقرة «ذاكرة» التي تستعيد سير ومناقب عدد من الكتاب والفنانين والمبدعين الذين غيبهم الموت، من دون أن يعني ذلك اختفاء آثارهم، ومن بينهم محمد العربي المساري الذي ظل حتى آخر جملة ولآخر سطر، يربي أنفته ونظافة يده بكثير من الحرص والهدوء والاتزان. وسواء من موقعه كمناضل بأفق رحب، أو كنقيب للصحافيين المغاربة أو كرجل دولة من طينة نادرة، بقي الراحل محمد العربي المساري، يتصرف مع الجميع بنفس التواضع والطيبوبة وسعة الخاطر، ولم تبدله المواقع والمسؤوليات تبديلا. وفي كل مرة، حين كان يشعر بغربة صوته داخل كورال ما، كان ينحاز إلى صمته الحكيم، وينتظر اتضاح الطموحات، قبل أن يعود إلى الموقع الذي ارتضاه لنفسه. أما ذاكرة الراحل الدكتور عبد الهادي التازي، فأبرزت أنه واحد من علماء المغرب الكبار، ممن كانت لهم أياد بيضاء على أكثر من جيل داخل الجامعة المغربية. وهو إلى ذلك، صاحب علم ومعرفة في تخصصات متنوعة، على الرغم من أن شهرته حازها من إسهامه الغزير في مجال التاريخ؛ بحثا وتأليفا وتحقيقا وترجمة. وعلى الرغم من جسامة المسؤوليات الدبلوماسية التي تحملها في مراحل معينة من مساره الأكاديمي، فإنه حرص على أن يبقى شديد الالتصاق والاتصال بمجال البحث العلمي التاريخي، بنفس تلك الروح المتواضعة والمرحة التي اشتهر بها.
واستضافت الأيام الأولى من فعاليات المعرض، مجموعة من الأسماء الجديدة في الكتابة، للتعبير عن نفسها، بما يكرس لصوتها في الحاضر وفي المستقبل، وتقف في لحظات شعرية مع قراءات لشعراء تتيح الفرصة لعشاق الشعر للإنصات إلى شعراء مغاربة وعرب وأجانب وهم يتلون قصائدهم مباشرة، بما يضاعف من متعة الإنصات ويوسع من هامش التواصل والفهم، فكان الجمهور على موعد مع ثلاثة شعراء ينتمون إلى ثلاثة أجيال مختلفة، لكن ما يجمع بينهم هو ذاك الإصرار المتواصل على كتابة نص شعري خاص ينتصر لصوت كل واحد منهم. وهم، سميرة فرجي، جلال الحكماوي، طه عدنان، إضافة إلى موعد مع ثلاثة تجارب شعرية، تنتمي إلى لغتين مبدعتين: العربية والفرنسية، بمشاركة الشاعر الفرنسي كريستوف مانون، والشاعر الفلسطيني طاهر رياض، والشاعر المغربي إدريس الملياني.
وضمت تجارب في الكتابة رصد دينامية الكتابة الشعرية النسائية في المغرب، التي حققت منجزا كميا وكيفيا بات مثار اهتمام متزايد، إضافة إلى سؤال المتخيل والتاريخ في السرد، الذي قارب فيه كل من الروائيين المغربيين أحمد المديني ومبارك ربيع والروائي المصري وحيد الطويلة، موضوع السرد وسؤال المتخيل والتاريخ، بالتركيز على تجارب مكرسة في مظان هذا الأفق، الذي راهن أصحابه على استثمار الحدث التاريخي، كإمكانية إبداعية موازية، بما يدعم فعالية التخييل في إنتاج نص سردي مختلف، يستحق الدراسة والانتباه.
وعلى مستوى ندوات المعرض، عرفت ندوة «خمسون سنة على ولادة مجلة (أنفاس)»، التي ظلت منذ تأسيسها في سنة 1966 حتى حدود تاريخ توقفها عن الصدور في سنة 1973. تُعتبر واحدة من المجلات المغربية الرائدة، التي راهن طاقمها التحريري، ليس فقط على إثارة الانتباه إلى عدد من الموضوعات الطريفة والقضايا الشائكة، التي كانت تحسب في عداد مهملات الكتابة والبحث، وإنما أيضا على ربط هذا الاختيار الثقافي والأدبي بأفقه النضالي الإنساني.
وسواء تعلق الأمر بنسخته الفرنسية أو العربية، بقي هذا المنبر الحر يعتبر بمثابة خلية نشطة، تسعى، عبر نخبة من خيرة المثقفين والفنانين والشعراء المغاربة، إلى إشاعة تفكير تحديثي يراهن على ضخ روح جديدة في حقل الثقافة والفكر المغربيين التقليديين، بما يساهم في ترسيخ فعل ثقافي وطني، ناضج وملتزم. وكان اللقاء الذي شارك فيه عبد اللطيف اللعبي، والشاعر مصطفى النيسابوري، والفنان التشكيلي محمد المليحي، مناسبة للاحتفاء بإعادة طبع مجمل أعداد «أنفاس» وللإعلان عن تأسيس مؤسسة اللعبي للثقافة. وحول ذلك قال اللعبي «ستكون أفضل وسيلة، في البقية الباقية من عمري ثم فيما وراء ذلك، لمواصلة الدفاع عن الأفكار المعروضة، ولضمان انتقال مشعلها لمن هن مقتنعات وهم مقتنعون مثلي بصلاحيتها وسدادها»، موضحا أن المجلة كان من رهاناتها البارزة؛ مَحْو الاستعمار من العقول، وإعادة بناء الهوية المغربية أخذا بعين الاعتبار طابعها التعددي، وربط الثقافة بقاطرة الحداثة وفتحها على الكونية، وتشكيل القيم الإنسانية الخاصة، والإقناع بالمكانة المحورية للثقافة والتعليم والبحث العلمي داخل أي مشروع ديمقراطي جدير بهذا الاسم، إضافة إلى الدفاع عن حرية التعبير والرأي.
وأجمع المتدخلون في ندوة «السياسيون والكتابة: بين كلمة السلطة وسلطة الكلمة»، أن فعل الكتابة في عموميتها ليس مجرد نشاط نخبوي محصور في فئة حالمة من فئات المجتمع، هي فئات المبدعين، وإنما هي، فضلا عن ذلك، فعل إنساني رفيع وراق، يحفظ ذاكرة الشعوب ويصون تواريخ الأمم، وأثار المتدخلون الانتباه لما يمكن اعتباره إهمالا كبيرا لهذا السجل المهم لدى كثير من الفاعلين السياسيين المغاربة، ممن لا يولون الاهتمام اللازم لفعل الكتابة؛ كتابة السير الخاصة بحصر المعنى. وكشف الزعيم اليساري محمد بن سعيد آيت إيدر، أنه من بين الإشكالات التي كانت في قديم الزمان عند كتابة المذكرات هي محدودية الرأي والتعبير مما جعل الكتابة ضعيفة ومحدودة، وقال آيت إيدر «حتى من كانت لديهم الحقيقة كانوا يجدون صعوبة في الإفصاح عنها عبر الكتابة»، مشيرا إلى أن هناك تطورا اليوم يجب الاستفادة منه لتصحيح ما وقع.
وعرف الوقوف في فقرة «ساعة مع شكري المبخوت» (الحاصل على جائزة البوكر لسنة 2015)، محطة تعرف من خلالها الجمهور عن قرب، على واحد من ألمع كتاب الرواية، ليس في بلده تونس فقط، وإنما في مجموع البلاد العربية، هذا الحضور اللافت لشكري المبخوت كرسه حصوله على جائزة البوكر العربية عن عمله العميق «الطلياني»، مما اعتبره كثير من المتتبعين والدارسين اعترافا مضاعفا بقامة سردية تستحق الاحترام. ونفى الكاتب التونسي أن تكون روايته سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة جيل بأكمله عايشه شكري بآلامه وطموحاته وأحلامه. وقال المبخوت «في الحقيقة ليست سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة جيل بأكمله وعبد الناصر الطلياني بطل الرواية يعبر عن هذا الجيل بكل تناقضاته»، مضيفا أنه لم يكن بحاجة إلى بحث تاريخي، بيد أن تلك الفترة من تاريخ تونس ليست مكتوبة والتحدي الذي خاضه هو أن يكتب قصة جيله سرديا وفي الآن نفسه مسيرة بلد يعيش تلك التحولات والتناقضات والأزمات.
يشار إلى أن رواية المبخوت تحكي قصة شاب تونسي يساري يدرس في الجامعة وفي نفس الوقت قيادي في الاتحاد العام لطلبة تونس إبان فترة حكم الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة وما تلاها.
ودأب المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء أن يكون مناسبة للاطلاع على جديد دور النشر الوطنية والأجنبية، بما هو حصيلة ما أنتجه كتاب ومبدعون ينتمون إلى جغرافيات متفرقة، وفي مجالات وحقول ثقافية وفكرية وإبداعية مختلفة. فكانت فقرة «تقديم كتاب» محطة يتم فيها التعريف بهذه المنشورات، فضلا عن فتح نقاش وحوار مباشرين مع أصحابها ومع ناشريها، بما يقرب عموم الجمهور من محتوياتها ومن القضايا التي تطرحها. ومن بين الكتب التي جرى تقديمها؛ كتاب «مذكرات في النضال الوطني السياسي والدبلوماسي» لعبد الحق التازي، أحد قياديي حزب الاستقلال، إضافة إلى كتاب «خمسة أشهر لدى البيضان»، لكاميلدولز، ترجمة حسن الطالب. وكتاب «مفتاح نظرية السينما: 200 مصطلح». أندريه غاردي وجون بيساليل، ترجمة محمد عبد الفتاح حسان، ونور الدين بوخصيبي، وبوبكر الحيحي. كما جرى تقديم أعمال الشاعر العربي العراقي سعدي يوسف «الحياة في خريطة»، و«دروب الذهب»و «محاولات في العلاقة»، الذي يعتبر مبدعا مثيرا للأسئلة، سواء من جانب ما يقدمه من إبدالات شعرية، أو من حيث آرائه الجريئة، التي طالما خلقت الحدث وشغلت الناس من قبيلة الشعراء. وهو، بين هذا وذاك، شاعر يموضعه النقد الحديث في خانة الشعراء المجددين لآفاق الشعرية العربية.



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».