بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

الاشتراكي اليهودي العجوز الطامع بمفاتيح البيت الأبيض

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز
TT

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

يوم الثلاثاء قبل الماضي، في الانتخابات التمهيدية بولاية نيوهامبشير الأميركية، حقّق السناتور بيرني ساندرز فوزًا ساحقًا على وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. وبدا أنه يهدد فرصتها للترشح باسم الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومن ثم أن تكون، إذا فازت، أول امرأة ترأس الولايات المتحدة. غير أن الوقت ما زال مبكرًا للحسم، فحتى الآن، شهدت ولايتان فقط هما آيوا ونيوهامبشير اختبارات تمهيدية. وتبقى ولايات كثيرة. ثم أنه ما زالت هناك فترة تقارب العشرة أشهر تفصلنا عن يوم الاقتراع الموعود. وحتمًا من الآن، وحتى ذلك الوقت، يمكن أن يحدث أي شيء بالنسبة لأي من المرشحين.
مع هذا، يمثل السناتور ساندرز ظاهرة جديدة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، لجملة من الأسباب، أبرزها:
أولاً: أنه أكبر المرشحين - الديمقراطيين والجمهوريين - سنًا (75 سنة).
ثانيا: أنه وإن لم يكن أول سيناتور مستقل، لكنه أطولهم مدة في شغل المنصب (10 سنوات تقريبًا).
ثالثًا: أنه ليس شخصية وسيمة وأنيقة وذات جاذب تلفزيوني، والشيء نفسه ينطبق على زوجته.
رابعًا: أنه اشتراكي (العضو الوحيد في مجلسي الكونغرس الذي يعلن اشتراكيته صراحة).
خامسًا: أنه يهودي (المرشح الوحيد غير المسيحي بين جميع مرشحي الحزبين).
سادسًا: أنه من ولاية فيرمونت، ثاني أصغر الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (بعد ولاية وايومينغ)، وبالتالي ثاني أقلها وزنًا في الانتخابات.
طبعًا، لا يثار كثيرًا في الحملة الانتخابية موضوع يهوديته. وحتمًا ما كان سيترشح للرئاسة كاشتراكي حتى في ولايته الليبرالية التقدمية. وللعلم، لا يوجد في الولايات المتحدة راهنًا حزب اشتراكي (بعدما حل الحزب نفسه عام 1972). ومع أنه يوجد حزب شيوعي صغير، يُقال إن نصف أعضائه عملاء سرّيون في مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي)، أو جواسيس من اليمين المتطرف.

ولد برنارد «بيرني» ساندرز في عائلة يهودية في مدينة نيويورك عام 1941. كان والداه يهوديين متدينين بولنديين، هاجرا من بولندا إلى أميركا مع بداية الحرب العالمية الثانية، قبل أن يحتل الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر بولندا، ويرسل يهودها إلى أفران الغاز. ووفق التقارير أرسل النازيون إلى أفران الغاز بعض أعمام ساندرز وعماته الذين رفضوا نصائح أخيهم بالهجرة مثله إلى أميركا.
عندما كان ساندرز صغيرًا أرسله والداه إلى مدرسة يهودية مسائية في نيويورك (بالإضافة إلى المدرسة الابتدائية الحكومية). وبعدما أكمل دراسته الثانوية في نيويورك، التحق بكلية بروكلن التابعة لجامعة مدينة نيويورك، ولكنه انتقل منها بعد سنة واحدة إلى جامعة شيكاغو المرموقة، حيث تخرج حاملاً درجة بكالوريوس في العلوم السياسية. وفيها التقى بزوجته الأولى ديبورا شيلينغ التي تزوجها عام 1964 وتطلقا عام 1966 ولم ينجب منها. لكنه أنجب ابنه الوحيد ليفي عام 1969 من صديقته سوزان كامبل موت. وفي عام 1988 تزوّج ثانية، من جين أومارا دريسكول، التي غدت لاحقًا رئيسة كلية بيرلينغتون.
جامعة شيكاغو، لم تعرّف ساندرز على زوجته الأولى فحسب، بل حدثت له هناك ثلاثة أشياء مهمة حددت مسار حياته: أولها، أنه صار زعيمًا طلابيًا إذ فاز برئاسة اتحاد الطلبة. وثانيها، أنه صار صهيونيًا، ومن ثم انتخب رئيسًا لاتحاد الطلبة الصهاينة في الجامعة، وأمضى سنة واحدة متطوعًا في مزرعة جماعية (كيبوتز) في إسرائيل. وثالثها، أنه اعتنق الفكر الاشتراكي. ثم اختير رئيسًا لاتحاد الطلبة الاشتراكيين في الجامعة. ولاحقًا، انضم إلى الحزب الاشتراكي الأميركي (قبل أن يحل نفسه عام 1972). وأيضًا، إبان فترة الجامعة، نشط في صفوف حركة الحقوق المدنية، وسافر إلى ولايات الجنوب للدفاع عن حقوق الزنوج، مع وفود طلابية (كانت غالبيتهم من اليهود).
وعام 1962، قاد ساندرز مظاهرة طالبت باستقالة جورج بيدل، رئيس جامعة شيكاغو، وذلك بسبب سياسة الجامعة العنصرية التي كانت تفصل داخلية الطلاب السود عن داخليات الطلاب البيض. ثم قاد ثلاثين طالبًا احتلوا مكتب مدير الجامعة.
وفي عام 1963، اعتقلته شرطة شيكاغو لقيادته مظاهرة ضد التفرقة العنصرية في مدارس المدينة. وأمضى في السجن يومًا واحدًا، لكن، بعد ذلك، صارت الشرطة تتجسس عليه، وتتابع نشاطاته.
واستمر ساندرز بنشاطاته في هذا الاتجاه، ففي عام 1964، قاد وفدًا طلابيًا من الجامعة توجه إلى العاصمة واشنطن، حيث شاركوا في مظاهرة الحقوق المدنية الشهيرة في واشنطن. وهي التظاهرة التي ألقى فيها مارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الزنوج، خطبته المشهورة «لدي حلم».
بعد ذلك، عام 1968، قاد مظاهرة طلابية ضد التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، وذلك أمام قاعة المؤتمر العام للحزب الديمقراطي (الذي رشّح السناتور جورج ماكغفرن لرئاسة الجمهورية ضد ريتشارد نيكسون) في شيكاغو.
* الناشط المزمن
بعد التخرّج في جامعة شيكاغو، عمل «بيرني» ساندرز في مهن كثيرة، بينها التعليم والنجارة. لكنه قرر عام 1968 مغادرة نيويورك والانتقال للعيش في ولاية فيرمونت الريفية الصغيرة لانجذابه (كما قال ذات يوم) لجمال الريف وسكينته. وبالفعل انتقل إلى مدينة بيرلينغتون الصغيرة التي تعد المدينة الوحيدة من حيث الحجم السكاني في ولاية فيرمونت. وهناك في فيرمونت، امتهن النجارة والكتابة وإنتاج الأفلام والمواد التعليمية وبيعها للمدارس. وواصل كذلك العمل السياسي، ولا سيما قيادة المظاهرات ضد التدخل العسكري الأميركي في فيتنام. وبعد حل الحزب الاشتراكي الأميركي نفسه (عام 1972)، أسّس ساندرز مع آخرين حزب «ليبرتي يونيون» (اتحاد الحرية). وتعاون مع حزب اشتراكي صغير آخر هو «بيبولز بارتي» (حزب الشعب).
وفي عام 1972، عندما كان عمره 31 سنة، ترشح ساندرز لمنصب حاكم فيرمونت، وكان أول مرشح اشتراكي لحكم ولاية في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه خسر. ثم ترشح لشغل معقد فيرمونت الوحيد في مجلس النواب الأميركي، ومجددًا خسر. ثم ترشح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وخسر للمرة الثالثة.
وفي عام 1980، وبسبب هزائمه المتواصلة، ترك حزب «اتحاد الحرية»، وتخلّى عن الحديث الكثير عن «الاشتراكية الأميركية». ومن ثم، ترشح لمنصب عمدة مدينة بيرلينغتون، وهذه المرة فاز بالمنصب، ثم فاز بثلاث دورات متتالية.
طوال هذه الفترة لم يتخلّ ساندرز عن قناعاته الاشتراكية. ومع أنه كان يترشح ويفوز كمستقل كان يكرر أنه اشتراكي. بل إنه خلال تلك السنوات، أسهم في تأسيس تنظيمات اشتراكية صغيرة ظلت هامشية، منها «سيتيزن بارتي» (حزب المواطنين)، و«بروغريسيف كوأوليشن» (التحالف التقدمي).
كذلك، فإنه تحالف مع يساري يهودي آخر يعد من ألمع المثقفين الأميركيين التقدميين، وربما أهمهم في نقد السياسة الخارجية الأميركية هو ناعوم تشومسكي بروفسور الألسنية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) وحتى اليوم. ومثلما انتقد الرجلان معًا بشدة التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، يقودان حاليًا ما يعتبرانه التدخل العسكري الأميركي في الدول العربية والإسلامية.
بعد دخول ساندرز الكونغرس، نائبًا في مجلس النواب عام 1991، فإنه لم يتحدث داخل الكونغرس عن نفسه كاشتراكي، بل كمستقل. غير أنه مع ذلك أسس تحالف «النواب التقدميين» (حسب القاموس السياسي الأميركي، «التقدمي» يميل إلى اليسار أكثر من «الليبرالي»). وخلال ذلك العام عارض ساندرز مشروع قانون الكونغرس الذي منح الرئيس السابق جورج بوش الأب حق إعلان الحرب على العراق (حرب تحرير الكويت). وعام 2003، عارض مشروع قانون الكونغرس الذي منح ابنه الرئيس جورج بوش الابن حق غزو العراق، مع أنه كان قبل ذلك بسنتين، قد أيد بوش الابن في مسألة غزو أفغانستان، وبرّر موقفه بأنه يفعل ذلك للرد على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية.
وبالإضافة إلى ما سبق، صوّت ساندرز في الكونغرس ضد قوانين أخرى، من بينها: قانون «باتريوت» الذي منح الرئيس الأميركي حق الحرب العالمية ضد الإرهاب، وقانون «حماية الولايات المتحدة من الإرهاب» الذي عرقل محاولات الرئيس باراك أوباما لإغلاق سجن غوانتانامو العسكري الأميركي في كوبا، وقانون «حماية النظام الاقتصادي الأميركي» الذي وضعه الكونغرس بعد الكارثة الاقتصادية عام 2008، واعتبر ساندرز أنه يحمي الشركات الرأسمالية.
* محاكمة بوش
في عام 2006، مع تورّط القوات الأميركية في العراق، بدأت حملة أميركية لمحاكمة الرئيس بوش الابن. وانطلقت الحملة من فيرمونت، ولاية ساندرز. ولقد تحالف عُمد ومشرّعون في مدن صغيرة وريفية هناك، ووقّعوا على عريضة تطلب من الكونغرس محاكمة بوش، وخططوا لـ«حملات ريفية» مماثلة في ولايات أخرى. وأيّد ساندرز محاكمة بوش، لكنه قال إنها «مستحيلة» بسبب سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس. ولم تقتصر معارضات ساندرز على المسائل السياسية، بل ركز أكثر على مواضيع اقتصادية. فحتى قبل الكارثة الاقتصادية عام 2008، قاد من داخل الكونغرس حملات متواصلة ضد سيطرة الشركات العملاقة على الاقتصاد الأميركي. ووقف ضد تبرّعات الشركات للمرشحين السياسيين. وضد نقل الشركات مصانعها ومقراتها الرئيسة إلى خارج الولايات المتحدة. وضد ما اعتبره «حرب» الغرفة التجارية الأميركية (من رئاستها في واشنطن) على نقابات العمال.
وعام 2007، قبل الكارثة الاقتصادية بسنة واحدة، تنبأ بأن «الرأسمالية القبيحة» ستقود الولايات المتحدة والعالم إلى «الخراب»، حسب كلامه. ثم عارض منح قروض حكومية (بلغ إجماليها قرابة مليار دولار) للبنوك الأميركية التي أفلست أو كادت تفلس. وتساءل: «لماذا ينقذ دافع الضرائب الأميركي المسكين هذه البنوك العملاقة التي لا تخاف الله؟». كذلك صوّت ساندرز ضد تجديد فترة الآن غرينسبان، رئيس البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي)، كما صوّت ضد تعيين تيموثي غايتنر وزيرًا للخزانة، بحجة أنهما على حد قوله يمثلان «الرأسمالية القبيحة». وهنا نشير إلى أنه خطب ذات مرة لثماني ساعات متواصلة في مجلس الشيوخ ضد «الرأسمالية القبيحة»، وظل يفرق بين «الرأسمالية الإنسانية» و«الرأسمالية القبيحة».
* ساندرز الاشتراكي
وفي العام الماضي، في خطاب أمام طلاب جامعة جورجتاون، في العاصمة واشنطن، وصف ساندرز نفسه بأنه «اشتراكي ديمقراطي»، وأشاد بالأنظمة الاشتراكية الديمقراطية في الدول الإسكندنافية كالسويد والنرويج والدنمارك. وعندما سأله طالب: «عرّف لنا اشتراكيتك»، أجاب: «لا أريد أن تسيطر الحكومة على كل متجر وشركة، بل أريد أن أنصف الطبقة الوسطى التي تخوض، كل يوم، العمل الجاد والشاق، الذي هو سبب تطورنا وتقدمنا. أنا لا أريد إعلان حرب على الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات. لكنني أريد منها أن تنصف الأميركيين. إنها تواصل تصدير المصانع إلى خارج أميركا، وتواصل التهرب من دفع الضرائب المستحقة إلى الخزانة الأميركية». ومن هذه المنطلقات صوّت ضد اتفاقيات «نافتا» (التجارة الحرة مع دول أميركا اللاتينية) و«كافتا» (مع الصين)، و«بانتا» (مع دول حوض المحيط الهادي). وقال إن الكونغرس فعل ذلك بسبب «ضغوط ورشى» قدمتها هذه الشركات. وتابع أن هذه الشركات تريد «استغلال شعوب العالم الثالث» و«تحويل المواطن الأميركي إلى مستهلك، بدلاً من أن يكون منتجًا».
وخلال سنواته في مجلس الشيوخ، قاد سن قوانين ليبرالية، منها «أوباما كير» (التأمين الصحي الشامل) و«ستيودنتز كير» (تخفيض عبء المصاريف الجامعية) و«ماريدج ديفنس» (الدفاع عن الزواج)، وفي المقابل، دافع عن حقوق المثليين والمثليات. وفي العام الماضي، عندما أعلنت المحكمة العليا دستورية زواج المثليين والمثليات، أيدها.
* ... واليهودي
على صعيد آخر، كما يسعى ساندرز لإقناع أميركا بفضائل الاشتراكية من دون أن يقول إنه اشتراكي، فإنه يؤيد إسرائيل تأييدًا قويًا من دون أن يقول إنه صهيوني، أو يركز على يهوديته.
وخلال الشهر الماضي، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا قالت فيه إن ساندرز «لا يؤمن بالمؤسسات الدينية»، ويقول إنه «يهودي علماني»، وإنه «يؤمن بالله، لكن من دون واجبات دينية». ولاحقًا، قال في مقابلة على تلفزيون «إن بي سي»، ردًا على سؤال طرح عليه بهذا الشأن: «أنا هو ما أنا. لست متدينًا لكنني روحاني. روحانيتي هي أننا كلنا روحانيون. لكن، لا يكفي هذا، يجب أن نكون، أيضًا، روحانيين إنسانيين». وفي العام الماضي، عندما زار البابا فرانسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية، الولايات المتحدة رحّب به ساندرز، وقابله واشترك في مناقشات دينية. ومما قاله: «مشكلة الأديان المؤسسة هي أنها تدعو من دون أن تفعل، ولهذا تحولت إلى الروحانية الإنسانية التي لا تدعو لكنها تفعل».
وهكذا، يظل الموضوع الديني يواجه ساندرز في هذه الحملة الانتخابية. ويتوقع أن يقلل التأييد له في ولايات الجنوب (الأكثر تدينًا من ولايته التي اكتسحها في الأسبوع الماضي).
حتى الآن، لم يُثر موضوع يهوديته، وأنه، إذا فاز، سيكون أول رئيس أميركي يهودي. لكن، لا بد أن يثار الموضوع.



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.