بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

الاشتراكي اليهودي العجوز الطامع بمفاتيح البيت الأبيض

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز
TT

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

يوم الثلاثاء قبل الماضي، في الانتخابات التمهيدية بولاية نيوهامبشير الأميركية، حقّق السناتور بيرني ساندرز فوزًا ساحقًا على وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. وبدا أنه يهدد فرصتها للترشح باسم الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومن ثم أن تكون، إذا فازت، أول امرأة ترأس الولايات المتحدة. غير أن الوقت ما زال مبكرًا للحسم، فحتى الآن، شهدت ولايتان فقط هما آيوا ونيوهامبشير اختبارات تمهيدية. وتبقى ولايات كثيرة. ثم أنه ما زالت هناك فترة تقارب العشرة أشهر تفصلنا عن يوم الاقتراع الموعود. وحتمًا من الآن، وحتى ذلك الوقت، يمكن أن يحدث أي شيء بالنسبة لأي من المرشحين.
مع هذا، يمثل السناتور ساندرز ظاهرة جديدة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، لجملة من الأسباب، أبرزها:
أولاً: أنه أكبر المرشحين - الديمقراطيين والجمهوريين - سنًا (75 سنة).
ثانيا: أنه وإن لم يكن أول سيناتور مستقل، لكنه أطولهم مدة في شغل المنصب (10 سنوات تقريبًا).
ثالثًا: أنه ليس شخصية وسيمة وأنيقة وذات جاذب تلفزيوني، والشيء نفسه ينطبق على زوجته.
رابعًا: أنه اشتراكي (العضو الوحيد في مجلسي الكونغرس الذي يعلن اشتراكيته صراحة).
خامسًا: أنه يهودي (المرشح الوحيد غير المسيحي بين جميع مرشحي الحزبين).
سادسًا: أنه من ولاية فيرمونت، ثاني أصغر الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (بعد ولاية وايومينغ)، وبالتالي ثاني أقلها وزنًا في الانتخابات.
طبعًا، لا يثار كثيرًا في الحملة الانتخابية موضوع يهوديته. وحتمًا ما كان سيترشح للرئاسة كاشتراكي حتى في ولايته الليبرالية التقدمية. وللعلم، لا يوجد في الولايات المتحدة راهنًا حزب اشتراكي (بعدما حل الحزب نفسه عام 1972). ومع أنه يوجد حزب شيوعي صغير، يُقال إن نصف أعضائه عملاء سرّيون في مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي)، أو جواسيس من اليمين المتطرف.

ولد برنارد «بيرني» ساندرز في عائلة يهودية في مدينة نيويورك عام 1941. كان والداه يهوديين متدينين بولنديين، هاجرا من بولندا إلى أميركا مع بداية الحرب العالمية الثانية، قبل أن يحتل الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر بولندا، ويرسل يهودها إلى أفران الغاز. ووفق التقارير أرسل النازيون إلى أفران الغاز بعض أعمام ساندرز وعماته الذين رفضوا نصائح أخيهم بالهجرة مثله إلى أميركا.
عندما كان ساندرز صغيرًا أرسله والداه إلى مدرسة يهودية مسائية في نيويورك (بالإضافة إلى المدرسة الابتدائية الحكومية). وبعدما أكمل دراسته الثانوية في نيويورك، التحق بكلية بروكلن التابعة لجامعة مدينة نيويورك، ولكنه انتقل منها بعد سنة واحدة إلى جامعة شيكاغو المرموقة، حيث تخرج حاملاً درجة بكالوريوس في العلوم السياسية. وفيها التقى بزوجته الأولى ديبورا شيلينغ التي تزوجها عام 1964 وتطلقا عام 1966 ولم ينجب منها. لكنه أنجب ابنه الوحيد ليفي عام 1969 من صديقته سوزان كامبل موت. وفي عام 1988 تزوّج ثانية، من جين أومارا دريسكول، التي غدت لاحقًا رئيسة كلية بيرلينغتون.
جامعة شيكاغو، لم تعرّف ساندرز على زوجته الأولى فحسب، بل حدثت له هناك ثلاثة أشياء مهمة حددت مسار حياته: أولها، أنه صار زعيمًا طلابيًا إذ فاز برئاسة اتحاد الطلبة. وثانيها، أنه صار صهيونيًا، ومن ثم انتخب رئيسًا لاتحاد الطلبة الصهاينة في الجامعة، وأمضى سنة واحدة متطوعًا في مزرعة جماعية (كيبوتز) في إسرائيل. وثالثها، أنه اعتنق الفكر الاشتراكي. ثم اختير رئيسًا لاتحاد الطلبة الاشتراكيين في الجامعة. ولاحقًا، انضم إلى الحزب الاشتراكي الأميركي (قبل أن يحل نفسه عام 1972). وأيضًا، إبان فترة الجامعة، نشط في صفوف حركة الحقوق المدنية، وسافر إلى ولايات الجنوب للدفاع عن حقوق الزنوج، مع وفود طلابية (كانت غالبيتهم من اليهود).
وعام 1962، قاد ساندرز مظاهرة طالبت باستقالة جورج بيدل، رئيس جامعة شيكاغو، وذلك بسبب سياسة الجامعة العنصرية التي كانت تفصل داخلية الطلاب السود عن داخليات الطلاب البيض. ثم قاد ثلاثين طالبًا احتلوا مكتب مدير الجامعة.
وفي عام 1963، اعتقلته شرطة شيكاغو لقيادته مظاهرة ضد التفرقة العنصرية في مدارس المدينة. وأمضى في السجن يومًا واحدًا، لكن، بعد ذلك، صارت الشرطة تتجسس عليه، وتتابع نشاطاته.
واستمر ساندرز بنشاطاته في هذا الاتجاه، ففي عام 1964، قاد وفدًا طلابيًا من الجامعة توجه إلى العاصمة واشنطن، حيث شاركوا في مظاهرة الحقوق المدنية الشهيرة في واشنطن. وهي التظاهرة التي ألقى فيها مارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الزنوج، خطبته المشهورة «لدي حلم».
بعد ذلك، عام 1968، قاد مظاهرة طلابية ضد التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، وذلك أمام قاعة المؤتمر العام للحزب الديمقراطي (الذي رشّح السناتور جورج ماكغفرن لرئاسة الجمهورية ضد ريتشارد نيكسون) في شيكاغو.
* الناشط المزمن
بعد التخرّج في جامعة شيكاغو، عمل «بيرني» ساندرز في مهن كثيرة، بينها التعليم والنجارة. لكنه قرر عام 1968 مغادرة نيويورك والانتقال للعيش في ولاية فيرمونت الريفية الصغيرة لانجذابه (كما قال ذات يوم) لجمال الريف وسكينته. وبالفعل انتقل إلى مدينة بيرلينغتون الصغيرة التي تعد المدينة الوحيدة من حيث الحجم السكاني في ولاية فيرمونت. وهناك في فيرمونت، امتهن النجارة والكتابة وإنتاج الأفلام والمواد التعليمية وبيعها للمدارس. وواصل كذلك العمل السياسي، ولا سيما قيادة المظاهرات ضد التدخل العسكري الأميركي في فيتنام. وبعد حل الحزب الاشتراكي الأميركي نفسه (عام 1972)، أسّس ساندرز مع آخرين حزب «ليبرتي يونيون» (اتحاد الحرية). وتعاون مع حزب اشتراكي صغير آخر هو «بيبولز بارتي» (حزب الشعب).
وفي عام 1972، عندما كان عمره 31 سنة، ترشح ساندرز لمنصب حاكم فيرمونت، وكان أول مرشح اشتراكي لحكم ولاية في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه خسر. ثم ترشح لشغل معقد فيرمونت الوحيد في مجلس النواب الأميركي، ومجددًا خسر. ثم ترشح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وخسر للمرة الثالثة.
وفي عام 1980، وبسبب هزائمه المتواصلة، ترك حزب «اتحاد الحرية»، وتخلّى عن الحديث الكثير عن «الاشتراكية الأميركية». ومن ثم، ترشح لمنصب عمدة مدينة بيرلينغتون، وهذه المرة فاز بالمنصب، ثم فاز بثلاث دورات متتالية.
طوال هذه الفترة لم يتخلّ ساندرز عن قناعاته الاشتراكية. ومع أنه كان يترشح ويفوز كمستقل كان يكرر أنه اشتراكي. بل إنه خلال تلك السنوات، أسهم في تأسيس تنظيمات اشتراكية صغيرة ظلت هامشية، منها «سيتيزن بارتي» (حزب المواطنين)، و«بروغريسيف كوأوليشن» (التحالف التقدمي).
كذلك، فإنه تحالف مع يساري يهودي آخر يعد من ألمع المثقفين الأميركيين التقدميين، وربما أهمهم في نقد السياسة الخارجية الأميركية هو ناعوم تشومسكي بروفسور الألسنية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) وحتى اليوم. ومثلما انتقد الرجلان معًا بشدة التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، يقودان حاليًا ما يعتبرانه التدخل العسكري الأميركي في الدول العربية والإسلامية.
بعد دخول ساندرز الكونغرس، نائبًا في مجلس النواب عام 1991، فإنه لم يتحدث داخل الكونغرس عن نفسه كاشتراكي، بل كمستقل. غير أنه مع ذلك أسس تحالف «النواب التقدميين» (حسب القاموس السياسي الأميركي، «التقدمي» يميل إلى اليسار أكثر من «الليبرالي»). وخلال ذلك العام عارض ساندرز مشروع قانون الكونغرس الذي منح الرئيس السابق جورج بوش الأب حق إعلان الحرب على العراق (حرب تحرير الكويت). وعام 2003، عارض مشروع قانون الكونغرس الذي منح ابنه الرئيس جورج بوش الابن حق غزو العراق، مع أنه كان قبل ذلك بسنتين، قد أيد بوش الابن في مسألة غزو أفغانستان، وبرّر موقفه بأنه يفعل ذلك للرد على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية.
وبالإضافة إلى ما سبق، صوّت ساندرز في الكونغرس ضد قوانين أخرى، من بينها: قانون «باتريوت» الذي منح الرئيس الأميركي حق الحرب العالمية ضد الإرهاب، وقانون «حماية الولايات المتحدة من الإرهاب» الذي عرقل محاولات الرئيس باراك أوباما لإغلاق سجن غوانتانامو العسكري الأميركي في كوبا، وقانون «حماية النظام الاقتصادي الأميركي» الذي وضعه الكونغرس بعد الكارثة الاقتصادية عام 2008، واعتبر ساندرز أنه يحمي الشركات الرأسمالية.
* محاكمة بوش
في عام 2006، مع تورّط القوات الأميركية في العراق، بدأت حملة أميركية لمحاكمة الرئيس بوش الابن. وانطلقت الحملة من فيرمونت، ولاية ساندرز. ولقد تحالف عُمد ومشرّعون في مدن صغيرة وريفية هناك، ووقّعوا على عريضة تطلب من الكونغرس محاكمة بوش، وخططوا لـ«حملات ريفية» مماثلة في ولايات أخرى. وأيّد ساندرز محاكمة بوش، لكنه قال إنها «مستحيلة» بسبب سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس. ولم تقتصر معارضات ساندرز على المسائل السياسية، بل ركز أكثر على مواضيع اقتصادية. فحتى قبل الكارثة الاقتصادية عام 2008، قاد من داخل الكونغرس حملات متواصلة ضد سيطرة الشركات العملاقة على الاقتصاد الأميركي. ووقف ضد تبرّعات الشركات للمرشحين السياسيين. وضد نقل الشركات مصانعها ومقراتها الرئيسة إلى خارج الولايات المتحدة. وضد ما اعتبره «حرب» الغرفة التجارية الأميركية (من رئاستها في واشنطن) على نقابات العمال.
وعام 2007، قبل الكارثة الاقتصادية بسنة واحدة، تنبأ بأن «الرأسمالية القبيحة» ستقود الولايات المتحدة والعالم إلى «الخراب»، حسب كلامه. ثم عارض منح قروض حكومية (بلغ إجماليها قرابة مليار دولار) للبنوك الأميركية التي أفلست أو كادت تفلس. وتساءل: «لماذا ينقذ دافع الضرائب الأميركي المسكين هذه البنوك العملاقة التي لا تخاف الله؟». كذلك صوّت ساندرز ضد تجديد فترة الآن غرينسبان، رئيس البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي)، كما صوّت ضد تعيين تيموثي غايتنر وزيرًا للخزانة، بحجة أنهما على حد قوله يمثلان «الرأسمالية القبيحة». وهنا نشير إلى أنه خطب ذات مرة لثماني ساعات متواصلة في مجلس الشيوخ ضد «الرأسمالية القبيحة»، وظل يفرق بين «الرأسمالية الإنسانية» و«الرأسمالية القبيحة».
* ساندرز الاشتراكي
وفي العام الماضي، في خطاب أمام طلاب جامعة جورجتاون، في العاصمة واشنطن، وصف ساندرز نفسه بأنه «اشتراكي ديمقراطي»، وأشاد بالأنظمة الاشتراكية الديمقراطية في الدول الإسكندنافية كالسويد والنرويج والدنمارك. وعندما سأله طالب: «عرّف لنا اشتراكيتك»، أجاب: «لا أريد أن تسيطر الحكومة على كل متجر وشركة، بل أريد أن أنصف الطبقة الوسطى التي تخوض، كل يوم، العمل الجاد والشاق، الذي هو سبب تطورنا وتقدمنا. أنا لا أريد إعلان حرب على الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات. لكنني أريد منها أن تنصف الأميركيين. إنها تواصل تصدير المصانع إلى خارج أميركا، وتواصل التهرب من دفع الضرائب المستحقة إلى الخزانة الأميركية». ومن هذه المنطلقات صوّت ضد اتفاقيات «نافتا» (التجارة الحرة مع دول أميركا اللاتينية) و«كافتا» (مع الصين)، و«بانتا» (مع دول حوض المحيط الهادي). وقال إن الكونغرس فعل ذلك بسبب «ضغوط ورشى» قدمتها هذه الشركات. وتابع أن هذه الشركات تريد «استغلال شعوب العالم الثالث» و«تحويل المواطن الأميركي إلى مستهلك، بدلاً من أن يكون منتجًا».
وخلال سنواته في مجلس الشيوخ، قاد سن قوانين ليبرالية، منها «أوباما كير» (التأمين الصحي الشامل) و«ستيودنتز كير» (تخفيض عبء المصاريف الجامعية) و«ماريدج ديفنس» (الدفاع عن الزواج)، وفي المقابل، دافع عن حقوق المثليين والمثليات. وفي العام الماضي، عندما أعلنت المحكمة العليا دستورية زواج المثليين والمثليات، أيدها.
* ... واليهودي
على صعيد آخر، كما يسعى ساندرز لإقناع أميركا بفضائل الاشتراكية من دون أن يقول إنه اشتراكي، فإنه يؤيد إسرائيل تأييدًا قويًا من دون أن يقول إنه صهيوني، أو يركز على يهوديته.
وخلال الشهر الماضي، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا قالت فيه إن ساندرز «لا يؤمن بالمؤسسات الدينية»، ويقول إنه «يهودي علماني»، وإنه «يؤمن بالله، لكن من دون واجبات دينية». ولاحقًا، قال في مقابلة على تلفزيون «إن بي سي»، ردًا على سؤال طرح عليه بهذا الشأن: «أنا هو ما أنا. لست متدينًا لكنني روحاني. روحانيتي هي أننا كلنا روحانيون. لكن، لا يكفي هذا، يجب أن نكون، أيضًا، روحانيين إنسانيين». وفي العام الماضي، عندما زار البابا فرانسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية، الولايات المتحدة رحّب به ساندرز، وقابله واشترك في مناقشات دينية. ومما قاله: «مشكلة الأديان المؤسسة هي أنها تدعو من دون أن تفعل، ولهذا تحولت إلى الروحانية الإنسانية التي لا تدعو لكنها تفعل».
وهكذا، يظل الموضوع الديني يواجه ساندرز في هذه الحملة الانتخابية. ويتوقع أن يقلل التأييد له في ولايات الجنوب (الأكثر تدينًا من ولايته التي اكتسحها في الأسبوع الماضي).
حتى الآن، لم يُثر موضوع يهوديته، وأنه، إذا فاز، سيكون أول رئيس أميركي يهودي. لكن، لا بد أن يثار الموضوع.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.