تفرض كوبا، التي بقيت منبوذة من الأسرة الدولية لفترة طويلة من الزمن، نفسها اليوم باعتبارها بلدا مهمّا على الصعيد الدولي، وذلك من خلال نجاحها في استئناف علاقاتها مع الجارة الأميركية، والعمل من أجل الحوار بين الحكومة والمتمردين في كولومبيا، واستضافة تقارب تاريخي بين الكنيستين الشرقية والغربية. وهذا التغيير يتصل، حسب عدد من الخبراء، بسوابق الجزيرة التي كانت تنوي تصدير ثورة كاسترو، وإقامة علاقات صداقة مع البلدان والمنظمات التي يكرهها الغرب.
وحول هذا التوجه الجديد في سياسة كوبا يقول ارتورو لوبيز ليفي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة (تكساس ريو غراندي فالي) بالولايات المتحدة: «من دولة معزولة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وعازمة على تغيير التوازن الدولي، كونت كوبا عن نفسها صورة بلد يشهد تحولات، ويقيم علاقات تعاون وحوار» مع بعض البلدان، مضيفا في هذا السياق أن «الحكومة الكولومبية والفاتيكان تريدان الاستفادة من نفوذ كوبا لدى خصومهما، كالتمرد الماركسي للقوات المسلحة الثورية في كولومبيا أو الكرملين». يضاف إلى كل هذه الإيجابيات أن نظام كاسترو الذي ألهم الحركات اليسارية المتمردة في السبعينات وتحالف معها بدأ يستضيف منذ ثلاث سنوات محادثات سلام بين القوات المسلحة الثورية في كولومبيا والحكومة المحافظة. ويمكن أن تسفر هذه العملية عن نتيجة مهمة خلال في الأسابيع المقبلة، ما سيجعل من حكومة راول كاسترو ضامنا فعليا إلى جانب النرويج، المعروفة بدبلوماسيتها النوعية.
والجمعة الماضي قامت هافانا بخطوة ناجحة عندما قدمت نفسها كأرض محايدة لرأسي الكنيسة الكاثوليكية وأكبر الكنائس الأرثوذكسية، وذلك للمرة الأولى منذ الانفصال بين مسيحيي الشرق والغرب في 1054. وبذلك وجد راول كاسترو، الذي يعلن صراحة عن إلحاده، نفسه أيضًا في وسط الأحداث الدولية من خلال توسطه بين البابا فرنسيس وبطريرك موسكو، وعموم الروس الأرثوذكس كيريلوس، المقرب من موسكو.
في هذا الصدد يؤكد بريان فونسيكا، المحلل ومدير مؤسسة جايك غوردن في فلوريدا، إن «كوبا هي مسرح لحدثين بالغي الأهمية... وهذا ما سيزيد على الأرجح من شرعية دور راول كاسترو باعتباره وسيطا حول المسائل الدولية».
إضافة إلى هذا الدور الحيوي، فقد أصبح راول كاسترو بعدما وضع بلاده على طريق الإصلاح الاقتصادي، مهندس التقارب الكبير مع الولايات المتحدة، العدو اللدود لكوبا منذ أيام الحرب الباردة، وذلك من خلال إجراء مشاورات مع باراك أوباما. لكن التغيير اللافت للنظر كان إعادة الحوار بين النظام الشيوعي والكنيسة بعد سنوات من النزاع المفتوح، وإلحاد أدرج في الدستور من 1976 إلى 1992.
لكن لوبيز - ليفي قال إن ذلك يعد «أحد الأسرار المحفوظة حول التغييرات في كوبا. فهذا البلد لم يعد هو نفس البلد، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل على الصعيد السياسي أيضًا (حيال الكنيسة). وقد أتاح هذا الانفتاح للبلاد أن تستقبل ثلاثة باباوات، والبطريرك الأرثوذكسي الروسي، ورؤساء بروتستانت ومسلمين، وحتى الحاخام الأكبر لإسرائيل». وفي هذا السياق قال البابا فرنسيس لدى توقفه الجمعة في هافانا إنه «إذا استمر ذلك على هذا المنوال فستكون كوبا عاصمة الوحدة».
وحسب مراقبين للشأن السياسي في كوبا، فقد أثار راول كاسترو بإصلاحاته حماسا في الخارج، يفوق الحماس في الداخل، حيث الانفتاح السياسي ما زال ينتظر، بينما يواجه المستوى المعيشي للأكثرية ركودا بسبب الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة منذ 1962. وإذا أسفرت الإنجازات السياسية عن تلميع صورة البلاد فقد ينجم عنها تأثير غير مرغوب فيه لدى الذين يأملون في حصول تغيير في الداخل، كما قال سيباستيان آركوس من معهد البحوث الدولية حول كوبا في فلوريدا، مضيفا: «يتبين مما شهدناه العام الماضي هو أنه كلما حققت هافانا إنجازات دبلوماسية توقفت الإصلاحات الداخلية».
11:8 دقيقه
كوبا.. من بلد منبوذ من العالم إلى ملتقى للانفتاح والوحدة
https://aawsat.com/home/article/570706/%D9%83%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D9%84%D8%AF-%D9%85%D9%86%D8%A8%D9%88%D8%B0-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9
كوبا.. من بلد منبوذ من العالم إلى ملتقى للانفتاح والوحدة
نجحت في التوسط بين الفرقاء في كولومبيا.. واستضاف تقاربا تاريخيا بين الكنيستين الشرقية والغربية
كوبا.. من بلد منبوذ من العالم إلى ملتقى للانفتاح والوحدة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
