مخاوف حول جاذبية هونغ كونغ الاستثمارية بفعل «سطوة» بكين

يتمتع الإقليم بحكم ذاتي لكن هناك تزايدًا في الاحتجاج فيه ضد ازدياد التدخل الصيني

مخاوف حول جاذبية هونغ كونغ الاستثمارية بفعل «سطوة» بكين
TT

مخاوف حول جاذبية هونغ كونغ الاستثمارية بفعل «سطوة» بكين

مخاوف حول جاذبية هونغ كونغ الاستثمارية بفعل «سطوة» بكين

في خضم الخلاف الدائر بين السلطة المركزية الصينية في بكين وجزيرة هونغ كونغ على ملفات اقتصادية واستثمارية بالغة الأهمية، أعلن بنك «إتش إس بي سي»، أحد أكبر المصارف العالمية، الذي كان مقر انطلاقه في هونغ كونغ، الإبقاء على مقره الرئيسي في العاصمة البريطانية لندن، لينهي بذلك 10 أشهر من المداولات حول نقل المقر.
ويمثل قرار البنك بالبقاء في لندن، وما يجري تداوله حول المخاوف من سطوة حكومة بكين على الاقتصاد في هونغ كونغ، ضربة قوية للاقتصاد الصيني الذي يشهد صراعا داخليا بين بكين وهونغ كونغ، الذي ربما يفتح الباب واسعا أمام احتمالين يهددان ثاني أكبر اقتصاد في العالم في حال عدم التوصل إلى حلول مرضية، وهما إما أن تضع هونغ كونغ العاصمة بكين أمام سياسة الأمر الواقع بإعلان استقلاليتها وتخارجها اقتصاديا - ولو من حيث القوانين واللوائح - حفاظا على استثماراتها، أو أن تتجه السلطة المحلية والمستثمرون في هونغ كونغ إلى «معاقبة» بكين للتوجه الجماعي إلى إنشاء مقرات رئيسية خارج الصين، ما يعفيها من القوانين المحلية.
ورغم ترجيح بعض المحللين أن تحرك بنك «إتش إس بي سي» إلى هونغ كونغ قد يوفر ما يقرب من 14 مليار دولار، يرى آخرون أن وجود البنك في لندن يدعم البنك باحترام دولي خاصة مع الأطر التنظيمية والنظام القانوني وخبرة التعامل مع الشؤون الدولية المعقدة.
ويرى لوكي كريستيان، الخبير المصرفي ببنك ستاندرد تشارتر، أن قرار البنك «سياسي»، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن القرار استغرق كثيرا من الوقت للبت فيه (منذ نهاية العام الماضي)، ما يعكس حالة التوافق بين الحكومة وإدارة البنك، والهبوط الموازي لجاذبية الاستثمار في هونغ كونغ، خاصة مع مؤسسة بحجم إتش إس بي سي. مرجحا أن يرحل كل من دوغلاس فلينت رئيس مجموعة إتش إس بي سي، ورئيسها التنفيذي ستيوارت جاليفر، خاصة بعد استقرار مجلس الإدارة على ذلك القرار.
وتتمتع هونغ كونغ بدرجة عالية من الحكم الذاتي بعيدًا عن الصين في ظل «دولة واحدة ونظامين» ولكن مواطنيها الذين يقدر عددهم بنحو 7 ملايين شخص، يحتجون منذ فترة طويلة ضد ارتفاع التدخل الصيني، وبلغت ذروتها في استمرار المظاهرات في الشوارع على مدى ثلاثة أشهر تقريبا في عام 2014، عُرفت باسم «ثورة المظلات»، التي جاءت للمطالبة بمزيد من الإصلاحات الديمقراطية وإجراء انتخابات نزيهة لرئاسة الإقليم.
وترتفع حركة المظاهرات حاليًا، للاحتجاج على سياسة الحكومة المتبنية للمشاريع الكبرى التي تعتبر مكلفة بشكل مفرط، خصوصا على مشروع شق طريق سريع يربط هونغ كونغ ببقية الصين والذي تصل تكلفته المقدرة حاليا بنحو 11 مليار دولار. كذلك يُريد المواطنون رواتب تقاعد للجميع. ولا تزال المشاعر السلبية كبيرة لدى سكان هونغ كونغ بعد المظاهرات الكثيفة المنادية بالديمقراطية في 2014 التي لم تؤد إلى أي تنازل من جانب الحكومة.
وتمر هونغ كونغ بفترة سياسية تعتبر الأكثر اضطرابا منذ أن أعاد البريطانيون المنطقة إلى الصين في عام 1997، وفشل المشرعون في مايو (أيار) الماضي في إقناع الصين بالسماح بانتخابات ديمقراطية بشكل كامل لاختيار الرئيس القادم للسلطة التنفيذية في هونغ كونغ في 2017.
وتعتبر هونغ كونغ، إحدى المنطقتين الإداريتين التابعتين لجمهورية الصين الشعبية، واحدة من أهم المراكز الاقتصادية الرائدة في العالم، وتعد عملة المدينة - دولار هونغ كونغ - العملة الثامنة الأكثر تداولا على مستوى العالم. وتعتبر واحدة من دول النمور الآسيوية الأربعة - تايوان وسنغافورة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية - التي تحولت إلى دول متقدمة بمجيء القرن الحادي والعشرين لتحقيقها معدلات عالية من النمو الاقتصادي والتصنيع السريع. ويعتمد اقتصاد هونغ كونغ على الموارد الصناعية مثل صناعة الألمونيوم والبلاستيك، والإلكترونيات والكهربائيات، والملابس والنسيج، إضافة إلى خدمات السياحة والترفية والصيرفة والنقل البحري، إذ تشتهر بموانئها العميقة.
وانطلاقًا من دور هونغ كونغ الحاسم في ربط الصين مع بقية العالم، تُحاول الحكومة المركزية في الصين جعل هونغ كونغ منطقة متكاملة تماما في «حزام واحد، شارع واحد» لتمكين الصين من توسيع نفوذها، في المقام الأول في من خلال التنمية الاقتصادية في المناطق الواقعة على طول طريق الحرير القديم.
فهونغ كونغ «منسق سوبر» لكونها مركزًا للعبور، ومنطقة تجارية خاصة في ربط الصين مع العالم. ومع صعود طوكيو وسنغافورة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، لم تعد هونغ كونغ وحدها مركزا تجاريا وميناءً للشحن في آسيا، ولكن ظلت ميناءً أساسيا في المنطقة. وتمثل الشركات المتعلقة بحقوق الملكية نحو خمس الناتج الاقتصادي في المدينة، وتمثل عنصرا رئيسيا من عناصر الثروة الفردية، وفقا لوكالة فيتش.
ورغم ارتفاع الصراع السياسي والسخط المدني، تحتل هونغ كونغ المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 22 على التوالي، ويتكون من عدد من الأركان الرئيسية - سيادة القانون والحكومة والكفاءة التنظيمية والأسواق المفتوحة وحرية ممارسة أنشطة الأعمال وحرية التعبير وقوانين العمالة. وتتميز هونغ كونغ كذلك بمراتب دولية متقدمة في مجالات كثيرة أخرى، مثل جودة الحياة ومكافحة الفساد والتنمية البشرية وغيرها.
كذلك رغم تراجع الصفقات العقارية 12 في المائة في هونغ كونغ العام الماضي، مما يؤكد المخاوف بشأن التباطؤ الاقتصادي في المركز المالي الأهم لآسيا، لا تزال أسعار العقارات في هونغ كونغ من بين أعلى المعدلات في العالم، رغم أنها قد تراجعت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، ويتوقع المحللون المزيد من التراجع هذا العام.
وبحسب المسح الذي أجرته مؤسسة «ديموجرافيا» الموجودة في أميركا فإن سعر الشقة العادية في هونغ كونغ عادل 19 ضعف إجمالي الأجر السنوي للشخص العادي في المدينة خلال العام الماضي مقابل 17 ضعفًا في 2014، وتوقع بنك الاستثمار UBS في وقت سابق من الشهر الماضي أن أسعار المساكن في هونغ كونغ ستنخفض بمقدار الربع بحلول نهاية عام 2017.
وتُظهر سوق العقارات في هونغ كونغ علامات ضعف وسط إمدادات ارتفاع أسعار المنازل، وارتفاع أسعار الفائدة على المدى القصير وتباطؤ النمو في الصين. وانخفضت أسعار المنازل بنسبة 10 في المائة منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، وتراجعت المبيعات الشهرية في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى أدنى مستوى له منذ عام 1991 على الأقل، وفقا لوكالة Centaline، وسط تصاعد في معدلات الرهن العقاري والطلب الضعيف للعقارات الجديدة خلال هذا الشهر.
وبعدما اعتمد نمو اقتصاد هونغ كونغ على السياح الوافدين من الصين على مدى السنوات العشر الماضية، بدأ الإقليم في الاعتماد على شركات «البر الرئيسي» للنمو في المستقبل. وقال أندرو مور، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس في مجموعة «Pamfleet» في هونغ كونغ، إن الأثر الإيجابي من وصول السياح الصينيين إلى هونغ كونغ قد تراجع بسبب ارتفاع الصراعات بين سكان هونغ كونغ والمسافرين.
ومع ذلك، لا يزال مور متفائلا بشأن مستقبل هونغ كونغ، ولكن في هذه المرة سيقود النمو شركات «البر الرئيسي»، وهو مصطلح يشمل المناطق التي تديرها جمهورية الصين الشعبية، والتي تقوم بإعداد مكاتب في هونغ كونغ. وستركز شركات البر الرئيسي في البداية على منطقة الأعمال المركزية.

* الوحدة الاقتصادية بـ«الشرق الأوسط»



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.