بوتين يشيد بـ«تعاون» الأسد.. ويطالب بإشراك إندونيسيا في «جنيف 2»

ترقب غربي لموقف إيراني إيجابي حول سوريا.. ولندن تبدأ ترميم علاقتها مع طهران

إحدى سيارات فريق التفتيش الدولي عن الأسلحة الكيماوية السورية مركونة عند مدخل فندق بدمشق أمس (رويترز)
إحدى سيارات فريق التفتيش الدولي عن الأسلحة الكيماوية السورية مركونة عند مدخل فندق بدمشق أمس (رويترز)
TT

بوتين يشيد بـ«تعاون» الأسد.. ويطالب بإشراك إندونيسيا في «جنيف 2»

إحدى سيارات فريق التفتيش الدولي عن الأسلحة الكيماوية السورية مركونة عند مدخل فندق بدمشق أمس (رويترز)
إحدى سيارات فريق التفتيش الدولي عن الأسلحة الكيماوية السورية مركونة عند مدخل فندق بدمشق أمس (رويترز)

بعد إقرار الأمم المتحدة بأن سوريا تتعاون مع المفتشين الدوليين في عملية تدمير ترسانة أسلحتها الكيماوية، أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس، بـ«تعاون» نظام الرئيس السوري بشار الأسد في عملية تفكيك الأسلحة الكيماوية السورية، وعبر عن قناعته بأن تدمير الأسلحة الكيماوية السورية ممكن تحقيقه خلال عام. وبوتين دعا دولا مثل إندونيسيا إلى المشاركة في مؤتمر «جنيف 2» للسلام في سوريا. وجاء ذلك بينما أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إرسال فريق ثان من المفتشين إلى سوريا، غداة توصية من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بزيادة عدد أفراد البعثة المكلفة الإشراف على عملية تدمير الترسانة السورية إلى مائة. وأمام منظمة حظر نشر الأسلحة الكيماوية والحكومة السورية مهمة لرسم جدول زمني وخطة مفصلة لتفكيك ترسانة سوريا من الأسلحة الكيماوية بحلول منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، مما يستوجب زيادة عدد المفتشين، بالإضافة إلى بحث سبل تمويل عملية التفكيك.
وقال بوتين، على هامش قمة آسيا - المحيط الهادئ في بالي، أمس، إن «القيادة السورية تعمل بشكل ناشط وبصورة شفافة جدا وتساعد الهيئات الدولية»، معربا عن أمله «أن يستمر هذا العمل بالوتيرة نفسها وبالطريقة ذاتها».
وكانت موسكو، حليفة الأسد، وراء اقتراح تفكيك الترسانة الكيماوية السورية في سبتمبر (أيلول)، مما أبعد في اللحظة الأخيرة تهديد توجيه الغربيين ضربات عسكرية إلى سوريا بعد مجزرة وقعت في ريف دمشق استخدمت فيها الأسلحة الكيماوية.
وقال بوتين بعد لقائه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إن روسيا والولايات المتحدة متفقتان بشأن كيفية إزالة الأسلحة الكيماوية في سوريا. وأضاف بوتين: «لدينا تفاهم مشترك بشأن ما يلزم اتخاذه وكيفية القيام بذلك. أنا سعيد للغاية لأن الرئيس (باراك) أوباما يتخذ مثل هذا الموقف» (فيما يتعلق بالأسلحة الكيماوية).
وعبر عن قناعته بأن خبراء الأسلحة الكيماوية الذين وصلوا إلى سوريا في وقت سابق الشهر الحالي سيتمكنون من تحقيق هدفهم في تجريد سوريا من أسلحتها الكيماوية خلال عام. وأضاف: «نحن والأميركيون والمجتمع الدولي كله نثق بهم. إذا قالوا إن هذا (تجريد سوريا من أسلحتها) ممكن في عام فهذا ما سيحدث»، حسبما أوردته وكالة «رويترز».
واقترح بوتين أيضا دعوة بلدان غالبية سكانها من المسلمين، مثل إندونيسيا، إلى مؤتمر «جنيف 2» للسلام. وقال بوتين كما أوردت وكالة إيتار - تاس»: «الأولوية اليوم ليست فقط لتدمير الأسلحة الكيماوية، بل أيضا لعودة عملية السلام بين كافة الأطراف المتنازعة في جنيف». وأضاف: «نعتبر أنه من الممكن توسيع عدد المشاركين ليشمل دولا إسلامية كبرى مثل إندونيسيا». ويذكر أن هناك تحركا لعقد مؤتمر «جنيف 2» بحلول منتصف نوفمبر المقبل، إلا أنه حتى الآن لم يجر الاتفاق على هذا الموعد. كما أن الأمم المتحدة هي المسؤولة عن الدعوات الرسمية للمؤتمر.
وبحسب وكالة «إنترفاكس»، قال بوتين إن الخلافات مع الولايات المتحدة حول طريقة تسوية الأزمة السورية لم تكن سوى «تكتيكية». وأضاف: «لا تريد الولايات المتحدة أن يصل تنظيم القاعدة إلى الحكم في سوريا أليس كذلك؟ ولا نريد ذلك أيضا. لدينا أهداف مشتركة».
وكانت الولايات المتحدة أعلنت مساء أول من أمس أنها ستكون أكثر استعدادا لمشاركة إيران في مؤتمر «جنيف 2» إذا أيدت طهران علانية «بيان جنيف 1» الذي يطالب بتشكيل حكومة انتقالية في سوريا. وهذا هو الموقف الغربي كما هو موقف الأمم المتحدة فيما يخص إمكانية دعوة إيران إلى مؤتمر «جنيف 2»؛ أي التركيز على أن أي مشاركين يجب أن يكونوا ملتزمين بـ«بيان جنيف 1» الصادر في 30 يونيو (حزيران) 2012 الذي سعى إلى رسم طريق للتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع. ووافقت قوى كبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا ودول الخليج والعراق، على «بيان جنيف 1»، ولكن لم توافق عليه إيران لعدم دعوتها لحضور المحادثات. وأشارت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قرار دعوة إيران لم يحسم بعد بسبب «الضبابية» في موقفها تجاه «بيان جنيف» وعدم التزامها بتطبيقه. ويعتبر هذا شرط أساسي في دعوة إيران أو أي دولة أخرى للمؤتمر المزمع.
واتفقت روسيا والولايات المتحدة في مايو (أيار) على محاولة عقد مؤتمر «جنيف 2» لتنفيذ الاتفاق الذي يطالب بسلطة حاكمة انتقالية تتولى مهام الحكم في سوريا، لكنهما لم تتطرقا إلى مسألة بقاء أو رحيل الأسد عن السلطة.
وجاء في الاتفاق أن مثل هذه الحكومة الانتقالية يجب أن تختارها حكومة دمشق والمعارضة بالتراضي فيما بينهما وهو ما يستبعد فعليا - كما تقول الولايات المتحدة - بقاء الأسد في السلطة.
وقالت ماري هارف، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، أول من أمس، إن الولايات المتحدة قد تكون أكثر ميلا إزاء مشاركة إيران في مؤتمر «جنيف 2» إذا أيدت طهران بيان مؤتمر «جنيف 1»، وقالت: «كنا واضحين في مرات كثيرة بشأن دور إيران الهدام في الأزمة السورية وننتظر من أي طرف يود إدراجه في مؤتمر (جنيف 2) أن يقبل ويؤيد علانية بيان جنيف».
ومن جهة أخرى، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التي تتخذ من لاهاي مقرا أمس، أن «فريقا ثانيا سيكمل فريق الاستطلاع المؤلف من خبراء من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية والموجود في سوريا منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) لأنشطة التحقق والتدمير». وقال أحمد أوزموجو، مدير المنظمة، في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إن «هذه التطورات تمثل بداية بناءة، ومع ذلك ستكون العملية طويلة وصعبة». وأضاف أنه سيوقع قريبا على اتفاق تكميلي بين المنظمة والأمم المتحدة لتسهيل توفير الأمن والدعم اللوجيستي من قبل الأمم المتحدة لفريق التفتيش المشترك. وشكر العروض السخية من جانب الدول الأعضاء في المنظمة لتسهيل مهمتها في سوريا، وخص بالشكر ألمانيا وإيطاليا لتوفير وسائل النقل لفريق التفتيش الدولي.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أوصى في تقرير رفعه أول من أمس إلى مجلس الأمن الدولي بإنشاء بعثة مشتركة هي الأولى من نوعها بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية لتتابع الإشراف على عملية تفكيك تلك الأسلحة. وستكون قاعدة البعثة العملانية في دمشق وقاعدتها الخلفية في قبرص، بقيادة منسق مدني خاص.
وسيكون هدفها «تنفيذ أول مهمة من هذا النوع في تاريخ المنظمتين»، كما قال بان كي مون من دون أن يخفي المخاطر التي تنتظر أعضاء البعثة، مشيرا إلى أن «البعثة ستضطر لعبور خطوط جبهة وفي بعض الحالات الأراضي التي تسيطر عليها مجموعات مسلحة رافضة لهذه البعثة المشتركة».
كما أوصى بأن تتألف البعثة من مائة خبير في الشؤون اللوجيستية والعلمية والأمنية. وقال إن عمليات التخلص من الأسلحة الكيماوية السورية ستجري على ثلاث مراحل؛ بدأت الأولى منها، وستتضمن المرحلة الثانية تدمير الأسلحة الكيماوية ومعدات الخلط، أما المرحلة الثالثة سيجري فيها التحقق من التخلص الكامل من البرنامج السوري ومراقبة ذلك.
ويذكر أنه منذ هجوم 21 أغسطس (آب) الماضي على الغوطة الشرقية، لم تسجل أي حالات جديدة لدى المنظمة الدولية باستخدام الكيماوي في سوريا. وهناك حرص من منظمة حظر السلاح الكيماوي على رصد جميع الأسلحة الكيماوية في سوريا خلال الأسابيع المقبلة من أجل التأكد من عدم استخدامها.
وهناك جدول زمني محدد لعملية تدمير الأسلحة الكيماوية السورية، أبرزها موعد 1 نوفمبر المقبل للانتهاء من تدمير أجهزة تعبئة وخلط وإنتاج الأسلحة الكيماوية السورية. وتعتبر هذه العملية سهلة نسبيا، إذ لا تستوجب العمل مع مواد كيماوية تحديدا، بل العمل على تدمير المعدات المستخدمة للبرنامج الكيماوي. ولكن العملية التي لم تتضح بعد هي كيفية تدمير المواد الكيماوية وإذا كانت العملية ستجري كلها داخل سوريا، أم تنقل بعض المواد خارج البلاد لتأمينها بسبب الصراع المسلح. كما أن بحلول 15 نوفمبر سيكون على فريق منظمة حظر الأسلحة الكيماوية والأمم المتحدة تقديم خطة متفق عليها مع الحكومة السورية لتدمير الترسانة الكيماوية كليا بحلول 30 يونيو 2014. وهذه الخطة يجب أن تشمل رصدا للمواقع التي توجد فيها منشآت سورية فيها أسلحة كيماوية، بالإضافة إلى الترسانة السورية بأكملها. وخلال هذه الفترة، سيكون على المفتشين الدوليين تقديم تقارير شهرية لمجلس الأمن الدولي حول التقدم في هذه العملية، ومحاسبة الحكومة السورية في حال تأخرت في هذا المسعى. ويذكر أن البرنامج السوري الكيماوي يعتبر من الأكبر في العالم، وتشير التقديرات إلى وجود ألف طن من المواد الكيماوية في سوريا.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.