لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

بعد مغادرته وزارة الخارجية الفرنسية

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام
TT

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

غادر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس هذا الأسبوع، في أعقاب تعديل وزاري أجراه رئيس الحكومة مانويل فالس. ومع أن هذه النقلة لا تشكل نهاية الحياة السياسية الحافلة لإحدى ألمع الشخصيات السياسية الفرنسية خلال العقود القليلة الماضية، لكنها تشكل على الأقل عند المعجبين بفابيوس، الذي سبق له أن كان رئيسًا للوزراء ورئيسًا لمجلس النواب، نكسة لوزارة الخارجية التي ستفتقد هالة لافتة وثقلاً كبيرًا على المسرح الدولي.
لن يصبح لوران فابيوس وزير الخارجية الراحل عن الدبلوماسية يومًا رئيسًا للجمهورية، وهو المنصب الوحيد الذي لم يصل إليه في الجمهورية الفرنسية، رغم محاولته مرتين الحصول على ترشيح الحزب الاشتراكي. فالرجل تنقل بين المناصب العليا بفضل قربه من الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران، الذي حارب الجنرال ديغول وأدخل اليسار إلى قصر الإليزيه لولايتين امتدتا 14 سنة (1981 – 1995). ميتران أدخل فابيوس المتحدر من عائلة ثرية والمتدرِّج في أرقى المعاهد الفرنسية والمتخرج في المدرسة العليا للإدارة ENA المرموقة إلى عالم السياسة من الباب الواسع إذ عيّنه مباشرة بعد انتخابه رئيسًا وزيرا للخزانة في أولى حكوماته، ثم عهد إليه بوزارة الصناعة والبحث العلمي، قبل أن يرقيه إلى منصب رئيس للحكومة وهو في سن السابعة والثلاثين من عمره، ليغدو أصغر رئيس للحكومة في الجمهورية الخامسة بفرنسا.
لا تزال الطبقة السياسية تتذكر كلمة فابيوس الذي سأله يوما أحد الصحافيين عن علاقته بميتران، «الأب الروحي». وكان جوابه قاطعا ومقتضبا: «أنا أنا.. وهو هو»، وبذلك أراد أن يؤكد أن له شخصية متميزة وآراؤه الخاصة وسياسته المستقلة. لكن الحقيقة أن هناك جيلا كاملا من السياسيين الفرنسيين (وفابيوس أولهم)، ومنهم الرئيس الحالي فرنسوا هولاند ورفيقة دربه السابقة ووزيرة البيئة في الحكومة الحالية سيغولين رويال، ورئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان ووزير الاقتصاد ميشال سابان، وكثيرون آخرون هم من يسمون في باريس «جيل ميتران».
وبينما كان الرئيس الأسبق جاك شيراك يعرّف الآن جوبيه الذي تسلم منه فابيوس وزارة الخارجية بأنه «الألمع في ما بيننا»، كانت الطبقة السياسية تطلق على فابيوس لقب «ابن ميتران المدلل». بيد أن هذا «الابن» الذي انضم باكرا إلى الحزب الاشتراكي وانتخب نائبا عن إحدى ضواحي مدينة روان في منطقة النورماندي وشغل مناصب وزارية «الخزانة، الصناعة، الاقتصاد وأخيرا وزارات الخارجية والسياحة والتجارة الخارجية» كما تولى رئاسة البرلمان مرتين والأمانة العامة للحزب الاشتراكي وكان له مؤيدوه وتياره، لم يكن أبدًا رجلاً يتمتع بشعبية إذ إن صورته الشخصية لم تلعب أبدا لصالحه. فهو «نخبوي»، وحتى عندما أخذ يقدم نفسه على أنه ينتمي إلى الجناح اليساري للحزب الاشتراكي، وأنه صوت في استفتاء عام 2005 ضد الدستور الأوروبي بينما كان الخط الرسمي للحزب الاشتراكي هو الدعوة لإقراره، فإن ما وقف حائلا دون وصول فابيوس إلى أعلى المناصب في الدولة ربما شخصيته.
ففي وزارة الخارجية، لن يترك فابيوس وراءه للعاملين في هذه الوزارة السيادية صورة إيجابية إذ إنه حسب وصف البعض سلطوي، بارد، يعين ويقيل من غير رادع أو وازع وأحيانًا من غير سبب واضح أو من غير سبب بتاتًا. ونعرف جيدا حالات كثيرة لسفراء أو مسؤولين أساسيين في الوزارة فقدوا مراكزهم لغرض يجهلونه ولكنه «في نفس يعقوب».
يبدو الرجل في مظهره الخارجي ولغته التكنوقراطية أرستقراطي الأداء. لكن ما حال دون طموحاته العليا أنه وجد دائما من يقف بوجهه. المرة الأولى، في العام 2002 كان العائق اسمه ليونيل جوسبان، الذي رأس حكومة «اليسار المتعدد» لمدة خمس سنوات (1997 – 2002)، وبالتالي أصبح «المرشح الطبيعي» للحزب الاشتراكي. وما بين الرجلين عداء سياسي قديم، لا بل حرب ضروس، عندما كان فابيوس رئيسا للحكومة وجوسبان - بفضل ميتران - أمينا عاما للحزب الاشتراكي. وبعدها بخمس سنوات وعقب إقرار مبدأ الانتخابات التمهيدية لتعيين مرشح الاشتراكيين للرئاسة، قطعت سيغولين رويال، أول امرأة فرنسية طامحة للوصول إلى الإليزيه، الطريق على فابيوس وعلى غيره بحصولها على ستين في المائة من أصوات «الرفاق» بينما لم يحصل الأخير إلا على 12 في المائة من الأصوات.
الهزيمة كانت مرة الطعم بين الطامحين للمنصب الأول. وبعد خمس سنوات، صعد نجم فرنسوا هولاند الذي لم يكن أحد داخل الحزب الاشتراكي يعتقد أن له حظًا بالوصول يومًا إلى الرئاسة، فإذا بفابيوس يدعم منافسته الوزيرة السابقة مارتين أوبري، رئيسة بلدية مدينة ليل (شمال فرنسا) حاليًا، وابنة جاك ديلور رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق وإحدى الشخصيات الأكثر شعبية في فرنسا. والفرق بين فابيوس ورئيس الحكومة الحالية مانويل فالس أن الأول بقي إلى جانب مارتين أوبري بعد الدورة الأولى بينما الثاني وقف إلى جانب هولاند. ولقد عرف هولاند أن يسامح وأن يجيّر فابيوس لصالحه فكلفه بالملف الاقتصادي وبالبرنامج الإصلاحي لأشهر رئاسته الأولى. وعندما فاز بالرئاسة وهزم منافسه اليميني الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، عهد لفابيوس بوزارة الخارجية. واحتفظ الأخير بحقيبته، التي أضاف إليها في عام 2004 وزارتي السياحة والتجارة الخارجية 45 شهرا، وقطع خلالها آلاف الكيلومترات وهو أمر مرهق.
ولكن في الأشهر الأخيرة أخذت مظاهر التعب تبدو على فابيوس لا بل إنه «غفا» للحظات خلال الاجتماع مع مسؤولين جزائريين. كذلك، فإن كثيرين لاحظوا عنده ارتجافًا في اليدين مما يؤشر لإصابته بمرض باركنسون. وخلال اختتام «قمة المناخ» التي رأسها نهاية العام الماضي، بدا الارتجاف واضحا عندما أراد أن يعلن نهاية أعماله رافعًا المطرقة الخشبية التي أهداها له وفد البيرو.
من الخارجية، سينتقل فابيوس إلى رئاسة المجلس الدستوري الواقع قريبا من متحف اللوفر. ومهمة المجلس المكون من تسعة أعضاء، يضاف إليهم رؤساء الجمهورية السابقون مدى الحياة (هم حاليا فاليري جيسكار ديستان وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي)، مراقبة مدى تلاؤم القوانين التي تسن مع الدستور الفرنسي، ويعطي رأيه القاطع فيها كما يراقب ويعلن رسميا نتائج الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات وخلاف ذلك من المهام. ولذا فإن كمية العمل والمهام الموكولة إليه، وهي تقنية بالدرجة الأولى، لا تقارن بمهام ومسؤوليات وزير الخارجية. ولكن للمنصب فوائد وتشريفات، وفابيوس البالغ من العمر 69 سنة سيكون رئيسا له لتسع سنوات يستطيع خلالها أن يرتاح وأن يبقى في الوقت نفسه في قلب الحدث في فرنسا.
بيد أن طموح الأخير لا يتوقف عند هذا الحد، إذ إنه قرر البقاء رئيسا لقمة المناخ حتى نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل عندما تنتقل الرئاسة للمغرب. وفي حديث صحافي صباح الخميس، أكد أنه لا تضارب في الصلاحيات بين الوظيفيتين، وأنه في حال حصل أمر كهذا فإنه «سينأى» بنفسه مؤقتا عن المجلس الدستوري لتجنب أي نزاع. لكن الأهم في بقائه رئيسا لقمة المناخ 21 احتفاظه بمكتب وسكرتارية في وزارة الخارجية. ويقول عارفون إن فابيوس يرنو للفوز بجائزة نوبل للسلام بفضل المساهمة التي يعتبرها «حاسمة» في إنجاح قمة المناخ التي استضافتها فرنسا، ورأسها هو شخصيًا بعد الإخفاقات الكثيرة التي أصابتها في السابق. وتكفي مراجعة الكلمات التي ألقاها الوزير الفرنسي إن في بداية القمة أو في ختامها لاستكناه صورة الدور الذي ينسبه فابيوس لنفسه في نجاح قمة المناخ.
لكل سياسي ورجل عام أمور يريد أن يطويها الزمن أو أن يخبئها عن أعين الجمهور. ميتران سعى لإخفاء عائلته «الثانية» وابنته غير الشرعية مازارين بانجو التي اعترف بها في آخر أيامه وأصبحت اليوم كاتبة معروفة. وشيراك أبعد عن الأضواء لورانس، ابنته المريضة. وقبلهما الجنرال ديغول الذي كانت له أيضًا ابنة مريضة اسمها آن وتوفيت في العشرين من عمرها. أما «وجع» فابيوس فمزدوج: شخصي وآخر سياسي: الشخصي اسمه «توماس» ابنه البكر الذي أصبح شهيرًا على صفحات الجرائد خصوصا تلك التي تهتم بالفضائح. فهذا الابن «غير البار» بوالده، مولع بالقمار، وتحديدًا بلعبة البوكر التي أوقعته في الكثير من المشكلات وستقوده حتمًا في الأسابيع المقبلة أمام المحاكم. ولقد أسس شركة أفلست بسبب الاحتيال، واشترى شقة تطل على بولفار سان جيرمان الشهير في باريس بستة ملايين يورو بينما يفتقر لمداخيل «رسمية». ودار في كازينوهات لاس فيغاس الأميركية تاركا وراءه ديونا بمئات الآلاف من الدولارات. وبعكس أخيه فيكتور، البعيد عن الأضواء، فإن توماس فابيوس لطخ اسم والده الذي لم يأتِ أبدًا على ذكر فضائح ابنه علنًا، كما أن الصحافة الفرنسية لا تربط أبدًا بينه وبين ابنه.
أما جرح فابيوس الثاني فعنوانه فضيحة الدم الملوّث التي تعود للفترة التي كان يشغل فيها منصب رئيس الحكومة. وفحوى القصة أن «المركز الفرنسي لنقل الدم» سوق لدم فاسد ملوث بفيروس الإيدز داخل فرنسا وخارجها رغم علمه بأن كمية كبيرة من هذا الدم فاسدة وخطرة على صحة المرضى. وعلاقة فابيوس بذلك أنه كان رئيسا للحكومة الاشتراكية في تلك الفترة ولذا قدمت شكاوى بحقه وحق ثلاثة وزراء، إلا أن العدالة برأت في النهاية ساحة السياسيين بمن فيهم فابيوس.
ماذا سيبقى من «إرث» فابيوس الدبلوماسي؟
ربما سيحفظ له تاريخ الخارجية أنه أسس لما يسمى «الدبلوماسية الاقتصادية»، إذ اعتبر أن عمل الدبلوماسي في الزمن الراهن قد تغير، وأن مهمة السفراء والبعثات هي مساعدة اقتصاد فرنسا والترويج له في الخارج. وهذا معنى ضم وزارتي التجارة الخارجية والسياحية لوزارته الأصلية حتى تتوافر له «الأدوات» المؤسساتية الضرورية لعملية الترويج. ولم يتردد فابيوس في أن يتحول كذلك إلى داعية لـ«المطبخ الفرنسي» وفنون الطاولة على الطريقة الفرنسية.
بالطبع، يريد فابيوس أن يعترف له التاريخ بدوره في تلافي مآسي الاحتباس الحراري وما سيفضي إليه ارتفاع حرارة الأرض من كوارث بيئية واجتماعية وديموغرافية وهجرات وحروب بفضل التزامات قمة المناخ التي يتعين مراقبة مدى تنفيذ الالتزام بها. لكنه يرغب أيضًا بأن يعرف العالم أنه لعب دورا مهما في التوصل إلى الاتفاق «التاريخي» بخصوص برنامج إيران النووي الذي وقع في فيينا في 14 يوليو (تموز) الماضي. ويروي الوزير الفرنسي أنه «حذّر» المجتمعين في فيينا من أنه سيعود إلى باريس للمشاركة في العيد الوطني صباح 14 يوليو سواءً وقع الاتفاق أو لم يوقع. وهو يتساءل عما إذا كان لهذا دور في دفع الأفرقاء المتفاوضين لوضع حد لمسار تفاوضي بلا نهاية. وفي أي حال، فإنه يعتبر أنه «نجح» في الحصول على اتفاق «متين» وعلى ضمانات لجهة «شفافية» البرنامج الإيراني مما يعد في نظره مساهمة في تجنيب العالم، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط سباقا للحصول على السلاح النووي.
من جهة أخرى، يترك فابيوس الخارجية والملف السوري الذي استحوذ على الكثير من وقته، ما زال على حاله: «الحرب مستمرة والمعارضة التي دعمته باريس في وضع حرج والتدخل الروسي متزايد والولايات المتحدة متأرجحة». وبما أنه يغادر منصبه الوزاري، فقد استفاد فابيوس من أيامه الأخيرة لـ«يصفي حساباته» مع واشنطن بهجوم حاد اتهمها فيه بـ«الغموض» وبالازدواجية ما بين الأقوال والأفعال. لكنه في الوقت عينه شن هجومًا قاسيًا على روسيا وإيران «الشريكيتين» في عمليات القتل في سوريا. كذلك فإن فابيوس يترك الدبلوماسية وملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على حاله. وليست آخر تصريحاته التي يعلن فيها عن عزم بلاده على الدعوة إلى مؤتمر دولي لإيجاد حل سياسي ينهض على قيام دولتين - فلسطين وإسرائيل - والتهديد بالاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية إذا فشلت جهود السلام إلا من باب «رفع العتب». فالوزير المغادر يعرف أن مبادرة بلاده لن تقدم أو تؤخر طالما أن واشنطن فاترة تجاهها وأن الأوروبيين غير متحمسين بينما إسرائيل ترفضها كلية.
يبقى أن الدبلوماسية الأوروبية - ومن ضمنها الفرنسية - بقيت عاجزة عن التفاهم من أجل عمل جماعي وفاعل في ملف الهجرات الجماعية الزاحفة باتجاه «القارة القديمة» أو بشأن التعامل مع الملف الليبي والتعاون بين ضفتي المتوسط والجوار العربي للاتحاد الأوروبي الغارق في أزماته.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.