موجة هبوط عاتية تضرب من جديد الأسواق العالمية

مع تجدد القلق حول قطاع المصارف ونمو الاقتصاد العالمي

موجة هبوط عاتية تضرب من جديد الأسواق العالمية
TT

موجة هبوط عاتية تضرب من جديد الأسواق العالمية

موجة هبوط عاتية تضرب من جديد الأسواق العالمية

هبطت الأسهم الأميركية في بداية جلسة التداول أمس، مع فرار المستثمرين إلى الأصول الاستثمارية الآمنة، وسط شكوك في ما يتعلق بقوة الاقتصاد العالمي.
وبدأ مؤشر «داو جونز» الصناعي جلسة التداول في بورصة وول ستريت منخفضا 139.16 نقطة، أو 0.87 في المائة، إلى 15775.58 نقطة.
وتراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأوسع نطاقا 15.76 نقطة، أو 0.85 في المائة، إلى 1836.17 نقطة، في حين هبط مؤشر «ناسداك» المجمع الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا 63.35 نقطة، أو 1.48 في المائة، إلى 4220.24 نقطة.
وزادت المؤشرات الثلاثة خسائرها في التعاملات المبكرة.
من جهتها، سجلت كل البورصات الأوروبية بلا استثناء انخفاضا أمس بعيد افتتاح جلساتها على غرار أسواق المال في آسيا في أجواء من القلق المرتبط بنمو الاقتصاد العالمي.
ومع الافتتاح، انخفضت بورصات فرانكفورت ومدريد وكوبنهاغن وهلسنكي وفيينا وأمستردام وبروكسل أكثر من ثلاثة في المائة. وبلغت نسبة التراجع في بورصة أثينا 6.26 في المائة، وفي ميلانو أكثر من خمسة في المائة، وفي باريس 4 في المائة.
وعاد قطاع المصارف ليعزز القلق إلى جانب تراجع أسعار النفط وتباطؤ الصين، مع نشر نتائج لأدائه مخيبة لآمال السوق.
وتراجعت أسهم مصرف «سوسيتيه جنرال» الفرنسي 13 في المائة، والمصارف الإيطالية «أوبي بانكا» 11.64 في المائة، ليعلق التداول بأسهمه لفترة قصيرة، و«في إم بي إس» 8.15 في المائة، و«ميديوبانكا» 7.65 في المائة، والإسباني «سانتاندر» 5.60 في المائة.
أما «دويتشه بنك»، أكبر مصرف في ألمانيا، فقد اضطر لنشر بيان من أجل طمأنة المستثمرين إلى ملاءته. وقد تراجع اليوم 7.20 في المائة، بعدما سجل ارتفاعا بلغت نسبته 10.2 في المائة الأربعاء.
والاتجاه نفسه سجل في لندن، حيث تراجع «ستاندراد تشارتر» 7.81 في المائة، و«باركليز» 5.28 في المائة، و«رويال بنك أوف اسكوتلند» 4.85 في المائة.
ووصفت صحف ألمانية عدة الوضع بأنه «زلزال مصرفي».
وبعد عطلة امتدت ثلاثة أيام لمناسبة العام الصيني الجديد، رد المستثمرون في هونغ كونغ بحدة على تراجع الأسواق العالمية في بداية الأسبوع.
وتراجع مؤشر «هانغ سانغ» بنسبة 4.2 في المائة بعد دقائق من بداية المعاملات، وهو أدنى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2012، وذلك قبل أن يعاود الارتفاع بشكل طفيف. وقبيل الظهر كانت نسبة تراجعه تبلغ 3.85 في المائة.
لكن الوضع الدولي لا يبرر كل شيء إذ إن بعض المستثمرين قلقون خصوصا من تأثير الاضطرابات العنيفة التي تلت تفريق الشرطة لباعة جائلين في المستعمرة البريطانية السابقة، على السياحة.
وقال ستيفن ليونغ، المحلل لدى مجموعة «يو أو بي كاي هيان»، لوكالة «بلومبرغ نيوز»، إن «الانخفاض حتمي لأن كل أسواق المال تراجعت خلال هذه الفترة (العطلة بمناسبة رأس السنة الصينية)، وما زالت المخاوف نفسها قائمة سواء في ما يتعلق بأسعار النفط أو القلق من انكماش». وأضاف أن «صورة هونغ كونغ تضررت إلى حد كبير» بالاضطرابات.
وبدا الانخفاض واضحا في بورصات أخرى في المنطقة. فقد تراجعت بورصة سيول 2.4 في المائة، وبورصة سنغافورة 1.3 في المائة، بينما بقيت ويلينغتون وجاكرتا ومانيلا في هامش الخسارة. وسجلت بورصة سيدني ارتفاعا طفيفا نظرا لعمليات شراء.
وانخفض مؤشر «سينسيكس» الهندي بأكثر من 3 في المائة أمس، عقب عمليات بيع كبيرة في الأسواق العالمية الأخرى.
وقد أغلق المؤشر، الذي يضم أسهم 30 شركة مدرجة في بورصة بومباي، عند 22951.83 نقطة، متراجعا بنسبة 3.40 في المائة، ليصل لأدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014.
وقد باع المستثمرون أسهم الجهات المقرضة الحكومية ومنها بنك الهند.
وكان الوضع مماثلا في البورصة الوطنية، حيث انخفض مؤشر «إس آند بي سي إن إكس نيفتي» بواقع 239.35 نقطة، أو ما يعادل 2.32 في المائة، ليغلق عند 6976.35 نقطة.
وقال المحللون إن الأسهم الهندية انخفضت بسبب ضعف الأسواق المحلية بالإضافة إلى تراجع قيمة العملة الهندية الروبية أمام الدولار.
وبورصات شنغهاي وطوكيو وتايبيه كانت مغلقة أمس.
إلى ذلك، انخفض سعر الدولار الأميركي بعد الخطاب الحذر لرئيسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين التي أشارت إلى المخاطر التي تشكلها التقلبات العالمية الحالية.
وبعد تصريحات يلين، انخفض سعر الدولار مقابل الين إلى أدنى مستوى له منذ نهاية 2014.
وكانت يلين صرحت أمام اللجنة المالية في مجلس النواب الأميركي بأن التطورات الاقتصادية في الخارج «تنطوي على مخاطر على النمو الأميركي». وأشارت خصوصا إلى «الشكوك المحيطة بسياسة الصرف» في الصين التي تتفاقم من «تقلبات أسواق المال».
وكانت يلين صرحت أمام اللجنة المالية في مجلس النواب الأميركي بأن التطورات الاقتصادية في الخارج «تنطوي على مخاطر على النمو الأميركي». وأشارت خصوصا إلى «الشكوك المحيطة بسياسة الصرف» في الصين التي تتفاقم من «تقلبات أسواق المال».
وانخفض سعر الدولار بعد هذه التصريحات إلى 113.40 ين الأربعاء، ثم واصل تراجعه أمس الخميس إلى 112.58 وهو أدنى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2014.
وانخفض سعر الدولار مقابل عدد من العملات في منطقة آسيا - المحيط الهادي، خصوصا الدولار الأسترالي والوون الكوري الجنوبي والروبية الإندونيسية والرينغيت الماليزي.
وتراجع سعر برميل النفط الخفيف في آسيا، أمس الخميس، إلى أقل من 27 دولارا بعد نشر الأرقام عن المخزون الأميركي، الأربعاء، وبسبب الفائض في العرض من قبل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
وجاء التراجع على الرغم من أن التقرير الأسبوعي لوزارة الطاقة الأميركية أشار إلى انخفاض المخزون الأميركي من الخام 800 ألف برميل في الأسبوع الذي انتهى في الخامس من فبراير (شباط).
وانخفض سعر برميل النفط الخفيف (لايت سويت كرود) تسليم مارس (آذار) في المبادلات الإلكترونية في آسيا 55 سنتا، ليصل إلى 26.90 دولار عند الساعة 2.15 بتوقيت غرينتش. وكان قد تراجع قبيل ذلك إلى 26.85 دولار.
أما سعر برنت، النفط المرجعي الأوروبي لبحر الشمال تسليم أبريل (نيسان)، فقد خسر 32 سنتا وبلغ 30.52 دولار.
وكان سعر النفط الخفيف انخفض في 20 يناير (كانون الثاني) إلى 26.19 دولار للبرميل قبل أن يغلق على 26.55 دولار في ذلك اليوم، في أقل سعر له منذ مايو 2003.
وسجلت أسعار النفط تحسنا طفيفا بعد نشر التقرير عن المخزون الأميركي أول من أمس الأربعاء. وأشار المحللون إلى أن المستثمرين تأثروا بتقرير «أوبك» الذي أشار إلى زيادة إنتاج الكارتل بمقدار 130 ألف برميل يوميا في يناير.



البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

شهد عام 2025 محطة تاريخية فارقة للبنوك السعودية التي سجلت أرباحاً قياسية بلغت 24.5 مليار دولار (ما يعادل 92 مليار ريال)، وبنمو سنوي نسبته 16 في المائة، وبفارق 3.46 مليار دولار (13 مليار ريال) مقارنةً بعام 2024. وفي وقت تترقب الأسواق أداء القطاع خلال العام الجاري، تشير التوقعات إلى نمو أكثر اعتدالاً واستقراراً، وسط رهانات على استمرار الإنفاق الحكومي في دعم المشاريع الكبرى بوصفها ركائز أساسية تحافظ على زخم الطلب الائتماني.

وقد جاء هذا الأداء القوي ثمرةً لتضافر عوامل استراتيجية، بدءاً من قوة الملاءة المالية للبنوك، وصولاً إلى توسع مَحافظ الإقراض. كما أن الأرقام المسجَّلة لم تكن بمعزل عن التقييمات الدولية؛ إذ يؤكد صندوق النقد الدولي أن القطاع المصرفي السعودي يتمتع بمرونة عالية، ومستويات رسملة قوية، وسيولة وفيرة، مع انخفاض ملحوظ في القروض المتعثرة لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2016. ويشير إلى أن البنوك السعودية أثبتت قدرتها على تحمل الصدمات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط بفضل اختبارات الضغط الصارمة، وأن القطاع المصرفي السعودي يمتلك أساسات صلبة تمكّنه من مواصلة دعم نمو الاقتصاد غير النفطي.

العاصمة السعودية (واس)

ما البنوك؟

شمل هذا الأداء القوي المصارف العشرة المدرجة في السوق السعودية، وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، وبنك «البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

تصدر «البنك الأهلي السعودي» قائمة البنوك من حيث صافي الأرباح، مسجلاً 25 مليار ريال، بنسبة نمو بلغت 18 في المائة. وجاء «مصرف الراجحي» في المرتبة الثانية من حيث صافي الأرباح، لكنه حقق أعلى نسبة نمو بين المصارف المدرجة، تجاوزت 26 في المائة، لتصل أرباحه إلى أكثر من 24.7 مليار ريال. في حين حل «بنك الرياض» ثالثاً بأرباح بلغت 10.4 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 12 في المائة.

مبنى «الراجحي» في العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

هيمنة البنوك الكبرى

وفي تعليق على النتائج المالية، قال محلل الأسواق المالية، وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن نتائج القطاع البنكي خلال عام 2025 تظهر أداءً استثنائياً، وهو نمو يعكس قوة القطاع المصرفي ومتانته، حيث تصدر البنك الأهلي السعودي ومصرف الراجحي المشهد، مما يؤكد استمرار هيمنة البنوك الكبرى المدعومة بقاعدة رأسمالية قوية وانتشار واسع.

وأضاف أن هذا النمو جاء مدفوعاً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها استمرار ارتفاع أسعار الفائدة خلال معظم فترات العام، مما عزَّز صافي دخل العمولات الخاصة، كما أسهم التوسع في الإقراض، خصوصاً التمويل العقاري وتمويل الشركات المرتبطة بمشاريع «رؤية السعودية 2030»، في زيادة حجم الأصول المدرّة للدخل، كذلك استفادت البنوك من تحسن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنةً بفترات سابقة، إلى جانب التوسع في الخدمات الرقمية التي رفعت كفاءة التشغيل وخفضت التكاليف.

ويتوقع الخالدي أن يشهد القطاع المصرفي السعودي نمواً أكثر اعتدالاً خلال 2026، مع احتمالية استقرار أو تراجع أسعار الفائدة، مما قد يضغط نسبياً على الهوامش الربحية، مضيفاً أن استمرار الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى، إضافةً إلى نمو القطاع غير النفطي، سيُبقي الطلب على التمويل عند مستويات قوية.

ويُرجِّح أن تركز البنوك على تنويع مصادر الدخل عبر الرسوم والخدمات الاستثمارية، وتعزيز التحول الرقمي لرفع الكفاءة، لافتاً إلى أن القطاع المصرفي السعودي سيبقى في موقع قوي، مدعوماً ببيئة اقتصادية مستقرة وإصلاحات هيكلية، مما يجعله قادراً على الحفاظ على مستويات ربحية جيدة رغم التحديات المحتملة.

أرباح «تاريخية»

من جهته، وصف المحلل المالي ناصر الرشيد، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أرباح القطاع لعام 2025 بأنها «تاريخية»، وتأتي مدفوعةً بالنمو المستمر في الأعمال بالاقتصاد السعودي والنمو السنوي للميزانية الحكومية، مضيفاً أن البنوك جزء من المنظومة المالية، كما أن القطاع البنكي هو القطاع الأكثر دعماً لمؤشر السوق السعودية.

وفي تحليل لنمو أرباح البنوك، أرجع الرشيد ذلك إلى نمو صافي الدخل من الفوائد والعمليات التشغيلية، الناتج من توسع محفظة الإقراض المصرفي، ونمو الدخل من الرسوم المصرفية والعمولات، وكذلك التوسع القوي في محفظة الإقراض وارتفاع حجم القروض البنكية وزيادة الطلب على التمويل من الشركات والأفراد، مما أسهم في زيادة الأرباح.

مبنى بنك الرياض (الشرق الأوسط)

نمو الطلب على الائتمان

وأشار إلى أن تحسن البيئة الاقتصادية وتشغيل بعض المشاريع الضخمة ضمن «رؤية 2030» عزَّزا الطلب على التمويل المصرفي وزادا الطلب على الائتمان، بالإضافة إلى تحسن مستويات الربحية التشغيلية وانخفاض تكاليف المخاطر في بعض البنوك وارتفاع الطلب على التمويل، كما حقق بعض البنوك أرباحاً رأسمالية من بيع الأصول والاستثمارات، مما أسهم في زيادة صافي الربح السنوي للقطاع البنكي.

وأضاف أن غالبية البنوك استفادت من تنوع مصادر الدخل وحققت مكاسب من الأدوات المالية المتنوعة، كالصكوك، والاستثمارات الأخرى، بالإضافة إلى استفادتها من الاستقرار والتخفيض النسبي في أسعار الفائدة، مما أسهم في تحسين الهوامش الربحية لدى بعض البنوك.

ورغم هذا الأداء الاستثنائي، يرى محللون أن القطاع المصرفي يواجه عدداً من التحديات في عام 2026؛ لعل أبرزها احتمال ضغوط الهوامش الربحية الناتجة عن اتجاهات أسعار الفائدة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التسارع الرقمي استثمارات مستمرة في الأمن السيبراني لمواكبة التهديدات المتطورة، إلى جانب التحدي المتمثل في الحفاظ على جودة الأصول في ظل بيئة ائتمانية متسارعة، وهو ما يفرض على البنوك انتهاج سياسات تحوطية مرنة تضمن استدامة الربحية والنمو في آن واحد.


انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
TT

انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)

يواجه القطاع المصرفي العالمي حالة من الترقب المشوب بالحذر عقب الانهيار المفاجئ لشركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز (MFS)»، وهي شركة بريطانية متخصصة في تقديم الرهن العقاري، وسط مزاعم خطيرة بالاحتيال وتضليل المستثمرين.

هذا الانهيار لم يقتصر تأثيره على الشركة ذاتها، بل امتد ليشكل تهديداً مباشراً لمؤسسات مالية كبرى في «وول ستريت» ولندن، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة عن ضعف معايير الاكتتاب التي سبقت الأزمات المالية الكبرى، وجسّد تحذيرات المدير التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، بشأن وجود «صراصير» كامنة في أسواق الائتمان تنتظر الظهور مع تراجع السيولة، وفق ما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

خيوط الأزمة

بدأت فصول الأزمة عندما تقدمت شركتا «أمبر بريدجينغ» و«زيركون بريدجينغ» بطلب قضائي ضد شركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز»، كاشفتين عن «مخالفات جسيمة» في إدارة حسابات الشركة المالية. وبناءً على هذه المعطيات، وافق رئيس محكمة الإعسار والشركات في لندن، القاضي نيكولاس بريغز، على وضع الشركة تحت الإدارة القضائية، واصفاً مزاعم الاحتيال الموجهة ضدها بأنها «بالغة الخطورة».

ويكمن جوهر الاتهامات في ممارسة «الرهن المزدوج»، حيث يُزعم أن الشركة استخدمت الأصول العقارية ذاتها ضمانات للحصول على قروض متعددة، مما أدى إلى «عجز كبير» في الضمانات العقارية التي تغطي قروض المقرضين. هذا التلاعب، الذي يتطلب تحقيقاً عاجلاً، يعني أن المؤسسات المالية التي ضخت مليارات الجنيهات في الشركة وجدت نفسها أمام أصول متضخمة القيمة أو غير موجودة في الواقع، مما دفع القضاء البريطاني إلى تعيين خبراء من شركة «أليكس بارتنرز» لإدارة عملية التصفية والبحث في حجم الخسائر التي قد تصل إلى 930 مليون جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار).

هيكلية السيطرة

لم يكن انهيار «إم إف إس» نتيجة سوء إدارة مؤسسي فحسب، بل سلّط الضوء على نموذج «الملكية المطلقة». فقد تأسست الشركة عام 2006 على يد باريش رجا، الذي كان يدير الشركة بصفته المدير الوحيد والمسيطر المطلق على الأقسام كافة، بمشاركة زوجته براثيبا رجا بصفتها عضو مجلس إدارة، حيث كان الزوجان هما المساهمين الوحيدين. ورغم أن الشركة كانت تدّعي في منشوراتها الترويجية أنها تمتلك فِرقاً لإجراء «العناية الواجبة المعززة»، فإن تركيز الصلاحيات في يد فرد واحد أتاح تمرير عمليات تمويل مشبوهة بعيداً عن الرقابة الداخلية الفعالة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، أصدر رجا بياناً زعم فيه أن الأزمة هي «مأزق تقني وإجرائي» وليست فشلاً في جودة الأصول، وهي تصريحات قوبلت بتشكيك واسع من الدائنين والمحللين القانونيين.

شعار «باركليز» (رويترز)

ارتدادات عالمية

أحدث هذا السقوط صدمة في أروقة المال، خصوصاً مع انكشاف حجم تعرض المؤسسات المالية الكبرى. ويَبرز بنك «باركليز» بوصفه أحد أكثر المتضررين بحجم تعرض يقدَّر بنحو 600 مليون جنيه إسترليني، مما أدى إلى تراجع أسهم البنك في بورصة لندن، وفق صحيفة «التايمز».

ولم تكن المؤسسات الأميركية بمنأى عن هذا الزلزال؛ إذ يواجه بنك «جيفريز» (الذي تعرض سابقاً لخسائر من انهيار «فيرست براندز»)، وشركة «أطلس إس بي بارتنرز» التابعة لـ«أبولو غلوبال مانجمنت»، إلى جانب «ويلز فارغو» و«سانتاندير» و«تي بي جي»، ضغوطاً متزايدة لتقييم خسائرها. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي التمويلات التي قدمتها هذه المؤسسات للشركة المنهارة تجاوزت ملياري جنيه إسترليني، مما دفع صناديق التحوط الائتماني للبدء بتحليل دفاتر الشركة، متوقعةً عمليات بيع قسرية لديون الشركة بخصومات حادة لاسترداد ما يمكن استرداده.

صلات مشبوهة

كشفت التحقيقات التي تحدثت عنها «فاينانشال تايمز» عن أن جزءاً كبيراً من أعمال «إم إف إس» كان مرتبطاً بتمويل عقارات مرتبطة بوزير بنغلاديشي سابق. فقد كانت الشركة تمول استثمارات ضخمة مرتبطة به منذ عام 2019، وشمل ذلك مئات العقارات في إنجلترا وويلز. أثار هذا الملف تساؤلات حادة حول مدى امتثال الشركة لقوانين مكافحة غسيل الأموال، خصوصاً أن الأصول المعلنة للسياسي في بلاده كانت لا تتناسب مطلقاً مع حجم ثروته العقارية في بريطانيا، التي جمدت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة جزءاً كبيراً منها في وقت سابق.

وقد عززت هذه القضية من الانتقادات الموجَّهة إلى شركات الائتمان التي تلهث خلف عوائد مرتفعة دون التدقيق الكافي في جودة الأصول، وهو ما وصفه جيمي ديمون مؤخراً بـ«الأفعال الغبية» التي تعيد تذكير المحللين بما حدث في عام 2008.

شعار شركة «جيفريز فاينانشال غروب» معروض على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

أزمة ثقة تتجاوز «إم إف إس»

لا يمثل انهيار «إم إف إس» حالة منعزلة، بل هو حلقة في سلسلة من الإخفاقات التي ضربت شركات أميركية مؤخراً، مثل «فيرست براندز» و«تريكولور هولدينغز»، اللتين تواجهان بدورهما تحقيقات بتهم احتيال وتزييف فواتير. وتؤكد هذه الوقائع المتسارعة أن ثقافة «التوسع السريع» و«النمو غير المدروس» في سوق الإقراض المدعوم بأصول قد خلقت بيئة هشة. ومع استمرار التحقيقات، يظل السؤال الأهم الذي يطرحه المستثمرون حالياً: هل يعد انهيار «إم إف إس» جرس إنذار أخير قبل ظهور حالات احتيال أخرى في أسواق الائتمان الخاص، أم أنه مجرد فصل آخر من تداعيات السيولة الرخيصة التي تلاشت في ظل أسعار الفائدة المرتفعة؟

في ظل هذه المعطيات، تجد البنوك الدولية نفسها اليوم في موقف دفاعي، مطالبةً بتعزيز معايير الرقابة والمحاسبة، بينما يراقب العالم ما إذا كان هذا الانهيار سيقود إلى موجة من الملاحقات القضائية التي قد تغير قواعد اللعبة في سوق الإقراض العقاري الموازي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
TT

أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)

سجّلت أسعار الجملة في الولايات المتحدة ارتفاعاً فاق التوقعات، خلال الشهر الماضي، في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات تفوق ما كان يُنتظر.

وأعلنت وزارة العمل، الجمعة، أن مؤشر أسعار المنتجين – الذي يقيس التضخم عند بوابة الإنتاج قبل انتقاله إلى المستهلكين – ارتفع بنسبة 0.5 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول)، وبنسبة 2.9 في المائة على أساس سنوي حتى يناير (كانون الثاني) 2025. وكانت توقعات الاقتصاديين، وفقًا لمسح أجرته شركة «فاكت سيت»، تشير إلى زيادة شهرية قدرها 0.3 في المائة، وسنوية بنحو 1.6 في المائة.

وعند استثناء أسعار الغذاء والطاقة شديدة التقلب، ارتفعت أسعار الجملة الأساسية بنسبة 0.8 في المائة على أساس شهري و3.6 في المائة على أساس سنوي، متجاوزةً بدورها تقديرات المحللين.

في المقابل، تراجعت أسعار الطاقة؛ إذ انخفضت أسعار البنزين بالجملة بنسبة 5.5 في المائة مقارنة بديسمبر، وبنسبة حادة بلغت 15.7 في المائة على أساس سنوي.

وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الخدمات بالجملة، نتيجة اتساع هوامش الربح لدى تجار التجزئة والجملة.

ويأتي تقرير أسعار المنتجين بعد أسبوعين من إعلان وزارة العمل أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 2.4 في المائة فقط على أساس سنوي، الشهر الماضي، لتقترب بذلك من هدف التضخم البالغ 2 في المائة الذي يسعى إليه الاحتياطي الفيدرالي.

وكان عدد من الاقتصاديين قد أبدوا مخاوف من أن تؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات إلى تسريع وتيرة التضخم، إلا أن تأثيرها حتى الآن جاء أقل من المتوقع، رغم بقاء معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

وتُعدّ أسعار الجملة مؤشراً استباقياً لمسار تضخم المستهلكين، كما تحظى بمتابعة دقيقة من قبل الاقتصاديين نظراً إلى أن بعض مكوناتها - لا سيما مؤشرات الرعاية الصحية والخدمات المالية - تدخل ضمن حساب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى «الاحتياطي الفيدرالي» لرصد التضخم.