انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

انكشافات بمليارات الجنيهات تهدد المؤسسات المالية... و«باركليز» بصدارة المتضررين

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
TT

انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)

يواجه القطاع المصرفي العالمي حالة من الترقب المشوب بالحذر عقب الانهيار المفاجئ لشركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز (MFS)»، وهي شركة بريطانية متخصصة في تقديم الرهن العقاري، وسط مزاعم خطيرة بالاحتيال وتضليل المستثمرين.

هذا الانهيار لم يقتصر تأثيره على الشركة ذاتها، بل امتد ليشكل تهديداً مباشراً لمؤسسات مالية كبرى في «وول ستريت» ولندن، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة عن ضعف معايير الاكتتاب التي سبقت الأزمات المالية الكبرى، وجسّد تحذيرات المدير التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، بشأن وجود «صراصير» كامنة في أسواق الائتمان تنتظر الظهور مع تراجع السيولة، وفق ما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

خيوط الأزمة

بدأت فصول الأزمة عندما تقدمت شركتا «أمبر بريدجينغ» و«زيركون بريدجينغ» بطلب قضائي ضد شركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز»، كاشفتين عن «مخالفات جسيمة» في إدارة حسابات الشركة المالية. وبناءً على هذه المعطيات، وافق رئيس محكمة الإعسار والشركات في لندن، القاضي نيكولاس بريغز، على وضع الشركة تحت الإدارة القضائية، واصفاً مزاعم الاحتيال الموجهة ضدها بأنها «بالغة الخطورة».

ويكمن جوهر الاتهامات في ممارسة «الرهن المزدوج»، حيث يُزعم أن الشركة استخدمت الأصول العقارية ذاتها ضمانات للحصول على قروض متعددة، مما أدى إلى «عجز كبير» في الضمانات العقارية التي تغطي قروض المقرضين. هذا التلاعب، الذي يتطلب تحقيقاً عاجلاً، يعني أن المؤسسات المالية التي ضخت مليارات الجنيهات في الشركة وجدت نفسها أمام أصول متضخمة القيمة أو غير موجودة في الواقع، مما دفع القضاء البريطاني إلى تعيين خبراء من شركة «أليكس بارتنرز» لإدارة عملية التصفية والبحث في حجم الخسائر التي قد تصل إلى 930 مليون جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار).

هيكلية السيطرة

لم يكن انهيار «إم إف إس» نتيجة سوء إدارة مؤسسي فحسب، بل سلّط الضوء على نموذج «الملكية المطلقة». فقد تأسست الشركة عام 2006 على يد باريش رجا، الذي كان يدير الشركة بصفته المدير الوحيد والمسيطر المطلق على الأقسام كافة، بمشاركة زوجته براثيبا رجا بصفتها عضو مجلس إدارة، حيث كان الزوجان هما المساهمين الوحيدين. ورغم أن الشركة كانت تدّعي في منشوراتها الترويجية أنها تمتلك فِرقاً لإجراء «العناية الواجبة المعززة»، فإن تركيز الصلاحيات في يد فرد واحد أتاح تمرير عمليات تمويل مشبوهة بعيداً عن الرقابة الداخلية الفعالة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، أصدر رجا بياناً زعم فيه أن الأزمة هي «مأزق تقني وإجرائي» وليست فشلاً في جودة الأصول، وهي تصريحات قوبلت بتشكيك واسع من الدائنين والمحللين القانونيين.

شعار «باركليز» (رويترز)

ارتدادات عالمية

أحدث هذا السقوط صدمة في أروقة المال، خصوصاً مع انكشاف حجم تعرض المؤسسات المالية الكبرى. ويَبرز بنك «باركليز» بوصفه أحد أكثر المتضررين بحجم تعرض يقدَّر بنحو 600 مليون جنيه إسترليني، مما أدى إلى تراجع أسهم البنك في بورصة لندن، وفق صحيفة «التايمز».

ولم تكن المؤسسات الأميركية بمنأى عن هذا الزلزال؛ إذ يواجه بنك «جيفريز» (الذي تعرض سابقاً لخسائر من انهيار «فيرست براندز»)، وشركة «أطلس إس بي بارتنرز» التابعة لـ«أبولو غلوبال مانجمنت»، إلى جانب «ويلز فارغو» و«سانتاندير» و«تي بي جي»، ضغوطاً متزايدة لتقييم خسائرها. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي التمويلات التي قدمتها هذه المؤسسات للشركة المنهارة تجاوزت ملياري جنيه إسترليني، مما دفع صناديق التحوط الائتماني للبدء بتحليل دفاتر الشركة، متوقعةً عمليات بيع قسرية لديون الشركة بخصومات حادة لاسترداد ما يمكن استرداده.

صلات مشبوهة

كشفت التحقيقات التي تحدثت عنها «فاينانشال تايمز» عن أن جزءاً كبيراً من أعمال «إم إف إس» كان مرتبطاً بتمويل عقارات مرتبطة بوزير بنغلاديشي سابق. فقد كانت الشركة تمول استثمارات ضخمة مرتبطة به منذ عام 2019، وشمل ذلك مئات العقارات في إنجلترا وويلز. أثار هذا الملف تساؤلات حادة حول مدى امتثال الشركة لقوانين مكافحة غسيل الأموال، خصوصاً أن الأصول المعلنة للسياسي في بلاده كانت لا تتناسب مطلقاً مع حجم ثروته العقارية في بريطانيا، التي جمدت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة جزءاً كبيراً منها في وقت سابق.

وقد عززت هذه القضية من الانتقادات الموجَّهة إلى شركات الائتمان التي تلهث خلف عوائد مرتفعة دون التدقيق الكافي في جودة الأصول، وهو ما وصفه جيمي ديمون مؤخراً بـ«الأفعال الغبية» التي تعيد تذكير المحللين بما حدث في عام 2008.

شعار شركة «جيفريز فاينانشال غروب» معروض على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

أزمة ثقة تتجاوز «إم إف إس»

لا يمثل انهيار «إم إف إس» حالة منعزلة، بل هو حلقة في سلسلة من الإخفاقات التي ضربت شركات أميركية مؤخراً، مثل «فيرست براندز» و«تريكولور هولدينغز»، اللتين تواجهان بدورهما تحقيقات بتهم احتيال وتزييف فواتير. وتؤكد هذه الوقائع المتسارعة أن ثقافة «التوسع السريع» و«النمو غير المدروس» في سوق الإقراض المدعوم بأصول قد خلقت بيئة هشة. ومع استمرار التحقيقات، يظل السؤال الأهم الذي يطرحه المستثمرون حالياً: هل يعد انهيار «إم إف إس» جرس إنذار أخير قبل ظهور حالات احتيال أخرى في أسواق الائتمان الخاص، أم أنه مجرد فصل آخر من تداعيات السيولة الرخيصة التي تلاشت في ظل أسعار الفائدة المرتفعة؟

في ظل هذه المعطيات، تجد البنوك الدولية نفسها اليوم في موقف دفاعي، مطالبةً بتعزيز معايير الرقابة والمحاسبة، بينما يراقب العالم ما إذا كان هذا الانهيار سيقود إلى موجة من الملاحقات القضائية التي قد تغير قواعد اللعبة في سوق الإقراض العقاري الموازي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

المشاريع الكبرى وتدفقات الاستثمار تجذب بنك الأردن إلى السعودية

الاقتصاد صورة جماعية لمسؤولي بنك الأردن عقب حفل تدشين أول مقر في الرياض (الشرق الأوسط) p-circle 02:03

المشاريع الكبرى وتدفقات الاستثمار تجذب بنك الأردن إلى السعودية

لا تتوقف جاذبية السوق السعودية عند تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوسع المشاريع الكبرى.

بندر مسلم (الرياض)
عالم الاعمال مقر بنك إتش إس بي سي في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«إتش إس بي سي» يعزز حضوره الاستثماري بتعيينات قيادية في الشرق الأوسط

يسرّع بنك إتش إس بي سي تعزيز حضوره في الخدمات المصرفية الاستثمارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، عبر سلسلة تعيينات قيادية جديدة في قطاع أسواق رأس المال.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الاقتصاد برج «كومرتس بنك» في فرانكفورت (أ.ف.ب)

«كومرتس بنك» يحقق قفزة 94 % في الأرباح... ويبدأ محادثات مع «يونيكريديت»

أعلن بنك «كومرتس بنك» الألماني، الذي يواجه احتمال استحواذ بنك «يونيكريديت» الإيطالي عليه، يوم الخميس، ارتفاع صافي أرباحه بنسبة 94 في المائة خلال الربع الثاني.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
عالم الاعمال البنك السعودي الأول (الشرق الأوسط)

البنك السعودي الأول يُطلق أول بطاقة مع نادي الامتياز للخطوط الجوية القطرية

أعلن «البنك السعودي الأول»، و«نادي الامتياز للخطوط الجوية القطرية»، عن إطلاق بطاقة «الأول نادي الامتياز للخطوط الجوية القطرية الائتمانية».

«الشرق الأوسط»
عالم الاعمال «بنك الرياض» يرسم مستقبل القطاع المالي في عام الذكاء الاصطناعي

«بنك الرياض» يرسم مستقبل القطاع المالي في عام الذكاء الاصطناعي

أنشأ «بنك الرياض» نموذجه التشغيلي المؤسسي للذكاء الاصطناعي، وأطلق «مركز بنك الرياض للذكاء الاصطناعي (COI)» ليكون الركيزة الاستراتيجية لهذا النموذج.


طفرة الذكاء الاصطناعي والرقائق تقود صعود الأسواق الآسيوية

متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
TT

طفرة الذكاء الاصطناعي والرقائق تقود صعود الأسواق الآسيوية

متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية، يوم الخميس، مدفوعةً بمكاسب أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية.

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية يوم الخميس، مدفوعة بمكاسب أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، في وقت تأثرت فيه الأسواق الإقليمية بموجة الصعود التي شهدتها «وول ستريت».

ولم تشهد العقود الآجلة للأسهم الأميركية تغيراً يُذكر، بينما تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف. وصعد مؤشر «نيكا 225» الياباني 1.6 في المائة إلى 68.601.21 نقطة.

وفي كوريا الجنوبية، قفز مؤشر «كوسبي» 4 في المائة إلى 6. 844.65 نقطة، مع ارتفاع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 5.4 في المائة، بينما قفز سهم «إس كيه هاينكس» المتخصصة في تصنيع رقائق الذاكرة، 7.1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» 0.3 في المائة إلى 3.967.28 نقطة، بينما صعد مؤشر «شنغهاي» المركَّب 0.5 في المائة إلى 3.967.65 نقطة.

وفي أستراليا، تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز/ إيه إس إكس 200» بنسبة 0.4 في المائة إلى 9. 155.80 نقطة.

جاءت التحركات في الأسواق الآسيوية بعدما أعلنت عدة شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يوم الأربعاء، أرباحاً فصلية فاقت توقعات المحللين، في حين أظهر تقرير أن التضخُّم في الولايات المتحدة تباطأ قليلاً، وكان متماشيا مع التوقعات.

وفي «وول ستريت»، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، مسجلاً أول مكسب له منذ بلوغه مستوى قياسياً يوم الجمعة. وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي بأقل من 0.1 في المائة، بينما صعد مؤشر «ناسداك» المركَّب 0.5 في المائة.

وكانت أسهم شركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في صدارة المكاسب، بعدما عزَّزت نتائج الأرباح القوية الآمال في استمرار هذه الشركات بتحقيق نمو كافٍ لتبرير الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها أسهمها.

وشهدت أسهم الذكاء الاصطناعي تقلبات حادة في الآونة الأخيرة؛ إذ ارتفعت إلى مستويات قياسية، قبل أن تتعرض لضغوط بفعل مخاوف من تجاوز تقييماتها مستوياتها المبررة. ويرغب المستثمرون في رؤية الشركات التي تنفق مبالغ ضخمة على الذكاء الاصطناعي تثبت أن هذه الاستثمارات تحقق عوائد كافية على مستوى الأرباح والإنتاجية لتبرير تكلفتها، وقد يؤدي ذلك بدوره إلى دعم الطلب المستدام على الرقائق الإلكترونية وغيرها من البنية التحتية اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعدما أظهر تقرير أن المستهلكين الأميركيين دفعوا خلال الشهر الماضي أسعاراً للبنزين والمواد الغذائية وتكاليف المعيشة الأخرى أعلى بنسبة 3.4 في المائة مقارنة بالعام السابق. ورغم أن هذا المعدل لا يزال مرتفعاً، فإنه يمثل تحسناً طفيفاً مقارنة بمعدل التضخم البالغ 3.5 في المائة في يونيو (حزيران).

وقد يمنح تباطؤ التضخم مجلس الاحتياطي الفيدرالي مزيداً من المرونة لتأجيل رفع أسعار الفائدة. وينقسم مسؤولو البنك المركزي بشكل واضح بشأن توقيت البدء في رفع أسعار الفائدة، إلا أن بيانات التضخم الصادرة يوم الأربعاء دفعت المتداولين إلى تقليص رهاناتهم على رفع سعر الفائدة الرئيسي في الاجتماع المقبل للمجلس، في سبتمبر (أيلول).

وفي تعاملات أخرى في وقت مبكر من يوم الخميس، تراجع سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 0.3 في المائة إلى 83.06 دولار للبرميل، بينما انخفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، 0.1 في المائة إلى 88.89 دولار للبرميل، ليعود إلى مستوياته المسجلة خلال الأيام الأخيرة.

وفي أسواق العملات، تراجع الدولار إلى 159.30 ين ياباني، مقارنة مع 159.42 ين، بينما بلغ سعر اليورو 1.1526 دولار، بانخفاض طفيف عن 1.1527 دولار.


تراجع طفيف للذهب ترقباً لبيانات أسعار المنتجين الأميركيين

موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)
موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)
TT

تراجع طفيف للذهب ترقباً لبيانات أسعار المنتجين الأميركيين

موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)
موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)

تراجع سعر الذهب بشكل طفيف يوم الخميس، بعدما لامس أعلى مستوى له في أكثر من شهرين في وقت سابق من الجلسة، إذ أخذ المتداولون استراحة مؤقتة بعد الارتفاع الذي أعقب تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة، بينما تتجه الأنظار إلى تقرير أسعار المنتجين المرتقب بحثاً عن مؤشرات بشأن مسار أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي على المدى القريب.

وانخفض سعر الذهب الفوري 0.5 في المائة إلى 4383.53 دولار للأونصة بحلول الساعة 06:01 بتوقيت غرينتش، بعدما قفز نحو 1 في المائة إلى أعلى مستوى له منذ 5 يونيو (حزيران). كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم ديسمبر (كانون الأول) 0.6 في المائة إلى 4440.80 دولار، وفق «رويترز».

وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق في شركة «كيه سي إم»: «يشهد الذهب اليوم مرحلة من الاستقرار بعد مكاسبه التي أعقبت صدور مؤشر أسعار المستهلك، مع تراجع توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي على المدى القريب».

ويبدو أن المتداولين يفضلون انتظار تأكيد إضافي من بيانات مؤشر أسعار المنتجين المرتقبة قبل اتخاذ قرارات بشأن تحركاتهم المقبلة.

وارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 8 في المائة منذ بداية الشهر، في ظل تراجع توقعات المتداولين بشأن رفع أسعار الفائدة الأميركية، بعد أن أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة تباطؤاً في التضخم.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، لا تزال إيران والولايات المتحدة على خلاف بشأن الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الحرب، وفقاً لمصدر إيراني رفيع المستوى، قال إنه لم يُحرز أي تقدم في المحادثات الرامية إلى إحياء الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه في يونيو.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، من المرجح ألا يشعر صناع السياسة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي بضرورة ملحة لرفع أسعار الفائدة الشهر المقبل، بعدما أظهرت بيانات يوم الأربعاء تباطؤ التضخم على أساس سنوي للشهر الثاني على التوالي.

وارتفع مؤشر أسعار المستهلك 3.4 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو (تموز)، مقارنة بزيادة قدرها 3.5 في المائة في يونيو، بما يتماشى مع توقعات الاقتصاديين. ويُسعّر المتداولون حالياً احتمال رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر (أيلول) عند 40 في المائة فقط، انخفاضاً من 54 في المائة قبل أسبوع، وفقاً لأداة «فيد ووتش».

وعادة ما تدعم أسعار الفائدة المنخفضة الذهب، إذ تقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائداً.

وفي المعادن النفيسة الأخرى، تراجع سعر الفضة الفوري 0.3 في المائة إلى 65.09 دولار للأونصة، بعدما سجل أعلى مستوى له منذ 22 يونيو في الجلسة السابقة.

وانخفض البلاتين 0.8 في المائة إلى 1741.96 دولار للأونصة، بينما تراجع البلاديوم 0.9 في المائة إلى 1357.29 دولار.


«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

يدخل صندوق الاستثمارات العامة السعودي مرحلة جديدة في مسيرته الاستثمارية، عنوانها الأبرز الانتقال من النمو والتوسع إلى «تحقيق القيمة المستدامة»، مع تركيز أكبر على كفاءة توظيف رأس المال، وتعظيم أداء الأصول القائمة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، في تحول يعكس وصول عدد من القطاعات والمشاريع التي أسسها الصندوق خلال السنوات الماضية إلى مستويات أكثر نضجاً.

وتكشف استراتيجية الصندوق للفترة من 2026 إلى 2030 عن تحول في طبيعة دوره؛ فمن مرحلة اتسمت بتوظيف رأس المال على نطاق واسع لتأسيس القطاعات والشركات والمشاريع الكبرى، إلى مرحلة يصبح فيها الاستثمار النشط والأداء والانضباط المالي وتكامل المنظومات الاقتصادية محددات رئيسية للقرارات الاستثمارية.

وتأتي الاستراتيجية بعد مرحلة توسع رفعت الأصول تحت الإدارة إلى أكثر من 3.4 تريليون ريال (906.6 مليار دولار) بنهاية 2025، في حين بلغت مساهمة الصندوق نحو 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة في العام نفسه، ووصلت نسبة المحتوى المحلي لدى الصندوق وشركات محفظته إلى 57 في المائة في 2024.

وقال ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، في تقرير الاستراتيجية إن الصندوق ينفرد بطبيعة مهمته بوصفه مستثمراً محلياً ودولياً يسعى إلى تحقيق عوائد طويلة الأمد، وفي الوقت نفسه يمثل محركاً للتحول الاقتصادي في السعودية.

وأكد أن المرحلة الجديدة تستند إلى نهج استثماري طويل الأجل يركز على بناء محفظة متينة، وتعظيم قيمة الأصول، ودعم القطاعات التحولية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، مع توزيع الاستثمارات بصورة منضبطة وتحقيق قيمة مستدامة عبر منظومة الصندوق. وشدد على أن قياس النجاح لا يقتصر على النتائج المالية قصيرة الأجل، بل يمتد إلى تنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز مرونته على المدى الطويل.

من «النمو» إلى «القيمة»

وتتمثل إحدى أهم رسائل الاستراتيجية في أن حجم الاستثمار وحده لم يعد المعيار الأساسي للمرحلة المقبلة. فالسنوات الخمس حتى 2030 ستشهد تركيزاً أكبر على رفع أداء المحفظة ومرونتها وتعظيم أثرها عبر الدورات الاقتصادية، مع تحقيق توازن بين استمرار نمو أصول الصندوق والتوسع المنضبط في المنظومات الاقتصادية، إلى جانب توطين التقنيات والمعرفة وبناء الشراكات الاستراتيجية.

ويعني ذلك أن الصندوق سيواصل توظيف رأس المال محلياً ودولياً، لكن بصورة أكثر انتقائية، مع التركيز على التوقيت والقطاعات التي توفر فرص نمو واعدة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على اقتناص الفرص التي تفرزها التحولات الاقتصادية العالمية.

وتحدد الاستراتيجية سبعة أهداف رئيسية، تشمل تنفيذ الاستثمارات والمشاريع المحفزة للمنظومات الاقتصادية المحلية، والإدارة الفعالة للأصول الاستراتيجية، وتعظيم العوائد المالية المعدلة حسب المخاطر، وتعزيز مصادر التمويل، وزيادة التكامل بين المحافظ الاستثمارية، وتعظيم الأثر الاقتصادي وسلاسل القيمة بالتعاون مع القطاعين الخاص والحكومي، فضلاً عن رفع الكفاءة المؤسسية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والبيانات.

ثلاث محافظ

وتعيد الاستراتيجية تنظيم استثمارات الصندوق ضمن ثلاث محافظ رئيسية: محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية، في هيكل يهدف إلى تحقيق توازن أوضح بين العوائد المالية والأهداف الوطنية ومستويات المخاطر المختلفة.

وتقود «محفظة الرؤية» جانباً رئيسياً من التنمية المحلية عبر ست منظومات اقتصادية متكاملة، تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتطوير العمراني والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، و«نيوم».

أما «المحفظة الاستراتيجية»، فتركز على إدارة وتعظيم عوائد الأصول الاستراتيجية وتحويل شركات الصندوق إلى شركات عالمية رائدة، مع الاستثمار في مجالات مستقبلية مرتبطة بالتقنية والاستدامة والتحول الصناعي، إضافة إلى تعزيز السيولة من خلال الإدراج والأنشطة في الأسواق المالية. في المقابل، تستهدف «المحفظة المالية» تحقيق عوائد مالية مستدامة من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة عالمياً، وتنويع المحفظة وتعزيز قدرتها على تنمية الثروة الوطنية للأجيال المقبلة.

القطاع الخاص

ولعل الرسالة الاقتصادية الأكثر وضوحاً في الاستراتيجية الجديدة تتمثل في توسيع انتقال دور القطاع الخاص من الشريك والمستفيد إلى قيادة النمو والتشغيل والتوسع في المنظومات التي أسسها الصندوق.

فوفق الاستراتيجية، يتدخل الصندوق في المراحل الأولى لدعم التوسع وتقليل المخاطر وتحفيز الطلب، لكن مع وصول المنظومات إلى مستويات متقدمة من النضج، يفترض أن تتولى شركات القطاع الخاص والمشغلون والمطورون والمصنعون ومقدمو الخدمات والمستثمرون قيادة مراحل التنفيذ والتشغيل والتوسع.

ويترافق ذلك مع تغيير في آليات التمويل، إذ تتجه الاستراتيجية نحو الاعتماد بصورة متزايدة على مزيج من رأس المال المملوك للصندوق، والأرباح المبقاة، والاستثمارات الخاصة المحلية والدولية، بما يسمح بإعادة تدوير رأس المال ورفع كفاءة الميزانية وتحويل الأصول تدريجياً من نموذج تطوير يقوده القطاع العام إلى نمو يقوده القطاع الخاص.

انضباط أكبر في رأس المال

كما تضع الاستراتيجية «الاستثمار النشط» في صميم المرحلة الجديدة، بحيث لا يقتصر دور الصندوق على امتلاك الأصول، وإنما يمتد إلى العمل المباشر مع شركات المحفظة لتحسين الحوكمة وإدارة المخاطر والكفاءة التشغيلية والمكانة الاستراتيجية.

وسيخضع تخصيص رأس المال لمراجعات مستمرة، بما يسمح بإعادة توجيهه وفق الأولويات والجدوى التجارية وقدرة المشاريع على جذب استثمارات من أطراف أخرى. كما قد يشمل تحسين إدارة المحفظة إعادة النظر في الجداول الزمنية للمشاريع، ودمج بعض الأنشطة ذات الصلة وتعزيز التكامل بينها عندما يؤدي ذلك إلى رفع الكفاءة.

ويبرز التوطين كذلك بوصفه أداة للانضباط المالي وليس مجرد هدف مستقل؛ إذ تربطه الاستراتيجية بتطوير الموردين المحليين، وتقوية سلاسل الإمداد، وتقليل مخاطر التنفيذ، وتحسين الكفاءة، وبناء قدرات وطنية أكثر استدامة.

العوائد

وفي رسالة أخرى لافتة، تؤكد الاستراتيجية أن أداء الصندوق، بصفته مستثمراً طويل الأجل، لن يقاس بالنتائج الربعية أو تقلبات الأسواق قصيرة المدى. ورغم أن العائد المالي يظل عنصراً أساسياً، فإنه ليس المعيار الوحيد للنجاح.

فالقياس سيمتد إلى جودة المحفظة، والمساهمة في الاقتصاد غير النفطي، وتنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، والتوطين، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، إضافة إلى قدرة الاستثمارات على تعزيز متانة الاقتصاد السعودي ومرونته على المدى الطويل.

وبذلك، ترسم استراتيجية 2026 - 2030 تحولاً في وظيفة الصندوق من «بناء القطاعات» إلى «تعظيم قيمة المنظومات»، ومن التوسع في توظيف رأس المال إلى رفع كفاءته، ومن قيادة القطاع العام للمراحل التأسيسية إلى تمكين القطاع الخاص من تولي مساحة أكبر في النمو.

وهو تحول يشير إلى أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد المشاريع الجديدة أو حجم الأموال المستثمرة، وإنما بقدرة الأصول التي بُنيت خلال العقد الماضي على توليد عوائد مستدامة، وجذب رؤوس أموال جديدة، وخلق قطاعات قادرة تدريجياً على النمو والتوسع بآليات السوق، مع استمرار الصندوق في دوره باعتباره مستثمراً طويل الأجل ومحركاً للتحول الاقتصادي في المملكة.