يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): {الشرق الأوسط} ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا

النصيب الأكبر يذهب لـ«داعش» * فرقة أميركية تعثر على عبوات سلاح كيماوي بمنطقة جامع بورقيبة وداخل مجارير مجمع النخلات

يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): {الشرق الأوسط} ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا
TT

يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): {الشرق الأوسط} ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا

يوميات الفوضى في ليبيا (5 من 5): {الشرق الأوسط} ترصد مواقع تخزين «غاز السارين» لدى ميليشيات ليبيا

عامل النظافة الليبي، جبريل، البالغ من العمر 52 عاما، هو أول من وقعت عيناه على هذه السيارات الثلاث الغريبة.. غريبة لأن الرجال الخمسة الذين نزلوا منها في غبش الظلام، مثيرون للريبة. يرتدون على رؤوسهم أقنعة واقية من الغازات السامة، ويبدو أن لديهم جرأة كبيرة ولا يخشون أحدا في طرابلس المكدسة بالميليشيات المسلحة.
ومن وراء الضباب، في ساعات الفجر الأولى، قرب مجمع تحت الأرض مخصص لمجارير الصرف الصحي، ويعرف باسم مجمع النخلات، بمنطقة باب الحرية، بدأ جبريل يشير لزملائه الذين كانوا ينقلون أكياس القمامة إلى شاحنة البلدية في الزقاق الخلفي، وأمرهم بإشارات من يديه أن يتوقفوا وأن يلتزموا الصمت، بينما أخذ يتراجع خطوات إلى الوراء حتى اختبأ وراء الزاوية وأخذ يراقب ما يجري.
يبدو على السيارات الثلاث أنها مصفحة ومزودة بإمكانيات تقنية كبيرة. السيارة التي في الوسط لها باب خلفي مفتوح وتبدو من هناك أجهزة وأسلاك مربوطة بلوحة إلكترونية مضيئة. واتضح أن السيارتين الأخريين مخصصتان للحراسة، أو هذا ما فهمه جبريل، وهو يروي ما حدث للمحققين.
أحد الرجال الذين يرتدون الأقنعة الواقية، أتى بعتلة وبدأ مع اثنين آخرين في نزع الباب الإسمنتي الذي يغطي فوهة مجمع المجارير. واتصل عمال النظافة بنقطة أمنية تابعة لمنطقة النخلات، وبعد ساعات استيقظ قادة الميليشيات التي تحكم طرابلس على بلاغات من رجالهم بأن الأميركيين يفتشون في العاصمة عن غاز السارين القاتل.
ومنذ رحيل نظام معمر القذافي في خريف عام 2011، استولت كثير من الميليشيات المتطرفة على مخزون الدولة من غاز السارين الذي يستخدم في الحروب وهو غاز فتاك، مدمر وقاتل، ومحرم دوليا.
ورغم قول الأمم المتحدة في عام 2012 إنها أنهت مشكلة بقايا مخزون الغازات السامة، التي كانت موجودة في منطقة الجفرة في وسط البلاد، بالتعاون مع الحكومة الليبية في ذلك الوقت، إلا أن قادة من النظام الليبي السابق، كشفوا في الأعوام التالية عن وصول المتطرفين إلى بقايا أخرى كانت مخزنة في عدة مناطق متفرقة من البلاد.
وفي جولة أخيرة لـ«الشرق الأوسط» في عدة مناطق في ليبيا، أدلت مصادر أمنية وأخرى مقربة من قادة المتطرفين، بمعلومات عن الأماكن المحتملة لوجود غاز السارين في هذا البلد الصحراوي شاسع المساحة، وقدمت أيضًا تفاصيل عن بعض القيادات التي تمتلك بالفعل براميل تحتوي على غاز السارين في طرابلس، بمن فيهم قيادات في تنظيم داعش، وصفقات بيع وشراء لهذا الغاز، مشيرة إلى أنه، منذ الأيام الأخيرة من الشهر الماضي والأيام الأولى من هذا الشهر، أصبح هناك تنافس محموم بين الجانب الأميركي والجانب الروسي للوصول إلى أماكن غاز السارين في ليبيا.
واقعة عامل النظافة جبريل جرت في منتصف الشهر الحالي. وبعد نحو عشرين دقيقة من إبلاغه عن الرجال المقنعين، وصلت دورية تابعة للبلدية وجاء اثنان من رجال الأمن من نقطة النخلات، ثم جاءت سيارات تابعة لجهاز المخابرات الليبي الذي يدير الأمور في طرابلس، وهو جهاز ضعيف الإمكانيات أمام سطوة قوات الميليشيات في العاصمة. ارتفعت الأصوات، وبدأ الزعيق باللغة الإنجليزية واللغة العربية، بينما كان الباب الإسمنتي الكبير لمجمع المجارير مفتوحًا في الأرض.
وتبين وجود دليلين ليبيين مع العناصر الأميركية، ولكي يثبت هؤلاء صدق ما يتحدثون عنه بشأن مهمتهم والجهات التي تنسق معهم في طرابلس حول موضوع الغاز، قام أحدهم بالاتصال بقيادي ليبي في العاصمة. أيقظه من النوم وتحدث بدوره مع رجال المخابرات. وبعد ساعة ساد الهدوء والتفت عناصر من جهاز المخابرات الليبية، حول الأميركيين وأجهزة رصد غاز السارين التي معهم. نزل اثنان من الأميركيين المقنعين داخل فوهة المجارير، وخرج بأول عبوة من غاز السارين.
ووفقًا لأوراق تحقيقات حول هذا الموضوع ومصادر أمنية في طرابلس، فقد ذكر الأميركيون، وهم يشربون الشاي مع أحد قيادات المخابرات في العاصمة، أن كمية الغاز في العبوات التي عثروا عليها في مجمع مجارير الصرف في منطقة النخلات، كانت كفيلة بالقضاء على المنطقة كلها بمن فيها من سكان. وتبين أيضًا أن جهاز مخابرات طرابلس لم يكن على علم بقصة وجود الفرقة الأميركية المختصة بالبحث عن الغاز السام.
وأمضى الأميركيون نصف ما تبقى من النهار في شرح أهمية ما يقومون به، وأنه لا علاقة لهم بأي ترتيبات أمنية أو سياسية في العاصمة، وليس من مهامهم ملاحقة الشخصيات التي تحوم حولها شبهات التورط في أعمال إرهابية. وقبل أن يغادر مع زملائه لمواصلة البحث عن «أي آثار لأسلحة كيماوية»، قال أحد العناصر الأميركية وهو يضع القناع تحت إبطه: اطمئنوا لكن ابتعدوا عن الموضوع، لأنه خطير، ويحتاج إلى الهدوء في التعامل معه.
وعلى خلاف المعاملات الوحشية التي تقوم بها عناصر الميليشيات ضد الخصوم، تحظى الفرق الأميركية الصغيرة التي وصلت إلى طرابلس خلال الأسابيع الأخيرة، بمعاملة خاصة «واحترام كبير» وهي تنتشر ويزيد عددها بمرور الأيام في عدة مواقع، انطلاقًا من منطقة جنزور ومجمع الفروسية ومنطقة بدر. ويقول أحد القيادات الليبية معلقًا في تهكم «البلد بلدهم».
ويقول قيادي آخر مطلوب القبض عليه من عدة دول أوروبية لاتهامات تخص ضلوعه في منظمة لتهريب المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر المتوسط: «أنام وكأني في واشنطن. كلما سمعت حركة أقول ستأتي القوات وتقبض علي. أقصد طبعًا قوات أميركية». بيد أن الفرقة الأميركية التي عثرت على عبوات السارين قرب منطقة النخلات، تتحرك وهي ملتزمة بما تفعل، على ما يبدو، أي البحث عن الغاز لا أكثر. أو كما أفاد مصدر أمني ليبي: «قالوا لا علاقة لنا بالأشخاص».
بعد ليلتين من الحديث عن الأميركيين، ونياتهم، رن جرس الهاتف تحت الوسادة. ماذا؟ لقد توقفت الفرقة الأميركية أمام جامع بورقيبة الذي يقع في وسط العاصمة. الأجهزة رصدت شيئا ما هناك. وبحسب ما توفر من تفاصيل عن هذه العملية، فقد اكتشفت الفرقة كمية ثانية من غاز السارين من خلال آثار لتسرب للغاز في محطة جامع بورقيبة، لكنهم لم يعثروا على الكمية كلها. عثروا على بعض العبوات، إلا أن المكان يبدو أنه كان يحتوي على عبوات أكثر، وللأسف لم تعد موجودة.
في أحد المعاقل المؤمنة التي يلتقي فيها زعماء الميليشيات في الضاحية الجنوبية من العاصمة، قرب طريق المطار الطويل، أي مطار طرابلس المحترق، دار نقاش بين قيادي في الجماعة الليبية المقاتلة وزميل له من زعماء جماعة الإخوان المسلمين في المدينة، حول موضوع الأميركيين. الأول يلقب بـ«أبو حازم»، والإخواني الذي يعمل تحت ستار مجموعة سياسية يسمونه «سي الحاج محمد». جرى اللقاء منذ نحو عشرة أيام، أي عقب واقعة الغاز في باب الحرية وجامع بورقيبة.
قال أبو حازم: «توجد تحركات غير طيبة تقوم بها فرقة أميركية في طرابلس، وقيل إن هذه الفرقة اكتشفت غاز السارين وسط طرابلس، وإنها تستهدف قيادات من المؤتمر الوطني (أي البرلمان المنتهية ولايته) والثوار». فرد «سي الحاج»: «سمعت شيئًا مثل هذا، وتواصلت مع علي (شخص غير معروف لكن يبدو أن له اتصالات مع الجانب الأميركي)، وقال إن الأميركيين لديهم معلومات مؤكدة عن أسلحة كيماوية في طرابلس».
وتابع أبو حازم وكأنه يريد أن يدخل الطمأنينة على صاحبه في ليالي طرابلس المشحونة بالتربص والمؤامرات والخوف من المستقبل: «يا حاج لا تقلق.. الفرقة فرقة فنية لاكتشاف الأسلحة، وليس لها أي عمليات موجهة ضد أشخاص بعينهم، كما أن علي (الشخص المجهول المشار إليه) تواصل مع وزارة الدفاع الأميركية، وأكدوا له أن الغاية السلاح الكيماوي وليس الأشخاص. وقالوا له أيضًا إن الروس يريدون التدخل فسبقوهم، فقط ليس إلا».
ومن بين المقابلات التي جرت على عجل في العاصمة الليبية، فإنه توجد مؤشرات على أن بعض قيادات طرابلس تعمل مع الجانب الأميركي في مسألة تعقب غاز السارين وأي غازات حربية كيماوية أخرى، بينما توجد قيادات في منطقة الزنتان، تتواصل مع الجانب الروسي حول نفس الموضوع. الأجواء مشحونة بالغضب فيما يخص من يتواصل مع من في قضية الغاز، ومن يقدم تقارير عن من، ولأي جهة. الأميركان أم الروس. وتتهم قيادات في طرابلس أطرافا في الزنتان بأنها تقدم معلومات للروس تقول فيها إن فلانًا (قائد ميليشيا في طرابلس) جرب إطلاق قذائف من غاز السارين في منطقة صحراوية في الشهور الماضية.
ومع ذلك لم يظهر الروس في طرابلس. وعلى العكس.. زاد عدد الأميركيين. وفي الأسبوع الماضي حطت طائرة أميركية خاصة في مطار امعيتيقة الواقع قرب البحر من الناحية الشرقية من العاصمة، وعلى متنها 18 عنصرا أميركيا. ويقول مصدر أمني ليبي: «نعم.. نزلت بهم طائرة خاصة. أبلغنا بذلك مكتبنا في المطار. الطائرة قادمة بمعدات ومعها غرفة فنية متكاملة وأجهزة كشف متفجرات وإشعاعات. ودخلت هذه المعدات والتي كان معها صناديق خشبية، في مبنى بعيد عن مهبط الطائرات.. (صناديق خشبية بنية اللون مربوطة بشرائط معدنية)».
وفي المقابل يعمل قادة في الميليشيات على نقل الغاز الذي يبدو أنه تحت أيديهم من مكان إلى آخر. وبعض هذه الكميات تعرضت للسرقة، وأخرى للبيع لتنظيم داعش. والمشكلة تكمن في أن الكثير من العبوات بدأت تتآكل بسبب الصدأ، وتشكل خطورة خاصة في عمليات النقل. ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بغاز السارين في منطقتي طرابلس وغريان (غرب العاصمة)، وفقًا للتحقيقات التي تقوم بها أجهزة أمنية تعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رجل يدعى رشد، من تنظيم «جند الحق» المتشدد، الذي يعرف أيضًا باسم تنظيم «جيل التوحيد».
ويعتقد أنه كان تحت يد رشيد كميات من الغاز الذي يطلق عليه أحيانا، في حديثه مع أعضاء التنظيم اسم «بضاعة الرابطة»، ويقول أحد المحققين إنه قام بنقل كمية بالفعل من غاز السارين الذي يسميه «بضاعة الرابطة» وأرسله إلى تنظيم داعش في سرت، بينما تعرضت كمية أخرى من الغاز، يطلق عليها «بضاعة قطيسة»، للسرقة من مخزن اسمه «الخزان»، ويقع في سوق الخميس بالعاصمة. وجلب رشيد الكمية الأخيرة التي اختفت، من مخزن في منطقة قطيسة التي تقع شمال غريان.
وعلى خلفية إرسال «بضاعة الرابطة» لدواعش سرت، وسرقة «بضاعة قطيسة» في طرابلس، نشبت خلافات بين قيادات من جماعة جند الحق وبعضهم بعضا، وخلافات أخرى بين هذه الجماعة وأطراف في الجماعة الليبية المقاتلة يعتقد أنها هي من سرقت «بضاعة قطيسة» وأعادت بيعها لزعيم «داعش» في غرب ليبيا المعروف باسم المدهوني.
وفي أحد الاجتماعات بدا قيادي في جند الحق يدعى السوكني، ساخطًا على تصرفات رشيد، وبالإضافة إلى توبيخه لتصرفه من رأسه في موضوع غاز السارين، ذكر أيضًا أنه، أي رشيد، أصبح في الشهور الأخيرة متهورا ونفذ أحكاما بالقصاص (الإعدام) بحق «أخوة لنا اتضح فيما بعد أنهم أبرياء».
ويبدو أن السوكني كان قد اتفق مع المدهوني على استخدام غاز السارين (بضاعة الرابطة) لتأمين منطقة تحمل الاسم نفسه (الرابطة) وتقع في الجنوب الأوسط من طرابلس. أما بضاعة قطيسة فقد جرت وقائع عملية سرقتها من مخزن سوق الخميس بطريقة مشبوهة وفيها قدر كبير من التآمر كما اتضح من المناقشات التي حدثت بين أبو حازم ورشد فيما بعد. ويشتبه أبو حازم في أن الحراس الذين كانوا على المخزن هم الذين سرقوه. فالاثنان على أية حال لم يصدقا رواية الحراس، خصوصا أن رشيد كشف لأول مرة لمحدثه أنه كان يخبئ أيضًا، مع عبوات غاز السارين، صندوقا يحوي سبائك ذهبية.
وتقول رواية حراس مخزن سوق الخميس إن لصوصًا في سيارات هجموا عليهم في المخزن وقاموا بتوثيقهم بالحبال، وسرقوا أسلحتهم، ثم أخذوا كل ما هو موجود في المخزن، ومضوا. ووفقًا للتحقيقات المبدئية التي أجرتها قيادات في الجماعة المقاتلة وعناصر من تنظيم جند الحق، في الواقعة، فإن أيا من حراس المخزن لم يصب بأذى «ولا خدش». ثم كيف تركهم اللصوص بهواتفهم المحمولة، دون أن يأخذوها منهم.
وبعد واقعة سرقة الغاز، ظهرت في الأسبوع الماضي صفقة أسلحة جديدة تتضمن غاز السارين موجهة للمدهوني زعيم «داعش»، من قيادي في ميليشيا أبو سليم، يدعى عبد الغني. وكانت كمية الغاز ضمن صفقة جديدة للسلاح يقوم عبد الغني ببيعها للمدهوني. وتقول التحقيقات إن هذه الصفقة التي تعد واحدة من صفقات كثيرة بين الرجلين، تتضمن عشرين صاروخا حراريا وعربتين محملتين بصواريخ غراد وذخيرة و«بضاعة ممتازة»، بالإضافة إلى غاز السارين. ورد عليه القيادي الداعشي قائلا: «نشتريها اليوم، قبل الغد».
تحركات عبوات غاز السارين في طرابلس أثارت حفيظة اثنين من قيادات الإخوان المسلمين في ليبيا، وهما يستعرضان تطورات المراقبة التي تقوم بها طائرات أجنبية في سماء طرابلس ومناطق أخرى من البلاد، خاصة سرت.
وتقول مصادر قريبة من المتطرفين إن القياديين الإخوانيين المشار إليهما، تحدثا في لقاء جرى بينهما منذ نحو أسبوع، عن رصد عمليات نقل للغاز إلى مناطق في غرب طرابلس أيضًا، وأن «الأوضاع ليست طيبة» وأن «هناك أطرافا روسية تجري تحقيقات عن تسرب شحنة من عبوات غاز السارين، إلى سوريا، عبر إحدى دول البحر المتوسط، وأنه جرى أيضًا رصد طائرات أميركية وفرنسية وهي تراقب مواقع لأسلحة للميليشيات في العاصمة. كما تحدثا عن قلق الأمم المتحدة من قضية غاز السارين نفسها.
واعترض محققون مختصون في طرابلس تقارير مرسلة لأحد أطراف جماعة الإخوان في مصراتة، من رجل يعمل في الغرفة الأمنية في العاصمة، قال فيها إن الجهات التي بدأت في تتبع أماكن غاز السارين في طرابلس، تجد صعوبة في تحديد مواقعها، بسبب السرعة في تغيير مخازنها من يوم إلى يوم.
ويبدو أن هذا الرجل كان ضمن فريق نجح في العام الماضي في تحديد أماكن كثير من مواقع تخزين عبوات غاز السارين، لكن لم يلتفت إليها أحد، بحسب قوله، وأضاف موضحًا في التقرير: «جف ريقنا ونحن نحذر، لكن كانوا (في سلطات طرابلس غير المعترف بها دوليا) حين يسمعون اسم غاز السارين لا يتحرك أحد. والآن تغيرت أماكنها ولا نعرف أين هي».
وتضمن التقرير الذي جرى اعتراضه بواسطة الأجهزة الأمنية، قول هذا الرجل للقيادي الإخواني في مصراتة: «تفاصيل قصة غاز السارين موجودة لدى فلان وفلان. وعدد أسماء لقادة ميليشيات تعمل في طرابلس وسرت ومدن أخرى، وهم: رشد، وأبو حازم، والمدهوني، وعبد الغني، ورجل اسمه الميرغني، وقيادي ليبي آخر يلقبونه بـ(أفغاني ترهونة)، وأبو عبيدة». وأضاف: هؤلاء هم رؤوس الغاز، وهم الذين وزعوه في طرابلس والزاوية. وعندهم في مخازنهم.
لكن ومع تنامي الضغوط الدولية للتدخل وكسر شوكة المتطرفين في ليبيا، دبت خلافات بين عدد من الأسماء التي يشتبه بأنها على علم بأماكن تخزين غاز السارين، ووصل الأمر إلى قيام البعض بسرقة ما لدى الآخر من عبوات فتاكة، والتسابق على حيازتها. وفي واقعة من هذه الوقائع، تبين من مصادر أمنية وأخرى على علاقة بنشاط المتطرفين، أنها جرت بالتنسيق بين المدعو عبد الغني، القيادي الميليشياوي المشار إليه، وآخر يسمى كريدان، القيادي فيما يعرف بسرايا ثوار سوق الخميس.
الاتفاق يتلخص في أن يتوجه كريدان، على وجه السرعة، لجلب كمية من غاز السارين مخبأة في منطقة «أرض الخرابة» قريبة من منزل عقيد سابق اسمه الفيتوري. ويبدو أن هذا العقيد لا علاقة له بالأمر. كان عبد الغني يريد الوصول إلى هذه الكمية قبل أن يصل إليها القيادي أبو حازم، حيث إن هذا الأخير كان قد تحرك بقوات للوصول إلى المكان نفسه لأخذ الكمية، لكن المسافة التي سيقطعها أطول من المسافة التي تفصل كريدان عن «أرض الخرابة». أبو حازم ما زال في منطقة الهضبة البعيدة، بينما كريدان كان في منطقة الفرناج القريبة من موقع الغاز.
لا توجد خريطة يمكن أن تصل عن طريقها إلى «أرض الخرابة». لا بد أن يصف لك أحد أبناء المنطقة كيفية الانتقال إلى هنا. عليك أولا أن تسلك الشارع (غير مرصوف ودون اسم) في اتجاه مبنى سجن الجديدة بحيث يكون المبنى على يمينك. ثم تواصل السير حتى تعثر على بداية الطريق المرصوف بالإسفلت، وهو موجود بعد السجن بمسافة قصيرة. وتظل تتقدم حتى تجد مجموعة من المنازل المتجاورة على اليمين.
ومن هنا تدخل أول زنقة على اليمين أيضًا، وبعد المنزل الثاني، وهو منزل العقيد الفيتوري، تجد قطعة «أرض الخرابة»، حيث يوجد وسط النفايات مجموعة من «البراميل الجرماني»، من بينها برميل لونه أزرق وعليه جمجمة بيضاء، فيه عبوات الغاز، وهو المطلوب. ووفقا لنص التحقيقات فقد طلب عبد الغني من كريدان أن يأخذ حذره مع مجموعته وهم ينقلون العبوات، لأنها متآكلة من الصدأ.
تشير التحقيقات أيضًا إلى أن كميات السارين التي تعرضت للسرقة من سوق الخميس ومن «أرض الخرابة»، وصل أغلبها في نهاية المطاف إلى معسكرات المدهوني الداعشية المنتشرة في طرابلس وحتى بلدة صبراتة غرب العاصمة، وذلك بالتزامن مع ازدياد قدرات التنظيم المتطرف وانتشاره واستقباله لعشرات القيادات من دول مختلفة، وتعامله بشكل مباشر مع الخليفة المزعوم في العراق والشام، أبو بكر البغدادي.
آخر الزيارات النادرة التي قام بها المدهوني، وهو ممتلئ بالثقة، كانت لقيادي داعشي مصري يلقب بـ«خضير» في طرابلس، وهو وفقا للمصادر من بين المتهمين بالضلوع في الهجوم على السفارة الإماراتية في ليبيا في يوليو (تموز) 2013. وكان سبب الزيارة مرض خضير بالكلي. وأثنى الرجل المريض على عمليات «داعش» التي أدت قبل ثلاثة أسابيع لحرق منشآت نفطية في رأس لانوف، في شرق ليبيا، فرد عليه المدهوني، بحسب وثائق أمنية: «إخوتنا قاموا بأعمال جليلة، سال لها دمع الخليفة فرحا وبشرى. نجح الأخوة في حرق أرزاق الخوارج (يقصد السلطات الشرعية في البلاد) ومصادر تموينهم».
ويتنقل المدهوني بين مقراته في عين زارة ومنطقة امعيتيقة (معسكرات تضم سجنًا أيضًا في الجانب الشرقي من العاصمة) ويقيم أحيانا في دار الحسبة التي تقع على شاطئ القرابولي على بحر طرابلس، ويتردد كذلك على معسكرات ومراكز تدريب داعشية أخرى أصبحت منتشرة في غرب المدينة وفي نقاط تمتد حتى قرب الحدود مع تونس.
وفي اليومين الماضيين رد المدهوني على عدد من قيادات الميليشيات التي انتقدته لشعورها بالقلق من تنامي نفوذه بشكل كبير وفي وقت قياسي، بقوله: «هذا ليس وقت المعارك الجانبية. نحن نعد لمعركة طرابلس الكبرى. وطلب من أنصاره شراء المزيد من الأسلحة والغاز، اليوم قبل بكرة».
(يوميات الفوضى في ليبيا 4 من 5): «داعش ليبيا» يشتري «مرسى بحريًا» قرب حدود تونس ويخزن ترسانة أسلحة في طرابلس
(يوميات الفوضى في ليبيا 3 من 5): تفاصيل خلافات المال والسلاح بين قادة ميليشيات طرابلس
(يوميات الفوضى في ليبيا 2 من 5): ضواحي بنغازي ملاذ الدواعش بعد هروبهم من ضربات الجيش والصحوات
يوميات الفوضى في ليبيا (1 من 5): «أشباح إجدابيا» يثيرون الفزع في منطقة الهلال النفطي



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.