تونس: الدوران في حلقة مفرغة

مع استفحال الأزمات السياسية والاقتصادية

شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)
شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)
TT

تونس: الدوران في حلقة مفرغة

شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)
شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)

بعد نحو أسبوع من توقف أعمال العنف والاحتجاجات الاجتماعية والشبابية غير المسبوقة في تونس، لم تنجح «خريطة الطريق» الجديدة التي عرضها رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، خلال نقاش مفتوح بالبرلمان في تطمين الـ300 ألف رجل أعمال تونسي ولا غالبية النقابات والأطراف السياسية. لقد تابعت وسائل الإعلام المعارضة والمستقلة والقريبة من الأحزاب المشاركة في الحكومة إبراز النقائص والسلبيات، وارتفعت من جديد الأصوات المطالبة بإحداث تغيير جوهري في المشهد السياسي.. بدءًا من الاستعاضة عن الحكومة الحالية بـ«حكومة إنقاذ وطني» قد تُعين على رأسها شخصية من رموز المعارضة العلمانية في عهد زين العابدين بن علي مثل أحمد نجيب الشابي ومصطفى بن جعفر.
وتتزامن هذه التطورات مع الذكرى الخامسة لانتفاضة 2011، وإسقاط حكم بن علي، وتعمق الانشقاق والأزمة الداخلية في حزب نداء تونس، الحزب الذي أوصل الرئيس الباجي قائد السبسي إلى قصر قرطاج ورفاقه إلى الحكم.
فإلى أين تسير تونس بعد بدئها العام السادس من ثورتها الشبابية بـ«تمرّد شبابي» جديد؟
على الرغم من تأكيد غالبية زعامات الأحزاب التونسية الأربعة المشاركة في حكومة رئيس الوزراء الحبيب الصيد، وقوفها إلى جانبه بعد مواجهات قوات الأمن مع عشرات الآلاف من الشباب العاطل عن العمل الذي نزل إلى الشوارع، فإن مؤشرات استفحال الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كثيرة جدًا.
ويعد ثلة من الخبراء السياسيين والاقتصاديين، مثل وزير المالية السابق حكيم حمودة، أن «الوقت قد حان ليفهم الساسة والاقتصاديون أن الأسباب العميقة لأزمات تونس السياسية والاجتماعية منذ سنوات هي انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية 2008 - 2009 عليها».
وفي الوقت الذي تحتاج فيه تونس إلى نسبة نمو اقتصادي عامة سنويًا لا تقل عن 7 في المائة حتى توفر مائة ألف موطن شغل جديد للعاطلين عن العمل، تراجعت تلك النسبة إلى أقل من 5 في المائة منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، ثم إلى أقل من 3 في المائة بعد الإطاحة بحكم بن علي.
نسبة النمو في العام الماضي كانت قريبة من الصفر، وتوشك الأوضاع أن تستفحل هذا العام والعام المقبل ما لم ينتعش قطاع السياحة والخدمات مجددًا، على اعتبار أن مساهمته المباشرة وغير المباشرة مهمة في توفير موارد رزق مئات الآلاف من العائلات وآلاف المؤسسات الصناعية والزراعية والسياحية والخدماتية.
صعوبات أم ركود؟
وفي حين تعاقبت تصريحات التطمين الموجهة إلى الشعب الصادرة عن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ورئيس الوزراء الحبيب الصيد، وكذلك زعامات حزب حركة النهضة، فإن الخبراء والساسة المستقلين والمعارضين لا يخفون تخوّفاتهم من اندلاع انفجارات اجتماعية شبابية جديدة، احتجاجًا على عجز الحكومات الثماني التي تعاقبت على السلطة منذ «ثورة 2011» عن معالجة معضلتي البطالة والفقر.
وفي هذا السياق، يعد الخبير الاقتصادي والاجتماعي رضا الشكندالي أن «حصيلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتعاقبة منذ 5 سنوات أن تونس انتقلت من مرحلة (الصعوبات) الاقتصادية قبل عام 2011 إلى مرحلة (الركود) الشامل اليوم». وحمّلت الخبيرة الاقتصادية والإعلامية جنات بن عبد الله مسؤولية هذا التطور السلبي إلى «حكومات ما بعد الثورة»، خصوصا الفريق الحكومي الحالي، وإلى «تقديم الولاء على الكفاءة والخبرة في التعيينات السياسية والإدارية».
«القنبلة الموقوتة»
في الوقت نفسه، حذّرت دراسات وتقارير أعدّها اتحاد نقابات العمال من انفجار «القنبلة الموقوتة» الشبابية والاجتماعية مجدّدًا، مهدّدة «المكاسب السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها توسيع هامش الحريات وتنظيم انتخابات تعدّدية نزيهة والمصادقة على الدستور الجديد». ولقد حذّر عبيد البريكي، الأمين العام المساعد السابق لاتحاد نقابات العمال، من «تضخم نسب العاطلين عن العمل وتدهور أوضاع الطبقة الوسطى وتراكم مؤشرات الفقر».
في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي شيحة قحة أن عدد العاطلين عن العمل ارتفع من 300 ألف قبل «ثورة يناير (كانون الثاني) 2011» إلى نحو 700 ألف حاليًا. ومن جانبه، قدّر وزير المالية السابق حكيم حمودة نسبة الفقراء اليوم في تونس - أي الذين يعيشون بأقل من دولار واحد يوميًا - بخُمس السكان في العاصمة والمناطق الساحلية وثُلث السكان في الجهات المهمّشة والحدودية مع الجزائر وليبيا، مثل القصرين والكاف وجندوبة ومدنين وتطاوين وقبلي.
خلل بين الجهات
وحسب تقرير أممي فإن الخلل في التوازن بين الجهات (أو الأقاليم) لا يزال خطيرًا في تونس بعد خمس سنوات من الثورة التي فجّرها شبابها. إذ بلغت نسب البطالة بين شباب المحافظات الداخلية نحو 50 في المائة مقابل نحو 6 في المائة فقط في محافظات الساحل السياحية مثل المنستير وسوسة اللتين هما موطن الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وغالبية وزرائهما ومستشاريهما.
وكشف التقرير نفسه فوارق جهوية مماثلة في مجالات التعليم والخدمات الطبية والصحية. فلقد بلغ الانخراط في التعليم بالنسبة للأطفال بين سن 6 و11 سنة نسبة 99.5 في المائة لمدينة تونس العاصمة وضواحيها، مقابل 92 في المائة في ولاية القصرين عام 2011.
وعلى الرغم من إقرار الحكومة الحالية والحكومات السابقة بهذه الحقائق، التي تفسّر عودة الاضطرابات والمواجهات التي تسببت في مقتل رجل أمن وإصابة مئات بجراح، فإن المعارضة لم ترحّب بـ«الوثيقة التوجيهية» الجديدة للتنمية التي قدّمها رئيس الوزراء الصيد أمام البرلمان.
كذلك تابع زعماء المعارضة اليسارية، مثل حمّة الهمامي زعيم «الجبهة الشعبية»، انتقاداتهم للفريق الحاكم وللائتلاف الحزبي الذي يدعمه بزعامة حزبي نداء تونس وحركة النهضة.
السير بين الألغام
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في ظل هذه المزايدات: هل تعني ردود فعل قيادات اليسار ونواب المعارضة على الحكومة عودة للدوران في «الحلقة المفرغة»؟ أم ستكون مجرد مزايدات «سياسيوية» وتعبيرًا عن تحفّظات «شكلية» وليس على جوهر «خريطة الطريق» المقترحة؟
لعل من أبرز ما ينبغي التوقف عنده أن مضاعفات «الانتفاضة الشبابية الاجتماعية الجديدة» ليست اجتماعية فقط، بل تطوّرت إلى انتقادات سياسية بالجملة للحكومة. وشملت هذه الانتقادات أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في البلاد و«ظاهرة عودة التعذيب»، ومن ثم وجد رئيس الحكومة نفسه مجددا، مطالبًا بـ«السير بين الألغام»، ومحاولة تقديم خطاب لا يستفزّ الشباب والعاطلين عن العمل ولا يغضب رجال الأعمال، مع محاولة التوفيق بين شركائه في الحكم وخصومه ومعارضيه.. عبر منهج «توافقي» و«براغماتي».
حتى متى؟
إلا أن من بين الأسئلة التي تفرض نفسها رغم ذلك: حتى متى ستستمر الأزمات الاجتماعية والقطيعة مع الشباب في بلد يفاخر بكون شبابه نظم قبل خمس سنوات «ثورة الشباب والكرامة»، وأنجز «تغييرًا سياسيًا سلميًا»؟ حتى متى سيقنع الشباب وأبناء الطبقات الاجتماعية الشعبية والفقيرة بـ«خطاب التطمين»، والوعود والإقرار بالنقائص وبشرعية مطالب المتظاهرين سلميًا مقابل اتهام بعض «الأطراف» (؟) بالتورّط في «الاندساس» و«التسلل» إلى التحركات السلمية ودفع جانب من المشاركين فيها نحو العنف والسرقة والاعتداء على رجال الأمن؟
لعل من بين التحديات هنا أن كثيرين من الجامعيين، على غرار عالم الاجتماع محمد الجويلي، يتحدثون عن «أزمة ثقة شاملة» تمرّ بها قطاعات واسعة من النخب والطبقة السياسية بمختلف ألوانها. و«أزمة الثقة» هذه ما عادت تقتصر على «الأقلية» و«بعض النخب»، بل توسّعت لتشمل غالبية السياسيين العلمانيين والليبراليين واليساريين والإسلاميين والقوميين.. إلخ. وهنا يعرب علماء النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع مثل عبد الوهاب محجوب وعبد الوهاب حفيظ عن تخوّفهم من العودة بالبلاد إلى «المربع السابق»، أي مربع تمييع مطالب الشباب العاطل والمهمّش والطبقات الشعبية والوسطى واختزال الأزمة في مزايدات من يوصفون بـ«المخربين» و«المنحرفين» و«المتآمرين» على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي. وقد بات المسكوت عنه أكثر من المصرح به.. بما في ذلك بالنسبة إلى كبار المسؤولين في حزب الرئيس السبسي وشركائه أحزاب الائتلاف الرباعي وللحكومة.
فوائد الدين
في الأثناء يلفت سياسيون وخبراء بارزون، مثل الناطق الرسمي باسم حزب العمال و«الجبهة الشعبية» المعارضة حمّة الهمامي، إلى أن «من بين أخطر التحديات التي تواجه البلاد اليوم وستواجهها خلال عامي 2016 و2017 حلول موعد تسديد فوائد الدين، التي تحوم حول سبع مليارات دولار، فضلا عن الخسائر التي ستلحق بالميزانية العامة للدولة وبمصالح الضرائب والجمرك، نتيجة الضربة الموجعة جدًا التي وجهت إلى قطاع السياحة في أواخر يونيو (حزيران) الماضي ثم إلى أعلى رموز الدولة (أي الحرس الرئاسي) من خلال هجوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».
ومن جهته، يقول الخبير الاقتصادي، شيحة قحة، إن «مثل هذه المعضلات تزيد من تعقيد أوضاع الطبقات الشعبية والوسطى في مرحلة تراجعت معها إنتاجية الموظف والعامل إلى أدنى مستوياتها، وهذا مع تورّط الحكومات المتعاقبة منذ خمس سنوات في إعطاء أولوية للأجندات السياسية والحزبية و(الترضيات) والتعيينات وفق قاعدة (الأقربون أولى بالمعروف) وليس لمكافحة البطالة».
كذلك «أعطت الحكومات أولوية لتحسين أجور العمال، ترضية للنقابات وليس إلى التشغيل ومقاومة الفقر ضمن استراتيجية جديدة تبدأ بتحسن مناخ الأعمال والاستثمار بعيدًا عن الشعارات الفارغة»، كما أوضح الخبير الاقتصادي التونسي والدولي صالح جبنون.
فرص لا تعوّض
في المقابل، سجل إلياس فخفاخ، وزير السياحة والمالية السابق والقيادي في حزب التكتل، أن «الحكومة الحالية أمام فرص لا تعوض يفترض أن تساعدها على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية». وفي هذا السياق لفت فخفاخ النظر إلى كون تونس كسبت نحو أربعة مليارات من الدنانير (مليارا دولار) بفضل تراجع أسعار النفط في وقت وجيز من نحو 120 دولارا إلى أقل من 30 دولارا.. بما خفّف أعباء الدولة في مجال دعم المحروقات. كذلك أشار إلى كون من بين «الفرص التي قد لا تعوّض» انخفاض سعر اليورو عالميًا مقارنة بالدولار، وهو ما يعني تخفيف أعباء حكومة تونس في مجال إرجاع الديون وتسديد فوائدها وخدماتها.
يضاف إلى كل ذلك أن العام المنقضي كان، مثلما أورد سعد الصديق وزير الفلاحة (الزراعة)، استثنائيًا من حيث مساهمته في ميزانية الدولة بفضل صادرات الزيوت والتمور والسمك التي ناهزت الملياري دولار. ما يبعث على التساؤل هل يعقل بعد كل هذا التمادي في تبرير «الإخفاقات في سياسات الحكومات المتعاقبة بالعوامل الأمنية فقط»؟ أوليس الإخفاق الأمني بدوره جزءا من فشل بعض المسؤولين الذين عينوا في مناصبهم على أساس قاعدة «الولاء قبل الكفاءة»؟
حكومة إنقاذ وطني
في مثل هذه الظروف قد يستسيغ كثيرون فكرة تشكيل «حكومة إنقاذ وطني» جديدة يتسابق أقطاب السياسة والمال في تونس على إعلان مرشحيهم لها مثل المهدي جمعة رئيس الحكومة السابق، والمنذر الزنايدي وزير التجارة والسياحة والنقل في عهد بن علي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية. لكن ثمة من يشكك فيما إذا كان الحل يكمن في إسقاط حكومة الصيد الثانية التي تشكلت قبل أسبوعين لا أكثر. ويتخوّف من أن يتسبب إسقاطها بشل مؤسسات الدولة التي تعاني أصلاً من عواقب غياب الاستقرار منذ مطلع 2011.
قد تتباين الآراء بين من يعطون أولوية للملفات السياسية ودعاة التفرغ للأولويات الاجتماعية والاقتصادية، بعيدًا عن أطماع «الزعماء» الذين يسيل لعابهم بعد كل أزمة عابرة من أجل الوصول إلى قصور السلطة.
«انتهازية» الساسة
الدكتور محسن الكوني، وهو أستاذ الفلسفة في ولاية القصرين، علق على انفجار الاحتجاجات الجديدة مجدّدًا في الوسط والمناطق المهمّشة بـ«الانتهازية» التي سادت النخب المثقفة والسياسية عندما لم تقدم معضلات البطالة والفوارق بين الجهات على أجنداتها السياسية وكل «الأولويات في البلاد». ولقد سبقه كثيرون، بينهم الجامعي قيس سعيد، الخبير في القانون الدستوري، فأكد مبكرا كون «الإصلاحات القانونية والدستورية ما كان لها أن تستنزف طاقات البلاد طوال الأعوام الماضية، ولا أن تشغلها عن أولوية الأولويات التي هي معالجة ملفات الفقر والبطالة واختلال التوازن بين المناطق المهمشة والجهات المحظوظة والمشكلات الهيكلية التي تنخر الاقتصاد والبلاد».
الثورة والثورة المضادة
في الأثناء تعمقت التناقضات داخل النخب السياسية والنقابية والثقافية بين من يدافعون عن «مكاسب الثورة» والمتهمين بخدمة «الثورة المضادة»، وأنصار إسقاط الائتلاف بين حزبي «النداء» و«النهضة» ومن يدعو إلى تعزيزه.. بين الذين يقدّرون حيادية رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد واستقلاليته ونظافة يديه، ومن يتهمه بالفشل والإخفاق. وجاء «التطبيع» مع عدد من رموز النظام السابق وأصهاره ووزرائه ومستشاريه من دون مسار واضح للإنصاف والمصالحة الوطنية، ومن دون استرجاع ممتلكات الدولة وأموال الديوانة والضرائب، ليدعم مواقف «الشباب الثائر بطبعه ضد القديم والسلطة» كما يقول عالم الاجتماع عبد الوهاب محجوب.
وفي هذا السياق تطرح نقاط استفهام حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى توقيف مئات من السياسيين ورجال الأعمال دون غيرهم وحول ملابسات الإفراج عنهم وغلق ملفاتهم. ولئن اعتبر قسم من المتظاهرين في القصرين وسيدي بوزيد وتونس العاصمة «الإفراج في ذكرى الثورة عن صهر بن علي والتعهد بتسوية ملف صهر ثان قريبًا»، تكريسا لانتصار «الثورة المضادة»، فإن من بين الملاحظات التي يقدمها خصومهم أن «التطبيع مع غالبية أصهار بن علي ومع رجال الأعمال والوزراء المتهمين السابقين بالفساد المالي إنما تحقق في عهد (الترويكا)، ثم في عهد حكومة التكنوقراط برئاسة المهدي جمعة وفي ظل حكم حزب النداء».
وبالتالي، هل لا يزال مشروعًا الحديث عن قوى «الثورة» و«الثورة المضادة» بالنسبة إلى النخب السياسية والحزبية التي تتحكم في قوانين اللعبة منذ خمس سنوات، أم أن من حق الشباب أن يثور عليها جميعا باعتبارها متهمة بدرجات متفاوتة في الإخفاقات المتعاقبة بسبب عدم اعتمادها سياسة شفافة للإنصاف والمصالحة، وتورطها في «تسويات تحت الطاولة» و«عدالة انتقائية وانتقامية» وخيارات الابتزاز خدمة لمصالح شخصية وحزبية وجهوية وفئوية؟
الولاء قبل الكفاءة

على هذا الصعيد أيضًا تتباين التقييمات للخبرات التونسية في الإدارة ومؤسسات الدولة. ولا شك أن كثيرا من بين المسؤولين في الوزارات والإدارة المركزية والإدارات الجهوية والمحلية كانوا قبل الثورة يفتقرون إلى النزاهة أو الخبرة والكفاءة أو إلى الاثنين معًا. ثمة من يقول إنه آن الأوان الآن لكي تصبح الأولوية في معايير إسناد المسؤوليات إلى الكفاءة والخبرة من الولاء.

* إعلامي وكاتب تونسي



هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
TT

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

أعادت الولايات المتحدة هذا الأسبوع فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، بالتزامن مع توسيع الضربات ضد مواقع الرادارات والدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها إيران لتهديد الملاحة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية تعمل في المنطقة، بينما أعلن ترمب أن «المضيق مفتوح أمام السفن غير الإيرانية». غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن إصابة ناقلة واحدة، أو حتى ارتفاع كلفة التأمين، يكفيان لإبطاء الحركة التجارية من دون حاجة إلى إغلاق كامل للممر البحري.

المعضلة الأميركية أن حماية السفن وفرض الحصار مهمتان تتزاحمان على الموارد نفسها. فالمدمّرات المزودة بصواريخ موجهة تستطيع مرافقة الناقلات واعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها مطلوبة أيضاً في خليج عُمان لمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وخلال الشهرين الماضيين، قالت القوات الأميركية إنها ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور المضيق، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن الصواريخ الساحلية التي تطلق من مسافات قريبة قد تصل قبل اعتراضها. وهذا يجعل السيطرة الأميركية مكلفة وغير مكتملة، ويمنح طهران قدرة تعطيل تفوق وزنها البحري التقليدي.

الإمساك بمفاتيح هرمز

في المقابل، لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات الناقلات كي تثبت أنها ما زالت تمسك بجزء من «مفاتيح» هرمز، بل يكفي أن تُبقي شركات الشحن والتأمين في حالة خوف، وأن تجعل الطريق الجنوبي بمحاذاة عُمان غير مضمون تماماً. ولقد اتهمت واشنطن «الحرس الثوري» بمهاجمة سبع سفن تجارية خلال أسبوع، بينما هددت طهران بوقف صادرات الطاقة في المنطقة إذا مُنعت تجارتها من المرور. وبذا تحاول إيران تحويل الحصار الموجّه ضد اقتصادها إلى أزمة جماعية تصيب منتجي المنطقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مقابلة. ووفق موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، يدرس ترمب توسيع «بنك» الأهداف ليشمل محطات الكهرباء والجسور ومواقع استراتيجية أعمق إذا رفضت إيران العودة إلى التفاوض. ولقد بدأت الضربات بالفعل تتجاوز الشريط الساحلي، فيما يستمر استهداف منشآت مدنية مزدوجة الاستخدام، أو مواقع محصّنة في العمق كـ«جبل الفأس»، انتقالاً إلى مستوى مختلف من الحرب، ما قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية على قواعد أميركية أو منشآت طاقة في دول المنطقة وإسرائيل. ولذا يحاول الطرفان البقاء تحت سقف يصعب ضبطه: قتال مؤلم بما يكفي للضغط، لكنّه ليس واسعاً إلى درجة إسقاط كل فرص التسوية.

النفط وصناديق الاقتراع

الساعة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ترمب ليست عسكرية فقط، بل انتخابية. فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تضع حداً زمنياً واضحاً أمام البيت الأبيض. وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل بعد انهيار التهدئة، فيما بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.84 دولار للغالون. وهنا يرى محللون أن السعر قد يتجاوز 4 دولارات خلال أيام إذا استمرت اضطرابات هرمز، وهو مستوى يسهل أن يتحوّل إلى قضية انتخابية يومية.

هذه الأرقام تفسّر جانباً من مقامرة طهران؛ فالقيادة الإيرانية تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات، لكنها تراهن على أن الألم السياسي في الولايات المتحدة قد يتصاعد أسرع من الانهيار الاقتصادي داخل إيران. ووفق تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يعتقد كل طرف أن بإمكانه إبقاء المواجهة منخفضة الوتيرة حتى يرضخ الآخر: ترمب يريد فتح المضيق وانتزاع تنازلات نووية قبل الانتخابات، وطهران تريد الصمود حتى يتحوّل ارتفاع الوقود والتضخم إلى عبء يومي على الجمهوريين.

غير أن الرهان الإيراني ليس مضموناً؛ إذ أظهرت الأشهر الأولى من الحرب أن واشنطن قادرة، ولو جزئياً، على فتح مسارات ملاحية وتأمين عبور مئات السفن. كما أن الحصار المتجدّد يهدد بتجفيف إيرادات النفط التي تحتاج إليها طهران لإعادة بناء الصواريخ والدفاعات الجوية. وفي الوقت نفسه، قد يختار ترمب التصعيد بدلاً من التراجع إذا شعر بأن استمرار الاشتباك حتى نوفمبر سيبدو هزيمة سياسية له. وهنا تتحول الانتخابات من قيد على الرئيس إلى حافز لطلب «نصر واضح»، ما يجعل الأسابيع المقبلة أكثر خطورة.

ومع أن البيت الأبيض يراهن على «احتواء» الصدمة النفطية عبر زيادة الصادرات من خارج إيران، وتوسيع استخدام المسارات البديلة، وإشراك الحلفاء في حماية الملاحة، فإنه في المقابل لا يملك أي ضمانة بأن السوق ستنتظر.

إذ أظهرت بيانات تتبّع السفن أن معظم العابرين قبيل بدء الحصار الجديد كانوا مرتبطين بالتجارة الإيرانية، بينما غابت تقريباً ناقلات التحميل من منتجي المنطقة الآخرين. وبالتالي، إذا طال الاضطراب، فلن يبقى أثره في محطات الوقود وحدها، بل سيمتد إلى النقل والسلع والتضخّم وأسعار الفائدة، في حين كان ترمب يأمل باستخدام تراجع الأسعار دليلاً على نجاحه الاقتصادي. ومع ذلك، يستطيع ترمب إصدار أوامر تنفيذية تسمح لإدارته بتقديم مساعدات مالية للعائلات الأميركية للتعويض عن ارتفاع الأسعار، كما جرى خلال جائحة «كوفيد - 19».

حسابات جبهة لبنان

بالتوازي مع التصعيد في الخليج، استضافت روما جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بوساطة أميركية لتنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يوم 26 يونيو (حزيران). وتتركّز المباحثات على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان: بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ونشر الجيش اللبناني، ثم بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ووصف مسؤول أميركي المباحثات بأنها إيجابية، لكنه أقرّ ضمنياً بأن التقدّم سيكون بطيئاً؛ إذ تتمسّك بيروت ببدء الانسحاب الإسرائيلي كي تتمكن الدولة من إثبات جدوى المسار، بينما تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب ما دام «حزب الله» يحتفظ بسلاحه.

هذا الخلاف ليس إجرائياً فقط، بل يتعلّق بمَن سيبدأ الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. لبنان يخشى أن ينفذ التزاماته الأمنية ثم يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائماً، فتظهر الدولة عاجزة أمام جمهورها، ويستعيد «حزب الله» مبرّر السلاح. أما إسرائيل فتخشى أن تنسحب أولاً ثم يعيد الحزب بناء مواقعه جنوبي الليطاني أو يتسلّل إلى المناطق التي يتسلمها الجيش. ولهذا تحاول واشنطن و«سنتكوم» بناء نموذج محدود يمكن التحقق منه ميدانياً قبل تعميمه، مع مراقبة انتشار الجيش وتفكيك المواقع وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل متزامنة.

بالنسبة إلى إيران، سيكون نجاح هذا النموذج أخطر من خسارة موقع عسكري منفرد. فـ«حزب الله» كان طوال عقود أكثر أذرعها الإقليمية تنظيماً وقدرة على الردع، و«الجسر» الذي يربط النفوذ الإيراني بالساحة المتوسطية. وبالتالي، حصر سلاحه تدريجياً بيد الدولة اللبنانية لا يعني فقط إضعاف الجبهة الإسرائيلية الشمالية، بل إعادة تعريف موقع الحزب داخل لبنان، من قوة تقول إنها تحمي البلاد إلى طرف يُحمّله خصومه مسؤولية إطالة الاحتلال وتعطيل السيادة.

ولكن هذا التحول لا يحدث بقرار خارجي؛ فالحزب رفض الاتفاق ومسار نزع السلاح، ولا يزال يملك قاعدة اجتماعية وتنظيماً مسلحاً وقدرة على تعطيل التنفيذ أو رفع كلفته داخلياً. وأي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتصويره «عدواً للبنان»، لا قوة سياسية وعسكرية لبنانية متجذّرة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد الاستقطاب الداخلي بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.

أيضاً، لا يمكن فصل روما عن هرمز؛ فقد ربطت إيران في تفاهماتها السابقة مع واشنطن بين التهدئة وإنهاء الحرب في لبنان، وفي حين تراهن الإدارة الأميركية الآن على معادلة معاكسة: كلما ضاقت الخيارات على طهران في المضيق، ازدادت فرص انتزاع أوراق منها في لبنان؛ وكلّما تراجعت قدرة «حزب الله» على المبادرة، أصبحت إيران أكثر عزلة في أي تفاوض نووي أو إقليمي.

بغداد تبدّل معادلة النفوذ

الجبهة الثالثة ظهرت في واشنطن، حيث استقبل ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في زيارة ركزت على انسحاب القوات الأميركية، والاستثمارات والطاقة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وأعلن الجانبان أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، منهية مرحلة عسكرية بدأت قبل 23 سنة، مع نقل «مركز الثقل» في العلاقة من الوجود القتالي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.

ترمب قدّم الزيارة بلغة «الصفقات»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقات كثيرة مع العراق، وإن شركات أميركية ستشارك في استخراج النفط، بينما سعى الزيدي إلى تأكيد أن رحيل الجنود لا يعني رحيل المصالح الأميركية.

واشنطن أيضاً تبحث دعم إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بوصفه ممرّاً بديلاً يقلّل الاعتماد على هرمز. وفي لحظة تستخدم فيها إيران المضيق «ورقة ضغط»، يصبح فتح طرق تصدير برّية جزءاً من استراتيجية أمنية، لا مشروعاً تجارياً فقط.

لكن الثمن السياسي لهذه الشراكة واضح: واشنطن تريد من بغداد ضبط الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها أو دمجها فعلياً تحت سلطة الدولة. وبالفعل تعهّدت الحكومة العراقية بمعالجة ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر، وهو الموعد نفسه لخروج القوات الأميركية. والجمع بين الموعدين يمنح الزيدي حجّة داخلية مهمة؛ إذ يستطيع القول إن الدولة لا تنزع سلاح الفصائل لإبقاء الوجود العسكري الأميركي، بل بالتزامن مع إنهائه.

بيد أن هذا يضعه أيضاً أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ لأن بعض هذه الفصائل جزء من مؤسّسات رسمية، ولديها تمثيل سياسي ونفوذ اقتصادي وشبكات محلية يصعب تفكيكها بقرار إداري. كذلك تستطيع القوى المرتبطة بطهران تصوير الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية اقتصادية وأمنية، خصوصاً إذا بدت العقود النفطية منحازة إلى الشركات الأميركية أو غير شفّافة.

اقتصادياً، يحاول الزيدي توسيع هامش استقلال العراق بعدما ألحقت الحرب أضراراً بإنتاجه النفطي وماليته العامة. وطالب خلال زيارته بحصة «عادلة» داخل منظمة «أوبك». وقال إن حروب العراق والإرهاب ألحقت بالبلاد خسائر تتجاوز 400 مليار دولار، ومن هنا تأتي حاجته إلى استثمارات أميركية في النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار.

في المقابل، يرى محللون أنه إذا نجح الزيدي في تأمين طرق تصدير بديلة وشراكات لا تمر عبر إيران، وفي وضع الفصائل تحت سلطة الحكومة، فسيكون العراق قد بدأ خروجاً تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني المباشر. لكن هذا لا يعني انتقاله السريع إلى الفلك الأميركي، إذ ستبقى الروابط التجارية والدينية والسياسية والأمنية بين العراق وإيران أعمق من أن تلغيها زيارة أو اتفاق نفطي. والأرجح أن بغداد ستواصل محاولة الموازنة بين الجانبين، مع استخدام الشراكة الأميركية لزيادة قدرتها على التفاوض مع طهران.

«عض الأصابع»

وحقاً، تبدو ملفات هرمز وبيروت وبغداد منفصلة على الخرائط، لكنها تنتمي إلى مواجهة واحدة حول مستقبل النفوذ الإيراني وشروط القيادة الأميركية للمنطقة.

مع ذلك، يرى البعض أن حجارة «الدومينو» لا تسقط دائماً في الاتجاه الذي يريده اللاعب الأقوى. فكل ضغط إضافي على إيران قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق بعنف أكبر؛ وكل تأخر إسرائيلي في الانسحاب من لبنان يمنح «حزب الله» ذريعة جديدة للاحتفاظ بسلاحه؛ وكل اندفاعة عراقية غير محسوبة نحو تفكيك الفصائل قد تفتح أزمة داخلية يصعب احتواؤها.

أما ترمب، الذي يريد خوض انتخابات نوفمبر بمظهر الرئيس القادر على فتح هرمز وخفض أسعار الوقود وإضعاف شبكة طهران، فقد يجد نفسه أمام «حرب استنزاف» تتآكل فيها المكاسب قبل أن تنضج نتائج الحصار.

لذلك، لن يُحسم سباق «عضّ الأصابع» بمَن يتحمل الضربات زمناً أطول فقط، بل بمَن يستطيع تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية قابلة للصرف.

إيران قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي عبر هرمز، لكنها في المقابل تخاطر بخسارة مواقع نفوذها الأكثر حساسية في لبنان والعراق. والولايات المتحدة تستطيع تشديد الحصار وتوسيع بنك الأهداف، لكنها قد تصل إلى الخريف من دون مضيق آمن أو اتفاق نووي أو أسعار وقود مقبولة انتخابياً. وبين هذين الرهانين، قد لا يكون المنتصر مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن لا تنفد ساعته أولاً. طهران تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات... لكنها تراهن على ألم أميركا سياسياً


آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام
TT

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام

يتأهب آندي بيرنهام لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، الاثنين المقبل، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

تعهّد آندي بيرنهام، الرئيس العتيد للحكومة البريطانية، بتشكيل حكومة تمثل مختلف أجنحة الحزب، واضعاً تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي ونقل مزيد من الصلاحيات من لندن إلى المناطق في صدارة أولوياته. ووفقاً للـ«بي بي سي»، سيكون بيرنهام رئيس الوزراء التاسع والخمسين لبريطانيا، وأول سياسي يقدّم هويته الشمالية باعتبارها جزءاً مركزياً من مشروعه منذ هارولد ويلسون في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

بين ليفربول ومانشستر

وُلد آندرو موراي بيرنهام يوم 7 يناير (كانون الثاني) 1970 في أينتري، إحدى ضواحي ليفربول، لكنه نشأ في قرية كالتشيث الهادئة في مقاطعة تشيشير، الواقعة بين ليفربول ومانشستر، في منزل شديد الارتباط بحزب العمال.

والده كان مهندساً لدى شركة الاتصالات البريطانية «بي تي»، بينما عملت والدته موظفة استقبال في عيادة طبيب عام. وعُرف الوالدان مؤيدَين مخلصين لحزب العمال، ما جعل السياسة حاضرة في المنزل منذ طفولته. ويقول بيرنهام إن المسلسل التلفزيوني الذي بثته الـ«بي بي سي» بعنوان «بويز فروم ذا بلاكستاف»، وتناول البطالة والفقر في ليفربول، دفعه إلى الانضمام إلى حزب العمال وهو في الرابعة عشرة. كما كان للتوترات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت ثاتشر أثرٌ مبكر في تشكيل رؤيته السياسية.

الـ«بي بي سي» تصفه أيضاً بأنه كان طفلاً شديد التنافس ومولعاً بالرياضة؛ إذ لعب الكريكيت ضمن فريق مدارس لانكشاير، وظل حتى اليوم مشجّعاً مخلصاً لنادي إيفرتون لكرة القدم. وفي مدرسته الكاثوليكية المحلية، ترشّح ممثلاً لحزب العمال في انتخابات مدرسية تجريبية وفاز بفارق كبير.

من ناحية أخرى، كان بيرنهام وشقيقاه أول أفراد العائلة الذين التحقوا بالجامعة. ولقد درس الأدب الإنجليزي في جامعة كمبريدج العريقة، مع أنه كتب لاحقاً في كتابه «هيد نورث» أنه وجد صعوبة في الشعور بالانتماء إلى الوسط الجامعي، ولازمه إحساس بأنه «دخيل» على بيئة يغلب عليها أبناء الطبقات الأكثر ثراءً ونفوذاً. لكن فرقاً موسيقية مثل «ذا سميثس» و«ذا ستون روزز»، خلقت عنده شعوراً بالهوية والثقة داخل الجامعة، حيث تعرّف إلى زوجته المستقبلية ماري فرانس فان هيل، المولودة في هولندا.

من الصحافة المتخصصة إلى قلب وستمنستر

بعد تخرّجه في كمبريدج، انتقل بيرنهام إلى لندن وبدأ حياته المهنية في الصحافة المتخصصة، فعمل لفترة وجيزة في مجلات تجارية من بينها «تانك وورلد» و«باسنجر وورلد مانجمنت». وجاءت انطلاقته السياسية عندما عمل باحثاً لدى النائبة العمالية الراحلة تيسا جوويل، التي أصبحت لاحقاً من أبرز وزيرات حكومتي توني بلير وغوردون براون. ثم عمل مستشاراً لوزير الثقافة كريس سميث، ما وضعه في قلب مشروع «العمال الجديد» (نيو ليبر) الذي قاده بلير في تسعينات القرن الماضي.

ثم، عام 2001، انتُخب نائباً عن دائرة لي في منطقة «مانشستر الكبرى» (طوق ضواحي المدينة). وتدرج سريعاً داخل البرلمان، قبل أن يتولى مناصب وزارية صغرى في وزارة الداخلية ووزارة الصحة إبان عهد بلير.

ومع وصول غوردون براون إلى رئاسة الحكومة عام 2007، رُقّي بيرنهام إلى مجلس الوزراء، فعُيّن كبير أمناء الخزانة، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة، وأخيراً وزيراً للصحة بين عامي 2009 و2010. وبرلمانياً، ظل نائباً عن دائرة لي من عام 2001 إلى عام 2017، قبل عودته أخيراً إلى مجلس العموم نائباً عن ميكرفيلد في يونيو (حزيران) الماضي.

هيلزبورو... «نقطة التحوّل»

يربط بيرنهام تحوّله السياسي الأعمق بحادثة وقعت في أبريل (نيسان) 2009، عندما حضر بصفته وزيراً للثقافة مراسم الذكرى العشرين لكارثة ملعب هيلزبورو في مدينة شفيلد، التي أودت بحياة 97 من مشجّعي نادي ليفربول عام 1989؛ إذ قوبلت كلمته في ملعب «آنفيلد» (معقل نادي ليفربول) بصيحات غاضبة من عائلات الضحايا والمشجعين المطالبين بتحقيق العدالة وكشف مسؤولية الشرطة والمؤسسات الرسمية عن الكارثة، بعدما تبنّت السلطات لسنوات رواية تلقي باللوم على الجماهير.

وبالفعل، ظل ملف هيلزبورو ملازماً لمسيرته. وبعد عودته إلى البرلمان هذا الصيف، شارك في الدفع نحو إقرار قانون يفرض واجباً قانونياً على المسؤولين والمؤسسات العامة بالإفصاح الصادق والتعاون مع التحقيقات، بهدف منع تكرار عمليات التستر الرسمية.

هزيمتان قبل انتزاع زعامة الحزب

بعد خسارة حزب العمال الانتخابات العامة عام 2010 واستقالة غوردون براون، خاض بيرنهام أول محاولة لقيادة الحزب، دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»، وهي صيغة حاول من خلالها الجمع بين إعادة توزيع الثروة وتشجيع الطموح الفردي. لكنه حلّ رابعاً بين خمسة مرشحين، وفاز إد ميليباند يومذاك بالزعامة. وأمضى بيرنهام السنوات التالية في «حكومة الظل»، خصوصاً في ملف الصحة، وعمل على تعزيز العلاقة بين أعضاء الحزب والنقابات.

وعام 2015، جرّب حظّه مجدداً، وهذه المرة قدّم نفسه مرشحاً وسطياً وصديقاً لقطاع الأعمال. بل أطلق حملته من مقر شركة «إرنست آند يونغ»، معتبراً إن رجال الأعمال ينبغي أن يُعاملوا باعتبارهم من أبطال المجتمع، إلى جانب العاملين في التمريض. بيد أن حملته لم تصمد أمام موجة التأييد الواسع للقيادي اليساري جيريمي كوربن، وبالتالي، حلّ ثانياً بفارق كبير. ولكن، بعكس عدد كبير من شخصيات الجناحين الوسطي واليميني، قبل بيرنهام العمل تحت قيادة كوربن وتولّى منصب «وزير داخلية الظل». ورفض المشاركة في موجة الاستقالات التي استهدفت إسقاط كوربن عام 2016، بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» (البريكست).

عمدة «مانشستر الكبرى»

عام 2017، ترك آندي بيرنهام مقعده البرلماني ليترشّح لمنصب أول عمدة منتخب لـ«مانشستر الكبرى» - إحدى التجمّعات الحضرية الثلاثة الأكبر في إنجلترا، مع «لندن الكبرى» والـ«ويست ميدلاندز» (قلبها مدينة برمنغهام)، عندما كانت تجربة قادة الحكم المحلي الإقليميين لا تزال جديدة وغير مضمونة النتائج. ويومذاك، فاز بيرنهام بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بهوامش أكبر. وساعد نجاحه في الانتخابات المحلية على ترسيخ سمعته بوصفه أحد أكثر السياسيين العماليين «قدرة على الفوز».

ومع أن المنصب لم يكن يتمتع بالصلاحيات التنفيذية الواسعة المتاحة لرئيس الحكومة أو حتى لرئيس بلدية لندن، فإن بيرنهام استثمر سلطته السياسية والشعبية لتحويله إلى مركز قوة، طارحاً نفسه مدافعاً عن المدن والمناطق التي يرى أن الحكومات المتعاقبة أهملتها. وكان أبرز إنجازاته إعادة الحافلات إلى الإدارة العامة، لتصبح «مانشستر الكبرى» أول منطقة في إنجلترا - خارج لندن - تستعيد التحكم في خدمات الحافلات بعد عقود من الخصخصة؛ إذ جُمعت خدمات الحافلات والترام ووسائل النقل الأخرى تحت هوية موحّدة باسم «بي نتوورك».

«ملك الشمال»

بلغت صورة بيرنهام الإقليمية ذروتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، عندما دخل في مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون المحافظة بشأن القيود المفروضة على «مانشستر الكبرى»، وحجم الدعم المالي المقدّم للشركات والعاملين. واتّهم بيرنهام تلك الحكومة آنذاك بمعاملة شمال إنجلترا بـ«ازدراء»، ورفض قبول قيود صحية إضافية من دون تمويل كافٍ لحماية المتضررين. وظهر في مؤتمر صحافي متحدياً سياسات لندن، في مشهد أكسبه لقب «ملك الشمال»، المستوحى من مسلسل «صراع العروش».

ومنذ ذلك الوقت، بنى بيرنهام هويته على ثنائية واضحة: السياسي الذي يعرف وستمنستر من الداخل، لكنه يدّعي أنه تحرّر من ثقافتها؛ والرجل الذي شغل أعلى المناصب الوزارية، لكنه يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً للأماكن التي لا يكترث لها المركز.

من «البليرية» إلى اليسار

يصعب وضع آندي بيرنهام داخل خانة آيديولوجية محدّدة؛ إذ بدأ حياته السياسية داخل منظومة «العمال الجديد»، وعمل مع شخصيات بارزة مقرّبة من توني بلير، وتولى منصباً وزارياً في حكومته. وفي تلك المرحلة، كان يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الوسط أو يمين الوسط داخل الحزب.

وبعدها ارتبط صعوده الوزاري بغوردون براون، الذي أدخله مجلس الوزراء ومنحه ثلاثة مناصب كبرى. وجمعت حملته عام 2010 بين إرث براون القائم على العدالة الاجتماعية، ولغة الطموح الفردي التي اشتهر بها بلير.

ثم عام 2015، عاد إلى طرح وسطي مؤيد للأعمال، قبل أن يقبل العمل تحت قيادة كوربن بعد هزيمته. وهو ما دفع منتقديه إلى وصفه بأنه «متقلّب» تتأرجح مواقفه مع اتجاه الرياح السياسية. لكن سنوات مانشستر منحته قاعدة سياسية أكثر اتساقاً. فقد تبنى الرقابة العامة على النقل، ودافع عن تأميم شركات المياه المتعثرة، وأيّد زيادة السيطرة العامة على الطاقة والمرافق الأساسية.

وبالتالي، يُصنّف بيرنهام اليوم غالباً ضمن «اليسار الناعم» للحزب: أكثر تدخلاً في الاقتصاد من ستارمر، وأقل راديكالية من يسار كوربن، مع نزعة محلية تركز على الخدمات والملكية العامة الجزئية أكثر مما تركز على الصراع الآيديولوجي.

تعميم «المانشسترية»

يقول بيرنهام إن أجندته في رئاسة الحكومة ستقوم على نقل ما يسميه «المانشسترية» إلى البلاد بأكملها؛ أي الجمع بين الاستثمار العام والخاص، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أكبر، ووضع الاحتياجات الإقليمية قبل حسابات المركز والحزب.

ولقد تعهد بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن التابعة للمجالس المحلية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإصلاح ضرائب الأعمال لإنعاش التجارة، ووضع التعليم التقني والأكاديمي على قدم المساواة، وتوسيع السيطرة العامة على المياه والطاقة والنقل والإسكان لتقليل تكاليف المعيشة. وتضم أولوياته أيضاً خفض فواتير الطاقة وأسعار القطارات، وتوفير وظائف وتدريب مهني أفضل للشباب، وإعادة بناء قطاعات صناعية في مجالات الدفاع والطاقة والغذاء والزراعة، إلى جانب استخدام الإنفاق العام لتحفيز استثمارات خاصة طويلة الأجل.

الاختبار الأكبر

لم يُقدّم بيرنهام بعدُ تفاصيل كاملة عن كيفية تمويل برنامجه، خصوصاً أنه وعد بتوسيع الاستثمار العام مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم رفع الضرائب الأساسية على العاملين. وبالتالي، سيجد نفسه أمام ملفات لم تختبرها تجربته المحلية، من الإنفاق الدفاعي والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى التعامل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحرب أوكرانيا والتوترات الشرق الأوسط. بعد خسارة العمال انتخابات عام 2010 ترشح بيرنهام لأول مرة لقيادة الحزب دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»


«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)
TT

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما مع تحول «10 داونينغ ستريت» إلى «باب دوّار» في مرحلة ما بعد مغادرة «الاتحاد الأوروبي» (البريكست). وفي ما يلي نظرة على رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على بريطانيا منذ استفتاء عام 2016.

ديفيد كاميرون: 0102 - 6102

أعلن ديفيد كاميرون استقالته في يونيو (حزيران) 2016، بعد يوم واحد من تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من «الاتحاد الأوروبي» في استفتاء مفصلي كان قد قاد حملة قوية ضد نتيجته. وكان كاميرون، الذي فاز بغالبية برلمانية في انتخابات عام 2015، قد دعا إلى إجراء الاستفتاء في محاولة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن علاقة بريطانيا بـ«الاتحاد». وانتهت ولايته بعد 6 سنوات و64 يوماً في رئاسة الحكومة.

كاميرون (آ ف ب)

تيريزا ماي: 6102 - 9102

خلفت تيريزا ماي، كاميرون، وتولّت مهمة التفاوض على صيغة خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي». وواجهت خطة ماي، التي حصلت على استحسان بروكسل، تمرّداً من بعض النواب المحافظين الذين رأوا أن مقترحها يُبقي بريطانيا داخل المجال الاقتصادي الأوروبي. وفي مايو (أيار) 2019، قدمت ماي استقالتها، واستمرت ولايتها 3 سنوات و12 يوماً.

بوريس جونسون: 9102 - 2202

وصل بوريس جونسون، رئيس بلدية لندن السابق وأحد أبرز منتقدي ماي، إلى رئاسة الحكومة متعهّداً بإنجاز خروج حاسم من «الاتحاد الأوروبي». ونجح في التوصل إلى اتفاق «البريكست»، والإشراف على خروج بريطانيا رسمياً من «الاتحاد»، قبل أن يقود البلاد إبان جائحة «كوفيد - 19». لكن سلسلة من الفضائح الأخلاقية والسياسية أطاحت به، في مقدمتها إقامة حفلات في «داونينغ ستريت» ومقار حكومية أخرى خلال فترات الإغلاق التي فرضتها حكومته على المواطنين لمكافحة الجائحة. واستمرت ولايته 3 سنوات و45 يوماً.

ليز تراس: 2202

خلفت ليز تراس، جونسون، لكنها أصبحت صاحبة أقصر ولاية في التاريخ البريطاني، واستقالت بعد 6 أسابيع فقط من تسلمها السلطة. وتراس قدّمت نفسها باعتبارها من أنصار تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخفيضات الضريبية، متعهدةً بإحداث تحوّل جذري في الاقتصاد البريطاني. لكن خطتها الاقتصادية تسببت في اضطرابات حادة في الأسواق، ودفعت الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، وأزمة حادّة في قطاع العقار. وهكذا استقالت بعد 50 يوماً فقط من دخولها «داونينغ ستريت».

ريشي سوناك: 2202 - 4202

حصل ريشي سوناك على دعم نواب حزب المحافظين لخلافة تراس، ودخل التاريخ باعتباره أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية، فضلاً عن كونه أصغر من تولى المنصب منذ نحو 200 سنة. واعتبر المحافظون سوناك أكثر كفاءة واستقراراً من تراس، لكن سنوات الاضطراب والانقسامات داخل الحزب كانت قد ألحقت أضراراً عميقة بشعبيته لدى الناخبين، وفق الـ«نيويورك تايمز». أيضاً لم ينجح سوناك في تحسين موقع الحزب في استطلاعات الرأي، ودعا بعد نحو عام ونصف العام في الحكم إلى انتخابات عامة أُجريت في يوليو (تموز) 2024. ومُني المحافظون فيها بأكبر هزيمة انتخابية عبر تاريخ حزبهم الممتد لنحو قرنين. واستمرت ولاية سوناك سنة و255 يوماً.

ستارمر (آ ف ب)

كير ستارمر: 4202 - 6202

وصل كير ستارمر إلى السلطة عقب فوز ساحق لحزب العمال في انتخابات عام 2024، متعهداً بإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة المنهكة، واستعادة ثقة البريطانيين بالسياسة. لكن فوز العمال لم يؤدِ إلى مرحلة الاستقرار التي وعد بها. إذ واجهت حكومته انقسامات داخلية متزايدة، وتراجعت شعبية العمال بصورة حادة بعد أقل من سنتين على فوزه الانتخابي الكبير، فقرر الاستقالة بعد تصاعد الضغط عليه عقب الخسائر التي تكبّدها الحزب في الانتخابات المحلية خلال مايو (أيار) 2026.