رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض: الواقع السياسي بات محفزا للفوضى

الدقير قال لـ «الشرق الأوسط» الحل الأمثل للأزمة السودانية لن يتحقق إلا بإجراء حوار حقيقي

عمر الدقير
عمر الدقير
TT

رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض: الواقع السياسي بات محفزا للفوضى

عمر الدقير
عمر الدقير

أثار انتخاب الشاب عمر الدقير رئيسًا لحزب المؤتمر السوداني المعارض الذي يعد أحد أشرس الأحزاب معارضة لنظام الإنقاذ وأكثرها شبابًا، موجة من الدهشة، وأحيا أملاً شابًا بأن التغيير ممكن، بهزمه للتقليد الحزبي السوداني القاضي بأن الزعيم لا يتغير إلاّ بالموت أو الانقلاب.
وشغل الدقير منصب رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، ولعب دورًا مهمًا جعل منه واحدًا من صناع انتفاضة أبريل (نيسان) 1985 التي أطاحت بالرئيس الأسبق جعفر النميري، وأخرجته الجماهير محمولاً على الأعناق، بعد أن كسرت السجن العمومي في الخرطوم (سجن كوبر)، وأطلقت سراح المعتقلين السياسيين بعد نجاح الانتفاضة الشعبية. وظل الدقير يقاوم انقلاب «الإنقاذ» إلى أن فصل تعسفيًا، فيما عرف بحملات «الإحالة للصالح العام»، وبعدها هاجر إلى دولة الإمارات، ومن هناك ظل يساهم في قيادة العمل المعارض بحزبه، إلى أن انتخب أخيرًا رئيسًا للحزب، خلفًا لرجل الأعمال إبراهيم الشيخ الذي تخلى عن رئاسة الحزب.
«الشرق الأوسط» أجرت الحوار التالي مع الدقير.. الرجل الذي يتوقع له البعض أن يلعب دورًا محوريًا في تاريخ السودان القريب.
* انتخبت رئيسًا شابًا لحزب شاب في ظل ظروف صعبة تعانيها البلاد.. ماذا أعددت للمهمة؟
- انتخبت في وقت مأزوم عنوانه الرئيس هو التغيير، لم أحضر للأمر كثيرا من المال، لكني وأعضاء حزبنا، نملك رغبة صادقة وإيمانا عميقا بالتغيير، وسنبذل الوسائل المتاحة لإنجاز الهدف.
* ماذا ستفعل لمواجهة حالة الإنهاك العام التي تواجه طرفي الصراع، وما هي الأداة المناسبة لإحداث التغيير بنظرك؟
- تعيش الحكومة والمعارضة معًا حالة صعبة، لكن الشعب غير يائس، رغم أنه محاصر بشروط حياتية تهد الجبال، وحلم الشعوب في التغيير والخلاص من الواقع الغاشم لا يموت.
في نظري الحل الأمثل هو الحل السياسي الشامل، وإجراء حوار حقيقي تتم تهيئة مناخه ليخاطب جذور القضايا السياسة والمجتمعية، والوصول لمشروع وطني جديد ينقل البلاد إلى السلام والحرية والعدالة. الحل السياسي هو أقل تكلفة، لكن للأسف فإن الطرف المتسبب في الأزمة (نظام الإنقاذ) غير مستعد له، لذا ليس أمامنا سوى مقاومته بأساليب المقاومة السلمية المجربة والمستحدثة.
* هذه تقريبًا مساومة بين النظام الحاكم والمعارضة.. ماذا تملك المعارضة لتقدمه ليتنازل النظام مقابله؟
- يعتمد أي حل سياسي على موازين القوى، ولتحقق رؤيتك يعتمد مدى قوتك في الصراع، ولا أذيع سرًا إن قلت إن أداء المعارضة هو دون المستوى لأسباب ذاتية تتعلق بها وبأدائها السياسي، والنظام محاصر بأشياء كثيرة تضعفه. لذا ظللنا من منبرنا ومن المنابر المشتركة (تحالف قوى نداء السودان، وقوى الإجماع)، ندعو للقيام بأدوار طلائعية والالتحام مع الجماهير، واستنهاض ممكنات التغيير بداخلها، وهذا يحتاج لصبر وعمل دؤوب. لكن للأسف فإن معظم النشاط المعارض عبارة عن اجتماعات داخلية، وبيانات ومؤتمرات صحافية، لن تعدل موازين القوى. مطلوب عمل جماهيري حقيقي تستغل فيه المنابر المختلفة الداخلية والخارجية استعدادًا لأي حل، وإلى حين ذلك نعمل على تفعيل أساليب المقاومة لمقاومة شاملة، ونرفض اختزالها في بيان أو ندوة أو غيرها، وتحويلها لأسلوب حياة يومي.
* ماذا أعددتم لذلك؟
- سنقاوم وفقًا لإمكاناتنا المتاحة، نحن نلتقي جماهيرنا بخطابات وحراك سياسي، وأطرنا تدفع ثمن ذلك سجونًا ومعتقلات وجلدا، ولن نتوقف عن ذلك، وسنقف مع كل مجموعات الحراك السلمي المطلبي في كل مكان.. علينا أن نكون مؤمنين بقضيتنا وأن نملك إرادة خدمتها.
* وهل تعتقد الندوة أو المحاضرة التي تسب الحكومة وحدها قادرة على تحريك الجماهير؟
- الآليات القديمة التي حققت انتصارات جماهيرية في ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) وأبريل لا يمكن تكرارها، لأن الظروف والواقع اختلفا، فكيل السباب للحكومة لم يعد مجديًا لوحده.. فالناس يعرفون فشل الأداء السياسي للنظام الحاكم وفساده، والمطلوب هو تقديم رؤية للجماهير تخرجها من الواقع الآسن، تكون مصدر أمل وإلهام لها لتتحرك. هناك عدد من الوسائل الحديثة للعمل بين الجماهير، ونحن نعمل عليها، وكما قول وليم شكسبير مهما كانت الخيبات والواقع آسنًا فدائمًا هناك بقية من رحيق، لكنه رحيق بحاجة لنحل دؤوب ليصنع العسل، وليس ذبابًا ينشر الوباء.
* العزوف الملحوظ عن العمل السياسي، يبرره البعض بعدم وجود بديل.. هل تتفق مع هذا الرأي؟
- فعلاً هناك عزوف عن الحراك السياسي، وقد حدثت هزات كثيرة لم تقابلها الجماهير برد الفعل المناسب، مثل انفصال الجنوب. الجماهير عازفة لأنها ترى من ظلوا يتسيدون المشهد لسنين طويلة ما زالوا يقدمون أنفسهم من جديد، وهذا ليس يأسًا لكنه نتاج لحالة نقدية. البديل هو الديمقراطية، وهذا لا يعني التخلي عن القوى التقليدية والقديمة ضربة لازب. فعلى كل القوى حديثة أو تقليدية توجيه خطاب وطني حداثي مستنير، يخاطب واقع الجماهير ويقنعها ويعطيها أملاً، الشعوب تمد حبال الصبر طويلاً لكنها تختزن أوجاع المخاض إلى لحظة الولادة.
* انتقدتم بقسوة (تحالف قوى الإجماع الوطني) وقيادته، ولوح سلفك إبراهيم الشيخ بالخروج منه، هل تريدون قيادته؟
- نرى أن قضية التغيير لن تنجز إلاّ بإرادة جماعية، والسبيل إليها تكوين أوسع جبهة معارضة. نحن لا نريد قيادة هذا التحالف، وحريصون على وجودنا فيه، لكننا في ذات الوقت غير راضين عن أدائه، لأنه لا يلعب دورًا وسط الجماهير، ويحصر نشاطه على الاجتماعات المغلقة والاستغراق في شجون صغرى وخلافات هامشية حول مسائل إجرائية.
لقد وجهنا مؤتمر الحزب كقيادة جديدة للعمل على حسم حالة السيولة والارتباك التي يعانيها، والدخول في مواجهة شفافة وأمينة مع أطرافه، نبلغهم مآخذنا وعدم رضانا عنه، فإذا عجزنا سنضطر للخيار المؤسف وهو الانسحاب منه، أو أن ينسحب منه آخرون.. لقد أقعدته تناقضات جوهرية نعمل على حسمها ليتحول لجسم موحد وفاعل.
* ما هذه التناقضات الجوهرية؟
- التناقض الرئيسي هو الموقف من «نداء السودان» الذي ترفضه أطراف أخرى، مثل حزب البعث الأصل وحزب حشد الوحدوي، وتعتبره مؤامرة كبرى مرفوضة منهم، وبدرجة أقل أحزاب الناصريين والبعث الأخرى، وآخرين لديهم تحفظات على التحالف الجديد. هذا هو السبب الرئيسي الذي أقعد قوى الإجماع.
* خلافاتكم مع التحالف سابقة لـ«نداء السودان»، إذ بدأت مع رئيس الهيئة العامة فاروق أبو عيسى. أليس كذلك؟
- كان خلافا على مسائل تنظيمية، وكان للحزب تحفظات على بعض مواقف الأستاذ فاروق، لكنا نعتقد أنه ما زال يلعب دورًا مهمًا، وما زال وجوده مهمًا في رئاسة الهيئة العامة لقوى الإجماع.
* ماذا يضيف تحالف نداء السودان، وأطرافه متشاكسة؟
- «نداء السودان» خطوة متقدمة لتوحيد قوى المعارضة، لأنه يضم قوى رئيسية في المعارضة (الحركات المسلحة وحزب الأمة)، وأهميته تأتي بعد تحقيق التغيير. الواقع السياسي بلغ حدًا من الهشاشة وفر محفزات الفوضى، ولن تتم محاصرتها إلاّ بالتوافق على رؤية محددة، خصوصًا مع حملة السلاح، للحيلولة دون تكرار تجربة انتفاضة أبريل 1985، وكانت الحركة الشعبية خلالها بعيدة عن الحراك السياسي الداخلي، فأخذت موقفًا من النظام الانتقالي والنظام الديمقراطي الذي أعقبه، وكان استمرار الحرب سببًا رئيسيا لانهيار النظام الديمقراطي ومجيء نظام الإنقاذ.. «نداء السودان» ليس مبرأ من العيوب، ويحتاج لإكمال ميثاقه وهيكلته وإعداد مشروع السياسات البديلة لمخاطبة فترة الانتقال. إلى جانب الخلاف التنظيمي المؤسف داخل الجبهة الثورية على الرئاسة، فهو بلا شك يوصل رسالة سالبة بأن رواد التغيير يختلفون على المناصب.
* الأمر ليس خلافًا تنظيميًا، بل إن التفاوض انتقل لمنبرين في عاصمتين؟
- موقف قوى نداء السودان مع الحل السياسي الذي لا يستثني أحدا، بموجب قرار مجلس السلم والأمن الأفريقي 539 ويبدأ بمؤتمر تحضيري. هناك جزئية لها خصوصية تتعلق بوقف العدائيات والحرب تناقش مع أهلها المباشرين (حركات دارفور والحركة الشعبية) في الاجتماعات غير الرسمية والرسمية لوقف إطلاق النار ومسارات الإغاثة الإنسانية، ولا نمانع أن تتم بالشكل الحالي، لكن أطراف النداء، بما فيها الحركات المسلحة، مجمعة على رفض المسارات الثنائية والاتفاقات الثنائية.
* ألا يشبه هذا موقف الحركة الشعبية الأم، والذي جعل من المعارضة المدنية لمجرد تابع لبندقية الشعبية؟
- ما حدث كان خطأ تاريخيا شنيعا، لكن موقف الحركة الشعبية - الشمال مختلف، وهي تقر ضمنيا بخطأ الموقف السابق، ومتمسكة بحل يشمل الجميع، ففي لقاءاتهم مع الحكومة أكدوا أن حل قضية المنطقتين ودارفور يتم عبر أدوات الحل الشامل.
* وقف الحرب بأي ثمن بغض النظر عن الأسباب، ألا يشير ذلك إلى أن قرار الحرب كان عبثيًا في نظرك؟
- نحن نرحب بإيقاف الحرب تحت أي ظرف، لأنها أكبر مآسي السودان، فمئات الآلاف يعيشون ظروفًا بالغة القسوة في معسكرات النزوح، مئات الآلاف من الأطفال مشردون، وحصاد الحرب اليومي عشرات القتلى والأرامل واليتامى والأمهات الثكلى. وحتى لا يكون وقفها مجرد هدنة، لا بد من بحث أسبابها المنغرسة في تربة الواقع، عبر حل سياسي يخاطب الجذور، فالحرب مرتبطة باختلال هيكلة الدولة في فضاءات السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة منذ الاستقلال.



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.