رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض: الواقع السياسي بات محفزا للفوضى

الدقير قال لـ «الشرق الأوسط» الحل الأمثل للأزمة السودانية لن يتحقق إلا بإجراء حوار حقيقي

عمر الدقير
عمر الدقير
TT

رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض: الواقع السياسي بات محفزا للفوضى

عمر الدقير
عمر الدقير

أثار انتخاب الشاب عمر الدقير رئيسًا لحزب المؤتمر السوداني المعارض الذي يعد أحد أشرس الأحزاب معارضة لنظام الإنقاذ وأكثرها شبابًا، موجة من الدهشة، وأحيا أملاً شابًا بأن التغيير ممكن، بهزمه للتقليد الحزبي السوداني القاضي بأن الزعيم لا يتغير إلاّ بالموت أو الانقلاب.
وشغل الدقير منصب رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، ولعب دورًا مهمًا جعل منه واحدًا من صناع انتفاضة أبريل (نيسان) 1985 التي أطاحت بالرئيس الأسبق جعفر النميري، وأخرجته الجماهير محمولاً على الأعناق، بعد أن كسرت السجن العمومي في الخرطوم (سجن كوبر)، وأطلقت سراح المعتقلين السياسيين بعد نجاح الانتفاضة الشعبية. وظل الدقير يقاوم انقلاب «الإنقاذ» إلى أن فصل تعسفيًا، فيما عرف بحملات «الإحالة للصالح العام»، وبعدها هاجر إلى دولة الإمارات، ومن هناك ظل يساهم في قيادة العمل المعارض بحزبه، إلى أن انتخب أخيرًا رئيسًا للحزب، خلفًا لرجل الأعمال إبراهيم الشيخ الذي تخلى عن رئاسة الحزب.
«الشرق الأوسط» أجرت الحوار التالي مع الدقير.. الرجل الذي يتوقع له البعض أن يلعب دورًا محوريًا في تاريخ السودان القريب.
* انتخبت رئيسًا شابًا لحزب شاب في ظل ظروف صعبة تعانيها البلاد.. ماذا أعددت للمهمة؟
- انتخبت في وقت مأزوم عنوانه الرئيس هو التغيير، لم أحضر للأمر كثيرا من المال، لكني وأعضاء حزبنا، نملك رغبة صادقة وإيمانا عميقا بالتغيير، وسنبذل الوسائل المتاحة لإنجاز الهدف.
* ماذا ستفعل لمواجهة حالة الإنهاك العام التي تواجه طرفي الصراع، وما هي الأداة المناسبة لإحداث التغيير بنظرك؟
- تعيش الحكومة والمعارضة معًا حالة صعبة، لكن الشعب غير يائس، رغم أنه محاصر بشروط حياتية تهد الجبال، وحلم الشعوب في التغيير والخلاص من الواقع الغاشم لا يموت.
في نظري الحل الأمثل هو الحل السياسي الشامل، وإجراء حوار حقيقي تتم تهيئة مناخه ليخاطب جذور القضايا السياسة والمجتمعية، والوصول لمشروع وطني جديد ينقل البلاد إلى السلام والحرية والعدالة. الحل السياسي هو أقل تكلفة، لكن للأسف فإن الطرف المتسبب في الأزمة (نظام الإنقاذ) غير مستعد له، لذا ليس أمامنا سوى مقاومته بأساليب المقاومة السلمية المجربة والمستحدثة.
* هذه تقريبًا مساومة بين النظام الحاكم والمعارضة.. ماذا تملك المعارضة لتقدمه ليتنازل النظام مقابله؟
- يعتمد أي حل سياسي على موازين القوى، ولتحقق رؤيتك يعتمد مدى قوتك في الصراع، ولا أذيع سرًا إن قلت إن أداء المعارضة هو دون المستوى لأسباب ذاتية تتعلق بها وبأدائها السياسي، والنظام محاصر بأشياء كثيرة تضعفه. لذا ظللنا من منبرنا ومن المنابر المشتركة (تحالف قوى نداء السودان، وقوى الإجماع)، ندعو للقيام بأدوار طلائعية والالتحام مع الجماهير، واستنهاض ممكنات التغيير بداخلها، وهذا يحتاج لصبر وعمل دؤوب. لكن للأسف فإن معظم النشاط المعارض عبارة عن اجتماعات داخلية، وبيانات ومؤتمرات صحافية، لن تعدل موازين القوى. مطلوب عمل جماهيري حقيقي تستغل فيه المنابر المختلفة الداخلية والخارجية استعدادًا لأي حل، وإلى حين ذلك نعمل على تفعيل أساليب المقاومة لمقاومة شاملة، ونرفض اختزالها في بيان أو ندوة أو غيرها، وتحويلها لأسلوب حياة يومي.
* ماذا أعددتم لذلك؟
- سنقاوم وفقًا لإمكاناتنا المتاحة، نحن نلتقي جماهيرنا بخطابات وحراك سياسي، وأطرنا تدفع ثمن ذلك سجونًا ومعتقلات وجلدا، ولن نتوقف عن ذلك، وسنقف مع كل مجموعات الحراك السلمي المطلبي في كل مكان.. علينا أن نكون مؤمنين بقضيتنا وأن نملك إرادة خدمتها.
* وهل تعتقد الندوة أو المحاضرة التي تسب الحكومة وحدها قادرة على تحريك الجماهير؟
- الآليات القديمة التي حققت انتصارات جماهيرية في ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) وأبريل لا يمكن تكرارها، لأن الظروف والواقع اختلفا، فكيل السباب للحكومة لم يعد مجديًا لوحده.. فالناس يعرفون فشل الأداء السياسي للنظام الحاكم وفساده، والمطلوب هو تقديم رؤية للجماهير تخرجها من الواقع الآسن، تكون مصدر أمل وإلهام لها لتتحرك. هناك عدد من الوسائل الحديثة للعمل بين الجماهير، ونحن نعمل عليها، وكما قول وليم شكسبير مهما كانت الخيبات والواقع آسنًا فدائمًا هناك بقية من رحيق، لكنه رحيق بحاجة لنحل دؤوب ليصنع العسل، وليس ذبابًا ينشر الوباء.
* العزوف الملحوظ عن العمل السياسي، يبرره البعض بعدم وجود بديل.. هل تتفق مع هذا الرأي؟
- فعلاً هناك عزوف عن الحراك السياسي، وقد حدثت هزات كثيرة لم تقابلها الجماهير برد الفعل المناسب، مثل انفصال الجنوب. الجماهير عازفة لأنها ترى من ظلوا يتسيدون المشهد لسنين طويلة ما زالوا يقدمون أنفسهم من جديد، وهذا ليس يأسًا لكنه نتاج لحالة نقدية. البديل هو الديمقراطية، وهذا لا يعني التخلي عن القوى التقليدية والقديمة ضربة لازب. فعلى كل القوى حديثة أو تقليدية توجيه خطاب وطني حداثي مستنير، يخاطب واقع الجماهير ويقنعها ويعطيها أملاً، الشعوب تمد حبال الصبر طويلاً لكنها تختزن أوجاع المخاض إلى لحظة الولادة.
* انتقدتم بقسوة (تحالف قوى الإجماع الوطني) وقيادته، ولوح سلفك إبراهيم الشيخ بالخروج منه، هل تريدون قيادته؟
- نرى أن قضية التغيير لن تنجز إلاّ بإرادة جماعية، والسبيل إليها تكوين أوسع جبهة معارضة. نحن لا نريد قيادة هذا التحالف، وحريصون على وجودنا فيه، لكننا في ذات الوقت غير راضين عن أدائه، لأنه لا يلعب دورًا وسط الجماهير، ويحصر نشاطه على الاجتماعات المغلقة والاستغراق في شجون صغرى وخلافات هامشية حول مسائل إجرائية.
لقد وجهنا مؤتمر الحزب كقيادة جديدة للعمل على حسم حالة السيولة والارتباك التي يعانيها، والدخول في مواجهة شفافة وأمينة مع أطرافه، نبلغهم مآخذنا وعدم رضانا عنه، فإذا عجزنا سنضطر للخيار المؤسف وهو الانسحاب منه، أو أن ينسحب منه آخرون.. لقد أقعدته تناقضات جوهرية نعمل على حسمها ليتحول لجسم موحد وفاعل.
* ما هذه التناقضات الجوهرية؟
- التناقض الرئيسي هو الموقف من «نداء السودان» الذي ترفضه أطراف أخرى، مثل حزب البعث الأصل وحزب حشد الوحدوي، وتعتبره مؤامرة كبرى مرفوضة منهم، وبدرجة أقل أحزاب الناصريين والبعث الأخرى، وآخرين لديهم تحفظات على التحالف الجديد. هذا هو السبب الرئيسي الذي أقعد قوى الإجماع.
* خلافاتكم مع التحالف سابقة لـ«نداء السودان»، إذ بدأت مع رئيس الهيئة العامة فاروق أبو عيسى. أليس كذلك؟
- كان خلافا على مسائل تنظيمية، وكان للحزب تحفظات على بعض مواقف الأستاذ فاروق، لكنا نعتقد أنه ما زال يلعب دورًا مهمًا، وما زال وجوده مهمًا في رئاسة الهيئة العامة لقوى الإجماع.
* ماذا يضيف تحالف نداء السودان، وأطرافه متشاكسة؟
- «نداء السودان» خطوة متقدمة لتوحيد قوى المعارضة، لأنه يضم قوى رئيسية في المعارضة (الحركات المسلحة وحزب الأمة)، وأهميته تأتي بعد تحقيق التغيير. الواقع السياسي بلغ حدًا من الهشاشة وفر محفزات الفوضى، ولن تتم محاصرتها إلاّ بالتوافق على رؤية محددة، خصوصًا مع حملة السلاح، للحيلولة دون تكرار تجربة انتفاضة أبريل 1985، وكانت الحركة الشعبية خلالها بعيدة عن الحراك السياسي الداخلي، فأخذت موقفًا من النظام الانتقالي والنظام الديمقراطي الذي أعقبه، وكان استمرار الحرب سببًا رئيسيا لانهيار النظام الديمقراطي ومجيء نظام الإنقاذ.. «نداء السودان» ليس مبرأ من العيوب، ويحتاج لإكمال ميثاقه وهيكلته وإعداد مشروع السياسات البديلة لمخاطبة فترة الانتقال. إلى جانب الخلاف التنظيمي المؤسف داخل الجبهة الثورية على الرئاسة، فهو بلا شك يوصل رسالة سالبة بأن رواد التغيير يختلفون على المناصب.
* الأمر ليس خلافًا تنظيميًا، بل إن التفاوض انتقل لمنبرين في عاصمتين؟
- موقف قوى نداء السودان مع الحل السياسي الذي لا يستثني أحدا، بموجب قرار مجلس السلم والأمن الأفريقي 539 ويبدأ بمؤتمر تحضيري. هناك جزئية لها خصوصية تتعلق بوقف العدائيات والحرب تناقش مع أهلها المباشرين (حركات دارفور والحركة الشعبية) في الاجتماعات غير الرسمية والرسمية لوقف إطلاق النار ومسارات الإغاثة الإنسانية، ولا نمانع أن تتم بالشكل الحالي، لكن أطراف النداء، بما فيها الحركات المسلحة، مجمعة على رفض المسارات الثنائية والاتفاقات الثنائية.
* ألا يشبه هذا موقف الحركة الشعبية الأم، والذي جعل من المعارضة المدنية لمجرد تابع لبندقية الشعبية؟
- ما حدث كان خطأ تاريخيا شنيعا، لكن موقف الحركة الشعبية - الشمال مختلف، وهي تقر ضمنيا بخطأ الموقف السابق، ومتمسكة بحل يشمل الجميع، ففي لقاءاتهم مع الحكومة أكدوا أن حل قضية المنطقتين ودارفور يتم عبر أدوات الحل الشامل.
* وقف الحرب بأي ثمن بغض النظر عن الأسباب، ألا يشير ذلك إلى أن قرار الحرب كان عبثيًا في نظرك؟
- نحن نرحب بإيقاف الحرب تحت أي ظرف، لأنها أكبر مآسي السودان، فمئات الآلاف يعيشون ظروفًا بالغة القسوة في معسكرات النزوح، مئات الآلاف من الأطفال مشردون، وحصاد الحرب اليومي عشرات القتلى والأرامل واليتامى والأمهات الثكلى. وحتى لا يكون وقفها مجرد هدنة، لا بد من بحث أسبابها المنغرسة في تربة الواقع، عبر حل سياسي يخاطب الجذور، فالحرب مرتبطة باختلال هيكلة الدولة في فضاءات السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة منذ الاستقلال.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.