أذرع إيران في باكستان

إيران تغذي التطرف بإنشاء مئات المعاهد الدينية والمراكز الثقافية.. مسنودة بشبكة إعلامية

أذرع إيران في باكستان
TT

أذرع إيران في باكستان

أذرع إيران في باكستان

لم يكن الوضع في باكستان قبل ثورة الخميني عام 1979 يفرق فيه الناس كثيرا بين الشيعة والسنة. وكانت زيجات كثيرة تقع بين الجانبين دون اعتراض على المذهب، لكن منذ جاءت ثورة الخميني بدأ الملالي الشيعة في الحديث كثيرا عن المظلومية وعن وجوب أخذ الحكم بالقوة في باكستان.
وعلى مدى 35 عاما سعت إيران لتأسيس مراكز ثقافية لها في كل المدن الرئيسية الباكستانية وأرسلت مندوبين من إيران لإدارة هذه المراكز التي تعنى بتجنيد الأفراد خدمة لإيران ومصالحها. وتمكنت إيران والشيعة في باكستان من إقامة ثلاثمائة معهد ديني شيعي في مختلف المدن الباكستانية. وفي الفترة بين 2002 و2013 أنشأت إيران 54 جامعة طائفية مذهبية في باكستان تعمل على استقطاب الطلبة الشيعة في كل الدراسات وإعطائهم منحا دراسية في إيران، حيث وصل عدد الطلبة الباكستانيين الدارسين في الجامعات الإيرانية أكثر من خمسة وثلاثين ألف طالب في مختلف العلوم.
«الشرق الأوسط» ومن خلال هذا التحقيق تسلط الأضواء على الدور الإيراني في باكستان منذ ثورة الخميني وحتى الآن.

كما عمدت الحكومة الإيرانية إلى منح الآلاف من الشيعة الباكستانيين الجنسية الإيرانية سنويا لاستخدامهم في مشاريعها التوسعية في مختلف المناطق. وشجعت إيران الشيعة الذين يهيمنون على الأجهزة الإعلامية في باكستان ودعمتهم ماليا. وتوجد الآن أكثر من 5 قنوات تلفزيونية تدين بالولاء لإيران. كما نسجت الحكومة الإيرانية وأدواتها خيوط علاقات مع الأحزاب والجماعات الدينية السنية الباكستانية لإبعاد هذه الجماعات عن أهل السنة في إيران وتشويه سمعتها في الساحة الإسلامية.
وبدوره أرسل حزب الله اللبناني بعد حرب عام 2006 في لبنان مجموعة من عناصره لتدريب العناصر الشيعية في باكستان، واختيرت منطقة باراتشنار القبلية المحاذية لأفغانستان كمركز تدريب لهذه العناصر. وبعد ثورة الشعب السوري ضد حكم بشار الأسد تمكن الحرس الثوري من تجنيد آلاف الشبان الباكستانيين الشيعة فيما يعرف باسم لواء زينبيون الذي يحكم سيطرته على منطقة سوق الحميدية في العاصمة دمشق ومنطقة السيدة زينب. وحسب مواطنين سوريين هاجروا من دمشق وسوريا، فإن أسوأ المعاملات التي يتلقاها المواطن السوري في بلده على حواجز الشيعة الباكستانيين الذين لم يتركوا أحدا إلا وآذوه، فنهبوا البيوت واعتدوا على الأعراض وقتلوا الأبرياء..
تصل مساحة باكستان إلى قرابة مليون كيلومتر مربع ويقطنها ما يقرب من مائتي مليون إنسان، وتتعدد فيها العرقيات والطوائف والأديان ويضمن الدستور الباكستاني المساواة بين الجميع أمام القانون، وضمن الدستور الباكستاني تمثيل كل الأقليات الدينية في البلاد في البرلمان، حيث هناك مقاعد للهندوس والسيخ والنصارى والنحلة القاديانية التي تعتبر أقلية غير مسلمة في باكستان. لكن القانون الباكستاني لم يفرق بين المسلمين وإن اختلفت مدارسهم ومذاهبهم.

* موقف إيران من باكستان
كانت إيران في عهد الشاه تحاول البروز كقوة إقليمية وشرطي المنطقة، حسب قول شاهد الرحمن الصحافي الباكستاني المخضرم، والذي خدم في وكالة الأنباء الرسمية الباكستانية في عهد ذو الفقار علي بوتو، مضيفا أن الشاه الذي ربطت بلاده مع باكستان أحلاف عسكرية مثل السيتو والسنتو حاول فرض هيمنته على باكستان أيام ذو الفقار علي بوتو (رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق - وهو شيعي وزوجته نصرت بوتو كانت شيعية إيرانية عملت نادلة في أحد الملاهي قبل زواجها من بوتو) لكن التأثير المذهبي الشيعي للحكومة الإيرانية أيام الشاه كان هامشيا، وأكد شاهد الرحمن أن الضغوط الاقتصادية الإيرانية على باكستان كانت أكثر من الضغط المذهبي، فمنع الشاه الحكومة الباكستانية من استغلال مكتشفات الغاز والنفط في إقليم بلوشستان الباكستاني القريب من الحدود الإيرانية بحجة أنها تؤثر على المخزون الإيراني من النفط والغاز. غير أن الحكومة الإيرانية كانت منذ أيام الشاه تحاول أن تكون هي الدولة الأقوى والأهم في المنطقة، لذلك حاولت تهميش دور باكستان السياسي وتأثيرها، خاصة في منطقة الخليج العربي. ومع هذه السياسة فإن شاهد الرحمن يقول إن إيران في ذلك الوقت لم تكن تتآمر على باكستان وتحاول زعزعتها كما هو حاصل الآن، فقد ساعدت حكومة الشاه باكستان إبان حروب باكستان مع الهند وشكلت القواعد الجوية الإيرانية في منطقة بلوشستان سيستان الإيرانية قاعدة خلفية لسلاح الجو الباكستاني في حرب عام 1971 التي انفصلت فيها بنغلاديش عن باكستان.

* إيران الخميني وباكستان
منذ بدايات ثورة الخميني كال إعلامه الاتهامات لباكستان بأنها عميلة أميركية - خاصة إبان حكم الجنرال ضياء الحق - وحث الخميني على تغيير شعبي في باكستان يطيح بالحكومة القائمة. إلا أن دعواته ذهبت أدراج الرياح، رغم ما أنفقه عليها من أموال. ويروي مدير مكافحة التجسس الباكستاني الأسبق العميد سيد ترمذي - وهو شيعي المذهب - في كتاب مذكراته كيف حاول أنصار الخميني الذين شكلوا ما يعرف باسم حركة تطبيق الفقه الجعفري محاصرة مجمع الوزارات في إسلام آباد أواخر السبعينات والانقلاب على الدولة، بدعم وتمويل من الخميني والقذافي، لكن الاستخبارات الباكستانية أجهضت محاولتهم وفرقتهم دون إراقة دماء.
* تنظيمات وتمويل
لم يكن الوضع في باكستان قبل ثورة الخميني يفرق فيه الناس كثيرا بين الشيعة والسنة، وكانت زيجات كثيرة تقع بين الجانبين دون اعتراض على المذهب، لكن منذ جاءت ثورة الخميني بدأ الملالي الشيعة في الحديث كثيرا عن المظلومية وعن وجوب أخذ الحكم بالقوة في باكستان، وحسب مقابلة مع الشيخ فضل الرحمن أمين عام جمعية علماء الإسلام الباكستانية التي تعتبر التيار الرئيسي في الجماعات الدينية الباكستانية فقد أنشأ الشيعة الباكستانيون بدعم إيراني تنظيما باسم حركة تطبيق الفقه الجعفري التي ترأسها حسين الحسيني وهو من بلدة باراتشنار الباكستانية المحاذية لجبال تورا بورا في أفغانستان، وكان من أشد الناس تعصبا للخميني ودرس في قم، لكن تزعمه للحركة واكب الحرب العراقية الإيرانية فلم تفلح الحركة في التمدد كثيرا سوى في تسليح القبائل الشيعية في باراتشنار وغيرها وتدريبهم على السلاح، وبدء عمليات الاغتيال ضد رموز أهل السنة، حسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط» الشيخ فضل الرحمن خليل زعيم حركة أنصار الأمة، الذي واكب المجاهدين الأفغان فترة الاحتلال السوفياتي لبلادهم، مضيفا أن الشيعة أسسوا ما سموه عسكر محمد أو (سباه محمدية) واغتالوا من علماء السنة المشهورين إحسان إلهي ظهير الذي ألف كتبا كثيرة عن أصول الشيعة وعقائدهم ومخالفتهم للإسلام، فاغتالوه أثناء مهرجان خطابي عام 1987م في مدينة لاهور الباكستانية. ثم اغتالوا ضياء الحق قاسمي مؤسس تنظيم عسكر الصحابة (سباه صحابة) الذي جاء ردا على تشكيل سباه محمدية، مضيفا أن الشيعة وتياراتهم المسلحة بدأوا أعمال العنف الطائفية ضد رموز أهل السنة في باكستان نهاية الثمانينات وعقد التسعينات، في عمليات عنف طائفية أغرقت شوارع المدن الباكستانية بالدماء.
في بداية أغسطس (آب) 1988م تمكن مسلحون مجهولون (يعتقد أنهم من تنظيم عسكر الصحابة) اغتيال حسين الحسيني في مقر إقامته في إحدى ضواحي بيشاور، وخلفه في قيادة حركة تطبيق الفقه الجعفري ساجد نقوي، وهو من علماء الشيعة في إقليم البنجاب. ساجد نقوي حسب معارفه كان يميل إلى العمل السياسي الهادئ بعيدا عن المواجهات، وقد امتدحه لياقت بلوش نائب أمير الجماعة الإسلامية الباكستانية بالقول إن ساجد نقوي أقام صلات وعلاقات مع الجماعات الدينية الباكستانية السنية ودخل فيما بعد في تحالف للجماعات الدينية الباكستانية باسم «مجلس العمل المتحد»، غير أن أسلوبه في العمل وسياسته الهادئة وعلاقاته مع المؤسسات الحاكمة في باكستان أثارت التخوفات لدى القيادة الإيرانية منه، خصوصا أنه من البنجاب التي تعتبر أكثر بعدا عن المواجهات الدامية. فعملت القيادة الإيرانية على استبداله بشخصية من علماء الشيعة من منطقة تشترال الشمالية ليكون أكثر طواعية في يدها. وحسب مسؤول سابق في جهاز الاستخبارات الباكستانية في مقابلة خاصة، فإن المخابرات الإيرانية عملت على إسكات ساجد نقوي وعدم الحديث عن إيران ومخططاتها في باكستان من خلال قيام عميل للحرس الثوري الإيراني - ابن أحد رجال الدين المشرفين على توجيه فيلق القدس - على تصوير ساجد نقوي مع زوجات متعة كان عميل الاستخبارات الإيرانية يوردها له، وتم اكتشاف الأمر فيما بعد من قبل الاستخبارات الباكستانية التي أبعدت عميل الاستخبارات الإيرانية بعد فترة من سجنه.. وقد اطلعت «الشرق الأوسط» على عدد من هذه الوثائق التي تدين ساجد نقوي من خلال الإيحاء بسوء سلوكه، لجعله ألعوبة بيد إيران دائما.
وقد أنشأت إيران والحركات الشيعية الباكستانية عددا من التنظيمات المسلحة المحظورة في باكستان وعملت إيران وملاليها على دعم هذه التنظيمات بالمال والسلاح والتدريب، وأهم هذه التنظيمات سباه محمدية وحزب الله الباكستاني وقوة المختار (مختار فورس) وعدد من الميليشيات الطائفية في المناطق القبلية الباكستانية، حسبما جاء في نشرة لمعهد مكافحة الإرهاب في إسلام آباد.
وحسب مصادر أمنية ودبلوماسيين أجانب في إسلام آباد، فقد أرسل حزب الله اللبناني بعد حرب عام 2006م في لبنان مجموعة من عناصره لتدريب العناصر الشيعية في باكستان، واختيرت منطقة باراتشنار القبلية المحاذية لأفغانستان كمركز تدريب لهذه العناصر، حيث كانوا يتلقون التدريب الأولي في معسكرات خاصة بهم، ثم يتم نقلهم إلى إيران والعراق، بحجة زيارة الأماكن المقدسة لدى الشيعة، لكن الهدف الأساسي كان مشاركة هؤلاء المقاتلين الشيعة إلى جانب التنظيمات الشيعية العراقية في القتال ضد أهل السنة في العراق، وكان تنظيم عصائب أهل الحق ولواء أبو الفضل العباس العباءة التي انضوى تحتها المقاتلون الباكستانيون. وقد تفشى أمر تنقلهم من باكستان إلى إيران، واستشرى نشاطهم في المناطق الشمالية الباكستانية مثل تشترال وجيلجيت ومناطق كورام القبلية، حسبما بثته قناة «وصال» بلغة الأوردو، وهي محطة تلفزيونية باكستانية تعمل في مجال الدعوة للإسلام في باكستان، وقد تمكنت تنظيمات مناوئة للميليشيات الشيعية من رصد حركة الكثيرين من عناصر هذه الميليشيات واستهدافها من قبل تنظيم لشكر جنكوي المتخصص في استهداف الشيعة في باكستان، فأغار مسلحون من لشكر جنكوي عدة مرات على حافلات قادمة من إيران في إقليم بلوشستان الباكستاني في منطقة موستانغ جنوب غربي كويتا، وكذلك في كوهستان في الطريق إلى تشترال الشمالية وقتلوا العشرات من عناصر التنظيمات الشيعية الباكستانية حسب بيانات الشرطة والمستشفيات.
وقد جن جنون المنظمات الشيعية بعد استهداف مواكبهم في عاشوراء في مدينة كويتا أكثر من مرة، مما قاد بعضهم إلى استهداف مدرسة دينية في مدينة راولبندي يوم عاشوراء عام 2013م وقاموا بمجزرة ضد طلاب المدرسة مستخدمين المطاوي والسيوف والسكاكين، فقتلوا العشرات من الأطفال في المدرسة دون تدخل من الشرطة الباكستانية، وهي مجزرة كادت توقع باكستان في حرب طائفية لولا الضغوط التي مارستها الحكومة والمؤسسة العسكرية في باكستان والحكومة الإيرانية على الأحزاب الدينية السنية من أجل تهدئة الأمور، وعدم القيام بعمليات ثأرية من الشيعة في راولبندي أو غيرها من المدن الباكستانية.
وبعد ثورة الشعب السوري ضد حكم بشار الأسد والمطالبة بالإطاحة به، تمكن الحرس الثوري من تجنيد آلاف الشبان الباكستانيين الشيعة فيما يعرف باسم «لواء زينبيون» الذي يحكم سيطرته على منطقة سوق الحميدية في العاصمة دمشق ومنطقة السيدة زينب، وحسب قول مواطنين سوريين هاجروا من دمشق وسوريا فإن أسوأ المعاملات يتلقاها المواطن السوري هي على حواجز الشيعة الباكستانيين الذين لم يتركوا أحدا إلا وآذوه، فنهبوا البيوت واعتدوا على الأعراض وقتلوا الأبرياء.
وحسب رواية حاجي صالح وهو أحد قادة قبائل السنة القاطنة قرب باراتشنار فإن من يحاول الرجوع من لواء زينبيون إلى قريته وبيته تعمد ميليشيات شيعية محلية موالية لإيران إلى اغتيالهم أو اختطافهم وإلصاق التهمة بتنظيمات إسلامية سنية لتحقيق عدة أهداف: أولها تحريض الشبان الشيعة على الثأر لهم من السنة في باكستان، وثانيها منع غيرهم من الانسحاب من المعركة في العراق وسوريا والعودة إلى الديار في باكستان، وثالثها تحريض السلطات المحلية على السنة في باكستان والمطالبة بالقصاص من القتلة - والمتهم هنا أهل السنة - في باكستان، ورابعها زعزعة استقرار وأمن باكستان من خلال الميليشيات الطائفية التي تأتمر بأمر الحرس الثوري الإيراني في طهران.

* المدارس الشيعية في باكستان
على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاما من الزمن تمكنت إيران والشيعة في باكستان من إقامة ثلاثمائة معهد ديني شيعي في مختلف المدن الباكستانية، بحسب ما وثقته قناة «وصال» الناطقة باللغة الأردية، ويتسع كل معهد منها إلى ما يزيد على سبعمائة طالب، يتم تدريسهم فيه بدايات المذهب الشيعي والعداء ضد السنة، ومن ثم ينتقلون إلى جامعات دينية في قم ومشهد وأصفهان وغيرها من المدن الإيرانية ليتم تدريسهم هناك وإعادة صياغة عقولهم بما يتلاءم مع المشروع الإيراني، وقد ضيق الملالي الشيعة - بأمر من إيران - على كل من تخرج من المدارس الدينية الشيعية العراقية في السابق، الذين كان لهم الدور الأكبر في قيادة التجمعات والأقليات الشيعية في مختلف البلدان وتسموا باسم النجفي والكربلائي والناصري وغيرها، نسبة إلى المدن العراقية التي درسوا فيها، وأصبح مكانهم الآن المشهدي والقمي والتبريزي والشيرازي نسبة إلى المدن الإيرانية وجامعاتها الشيعية. وقد أسست إيران مراكز ثقافية لها في كل المدن الرئيسية الباكستانية وأرسلت مندوبين من إيران لإدارة هذه المراكز التي تعنى بتجنيد الأفراد خدمة لإيران ومصالحها، حسبما قاله الصحافي الباكستاني سهيل خان الذي قدم عدة بحوث عن النشاط الإيراني في باكستان وزار إيران أكثر من مرة، وكان أول عمل أنيط بهذه المراكز الحصول على كل المخطوطات باللغة الفارسية من كل المكتبات والمدن الباكستانية، حيث كانت اللغة الفارسية هي السائدة في التعليم والكتابة أيام حكم المغول لشبه القارة الهندية. مضيفا أن هذه المراكز تمكنت من الحصول على آلاف المخطوطات التي حرفت وزورت بحيث يحذف منها كل ما يمس الصفويين والشيعة بشكل عام وأبقت على ما يروج لإيران ولغتها وتاريخها، حتى لو أراد طلبة تحقيق المخطوطات عمل دراسات عنها لم يجدوا إلا ما يمجد إيران ويعظم من شأنها. وفي الفترة ما بين 2002م إلى 2013م أنشأت إيران 54 جامعة طائفية مذهبية في باكستان تعمل على استقطاب الطلبة الشيعة في كل الدراسات وإعطائهم منحا دراسية في إيران، حيث وصل عدد الطلبة الباكستانيين الدارسين في الجامعات الإيرانية أكثر من خمسة وثلاثين ألف طالب في مختلف العلوم.
كما عمدت الحكومة الإيرانية إلى منح الآلاف من الشيعة الباكستانيين الجنسية الإيرانية سنويا لاستخدامهم في مشاريعها التوسعية في مختلف المناطق، وهو ما أكده ناشطون في الجامعة الإسلامية العالمية قدموا مذكرة عن النشاط الإيراني في مجال التعليم في باكستان. ومن أشهر الجامعات الشيعية التي مولتها إيران في باكستان: جامعة المصطفى العالمية، جامعة أهل البيت، جامعة الولاية، وعشرات الجامعات في أنحاء باكستان، وهناك سبع جامعات شيعية في إسلام آباد وحدها، وتسعى الحكومة الإيرانية بخطط دؤوبة للسيطرة على الجامعة الإسلامية العالمية التي أسستها المملكة العربية السعودية بالتعاون مع حكومة الرئيس الأسبق ضياء الحق، وقد عملت الحكومة الإيرانية مخططا طويل المدى للتأثير على الجامعة الإسلامية بعد تغير إدارتها من عربية إلى باكستانية، حيث أمرت المراكز الثقافية الإيرانية في مختلف المناطق الطلبة الشيعة بالتسجيل في الجامعة الإسلامية ودخول مختلف التخصصات، وقامت السفارة الإيرانية والمركز الثقافي الإيراني في إسلام آباد بتقديم الدعم المالي لهم من خلال منح دراسية مجزية، ثم وفرت لهم السفارة الإيرانية المساكن المناسبة والدورات التعليمية ليبرزوا في تخصصاتهم ويحققوا العلامات العليا، ثم يحصلوا على منح دراسية من خلال التعليم العالي في باكستان أو من خلال منح دراسية إيرانية، وكان الغالبية منهم يتوجهون إلى الجامعة المستنصرية وجامعة بغداد وجامعة دمشق في ظل حكم المالكي وبشار، في العراق وسوريا، ثم يرجعون إلى نفس الجامعة بشهادات عليا ليصحبوا معيدين في كل الأقسام، وبعد عدة سنوات تتم ترقيتهم ليصبحوا في مجلس إدارة الكليات وبذا يتحكمون فيمن تحتهم من المدرسين والمعيدين من أهل السنة. وهو ما حذر منه مجموعة من المحاضرين في الجامعة وبدأت الإدارة اتخاذ إجراءات للحد من تأثيره والعمل على وقفه.

* إيران والإعلام في باكستان
منذ نشأة الدولة الباكستانية عام 1947م كان الشيعة يهيمنون على الإعلام لاهتمامهم المبكر في هذا المجال، فكان منهم المعلقون والمذيعون والكتاب ومعدو البرامج ومقدموها في الإذاعة والتلفزيون، وكانت نسبة الأفراد الشيعة في وسائل الإعلام الباكستانية فترة 1950 - 2000م لا تقل عن 90 في المائة من رؤساء التحرير أو مديري التحرير ورؤساء الأقسام في غالبية وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، وعمد هؤلاء إلى توظيف أبناء المذهب ولو كانوا من مدن بعيدة بدلا من الاستعانة وتوظيف غيرهم في نفس المدينة، كما قال عبد الجليل خان مسؤول وزارة المالية والجمارك في بلوشستان المحاذية لإيران، الذي قدم عدة مذكرات عن الدور الإيراني في باكستان لعدد من الجهات الأمنية والرسمية. وأشار عبد الجليل إلى أن من تولوا هذه المناصب تحكموا فيما يكتب في الصحافة الباكستانية، فكان نادرا ما يجد المرء انتقادا للسياسة الإيرانية، وإن وجد فإنه مع النقد يجد المبررات لهذه السياسة والمديح للقيادة الإيرانية بأنها الوحيدة في العالم الإسلامي التي تتبنى القضية الفلسطينية وتقف ضد الشيطان الأكبر: أميركا، بينما لا يجد مثل هؤلاء الكتاب غضاضة في انتقاد الدول العربية خاصة دول الخليج، بالحق والباطل، كما ينتقدون سياسات الحكومات الباكستانية المتعاقبة ويحاولون التحذير من التقارب مع الدول العربية، بينما يدافعون عن السلام والحوار مع الهند وإعطائها صفة الدولة ذات الأفضلية في التبادل التجاري بين البلدين، وهو ما يغرق السوق الباكستانية بالبضاعة الهندية الأقل كلفة بما يقضي على مقومات الاقتصاد الباكستاني.
وفي مقابلة خاصة مع عبد الجليل خان تحدث عن ثورة الإعلام الإلكتروني وأن الحكومة الباكستانية سمحت بفتح الكثير من محطات التلفزيون والإذاعة الخاصة حيث زاد عدد القنوات التلفزيونية على 85 قناة إضافة إلى مئات الإذاعات الخاصة في كل باكستان، مضيفا: «هناك مئات الكتاب والمفكرين والسياسيين يكتبون في مختلف الصحف ويشاركون في مختلف القنوات الباكستانية يظهرون على الشاشات يطبلون للسياسة الإيرانية الطائفية، ويغمزون من جانب الحكومة الباكستانية حينا وينتقدونها بشكل غير موضوعي أحيانا أخرى، كما يوجهون سموم نقدهم إلى الكثير من الدول العربية خاصة دول الخليج، ويمنع معدو البرامج في المحطات التلفزيونية الباكستانية ظهور أي رأي آخر من أهل السنة أو مواجه لهذه الآراء، وهو ما قاد رئيس مجلس علماء باكستان الشيخ طاهر أشرفي إلى تقديم احتجاج لدى إدارة هذه القنوات وأصحابها حسب ما قاله الشيخ طاهر في لقاء خاص معه، ويهدف القائمون على برامج هذه القنوات إلى القيام بعملية غسيل دماغ للشعب الباكستاني وإعادة توجيهه وفق ما تهواه إيران ويخدم سياستها.



تركيا: السلام مع الأكراد يدخل مرحلة حاسمة

تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته في فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)
تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته في فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)
TT

تركيا: السلام مع الأكراد يدخل مرحلة حاسمة

تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته في فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)
تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته في فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)

باتت عملية «السلام، والمجتمع الديمقراطي» التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب» التي تمر عبر حل «حزب (العمال الكردستاني)، ونزع أسلحته» على أعتاب مرحلة حاسمة.

ودخلت مرحلة كتابة التقرير النهائي الذي يتضمن الأسس القانونية لحل حزب «العمال الكردستاني» آخر مراحلها، وسيعقد رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش، الأربعاء، الاجتماع السادس والأخير لصياغة التقرير النهائي.

ويتألف هذا الفريق من نواب رؤساء المجموعات البرلمانية للأحزاب المشاركة في «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، وسبق له عقد 5 اجتماعات وضع خلالها الهيكل العام للتقرير استناداً إلى تقارير مقدمة من الأحزاب خلال أعمال اللجنة التي شكلها البرلمان في 5 أغسطس (آب) 2025 بوضع الأساس القانوني لـ«عملية السلام».

وضع أوجلان

ومن المنتظر أن يعرض التقرير على اللجنة البرلمانية لمناقشته، والموافقة عليه قبل نهاية فبراير (شباط) الحالي، وسينتهي عمل اللجنة بحلول نهاية الشهر بعدما تقرر تمديد عملها لشهرين في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسيتم طرحه للمناقشة في الجلسات العامة للبرلمان.

جانب من الاجتماع الخامس لصياغة التقرير النهائي حول نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» الأربعاء الماضي (البرلمان التركي- إكس)

وتفجر جدل واسع، مع قرب انتهاء عمل اللجنة، والنظر في تقريرها النهائي، حول مسألة إطلاق سراح زعيم «العمال الكردستاني» السجين في جزيرة «إيمرالي» جنوب بحر مرمرة في غرب تركيا، بالاستفادة من مبدأ «الحق في الأمل».

وعقب الاجتماع الخامس للجنة صياغة التقرير، الأربعاء الماضي، أثار نائب رئيس حزب «الحركة القومية»، فتي يلديز، جدلاً واسعاً بإعلانه أنه تم التوصل إلى اتفاق بشأن «الحق في الأمل»، وأن التقرير النهائي للجنة البرلمانية سيوصي بالامتثال لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدستورية التركية بشأن السجناء السياسيين، والتي تُغطي هذه المسألة «ضمنياً».

لكن ممثل حزب «الرفاه من جديد» في اللجنة البرلمانية، دوغان بكين، ذكر أن التصريحات بشأن إدراج «الحق في الأمل» في التقرير النهائي لا تعكس الحقيقة، مقترحاً إجراء استفتاء شعبي على منح أوجلان هذا الحق.

أوجلان وجه في 27 فبراير 2025 نداء إلى حزب «العمال الكردستاني» لحل نفسه وإلقاء أسلحته (إ.ب.أ)

و«الحق في الأمل» هو مبدأ قانوني أقرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2014 يُعطي أملاً في إمكانية الإفراج المشروط عن المحكومين بالسجن المؤبد المشدد بعد قضاء 25 سنة، مع مراعاة حسن سلوكهم خلال فترة زمنية محددة، ويهدف إلى إعادة دمج المجرمين في المجتمع بعد إتمامهم جزءاً من مدة عقوبتهم، ويتطلب تطبيقه في تركيا تعديلات قانونية.

وأفادت تقارير صحافية، الاثنين، بأن أوجلان طلب، بشكل صريح، من وفد اللجنة البرلمانية، الذي التقاه في سجن إيمرالي في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، منحه «الحق في الأمل»، وإعادة هيكلة جزيرة إيمرالي لتصبح مساحة معيشية حرة له، ومقر إقامة آمناً، ومريحاً، حال إطلاق سراحه.

تحذير من «الكردستاني»

في الوقت ذاته، أكد الرئيس المشارك لـ«اتحاد مجتمعات كردستان» القيادي في حزب «العمال الكردستاني» جميل باييك أن «حرية (القائد آبو) (أوجلان)، وقدرته على العمل بلا قيود هما شرطان أساسيان لتقدم (عملية الحل) (عملية السلام والمجتمع الديمقراطي».

القيادي في حزب «العمال الكردستاني» جميل باييك (إعلام تركي)

وقال باييك في مقابلة مطولة مع وكالة «فرات» للأنباء القريبة من حزب «العمال الكردستاني» إنه تم تحديد ماهية «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، بوضوح وبساطة، في دعوة «القائد آبو» التي وجهها في 27 فبراير 2025، والتي تنصب في جوهرها على الديمقراطية، واتخذ الحزب العديد من الخطوات بناء على هذه الدعوة.

واتهم اللجنة البرلمانية بعدم اتخاذ خطوات تتناسب مع الخطوات التي اتخذها «العمال الكردستاني»، لافتاً إلى أن هناك العديد من الجماعات التي ستتأثر مصالحها، وتنقطع مواردها إذا نجحت هذه العملية، وتحققت الديمقراطية، وحلت القضية الكردية في تركيا، ولذلك فإنها تسعى لعرقلة الحل.

استطلاع رأي

في السياق ذاته، كشف استطلاع للرأي أجرته شركة «آصال»، ونشرت نتائجه الاثنين، عن تراجع شعبية حزب «الحركة القومية» الحليف لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، والذي انطلقت عملية السلام من خلال مبادرة رئيسه، دولت بهشلي، (تركيا خالية من الإرهاب) في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد.

وأظهر الاستطلاع استمرار تصدر حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، بنسبة 34.8 في المائة بزيادة نسبتها 8.9 في المائة عن نسبة الأصوات التي حققها بالانتخابات البرلمانية في مايو (أيار) 2023، و2.9 في المائة عن نسبة تأييده عام 2025.

رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل يواصل حشد الناخبين والضغط من أجل إجراء انتخابات مبكرة (حساب الحزب في إكس)

وجاء حزب «العدالة والتنمية» بالمرتبة الثانية بنسبة 32.1 في المائة، محققاً بعض التعافي مقارنة بالعام الماضي، مع خسارة بنسبة 3.2 في المائة عن انتخابات 2023.

وتراجع تأييد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» إلى 8.4 في المائة ليخسر 1.2 في المائة من أصواته بالمقارنة بالعام الماضي، التي بلغت 9.6 في المائة، فيما كان الحزب حقق 8.8 في المائة في انتخابات 2023.

وفقد حزب «الحركة القومية»، شريك الحزب الحاكم في «تحالف الشعب»، 3 في المائة من أصواته التي حصل عليها في انتخابات 2023، والتي بلغت 10 في المائة، وحصل في الاستطلاع الأخير على 7 في المائة فقط.


خامنئي يحذر من حرب إقليمية ويدعو للتماسك الداخلي

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي يحذر من حرب إقليمية ويدعو للتماسك الداخلي

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

دعا المرشد الإيراني علي خامنئي، يوم الاثنين، الإيرانيين إلى «الصمود» وإظهار التماسك الداخلي في ذكرى انتصار ثورة 1979، وذلك في ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة واستئناف المحادثات النووية غير المباشرة في مسقط، معتبراً أن التهديدات الأميركية بالحرب «ليست جديدة»، وأن إيران «لا تبدأ حرباً»، لكنه حذر من أن أي مواجهة مقبلة ستكون «حرباً إقليمية».

وقال خامنئي، في خطاب متلفز، إن «قوة الأمة لا تكمن فقط في الصواريخ والطائرات، بل في إرادة الشعب وصموده»، داعياً الإيرانيين إلى «إحباط مخططات العدو» ومواجهة الضغوط الخارجية.

وأضاف خامنئي أن «القوى الأجنبية، منذ عام 1979، سعت على الدوام للعودة إلى الوضع السابق»، في إشارة إلى مرحلة حكم أسرة بهلوي، معتبرًا أن الثورة الإسلامية أنهت تلك المرحلة ومنعت إعادة إنتاجها.

وعلى خلاف التقليد السنوي، لم يُعقد هذا العام الاجتماع الرمزي الذي يجمع خامنئي مع قادة القوات الجوية، قبل ثلاثة أيام من حلول ذكرى الثورة.

وتراجعت إطلالات خامنئي (86 عاماً)، إلى حدها الأدنى منذ حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل، بعدما هدد مسؤولون إسرائيليون باستهدافه، وتجددت التهديدات مرة أخرى مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران.

وجاء خطاب المرشد الإيراني بعد أيام من انطلاق جولة جديدة من المحادثات بين طهران وواشنطن في مسقط، يوم الجمعة، عقب توقف استمر عدة أشهر، وسط تصاعد التوترات السياسية والعسكرية.

وفي أول خطاب له منذ استئناف المحادثات، ركّز خامنئي على الولايات المتحدة، معتبراً أن جوهر الخلاف معها «لم يتغير» منذ انتصار الثورة قبل 47 عاماً.

وبدأت المحادثات بعد أقل من شهر على ذروة موجة احتجاجات عامة مناهضة لنظام الحكم في إيران، ورافقتها حملة أمنية غير مسبوقة أودت بحياة الآلاف، حسب جماعات حقوقية.

وكان ترمب قد لوّح في البداية بعمل عسكري ضد طهران بسبب قمع الاحتجاجات، بل قال للمتظاهرين إن «المساعدة في الطريق».

غير أن خطاب ترمب في الأيام الأخيرة انصب على كبح البرنامج النووي الإيراني، بالتوازي مع تحريك الولايات المتحدة مجموعة بحرية تقودها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى المنطقة.

ولا تزال القيادة الإيرانية تشعر بقلق بالغ من احتمال تنفيذ ترمب تهديداته بضرب إيران. وحذّرت إيران من أنها ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة ومن إمكانية إغلاق مضيق هرمز في حال تعرضت لهجوم.

وقال خامنئي إن «المشكلة الأساسية مع أميركا هي محاولتها إخضاع إيران وإعادتها إلى دائرة الهيمنة»، مؤكداً أن الشعب الإيراني «رفض هذا المسار منذ البداية ولن يسمح بعودته».

وأضاف أن التهديدات الأميركية باستخدام القوة «ليست جديدة»، مشيراً إلى أن واشنطن لطالما تحدثت عن «كل الخيارات على الطاولة»، لكنه شدد على أن إيران «لا تبدأ حرباً». وحذر من أن أي هجوم محتمل على إيران «سيواجه برد قاسٍ»، مشدداً على أن أي مواجهة جديدة «لن تبقى محدودة، بل ستكون إقليمية».

وعلى الصعيد الداخلي، دعا خامنئي الإيرانيين إلى المشاركة الواسعة في احتفالات الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة، المقررة يوم الأربعاء.

وقال إن «مشاركة الشعب في المسيرات والتعبير عن الولاء للجمهورية الإسلامية سيجبران العدو على التوقف عن الطمع في إيران»، معتبراً ذلك عنصراً حاسماً في مواجهة الضغوط.

وفي جزء موسع من خطابه، تناول خامنئي الاحتجاجات العامة الأخيرة، واصفاً إياها بأنها «فتنة أميركية–صهيونية»، مضيفاً أنها لم تكن تعبيراً عن مطالب شعبية عفوية. وأضاف: «الفتنة كانت فتنة أميركية، والمخطط كان مخطط أميركا؛ وليس أميركا وحدها، بل كان النظام الصهيوني شريكاً أيضاً».

وتابع: «عندما أقول أميركا، فليس ذلك مجرد ادعاء، ولا هو مما وصلنا فقط عبر قنوات استخباراتية سرية ومعقدة، وإن كنا نملك كثيراً من المعلومات التفصيلية. لكن ما يثبت بوضوح أن هذه الحركة كانت حركة أميركية هو تصريحات رئيس الولايات المتحدة نفسه؛ إذ كان يخاطب مثيري الشغب صراحة بوصفهم شعب إيران».

وأضاف: «قد بلغني من مصدر ما أن عنصراً أميركياً مؤثراً في السلطة قال لنظيره الإيراني إن وكالة الاستخبارات الأميركية وجهاز الموساد التابع للنظام الصهيوني أدخلا كل إمكاناتهما إلى الميدان في هذه الأحداث. هذا اعتراف أميركي صريح بأن جهازين استخباريين فاعلين ومعروفين، هما (سي آي إيه) و(الموساد)، استخدما كل إمكاناتهما، ومع ذلك فشلا».

وقال المرشد الإيراني إن هذه الأحداث «تشبه انقلاباً»، موضحاً أن هدفها كان ضرب المراكز الحساسة والمؤثرة في إدارة البلاد، وليس مجرد إثارة احتجاجات في الشوارع.

وأوضح أن أولى خصائص هذه «الفتنة» تمثلت في وجود «قادة منظمين ومدربين» وفئة أخرى من العناصر التابعة و«همج الرعاع»، تلقوا أموالاً وتعليمات وتدريباً على كيفية التحرك والهجوم واستقطاب المشاركين. وأضاف أن الخاصية الثانية تمثلت في «اختباء العناصر المنفذة خلف احتجاجات سلمية لفئات اجتماعية محددة»، قبل الانتقال إلى العنف واستهداف المؤسسات الأمنية.

وأشار خامنئي إلى أن الخاصية الثالثة كانت «الطابع الانقلابي للأعمال»، من خلال الهجوم على الشرطة، ومراكز الحرس الثوري، والمؤسسات الحكومية، والبنوك، إلى جانب استهداف المساجد والقرآن.

وقال إن الخاصية الرابعة تمثلت في أن «التخطيط والإدارة تما من الخارج»، وإن القادة الميدانيين كانوا على تواصل مع جهات أجنبية تلقوا منها التعليمات المباشرة.

وأضاف أن خامس خصائص هذه الأحداث «السعي المتعمّد لخلق قتلى»، عبر شن هجمات مسلحة لإجبار قوات الأمن على الرد، ورفع عدد الضحايا.

وأوضح أن بعض المنفذين «أطلقوا النار حتى على العناصر التي جرى دفعها إلى الشارع»، في محاولة لزيادة عدد القتلى، واتهام الدولة بالمسؤولية عن العنف.

وأكد خامنئي أن الهدف الأساسي من هذه الأحداث كان «زعزعة أمن البلاد»، مشدداً على أن «انعدام الأمن يعني تعطيل الحياة الاقتصادية والتعليمية والعلمية».

وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية «أدت واجبها»، لكنه أكد أن «الحسم الحقيقي جاء من الشعب»، في إشارة إلى المظاهرات المؤيدة للنظام التي خرجت لاحقاً في عدة مدن.

وقال إن مثل هذه «الفتن» ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، طالما أن إيران «تسير في مسار مستقل يتعارض مع مصالح القوى الكبرى».

وفي ختام خطابه، شدد خامنئي على أن العداء بين طهران وواشنطن «عداء تاريخي وبنيوي»، وليس مرتبطًا بملف نووي أو مرحلة سياسية محددة.

وأضاف أن شعارات «حقوق الإنسان والديمقراطية» التي ترفعها الولايات المتحدة «ليست سوى ذرائع»، لافتاً إلى أن الخلاف يتمحور حول «رفض إيران الخضوع والهيمنة الخارجية».


عراقجي يُطلع البرلمان على المحادثات... ولاريجاني يزور عُمان غداً

صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين
صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين
TT

عراقجي يُطلع البرلمان على المحادثات... ولاريجاني يزور عُمان غداً

صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين
صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني من حضور وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي في جلسة مغلقة حول المحادثات والتوترات الاثنين

أطلع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، نواب البرلمان على نتائج الجولة الأولى من محادثاته مع المفاوضين الأميركيين، فيما أعلن أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني عزمه التوجه، الثلاثاء، على رأس وفد إلى سلطنة عمان، التي تتولى دور الوساطة بين طهران وواشنطن في المفاوضات النووية.

تأتي زيارة لاريجاني في وقت يسود ترقب بشأن جولة ثانية من المحادثات الإيرانية - الأميركية، بعد الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة في عُمان نهاية الأسبوع الماضي، بعد توقف دام نحو تسعة أشهر.

وتهدف المحادثات إلى إتاحة فرصة جديدة للدبلوماسية في ظل ازدياد حشد القوات البحرية الأميركية قرب إيران، وتوعد طهران بالرد بقوة في حال تعرضها لهجوم.

وأفاد لاريجاني، في بيان على حسابه في شبكة «تلغرام»، بأنه سيلتقي كبار المسؤولين في السلطنة لمناقشة آخر التطورات الإقليمية والدولية، فضلاً عن التعاون الثنائي على مختلف المستويات.

ولم يتم بعد إعلان موعد ومكان الجولة القادمة من المحادثات. ويشرف المجلس الأعلى للأمن القومي على المحادثات النووية واتخاذ القرار بشأنها بعد مصادقة المرشد علي خامنئي.

صورة نشرها موقع لاريجاني من مغادرته مكتبه على هامش استقبال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في طهران 18 يناير الماضي

جاء إعلان زيارة لاريجاني، بعدما أطلع وزير الخارجية، عباس عراقجي، الاثنين، البرلمان الإيراني على نتائج المحادثات في جلسة عُقدت خلف الأبواب المغلقة.

وأعلن عباس مقتدائي، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، عقد الجلسة، مشيراً إلى أن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة عبد الرحيم موسوي شارك فيها، إلى جانب عراقجي، وفق ما أفادت به وكالة «إرنا».

من جانبه، قال المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، النائب عباس غودرزي، إن حضور وزير الخارجية ورئيس هيئة الأركان معاً في جلسة البرلمان، تأكيد على أن «الدبلوماسية والميدان» في الجمهورية الإسلامية يعملان بتنسيق كامل ويشكلان «وجهين لعملة واحدة».

وأوضح غودرزي أن الرسالة الأساسية من الدعوة المتزامنة لموسوي وعراقجي هدفت إلى تأكيد أن العمل الدبلوماسي والميداني لم يعودا مسارين منفصلين، بل قدرة واحدة متماسكة في خدمة الدولة.

وأضاف أن الجلسة أكدت أن «مكان المفاوضات وإطارها جرى تحديدهما بالكامل من الجمهورية الإسلامية»، معتبراً أن ذلك «يعكس اقتدار إيران في الساحة الدبلوماسية»، من دون أن يحدد الجهة التي أعلنت هذا الموقف.

وأضاف أن موسوي وعراقجي شددا خلال الجلسة على أن إيران «لن تقبل التخلي عن تخصيب اليورانيوم»، معتبرين أن التخصيب حق مرتبط بحياة الأجيال المقبلة ويجب صونه.

وأوضح أن الجاهزية الدفاعية لإيران باتت متناسبة مع مواجهة حروب هجينة ومتعددة الأوجه، وأن القدرات الدفاعية، كمّاً ونوعاً، ارتفعت مقارنةً بالماضي. وأضاف أن تجربتي «حرب الاثني عشر يوماً» و«انقلاب 8 يناير» (كانون الثاني)، جعلتا إيران أكثر استعداداً لمواجهة أي تهديد، وأنها تدخل المفاوضات من موقع قوة.

وفيما يتعلق بمسار التفاوض، قال غودرزي إن المحادثات تُجرى بصورة غير مباشرة وباقتراح من إيران، مع احتمال عقد لقاءات قصيرة بين فرق التفاوض، تشمل المصافحة وطرح الخطوط الحمراء.

وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن «إيران لن تقبل بالتخصيب الصفري»، مضيفاً أن «القدرات الصاروخية للبلاد، بوصفها أحد عناصر الاقتدار الوطني، غير قابلة للتفاوض على الإطلاق».

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية - أ.ف.ب)

وبدا أن حضور موسوي وعراقجي في البرلمان، يهدف إلى الرد على حضور قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط، الأدميرال براد كوبر، إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأميركي.

وفي وقت لاحق، زار ويتكوف وكوشنر، برفقة كوبر، حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» الموجودة في منطقة الخليج.

كان عراقجي قد أعرب في مؤتمر صحافي الأحد، عن شكوكه في جديّة الولايات المتحدة في «إجراء مفاوضات حقيقية». وقال إن «حشدهم العسكري في المنطقة لا يُخيفنا»، وشدد على أن إيران «ستقيّم كل الإشارات، ثم تتّخذ قرارها بشأن مواصلة المفاوضات»، متحدثاً عن مشاورات مع الصين وروسيا، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

وتتمسّك إيران بما تعده خطوطاً حمراء، إذ لا تقبل بأن تشمل المحادثات سوى برنامجها النووي، وتؤكد حقها في برنامج نووي سلمي. أما الولايات المتحدة التي نشرت قوة بحريّة كبيرة في الخليج وعززت وجودها في قواعد إقليمية، فتطالب باتفاق أوسع يشمل بندين إضافيين: الحدّ من القدرة الصاروخية الإيرانية، ووقف دعم طهران مجموعات مسلحة معادية لإسرائيل.

وتدعو إسرائيل إلى عدم التهاون في هذين البندين. ولهذه الغاية، يتوجه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إلى واشنطن.