مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

بعد عام من توليه مقاليد الحكم

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري
TT

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

تسعى هذه الصفحات لاكتشاف السمات الفكرية في شخصية الملك سلمان بن عبد العزيز وتكوينه، باعتبارها مؤهّلات نوعيّة مُضافة في القدرات القيادية المُميّزة التي ينفرد بها القليل من الزعامات. ولعل في اختيار العنوان ما يبرز هذا المقصد، فالمُدركات - ومُفردتها مُدرَكة - تعني الدلالات والمؤشّرات، وكثيرا ما تستخدم في الجوانب الذهنية والتربوية والمعرفية ونحوها، وهي بالإنجليزية «the perception».

1 - وفي مدخل الحديث، لا بدّ من الإشارة إلى تلك القدرات الذهنية التي ورثها عن والديه، فما من شخصيّة سعودية معاصرة يستعيد المجتمع قسماتها الفكرية وأسطورة دهائها ومناوراتها وشيمها، وما حالف خطواتها من حظّ وتوفيق، مثل شخصيّة المؤسس (الملك عبد العزيز المولود عام 1293هـ - 1876م) الذي خرج من الكويت وهو في السادسة والعشرين ليكافح من أجل توحيد البلاد ثلاثة وخمسين عاما أخرى، قضى نصفها في كرّ وفرّ، والنصف الثاني في بناء وتنظيم، حتى إذا ما لمّ شتات الكيان الكبير أودعه - وهو في السابعة والسبعين من العمر - إلى أبنائه من بعده. وقد اكتسب كثير من أبنائه الستة والثلاثين معرفة عميقة بالأحداث التي مرّت بالدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، وإلماما شاملا بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وأصبحوا أكثر ما يكونون إحاطةً بجغرافيا الجزيرة وبحاضرتها وباديتها وبموروثها الأدبي وبتقاليدها، وبما يكون عليه الخيّالة حذقا بمهارة القنص والفروسية وفنون العرضات وإبداعاتها، وبالقدرات التي تُكتسب بالإرث والهواية والممارسة. ولقد تناول كثير من الباحثين المحليين والعرب والغرباء - ومنهم فيلبي والريحاني والزركلي والعقّاد ومحمد أسد وديكسون وآرمسترونغ وفاسيلييف - بعضا من ملامح شخصية الملك المؤسس وعلاقة أبنائه به، وروى بعض الأبناء - كالأمير طلال والملك سلمان - شيئا من ذكرياتهم معه، والأمل كبير في أن يهتم الملك سلمان بتسجيل ما تختزنه ذاكرة أبناء المؤسس وأحفاده والأسرة كافة من معلومات عن تلك الحقبة التاريخية المهمة التي عاشوها مع الملك المؤسس، خاصة أن الملك سلمان يحمل المسؤولية التوثيقية الأولى في البلاد.
وهكذا قُدِّر للابن الخامس والعشرين سلمان (المولود يوم 5 شوال 1354هـ - 31 ديسمبر/ كانون الأول، 1935م)، وكغيره من إخوته، أن يُقارب في أسلوب حياته وفي عاداته مدرسة والده، ويقترب من تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، ويكتسب مهارة القيادة وهيبتها وإرث الاستحقاق للحكم من خلال فرص تراكميّة متنوّعة أُتيحت له عبر السنين، فكان يشترك معه بالاستعداد الفطري والشّبه في الملامح والعادات والتقاليد واللهجة والصوت، وهو أمر طبيعي بحكم الوراثة والبيئة التي نشأ فيها والتربية المتجانسة التي تلقّاها قريبا من والده، مما نتج عنه تقاربٌ في التكوين وتشابهٌ في نمط المعيشة وأسلوب الحياة. ولا يمكن لمن يرصد سيرة الملك سلمان وأشقائه وشقيقاته أن ينسى ما كانت والدتهم سارة بنت أحمد السديري، المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفيه عليهم من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة، مما فصّلت فيه الدكتورة دلال بنت مخلد الحربي في كتابها «نساءٌ شهيرات من نجد» (1998).

2 - من أسس التكوين المعرفي والفكري عند الملك سلمان، يأتي الاستعداد الفطري للمعرفة، والقدرات الذهنية، والذكاء، والتحصيل العلمي الذي تلقّاه وإخوته في مدرسة الأمراء بإدارة الشيخ عبد الله خيّاط، ومعه الأساتذة أحمد علي أسد الله الكاظمي ومحمد صالح الخزامي ومحمد علي حمام، وغيرهم، فكان لذلك التعليم عميق التأثير في تكوينه العام، حيث كرّس في وجدان الأمير في صغره التعلّق بالمفاهيم الدينية وبتراث الدعوة في البيئة التي نشأ فيها، وهو ما سار عليه في كبره من حيث الاهتمام بتنشئة أولاده في ما بعد.

3- ثم تأتي تلك الفترة الطويلة التي تولّى فيها إمارة منطقة الرياض، فهو عندما توفي والده عام 1953 كان يشارف على العشرين، وقد سبقه عدد من إخوته الأكبر منه سنّا إلى تولّي بعض المسؤوليات الإدارية ومنها إمارة الرياض، فاختاره الأمير نايف في مطلع عهد الملك سعود (1953) لينوب عنه عند غيابه عن إمارة منطقة الرياض، وفي العام التالي تولّى رسميًّا مسؤوليتها من بعده في فترتين بينهما عامان؛ دامت الأولى خمسة أعوام، وأتمّ في الثانية عقودا خمسة، عاصر خلالها إخوانه الملوك الخمسة الذين سبقوه في الحكم.
المعروف أن الحاكم الإداري لمنطقة الرياض يمارس عمله اليومي في قصر الحكم وسط العاصمة (على ساحة الصفاة أو القصبة كما يُطلق عليها في التراثُ العربي)، وكان الملك المؤسس وأجداده الأقربون يسكنون في تلك المنطقة التاريخية المحاطة بسور، يديرون منها شؤون البلاد، وكانت الرياض قد اتخذها جده الإمام تركي عاصمةً للدولة السعودية الثانية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بدلا من العاصمة التاريخية «الدرعية» التي دمّرها الأتراك سنة 1818، واستمر القصر حتى الآن يعرف بقصر الحكم، تُقام فيه المناسبات الوطنية الكبرى من بيعة أو معايدة أو عزاء أو نحوها. وإلى جوار قصر الحكم هذا يوجد الحصن التاريخي قصر المصمك الذي كان يستخدم سكنا للحاكم، ويعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وتكمن شهرته في أن شعلة استعادة الرياض انطلقت منه عام 1902، ويُوظّف الآن معْلما تراثيّا وسياحيّا يحكي قصة فتح الرياض وقيام الدولة في حقبتها الثالثة المعاصرة، كما سُمي المسجد الرئيسي الكبير المرتبط بالقصر باسم مؤسس الرياض الإمام تركي (حفيد الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية). وقد جُدّدت هذه المنطقة التاريخية عام 1999 بمناسبة الذكرى المئويّة الأولى لتأسيس السعودية.
عاش سلمان طيلة فترة إمارته للرياض قصة «ولهٍ» قلّ أن يتكرر مثلها في مدن عالمية شبيهة، يُكرّس - من خلال شخصيّته وأسلوب إدارته ومثابرته على اللقاءات والمواعيد والزيارات والضيافات وعبر معرفة الأُسر والقبائل وفروع البادية وملازمة الزعماء - كثيرا من السمات التي كان يتبعها والده وإخوته في ممارسة الحكم، حتى أصبحت تطبيقاته تُذكّر بما كان يتمّ في ساحة قصر الحكم من بطولات، وكأن الزائر لهذه المنطقة التاريخية اليوم يشاهد فيلما تسجيليّا يروي قصص عقود مضت، يوم أن كانت الصفاة تعجّ بركائب الوافدين وبالتبادلات التجارية بين الأهالي، وقد وثّقت هيئة تطوير الرياض بصماته على العاصمة في كتاب صدر العام الماضي 2015م بعنوان «سلمان والرياض: عبق التاريخ».
في عام 2011 غادر سلمان منصبه الذي أحبّه، ليبدأ بعد أخيه سلطان التدرّج صعودا نحو المناصب الأكثر سياديّة، فأصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع، وقد ترك - كما سلف - وراءه روايةً لا تمّحي فصولها مع حبيبته «الرياض»، التي جاب عددا من العواصم ليعرض فيها تجربتها التنموية وليبحث عن مزيد من الأفكار لتطويرها، مُخلّفا لتخصص الإدارة المحلية والتطوير الحضري صفحات من الدروس في صناعة التنمية، واستطاع بمهارة أن يمزج الألوان في لوحة مبتكرة تشدّ الانتباه - اسمها الرياض القديمة والجديدة - بين عراقة المحافظة وحداثة المعاصرة.

4 - أما المقوّم الرابع من مُدركات المعرفة عنده، فهو اهتمامه بالشأن السياسي في بُعديه الداخلي؛ المتمثّل في «مأسسة» السلطات الدستورية وصون نظام الحكم والحفاظ عليه، والبُعد الخارجي؛ المتمثل في العلاقات الدبلوماسية الدولية، وفي مشاركته وقربه من صناعة القرار السياسي طيلة العهود المتوالية التي مرّت بالبلاد، وبخاصة في فترة حكم الملك فهد، فلقد كان أحد الروافد الاستشارية الثرية التي كانت تغني اتخاذ القرار، مستفيدا مما كان يمتلكه من الصلات مع النخب السياسية العربية والأجنبية، ومن المعلومات التي كان يختزنها وكانت تمكّنه من بلورة المواقف وتنفيذها. وربما كان في هذا الشأن يصطفي بعض الكفاءات الوطنية المؤهلة التي تصوغ الأفكار وتطوّرها بعد أن تتلقى منه التوجيهات. ويمكن القول إن الخبرة السياسية قد تراكمت لديه مع السنوات وساعدت في تكامل معارفه وفكره، ومهّدت لانتقال الحكم إليه في الوقت المناسب.
لقد رُصدت بين شخصيّات الملوك السابقين لهذه البلاد سماتٌ متقاربةٌ مشتركةٌ، تتمثّل في التناغم المتوازن بين الثابت والمتغيّر في الشأن الاجتماعي، والفهم التنويري للتديّن، والتدرّج في الإصلاح والانفتاح، وترسيخ التقاليد المفيدة، وهي جميعا سمات محافظة قامت عليها هذه البلاد منذ توحيدها.

5 - أما المكوّن الخامس في فكره فهو ارتباطه بالعديد من المؤسسات العلميّة والثقافيّة، ومن أهمها علاقته الوثيقة بمكتبة الملك فهد الوطنية، بدءا من المبادرة إلى اقتراح تأسيسها بمناسبة تولّي الملك فهد مقاليد الحكم في البلاد (1982)، حيث أعلن أهالي الرياض عن قيامها في العام التالي. كانت المكتبة الوطنية مشروعا متواضعا أقامت وزارة المعارف نواته لإصدار شهادات الإيداع والتسجيل الرقمي للإصدارات السعودية، ثم انتشله سلمان ومن ورائه أهالي العاصمة لتكون المكتبة الوطنية دُرّة المعرفة والتوثيق في جبين الوطن، على النحو الذي يعرفه المجتمع العلمي والثقافي. وقد اكتسى مقرها الأنيق وسط العاصمة هذا العام على طريقي الملك فهد والعُليّا العام وبعد نحو عقدين من إنشائه تصميما جديدا لافتا بطاقة استيعابية مضاعفة، وتمّ كلُّ هذا العمل الجليل بأقل قدر من الأضواء، وبأكبر قدر من التواضع والصمت، وبأعلى مقدار من الكفاءة الإدارية والمكتبية.

6 -أما المرتكز السادس في مُدركاته المعرفية، فإنه رئاسته - تحديدا - لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، وهي المركز التوثيقي والبحثي الأول لحفظ تاريخ الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وسيرة مؤسسها وحكّامها، فلقد يسّر له الاقتراب المباشر مع الدارة أن يمارس هوايته في ألاّ يترك كتابًا مهمًا تطرّق كليًا أو جزئيًا إلى سيرة الملك المؤسس والدولة السعودية إلا وأحاط بقراءته أو طلب من باحث تلخيصه أو علّق على ما فيه، حتى صار التاريخ يجري في عروقه، وأصبح يحفظ تراث البلاد حفظا علميّا يتتبُع من خلاله ما كتب عنه، ويُفنّد أي التباسات تحيط بسيرة رجالاتها، ويُوجّه بإجراء البحوث حول أي غموض يحتاج إلى استقصاء، وأتاح له ولعه بالقراءة السريعة فرصة الإحاطة بما يرغب الاطلاع عليه سواءً من الكتب أو من المقالات، حتى لقد رُوي أنه قرأ أثناء ملازمته لأخيه الأمير سلطان في مرضه ما يربو على ثمانين كتابا، وكان الكتاب لا يفارقه أثناء رحلاته البرية والجوية.
بدأت علاقته بالدارة منذ قيامها عام 1972 وذلك من خلال اهتمامه الشخصي بالتاريخ والتوثيق، وكانت الدارة بدأت مرتبطة بوزير المعارف، ثم بوزير التعليم العالي، ثم صار سلمان بن عبد العزيز رئيسًا لمجلس إدارتها منذ عام 1997. وقد ازداد تواصله مع الدارة منذ أن بدأت تشارك في التحضير للاحتفال بذكرى المئويّة التي كان يشرف على أدق تفصيلات الاستعداد لها، حيث صار التواصل اليومي بينه وبين الدارة لا ينقطع، وقد اضطر - بعد تنامي مسؤولياته السيادية عندما أصبح بعد عام 2012 وليّا للعهد - لتفويض معظم مهامه ورئاساته في اللجان والمؤسسات الرسمية والأهلية والخيريّة الإضافية، لكنه استثنى الدارة ومركز العلامة حمد الجاسر الثقافي، كما سيرد.
توافرت له مع الدارة سبل القراءة المنظّمة والاطّلاع على ما يجّد من إصدارات تقع في دائرة اهتمامه، والتواصل المستمر مع المؤرّخين والباحثين من أمثال حمد الجاسر وعبد الله بن خميس والدكتور عبد الله العثيمين ومحمد أحمد العقيلي وعبد الرحمن الرويشد، والرجوع إليهم، والإحالة عليهم للاسترشاد برأيهم العلمي مُكوّنا معهم دوائر فكرية وثيقة وراقية.
وفي السنوات القليلة الماضية، صارت الدارة تشرف بتوجيهاته على مركزي بحوث مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتضفي على المركزين إضافة نوعية وعمقا تنسيقيّا مكّنهما من الوصول إلى أذرعة البحث الوطنية ومصادر المعلومات المتوافرة في الدارة، وجعلهما في اتّساق مع ما تقوم بها من جهود، مع إبقاء سمة الاستقلالية الإدارية لهما.

7 - أما الركن السابع في تكوينه الذهني فإنه التواصل غير المسبوق بين هذا الحاكم الإداري رجل الدولة في مثل مقامه من ناحية، وبين المثقفين من ناحية ثانية، والمتابعة الدؤوبة لما يكتب في الصحافة المحلية والعربية، لدرجة قد يستغرب المراقب معها كيف يتّسع وقته لقراءاته الفكرية مع وجود مشاغل الدنيا الرسمية والأُسرية على عاتقه. فذكر العديد من الكتّاب والإعلاميين السعوديين والعرب على مدى خمسين عاما وبكثير من الانبهار تواصله معهم عند نشر مقالاتهم والتعامل الراقي في نقد ما كتبوه سلبا أو إيجابا والتعليق عليه، وتحدث الأدباء والإعلاميون عن ذكرياتهم معه، وصفوه بأنه «الأمير القارئ والمثقّف» و«صديق الصحافة والإعلاميين» و«المؤرخ» و«صديق الكتاب». ويؤكّد المطّلع من واقع تجارب متعددة صدق هذه الألقاب، حيث إن للعشرات منهم مواقف فيها تعليق على مقال أو نظرة في كتاب أو تصحيح معلومة، في علاقة مبنيّة على المثاقفة، تبدأ باتصال ثم بمعرفة ثم بصداقة، وقد تتواصل إلى زيارة في مشفى أو مواساة في منزل، وكنت وكثيرون غيري شهودا على ما كان يضمره من احترام متساوٍ للمثقفين والأدباء ورجال الصحافة والإعلام، ومن مشاركة لأقلامهم ومقالاتهم في ردوده وتعليقاته، وفي الإدلاء بتوثيق المعلومات والأحداث، ويأتي شاهدا على حقيقة حرصه على الدقة والموضوعية أنه لم يسع في يوم من الأيام إلى تزييف المعلومات المتعلقة بسيرته وحياته.
يمتلك سلمان بن عبد العزيز على صعيد العلاقات الداخلية والخارجية - بالإضافة إلى ما تقدّم - رصيدا من الصداقات الوثيقة مع الزعماء والمفكّرين والأعيان، مع حضور ذهني متوقّد لاستعادة الذكريات التي يختزنها مع عشرات الشخصيّات.
8 - ولا بدّ من أن تُعدّ مكتبته المنزليّة الخاصة في مقدّمة مُدركات المعرفة في تكوينه الفكري، وكانت مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية نشرت في عددها الصادر بمناسبة الذكرى المئوية (يناير/ كانون الثاني، 1999) تحقيقا مصوّرا غطّى تاريخ المكتبة وحجمها ومكوّناتها من الكتب والدوريّات والوثائق والمخطوطات وأوعية المعلومات، كما تحدث التحقيق عن الطبعات الفريدة من الكتب النادرة التي تضمّها المكتبة، وعن أسلوب فهرسة عناوينها بالبطاقات على نظام «ديوي» العالمي المعروف ثم تخزينها على الحاسوب، وقد فاقت ثلاثين ألف عنوان متعددة الأجزاء والمجلّدات. وللمكتبة أمناء يتولّون متابعة حركة النشر الداخلية والخارجية، وإعداد الملخّصات والتقارير المطلوبة، وهم يرافقون الملك سلمان في تنقلاته، يمدّونه وأنجاله بما يطلبونه على مدار اليوم من مواد المكتبة أو من خارجها، في حين يحرص على الدوام على تزويد الدارة بما يقتنيه أو يُهدى أو يصل إليه من وثائق نادرة وكتب قديمة أو جديدة تقع في دائرة اختصاص الدارة، في مبادرة منه لدعم أهداف الدارة من ناحية، وليكون قدوة للمواطنين لإيداع ما لديهم من وثائق ومخطوطات ومصادر تاريخية. وقد تطرق التحقيق المنشور في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية إلى برنامج دعم الكتب التي تطبع على نفقته، وإلى ذكر نماذج منها. والمعروف أن الملك سلمان يتمتع بسرعة القراءة والاستيعاب، ويخصص من وقته اليومي ساعات يومية محدّدة للقراءة، ولارتياد مكتبته التي تعدّ في نظر المكتبيين من أكبر المكتبات من نوعها لزعيم في العالم.

9 - وتتمثّل الركيزة التاسعة في تكوينه الذهني في رئاسته الفخرية للعديد من المراكز العلمية والثقافية والكراسي البحثية والجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية والجوائز التي ارتبطت باسمه، وهي - كما يبدو من أسمائها في المجمل - تعكس شخصيّته واهتماماته الثقافية، يأتي من بينها مركز العلاّمة الشيخ حمد الجاسر الثقافي، حيث لم ينقطع الملك سلمان منذ تأسيس المركز عن أن يوليه رعايته والاهتمام بحضور مناسباته وبرئاسة اجتماعات مجلس أمنائه، متذكّرا على الدوام خلال الاجتماعات ما كان يشعر به من تقدير لعلمه وآرائه، ومن اتصالات متكررة معه على بساط البحث والتنقيب التاريخي والجغرافي والأدبي، وبلغ من احترامه للشيخ الجاسر أن احتفظ الملك لنفسه حتى تاريخه بالرئاسة الفخرية لمركزه الثقافي على الرغم من مشاغله، كما سلف.
وتضم قائمة المراكز والجمعيّات وكراسي البحوث كلا من: مركزي أبحاث مكة المكرمة والمدينة المنورة، والجمعية السعودية التاريخية، وجائزته للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، ومؤسسة الرياض الخيرية للعلوم، وواحة سلمان بن عبد العزيز للعلوم، وجائزة أبحاث الإعاقة، وكرسي الدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، وكرسي دراسات تاريخ مكة المكرمة، وكرسي تاريخ المدينة المنورة.

10 - ويتصل العنصر الأخير في سلسلة هذه المُدركات المعرفية بالمشاركات والحوارات التي يحرص عليها أثناء لقاءاته بالعلماء والمثقفين وأساتذة الجامعات وطلابها، وكان من أبرز أمثلتها محاضرته في جامعة أم القرى (2008) ومحاضرته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (2011) ومحاضرته في العام التالي في جامعة الملك سعود، وما سبق هذه المحاضرات أو جاء بعدها من حوارات مما يعقده بشكل شبه أسبوعي ويعبّر فيه عن مواقف فكرية ثابتة في ذهنه، كتلك التي يستعيدها بين الحين والآخر عن مصطلح الوهابية، وعن العوامل التي أسهمت في سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية، وعن حثه على النقد البنّاء، وتشجيعه للكاتب على أن يتبنّى قضايا مدينته كما يتبنّى قضايا وطنه الكبير، وأن المطلوب ممن يكتب أن يتقصّى الحقائق، وأن تاريخ المؤسس هو تاريخ للوطن كله، وهكذا.
وإن هذه القراءة لا تكتمل دون التأمّل في الأبعاد الإنسانية في شخصيّته، وهي سمات يتناول الكتّاب تحليلها بين الحين والآخر، وأكتفي هنا باستدعاء ثلاث علامات منها؛ «الكاريزما» الرزينة، والدعابات المرحة، ولمحات الوفاء، تلك الثلاثية التي يعتمرها في قلوب المواطنين والضيوف منذ أن تبوّأ الوظيفة العامة في منتصف القرن الماضي، مما يُغبط عليه من المناقب الواضحة فيه، وحين يستذكر في لقاءاته شراكة الآباء والأجداد في الأسرة والقبيلة والبادية من أدنى البلاد إلى أقصاها في بناء الدولة، جنبا إلى جنب مع من استخلصهم والده من المستشارين العرب، في جهودهم المقدّرة للإسهام في صنع الوحدة وتأسيس الكيان.
ثم ماذا يمكن، في ضوء هذه الإضاءات العشر، أن يقال عن عامه الأول في الحكم متّكئا على استحقاقات رجل الدولة، وعلى قدراته المعرفية الخاصة التي اكتسبها خلال خمسين عاما ونيّف أميرا لمنطقة العاصمة، ثم وزيرا للدفاع، فوليّا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد صارت الثقافة والاطلاع جزءا من مؤهلاته ومكوّنات سيرته، واتّشح اسمه بالتلازم الوثيق مع مجتمع الفكر والمعرفة ومحيط الإدارة، والمشاركة الدائمة في المناسبات والندوات والمؤتمرات العلمية، والتواصل المباشر مع العلماء والأدباء والمثقفين، إلا أن تكتسي شخصيّته بملامح غير معتادة من التميّز والتفرّد بين القيادات السياسية السائدة؟
إن من يطّلع عن كثب على سيرته أميرا، لن يُفاجأ بما شهده المجتمع في اثني عشر شهرا أمضاها في سُدّة الحكم، من قرارات تُعزّز الحزم والشفافية والنزاهة والإصلاح، وتجسّد خصائصه وخبراته التراكمية من وعي بمحيطه، وفهمٍ لمجتمعه، واستيعابٍ لواقعه العربي، فلقد تفتّقت قريحته ملكا عن إصرار على تجديد كيان الدولة بدماء شابّة، وعلى تحديث بيئة القضاء والتعليم والأمن ومفاصل الإدارة والخدمات بروح وثّابة وبطاقات غير متثائبة، وعلى الإقدام في اتخاذ قرارات جريئة تحافظ على هيبة الدولة وأمن الوطن، وعلى توجّه نحو تغيير المعادلة التقليدية وموازين القوة في المنطقة، وهو ما يبشّر بالتفاؤل بإذن الله، بأن المجتمع الجديد قد صار بالفعل أمام عهد مضيء للتحوّل الوطني، نحو تنمية طموحة مبنيّة على قواعد اقتصادية متينة متنوّعة، وعلى بنيان متكامل وثيق يرتقي في جانبه المعرفي بالمكانة العلمية والفكرية للمؤسسات التعليمية وتنشيط برامجها الحوارية والثقافية والمنبرية، والعمل على تحقيق مشروع معرفي راقٍ يرتكز على مبادئ الماضي وتباشير المستقبل.
* موجز محاضرة في جامعة بيشة بمنطقة عسير جنوب السعودية (الثلاثاء 2016/1/26)



«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو أسامة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
TT

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو أسامة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي، تتجاوز حدود جماليات النص وتوقع الشاعر في حبائل المعنى الوجودي، بحيث يصبحان معاً نصاً يعيش حياة خصوصية.

وقد كان شحاتة يتمثل معانيه الشعرية والنثرية في ذاته وكأنه بطل نصوصه، كحال ممثلٍ يكتب المسرحية، ثم يمثلها (كما كانت حال شكسبير). ولا يقف شحاتة عند ذلك، بل يتحول تمثيله للمسرحية إلى تمثلٍ لها، فيغير مسار حياته وفق شروط بطل المسرحية. ومحاضرة شحاتة الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» تحولت لتكتب سيرة شحاتة في سلوكه اليومي والحياتي، لدرجة أنه عزل نفسه عن الواقع المعيشي، ودخل في واقع افتراضي يتمثل فيه مستدعيات خطابه ومقولاته ويتخلق بها، وعاش غريباً ومختلفاً وغير قادرٍ على تقبل شروط الواقع.

وكذلك كان محمد الثبيتي الذي عاش حياة القصيدة وليس حياة الواقع البشري؛ فهو وُلد مسكوناً بالشعر، ولو لم يتعلم حسب نظم التعليم الحديثة لصار شاعراً نبطياً؛ لأنه ليس له من طريق للحياة إلا أن يكون شاعراً؛ ولذا عاش بوصفه كائناً شعرياً مشاغباً للواقع، ولا يقر له قرارٌ واقعي؛ فقد تورط بالقصيدة منذ عرفته الثقافة؛ أي حين خرج من رداء المجتمع الواقعي ودخل في خيمة النابغة. ولم تكن خيمة النابغة بعيدة عنه، فهو ابن مكة المكرمة، وعلى مد البصر هناك «سوق عكاظ» يستنشق محمد هواءه، وفُتن به وبذاكرة الشعر وخيمة القصيد. وحين شبّ شرع بكتابة الشعر حيث بدأ مع صيغة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، ولكنه في بدايات الشعر حيث حضرت القصيدة الرومانسية عبره، ولم يبلغ بعد شعر القصيدة الحداثية، ثم اقتحم النص الحداثي، وكانت قصيدته «التضاريس» مغامرة شعرية كبرى أحرقت تجاربه السابقة في ديوانه «تهجيت حلماً تهجيت وهماً»، فقد كره هذا الديوان.

وفي أول لقاء لي معه عام 1984 بعد عودتي من رحلتي العلمية في أميركا ومعي «الخطيئة والتكفير» الذي مثل لي تحولاً جذرياً أولياً تبعه تحولاتٌ كثرٌ؛ في ذلك اللقاء نطقت عنوان ديوانه الأول من باب كسر جهامة اللقاء الأول، فرد عليّ وكأنه يتبرأ من الديوان ذاك ويتعالى عليه، مما جعله يقفز قفزة عملاقة خارج سلطة ذاك الديوان. وتم نشر ديوانه «التضاريس» في «النادي الأدبي» حاملاً قصيدته تلك، وهي النص الذي ظل يحتل أمسياته الشعرية رغم طوله؛ لأنه كان يرى أن القصيدة تلك مطلوبةٌ ومتوقعةٌ من أي جمهور يقف أمامه. وفي ليلة من ليالي الشعر الحداثي التدشينية التي ضمت أربعة شعراء حداثيين عام 1985 في «النادي الأدبي» بجدة، وحضرها معظم أدباء المملكة من كافة مدنهم، خاصة جيل الحداثة حينذاك، وكان محمد الثبيتي في صدارتها، وكنت رئيس تلك الجلسة، وعن يساري الشعراء، وأولهم الثبيتي، حضرت قصيدة «التضاريس» وطوّقت كل أركان القاعة المكتظة بالحضور، من جمهور حداثي جاء مؤازراً للحداثة، وجمهورٍ آخر معارضٍ وناقمٍ على الحداثة. وكانت الجلسة في عهدتي ليلتها، وبذلت جهداً استثنائياً لحماية الأمسية من الانهيار بما أن الأجواء متوترة، وهناك من جاء بنية إفساد الجلسة، ولكني استخدمت كل ما في خيالي من حيل احتلت بها لتمرير الجلسة دون مشاكل، وتم ذلك رغم كل التوترات، وأصبحت تلك الليلة ليلة فارقة في مسار الحداثة الشعرية، ولم يماثلها إلا ليلةٌ أخرى بفارق خمس سنوات في النادي نفسه حيث تم إجهاض حفل تكريم محمد الثبيتي وتتويجه بجائزة النادي على ديوانه إياه (التضاريس)، وقد فاز بجائزة النادي متغلباً على كل المتسابقين، وهذا أول فوز تفوز به قصيدةٌ حداثية، ولكنّ حشوداً حاصرت النادي ومنعت تسليم الجائزة، وتم ليلتها تهريب الثبيتي من الباب الخلفي للنادي حفاظاً على سلامته التي كانت معرضة لاعتداء من جمهورٍ متوترٍ ومتربصٍ بالنادي، وبتلك الليلة، وبالثبيتي شخصياً.

ومرت تلك الليلة ليس بسلام، وإنما بجرح عميق في ذاكرة الثقافة. أما هو فقد خرج من باب النادي الخلفي تحت ستر الظلام ليدخل الزمن من فوق شمس القصيدة، ولكنه عاش جو القصيدة بطريقته المبتكرة، وهي حال حمزة شحاتة. والشحاتية هنا ستتجسد في الثبيتي، الذي سار دون تقصّد منه مسار حمزة شحاتة؛ فكره الوظيفة كما كرهها حمزة شحاتة. وفرق بين الوظيفة والقصيدة، وقد اعتد الثبيتي بهذا الفارق كما فعل شحاتة، فتحول من معلم براتبٍ مجزٍ إلى موظف براتب أقل؛ لأن عمل الموظف أقل شروطاً من عمل المدرس. وترتب على ذلك أن ينتقل من مكة إلى الرياض بعد أن ترقى وظيفياً إلى مرتبة أعلى في الرياض، وهنا دخل في إشكال عملي بأن يترك أهله وبيته في مكة ليعيش في فندق في الرياض، وهذا ليس عبئاً مادياً فحسب، بل عبء نفسي كذلك بفرقة الأهل والولد. وفاتحني في هذه الحالة لعل لديّ حلاً لها، وقد وجدت الحل عند الدكتور ناصر الموسى الذي علم مني بوجود الثبيتي تحت إدارته، وعلم برغبته في العودة إلى مكة، ولكن النظام لا يسمح بذلك إلا بعد مرور سنة في عمله الذي ترقى إليه. وهنا تصرف الدكتور الموسى بتصرفٍ كريمٍ، وبتقدير خاص للشاعر؛ فأصدر قراراً بتكليف هذا الموظف بالعمل في مكتبة الوزارة في مكة. وهنا أحال الثبيتي للكتب والعيش مع الكتب، ولكنه عيشٌ مقيد يقيد طائر القصيدة، كما كانت حال شحاتة حين استقال من عمله وتفرغ لوظيفته الخاصة بالعيش حياة القصيدة، ومثله الثبيتي؛ إذ ضحّى بنصف راتبه لكي يتقاعد تقاعداً يسمى بالتقاعد المبكر حسب مصطلح النظام الوظيفي، وعاش بنصف الراتب، ولكن براتبٍ مضاعفٍ حسب شرط الشعر والكلمات والمعاني، كما هو جو حمزة شحاتة. ولم يطل به العمر ليمضي إلى ربه، ويترك لنا شعره ونموذجية الغرائبي الذي يستعيد حمزة شحاتة، ومن قبل كان المعري الذي حبس نفسه في محبسين. وهذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة، ويعيش حياة القصيدة، ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة بما أنهم «قصيدة».

وفي كل مرة قابلت فيها محمد الثبيتي كان يبدو حيياً وهادئاً، لكني كنت أرى في داخله بركاناً قابلاً للانفجار في أي لحظة، لكنه ينفجر بالحمم الشعرية، وينفجر شعراً، مما يعني أني لم أكن أراه بشخصه، وإنما كنت أرى القصيدة التي تختمر فيه وترعد لتمطر.

وهكذا مرّ الثبيتي على الحياة مرور المعنى الشعري بمزاياه المجازية في التحول والانزياح؛ أي إنه كائنٌ مجازي لا يقر ولا يسكن إلا بإيقاعه المختلف، لكنه كان راضياً باختلافه وعاشقاً لتحولاته. ومن هنا كان يبدو الهدوء الظاهري في كلماته وسمته، غير أنه ما إن يشرع في إلقاء قصيدته حتى يتفجر صوته ويملأ القاعة، لدرجة أن مكبر الصوت تعطل مرة في قاعة النادي، واضطررنا لتوقيف الإلقاء من أجل معالجة الخلل الصوتي، لكن محمد طلب الاستمرار في الإلقاء؛ لأنه لم يقبل أن يهين قصيدته بقطعها. وكان حماسه في الإلقاء والتماهي مع القصيدة يغني عن كل وسائط الأجهزة الصناعية؛ فالقصيدة أعلى صوتاً، وكأنه صنّاجة العرب القديم يعود، ولكن في ثياب قصيدة حداثية، وفي سيرة مجاز شعري تتحد فيه صورته بين بشريته وشعريته. وهكذا كان الثبيتي كما كان شحاتة بوصفهما كائنين مجازيين ونموذجين متميزين بسلوكهما كما بمنتجهما.

وبقي أن أشير هنا إلى معلومة سبق أن ذكرتها في كتابي «الخطيئة والتكفير» عن حمزة شحاتة، وهي أن في ملفه الوظيفي نجد عدد خطابات الاستقالة يفوق عدد خطابات التعيين، ومثله الثبيتي الذي ظل يتخلص من الوظيفة واحدة تلو أخرى.

وهذه صيغة علاقتهما المتوترة ما بين شروط المعاش وشروط الحالة المجازية. وكلاهما فرّ من الوظيفة إلى القصيدة، ومن الواقعي إلى المجازي. هذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة ويعيش حياة القصيدة... ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة.


موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت
TT

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً، لأن هذا الناقد ليس بعيداً عن تشكيل هوية المشهد الثقافي الذي تقوض كثير من أبنيته وأطروحاته ومرجعياته، حتى يبدو الحديث عن «موت الناقد» مسوغاً ومقبولاً في التداول.

ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، الصادر في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، يثير أسئلة مفتوحة عن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا الموت، مقابل الدعوة إلى حضور القارئ الذي سيملأ فراغات النصّ، بوصفه البديل الأكثر حيوية في تمثيل صانع القوة المعرفية الجديد، أو بوصفه القارئ الفائق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جرّ القراءة إلى رهانات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نيتشه ورولان بارت وفوكو، وأخيراً رونان ماكدونالد الذي ربط موت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي».

التصريح بموت الناقد لا يعني الحديث عن غيابه، بقدر ما يعني الحديث عن أزمة مساءلة الخطاب النقدي، على المستوى الأكاديمي أو المنهجي، حتى المستوى الآيديولوجي، لأن الناقد سيظل شخصية مشاغبة، في سياق وظيفته، أو في سياق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخرى لمواجهة ما يخفيه المؤلف، خوفاً أو تورية، أو مكراً، وهذا ما يدفع الناقد لأن يكون «خبيثاً» أو فضائحياً، عبر جرّ النص إلى التأويل، وهي محاولة في الذهاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفاً قد يتقاطع مع المؤلف الآيديولوجي، ومع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية.

الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الحديث عن شبح يمكن استئجاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مضادة، أو يمارس نوعاً من الاستبداد النقدي، بقدر ما يحضر كون القارئ الفاعل، الذي يدرك أن لعبة القراءة مفتوحة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً عبر صناعة نصٍ موازٍ، أو عبر ما تقيمه من حوار مع المؤلف، الحوار الذي يشبه «العصف الذهني» المهيج لحوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخل مجتمع القراءة، لذا لا أحسب أن هذا الناقد سيمارس وظيفة «احتكار المعنى» أو أدلجته، بقدر ما سيكون أركيولوجيّاً يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيداً عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيديولوجيا، وأحسب أن كثيراً من المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عن ذات المؤلف، أو من مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية.

السرد وغواية الناقد

القاصة الكبيرة لطفية الدليمي من أكثر الكتّاب الذين انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها السردي، الذي استغرق عوالم غامرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مع واقع غرائبي، ومع تحولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فهي لم تكن ساردة جندرية، بقدر ما أنها جعلت قصصها ورواياتها أسئلة فضاءات مفتوحة للقراءة والترميز النفسي والإنثربولوجي، ولا سيما ما يتعلق بشخصية البطل الثقافي - الرجل والمرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الحرية والحب والسلطة والعنف، وهناك من جعل من سردياتها وثائق لمقاربة «صدمة العراق السياسي» عبر شخصيات جعلت منها الدليمي أقنعة اغترابها، وتعقيدات مأزقها الوجودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى.

هذه الكشوفات ليست بعيدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئاً استثنائياً، الذي وجد في سرديات الدليمي، مرجعاً لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض التاريخ عبر السرد، وربما للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيراً ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بالتحوط والتحول إلى كائن مهووس بالأحكام، أو ربما بتأويلات يخشى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة.

عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلاً لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمن النص أصبح مكتفياً بذاته، وسلطة القارئ تعمد إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك المعرفي، وممارسة وظيفة سدّ الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع.

أحسب أن هذه المفارقة الوظيفية لا تعني تبادل أدوار، ولا خرقاً لبداهات جعلتها الواقعية النقدية جزءاً من مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعادت التموضع على وفق تحول القارئ، بوصفه ناقداً، لأن هذا القارئ ليس هامشياً، وحيازته لأدوات القارئ المعرفي تعني أيضاً تبديلاً في عنوانه الإجرائي، وأنه سيكون مشاركاً، ليس في صياغة أخرى للاستبداد النقدي، بل في أن يكون المشارك والمؤوِل الذي يجعل من النص مفتوحاً على قراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مع تجدد تلك القراءات، عبر تعدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتماً بالكشوفات الجديدة، ما سيعزز من فاعلية القراءة، بعيداً عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي.

إن تغيّر النصوص، وتنوع اشتغالاتها، وتعدد قراءاتها، وانفتاح سرودها على زمن متشظٍ، لا يبرر عزل الناقد، أو الدعوة إلى إماتته، بقدر ما يعني دعوته لتجديد أدواته، وإلى التخلّص من ذاكرة «الناقد الانطباعي» و«الناقد الآيديولوجي» و«الناقد المسلكي» والانهمام بصياغة «قواعد اشتباك» فاعلة، وحيوية تتسق مع سرعة تشكل وتغاير الأفكار والمناهج، حيث تكون «ديمقراطية التأويل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومنافسة المؤلف على حيازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد.

ما طرحه رولان بارت عن «موت المؤلف» لا يعني سوى موت المؤلف الآيديولوجي الذي صنعه اليسار التقليدي الستاليني، وأن موته يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية ترياقاً للخصب والقوة والاكتفاء، ولأن هذا الموت البنيوي كان خدعة، فإنه سرعان ما تخلى عنه مؤسِّسوه الذين جعلوا من «ما بعد البنيوي» مجالاً لصياغة مفاهيم مضادة، تخصّ الفردانية، و«ما بعد حداثية»، والعودة إلى الكائن المراقب، والعيادي، وصانع الأساطير الصغيرة.

الناقد قد يكون شبيهاً بكائن ميشيل فوكو، الذي يجد هوساً بالرقابة، وبأن النص الذي يكتبه مجالٌ عيادي يحتاج دائماً إلى المشفى، وإلى الجراح كنظير لاستدعاء القارئ والمؤول والباحث الحرّ الذي يجعل من القراءة، أو من القراءات، ممارسة في الحثِّ على التوليد والإغواء والإثارة، وإلى إعادة النظر بسلطة المؤلف ذاته.

موت الناقد... موت القارئ

أجد في هذه الثنائية تلازماً في تغويل إشاعة فكرة الموت الرمزي، وفي زحزحة وظائفهما، لأن موت الناقد أو عزله سيكون باعثاً على موت القارئ الذي يتقنع به، وعلى تجريد النص من مريديه، وتحويل المؤلف إلى كائن مستبد، يروّج لتفوقه، ولسلطته بعيداً عن شغف اللذة التي تستدعي الآخرين إلى ما يحمله النص من إيحاءات، أو من انساق مضمرة، أو من رثاثة لن تكون بعيدة عن المؤلف الذي يرى نفسه وحيداً في المرآة المقعرة، أو المنحنية.

الناقد العمومي ناقد صنعته الصحافة والموضة وأنظمة الاتصال، لكن الناقد المتخصص هو الناقد الذي صنعته «الأكاديميات»، والذي يملك منهجية وفاعلية التجاوز، ويمنح خطابه قوة للتعالي، وللكشف. وأحسب أن من كشف بودلير في «حداثته» وفي نظرته للنص العابر هم النقاد الفاعلون، ومن كشف نيتشه وخرقه الفلسفي هم النقاد الذين خرجوا من زمنه إلى زمن نصوصه، حتى كافكا الذي تحول إلى ساحر سردي كان جزءاً من لعبة النقاد الذين قرأوا نصوصه الغريبة بعد رحيله، بعد أن اتسعت مساحة قراءتها لنقاد آخرين أكثر وعياً بما تحمله من جدة وحساسية وخرق للمألوف السردي.

ما طرحه رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» يعيد طرح السؤال حول هوية الناقد، وحول الوعي والصلاحية التي يمكن لهذا الناقد أن يملكها بوصفه قارئاً متعالياً، وليس بوصفه حارساً أو صاحب دكان، بل بوصفه عارفاً بالمقروء، وكاشفاً عن المخبوء، وفاعلاً في تحويل القراءة إلى خطاب مجاور، وإلى دليل يعزز من كشوفات النص، ومن محمولاته المعرفية والجمالية حتى القبحية، كما يقول أصحاب النقد الثقافي.

التسمية لا تهم في هذا السياق، لأنها قد تكون مخادعة، فـ«المشغّل» هو الناقد، و«القارئ العمدة» هو الناقد، ومشغله النقدي لن يكون بعيداً عن النص ومرجعياته، وعن إحالاته التي يتحول الدرس والحفر فيها إلى اجتهاد ثقافي معرفي، له قاموسه ومنهجه، وله أدواته التي تجعله فاعلاً في إثراء النص وفي تأهليه للقراءة الفاعلة.


جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
TT

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

وضمت القائمة القصيرة: أماني سليمان داوود عن مجموعتها القصصية «جبل الجليد» (الأردن)، الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وشيرين فتحي «عازف التشيلّو» (مصر)، ومحمود الرحبي «لا بارَ في شيكاغو» (عُمان)، «دار الشروق»، وندى الشهراني «قلب مُنقَّط» (قطر)، «دار جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وهيثم حسين «حين يمشي الجبل» (سوريا - بريطانيا)، «منشورات رامينا».

وأطلقت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، على الدورة الثامنة، اسم: دورة الأديب الكويتي فاضل خلف، أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955.

وقالت جائزة «الملتقى»، في بيان: «يواصل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (في الكويت)، أنشطته احتفاءً بالكويت عاصمةً للثقافة العربية والإعلام العربي لعام 2025، وفي تعاون مشترك بين المجلس الوطني وجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورتها الثامنة 2026 - 2025، فإنّ المجلس الوطني سوف يحتضن في مكتبة الكويت الوطنية احتفالية الجائزة في الكويت بداية الشهر المقبل».

المجموعات القصصية المؤهلة للقائمة القصيرة (الشرق الأوسط)

وأضافت أن لجنة تحكيم الجائزة ستجتمع لاختيار الفائز لهذه الدورة، واللجنة برئاسة الدكتور: محمد الشحّات، وعضوية كل من: الدكتور عبد الرحمن التمارة، والدكتورة عائشة الدرمكي، وسميحة خريس، وإستبرق أحمد.

وقد تم فتح باب الترشّح للدورة الثامنة بتاريخ الأول من مايو (أيار) حتى نهاية يونيو (حزيران) 2025. وبعد فرز الأعمال المتقدِّمة، وتحديد الأعمال المستوفاة لشروط الترشّح، تبيَّن أن العدد الإجمالي للمترشِّحين لهذه الدورة هو 231 مترشّحاً من جميع الأقطار العربية والعالم، من 28 بلداً.

وقالت الجائزة إن لجنة التحكيم وضعت جُملة من المعايير الإبداعية والنقدية الدقيقة شملت: «تحديد الثيمة، وتشمل: الجِدّة في التناول، وزاوية الرؤية، وحضور الخيال، ودقة العناوين. وتوظيف اللغة، بما يشمل: التجريب اللغوي، وانتقاء المفردات أو بناء الجملة السردية أو الأسلوب. وجماليات البنية السردية (الحبكة)، وتشمل: بناء الشخصية، والحدث، والزمكان، ومناسبة اللغة مع تقنيات السرد أو الحوار. ومنظومة القيم العُليا (الحق والخير والجمال)، وتشمل: الأبعاد الرمزية في القصص، وحُسن توظيفها لخدمة الرؤية الجمالية.

وكذلك الرؤية الجمالية والثقافية، وتشمل: تمثيلات القصص لقضايا الإنسان (العربي) المعاصر، وروح العصر، ومتغيِّرات الواقع المعيش. ومدى الإضافة النوعية للقصة القصيرة العربية، سواء في انتقاء الموضوعات أو الأساليب الفنية أو طرائق السرد والحوار».

وستُصدِر الاحتفالية كتاباً تذكاريّاً بعنوان «مُختارات من القصّ العربي»، إضافةً إلى مجموعة «أحلام الشباب» للكاتب الراحل فاضل خلف، وبمقدّمة من الدكتور سليمان الشطي، وكتاب تذكاري عن الأديب فاضل خلف.

الأديب طالب الرفاعي مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة (الشرق الأوسط)

وفي كلمة للأديب طالب الرفاعي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة، أشار إلى اعتزاز الجائزة بالشراكة المتينة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعبَّر عن سعادته بأن تبقى دولة الكويت، ممثّلة بجائزة الملتقى، مكاناً مضيئاً للقصة القصيرة العربية، وأنها ما زالت منذ عشر سنوات تقدّم سنوياً أسماء لقصاصين مبدعين يقدّمون أعمالهم القصصية للوطن العربي عبر الترجمات إلى مختلف اللغات العالمية.