مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

بعد عام من توليه مقاليد الحكم

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري
TT

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

تسعى هذه الصفحات لاكتشاف السمات الفكرية في شخصية الملك سلمان بن عبد العزيز وتكوينه، باعتبارها مؤهّلات نوعيّة مُضافة في القدرات القيادية المُميّزة التي ينفرد بها القليل من الزعامات. ولعل في اختيار العنوان ما يبرز هذا المقصد، فالمُدركات - ومُفردتها مُدرَكة - تعني الدلالات والمؤشّرات، وكثيرا ما تستخدم في الجوانب الذهنية والتربوية والمعرفية ونحوها، وهي بالإنجليزية «the perception».

1 - وفي مدخل الحديث، لا بدّ من الإشارة إلى تلك القدرات الذهنية التي ورثها عن والديه، فما من شخصيّة سعودية معاصرة يستعيد المجتمع قسماتها الفكرية وأسطورة دهائها ومناوراتها وشيمها، وما حالف خطواتها من حظّ وتوفيق، مثل شخصيّة المؤسس (الملك عبد العزيز المولود عام 1293هـ - 1876م) الذي خرج من الكويت وهو في السادسة والعشرين ليكافح من أجل توحيد البلاد ثلاثة وخمسين عاما أخرى، قضى نصفها في كرّ وفرّ، والنصف الثاني في بناء وتنظيم، حتى إذا ما لمّ شتات الكيان الكبير أودعه - وهو في السابعة والسبعين من العمر - إلى أبنائه من بعده. وقد اكتسب كثير من أبنائه الستة والثلاثين معرفة عميقة بالأحداث التي مرّت بالدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، وإلماما شاملا بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وأصبحوا أكثر ما يكونون إحاطةً بجغرافيا الجزيرة وبحاضرتها وباديتها وبموروثها الأدبي وبتقاليدها، وبما يكون عليه الخيّالة حذقا بمهارة القنص والفروسية وفنون العرضات وإبداعاتها، وبالقدرات التي تُكتسب بالإرث والهواية والممارسة. ولقد تناول كثير من الباحثين المحليين والعرب والغرباء - ومنهم فيلبي والريحاني والزركلي والعقّاد ومحمد أسد وديكسون وآرمسترونغ وفاسيلييف - بعضا من ملامح شخصية الملك المؤسس وعلاقة أبنائه به، وروى بعض الأبناء - كالأمير طلال والملك سلمان - شيئا من ذكرياتهم معه، والأمل كبير في أن يهتم الملك سلمان بتسجيل ما تختزنه ذاكرة أبناء المؤسس وأحفاده والأسرة كافة من معلومات عن تلك الحقبة التاريخية المهمة التي عاشوها مع الملك المؤسس، خاصة أن الملك سلمان يحمل المسؤولية التوثيقية الأولى في البلاد.
وهكذا قُدِّر للابن الخامس والعشرين سلمان (المولود يوم 5 شوال 1354هـ - 31 ديسمبر/ كانون الأول، 1935م)، وكغيره من إخوته، أن يُقارب في أسلوب حياته وفي عاداته مدرسة والده، ويقترب من تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، ويكتسب مهارة القيادة وهيبتها وإرث الاستحقاق للحكم من خلال فرص تراكميّة متنوّعة أُتيحت له عبر السنين، فكان يشترك معه بالاستعداد الفطري والشّبه في الملامح والعادات والتقاليد واللهجة والصوت، وهو أمر طبيعي بحكم الوراثة والبيئة التي نشأ فيها والتربية المتجانسة التي تلقّاها قريبا من والده، مما نتج عنه تقاربٌ في التكوين وتشابهٌ في نمط المعيشة وأسلوب الحياة. ولا يمكن لمن يرصد سيرة الملك سلمان وأشقائه وشقيقاته أن ينسى ما كانت والدتهم سارة بنت أحمد السديري، المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفيه عليهم من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة، مما فصّلت فيه الدكتورة دلال بنت مخلد الحربي في كتابها «نساءٌ شهيرات من نجد» (1998).

2 - من أسس التكوين المعرفي والفكري عند الملك سلمان، يأتي الاستعداد الفطري للمعرفة، والقدرات الذهنية، والذكاء، والتحصيل العلمي الذي تلقّاه وإخوته في مدرسة الأمراء بإدارة الشيخ عبد الله خيّاط، ومعه الأساتذة أحمد علي أسد الله الكاظمي ومحمد صالح الخزامي ومحمد علي حمام، وغيرهم، فكان لذلك التعليم عميق التأثير في تكوينه العام، حيث كرّس في وجدان الأمير في صغره التعلّق بالمفاهيم الدينية وبتراث الدعوة في البيئة التي نشأ فيها، وهو ما سار عليه في كبره من حيث الاهتمام بتنشئة أولاده في ما بعد.

3- ثم تأتي تلك الفترة الطويلة التي تولّى فيها إمارة منطقة الرياض، فهو عندما توفي والده عام 1953 كان يشارف على العشرين، وقد سبقه عدد من إخوته الأكبر منه سنّا إلى تولّي بعض المسؤوليات الإدارية ومنها إمارة الرياض، فاختاره الأمير نايف في مطلع عهد الملك سعود (1953) لينوب عنه عند غيابه عن إمارة منطقة الرياض، وفي العام التالي تولّى رسميًّا مسؤوليتها من بعده في فترتين بينهما عامان؛ دامت الأولى خمسة أعوام، وأتمّ في الثانية عقودا خمسة، عاصر خلالها إخوانه الملوك الخمسة الذين سبقوه في الحكم.
المعروف أن الحاكم الإداري لمنطقة الرياض يمارس عمله اليومي في قصر الحكم وسط العاصمة (على ساحة الصفاة أو القصبة كما يُطلق عليها في التراثُ العربي)، وكان الملك المؤسس وأجداده الأقربون يسكنون في تلك المنطقة التاريخية المحاطة بسور، يديرون منها شؤون البلاد، وكانت الرياض قد اتخذها جده الإمام تركي عاصمةً للدولة السعودية الثانية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بدلا من العاصمة التاريخية «الدرعية» التي دمّرها الأتراك سنة 1818، واستمر القصر حتى الآن يعرف بقصر الحكم، تُقام فيه المناسبات الوطنية الكبرى من بيعة أو معايدة أو عزاء أو نحوها. وإلى جوار قصر الحكم هذا يوجد الحصن التاريخي قصر المصمك الذي كان يستخدم سكنا للحاكم، ويعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وتكمن شهرته في أن شعلة استعادة الرياض انطلقت منه عام 1902، ويُوظّف الآن معْلما تراثيّا وسياحيّا يحكي قصة فتح الرياض وقيام الدولة في حقبتها الثالثة المعاصرة، كما سُمي المسجد الرئيسي الكبير المرتبط بالقصر باسم مؤسس الرياض الإمام تركي (حفيد الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية). وقد جُدّدت هذه المنطقة التاريخية عام 1999 بمناسبة الذكرى المئويّة الأولى لتأسيس السعودية.
عاش سلمان طيلة فترة إمارته للرياض قصة «ولهٍ» قلّ أن يتكرر مثلها في مدن عالمية شبيهة، يُكرّس - من خلال شخصيّته وأسلوب إدارته ومثابرته على اللقاءات والمواعيد والزيارات والضيافات وعبر معرفة الأُسر والقبائل وفروع البادية وملازمة الزعماء - كثيرا من السمات التي كان يتبعها والده وإخوته في ممارسة الحكم، حتى أصبحت تطبيقاته تُذكّر بما كان يتمّ في ساحة قصر الحكم من بطولات، وكأن الزائر لهذه المنطقة التاريخية اليوم يشاهد فيلما تسجيليّا يروي قصص عقود مضت، يوم أن كانت الصفاة تعجّ بركائب الوافدين وبالتبادلات التجارية بين الأهالي، وقد وثّقت هيئة تطوير الرياض بصماته على العاصمة في كتاب صدر العام الماضي 2015م بعنوان «سلمان والرياض: عبق التاريخ».
في عام 2011 غادر سلمان منصبه الذي أحبّه، ليبدأ بعد أخيه سلطان التدرّج صعودا نحو المناصب الأكثر سياديّة، فأصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع، وقد ترك - كما سلف - وراءه روايةً لا تمّحي فصولها مع حبيبته «الرياض»، التي جاب عددا من العواصم ليعرض فيها تجربتها التنموية وليبحث عن مزيد من الأفكار لتطويرها، مُخلّفا لتخصص الإدارة المحلية والتطوير الحضري صفحات من الدروس في صناعة التنمية، واستطاع بمهارة أن يمزج الألوان في لوحة مبتكرة تشدّ الانتباه - اسمها الرياض القديمة والجديدة - بين عراقة المحافظة وحداثة المعاصرة.

4 - أما المقوّم الرابع من مُدركات المعرفة عنده، فهو اهتمامه بالشأن السياسي في بُعديه الداخلي؛ المتمثّل في «مأسسة» السلطات الدستورية وصون نظام الحكم والحفاظ عليه، والبُعد الخارجي؛ المتمثل في العلاقات الدبلوماسية الدولية، وفي مشاركته وقربه من صناعة القرار السياسي طيلة العهود المتوالية التي مرّت بالبلاد، وبخاصة في فترة حكم الملك فهد، فلقد كان أحد الروافد الاستشارية الثرية التي كانت تغني اتخاذ القرار، مستفيدا مما كان يمتلكه من الصلات مع النخب السياسية العربية والأجنبية، ومن المعلومات التي كان يختزنها وكانت تمكّنه من بلورة المواقف وتنفيذها. وربما كان في هذا الشأن يصطفي بعض الكفاءات الوطنية المؤهلة التي تصوغ الأفكار وتطوّرها بعد أن تتلقى منه التوجيهات. ويمكن القول إن الخبرة السياسية قد تراكمت لديه مع السنوات وساعدت في تكامل معارفه وفكره، ومهّدت لانتقال الحكم إليه في الوقت المناسب.
لقد رُصدت بين شخصيّات الملوك السابقين لهذه البلاد سماتٌ متقاربةٌ مشتركةٌ، تتمثّل في التناغم المتوازن بين الثابت والمتغيّر في الشأن الاجتماعي، والفهم التنويري للتديّن، والتدرّج في الإصلاح والانفتاح، وترسيخ التقاليد المفيدة، وهي جميعا سمات محافظة قامت عليها هذه البلاد منذ توحيدها.

5 - أما المكوّن الخامس في فكره فهو ارتباطه بالعديد من المؤسسات العلميّة والثقافيّة، ومن أهمها علاقته الوثيقة بمكتبة الملك فهد الوطنية، بدءا من المبادرة إلى اقتراح تأسيسها بمناسبة تولّي الملك فهد مقاليد الحكم في البلاد (1982)، حيث أعلن أهالي الرياض عن قيامها في العام التالي. كانت المكتبة الوطنية مشروعا متواضعا أقامت وزارة المعارف نواته لإصدار شهادات الإيداع والتسجيل الرقمي للإصدارات السعودية، ثم انتشله سلمان ومن ورائه أهالي العاصمة لتكون المكتبة الوطنية دُرّة المعرفة والتوثيق في جبين الوطن، على النحو الذي يعرفه المجتمع العلمي والثقافي. وقد اكتسى مقرها الأنيق وسط العاصمة هذا العام على طريقي الملك فهد والعُليّا العام وبعد نحو عقدين من إنشائه تصميما جديدا لافتا بطاقة استيعابية مضاعفة، وتمّ كلُّ هذا العمل الجليل بأقل قدر من الأضواء، وبأكبر قدر من التواضع والصمت، وبأعلى مقدار من الكفاءة الإدارية والمكتبية.

6 -أما المرتكز السادس في مُدركاته المعرفية، فإنه رئاسته - تحديدا - لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، وهي المركز التوثيقي والبحثي الأول لحفظ تاريخ الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وسيرة مؤسسها وحكّامها، فلقد يسّر له الاقتراب المباشر مع الدارة أن يمارس هوايته في ألاّ يترك كتابًا مهمًا تطرّق كليًا أو جزئيًا إلى سيرة الملك المؤسس والدولة السعودية إلا وأحاط بقراءته أو طلب من باحث تلخيصه أو علّق على ما فيه، حتى صار التاريخ يجري في عروقه، وأصبح يحفظ تراث البلاد حفظا علميّا يتتبُع من خلاله ما كتب عنه، ويُفنّد أي التباسات تحيط بسيرة رجالاتها، ويُوجّه بإجراء البحوث حول أي غموض يحتاج إلى استقصاء، وأتاح له ولعه بالقراءة السريعة فرصة الإحاطة بما يرغب الاطلاع عليه سواءً من الكتب أو من المقالات، حتى لقد رُوي أنه قرأ أثناء ملازمته لأخيه الأمير سلطان في مرضه ما يربو على ثمانين كتابا، وكان الكتاب لا يفارقه أثناء رحلاته البرية والجوية.
بدأت علاقته بالدارة منذ قيامها عام 1972 وذلك من خلال اهتمامه الشخصي بالتاريخ والتوثيق، وكانت الدارة بدأت مرتبطة بوزير المعارف، ثم بوزير التعليم العالي، ثم صار سلمان بن عبد العزيز رئيسًا لمجلس إدارتها منذ عام 1997. وقد ازداد تواصله مع الدارة منذ أن بدأت تشارك في التحضير للاحتفال بذكرى المئويّة التي كان يشرف على أدق تفصيلات الاستعداد لها، حيث صار التواصل اليومي بينه وبين الدارة لا ينقطع، وقد اضطر - بعد تنامي مسؤولياته السيادية عندما أصبح بعد عام 2012 وليّا للعهد - لتفويض معظم مهامه ورئاساته في اللجان والمؤسسات الرسمية والأهلية والخيريّة الإضافية، لكنه استثنى الدارة ومركز العلامة حمد الجاسر الثقافي، كما سيرد.
توافرت له مع الدارة سبل القراءة المنظّمة والاطّلاع على ما يجّد من إصدارات تقع في دائرة اهتمامه، والتواصل المستمر مع المؤرّخين والباحثين من أمثال حمد الجاسر وعبد الله بن خميس والدكتور عبد الله العثيمين ومحمد أحمد العقيلي وعبد الرحمن الرويشد، والرجوع إليهم، والإحالة عليهم للاسترشاد برأيهم العلمي مُكوّنا معهم دوائر فكرية وثيقة وراقية.
وفي السنوات القليلة الماضية، صارت الدارة تشرف بتوجيهاته على مركزي بحوث مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتضفي على المركزين إضافة نوعية وعمقا تنسيقيّا مكّنهما من الوصول إلى أذرعة البحث الوطنية ومصادر المعلومات المتوافرة في الدارة، وجعلهما في اتّساق مع ما تقوم بها من جهود، مع إبقاء سمة الاستقلالية الإدارية لهما.

7 - أما الركن السابع في تكوينه الذهني فإنه التواصل غير المسبوق بين هذا الحاكم الإداري رجل الدولة في مثل مقامه من ناحية، وبين المثقفين من ناحية ثانية، والمتابعة الدؤوبة لما يكتب في الصحافة المحلية والعربية، لدرجة قد يستغرب المراقب معها كيف يتّسع وقته لقراءاته الفكرية مع وجود مشاغل الدنيا الرسمية والأُسرية على عاتقه. فذكر العديد من الكتّاب والإعلاميين السعوديين والعرب على مدى خمسين عاما وبكثير من الانبهار تواصله معهم عند نشر مقالاتهم والتعامل الراقي في نقد ما كتبوه سلبا أو إيجابا والتعليق عليه، وتحدث الأدباء والإعلاميون عن ذكرياتهم معه، وصفوه بأنه «الأمير القارئ والمثقّف» و«صديق الصحافة والإعلاميين» و«المؤرخ» و«صديق الكتاب». ويؤكّد المطّلع من واقع تجارب متعددة صدق هذه الألقاب، حيث إن للعشرات منهم مواقف فيها تعليق على مقال أو نظرة في كتاب أو تصحيح معلومة، في علاقة مبنيّة على المثاقفة، تبدأ باتصال ثم بمعرفة ثم بصداقة، وقد تتواصل إلى زيارة في مشفى أو مواساة في منزل، وكنت وكثيرون غيري شهودا على ما كان يضمره من احترام متساوٍ للمثقفين والأدباء ورجال الصحافة والإعلام، ومن مشاركة لأقلامهم ومقالاتهم في ردوده وتعليقاته، وفي الإدلاء بتوثيق المعلومات والأحداث، ويأتي شاهدا على حقيقة حرصه على الدقة والموضوعية أنه لم يسع في يوم من الأيام إلى تزييف المعلومات المتعلقة بسيرته وحياته.
يمتلك سلمان بن عبد العزيز على صعيد العلاقات الداخلية والخارجية - بالإضافة إلى ما تقدّم - رصيدا من الصداقات الوثيقة مع الزعماء والمفكّرين والأعيان، مع حضور ذهني متوقّد لاستعادة الذكريات التي يختزنها مع عشرات الشخصيّات.
8 - ولا بدّ من أن تُعدّ مكتبته المنزليّة الخاصة في مقدّمة مُدركات المعرفة في تكوينه الفكري، وكانت مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية نشرت في عددها الصادر بمناسبة الذكرى المئوية (يناير/ كانون الثاني، 1999) تحقيقا مصوّرا غطّى تاريخ المكتبة وحجمها ومكوّناتها من الكتب والدوريّات والوثائق والمخطوطات وأوعية المعلومات، كما تحدث التحقيق عن الطبعات الفريدة من الكتب النادرة التي تضمّها المكتبة، وعن أسلوب فهرسة عناوينها بالبطاقات على نظام «ديوي» العالمي المعروف ثم تخزينها على الحاسوب، وقد فاقت ثلاثين ألف عنوان متعددة الأجزاء والمجلّدات. وللمكتبة أمناء يتولّون متابعة حركة النشر الداخلية والخارجية، وإعداد الملخّصات والتقارير المطلوبة، وهم يرافقون الملك سلمان في تنقلاته، يمدّونه وأنجاله بما يطلبونه على مدار اليوم من مواد المكتبة أو من خارجها، في حين يحرص على الدوام على تزويد الدارة بما يقتنيه أو يُهدى أو يصل إليه من وثائق نادرة وكتب قديمة أو جديدة تقع في دائرة اختصاص الدارة، في مبادرة منه لدعم أهداف الدارة من ناحية، وليكون قدوة للمواطنين لإيداع ما لديهم من وثائق ومخطوطات ومصادر تاريخية. وقد تطرق التحقيق المنشور في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية إلى برنامج دعم الكتب التي تطبع على نفقته، وإلى ذكر نماذج منها. والمعروف أن الملك سلمان يتمتع بسرعة القراءة والاستيعاب، ويخصص من وقته اليومي ساعات يومية محدّدة للقراءة، ولارتياد مكتبته التي تعدّ في نظر المكتبيين من أكبر المكتبات من نوعها لزعيم في العالم.

9 - وتتمثّل الركيزة التاسعة في تكوينه الذهني في رئاسته الفخرية للعديد من المراكز العلمية والثقافية والكراسي البحثية والجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية والجوائز التي ارتبطت باسمه، وهي - كما يبدو من أسمائها في المجمل - تعكس شخصيّته واهتماماته الثقافية، يأتي من بينها مركز العلاّمة الشيخ حمد الجاسر الثقافي، حيث لم ينقطع الملك سلمان منذ تأسيس المركز عن أن يوليه رعايته والاهتمام بحضور مناسباته وبرئاسة اجتماعات مجلس أمنائه، متذكّرا على الدوام خلال الاجتماعات ما كان يشعر به من تقدير لعلمه وآرائه، ومن اتصالات متكررة معه على بساط البحث والتنقيب التاريخي والجغرافي والأدبي، وبلغ من احترامه للشيخ الجاسر أن احتفظ الملك لنفسه حتى تاريخه بالرئاسة الفخرية لمركزه الثقافي على الرغم من مشاغله، كما سلف.
وتضم قائمة المراكز والجمعيّات وكراسي البحوث كلا من: مركزي أبحاث مكة المكرمة والمدينة المنورة، والجمعية السعودية التاريخية، وجائزته للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، ومؤسسة الرياض الخيرية للعلوم، وواحة سلمان بن عبد العزيز للعلوم، وجائزة أبحاث الإعاقة، وكرسي الدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، وكرسي دراسات تاريخ مكة المكرمة، وكرسي تاريخ المدينة المنورة.

10 - ويتصل العنصر الأخير في سلسلة هذه المُدركات المعرفية بالمشاركات والحوارات التي يحرص عليها أثناء لقاءاته بالعلماء والمثقفين وأساتذة الجامعات وطلابها، وكان من أبرز أمثلتها محاضرته في جامعة أم القرى (2008) ومحاضرته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (2011) ومحاضرته في العام التالي في جامعة الملك سعود، وما سبق هذه المحاضرات أو جاء بعدها من حوارات مما يعقده بشكل شبه أسبوعي ويعبّر فيه عن مواقف فكرية ثابتة في ذهنه، كتلك التي يستعيدها بين الحين والآخر عن مصطلح الوهابية، وعن العوامل التي أسهمت في سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية، وعن حثه على النقد البنّاء، وتشجيعه للكاتب على أن يتبنّى قضايا مدينته كما يتبنّى قضايا وطنه الكبير، وأن المطلوب ممن يكتب أن يتقصّى الحقائق، وأن تاريخ المؤسس هو تاريخ للوطن كله، وهكذا.
وإن هذه القراءة لا تكتمل دون التأمّل في الأبعاد الإنسانية في شخصيّته، وهي سمات يتناول الكتّاب تحليلها بين الحين والآخر، وأكتفي هنا باستدعاء ثلاث علامات منها؛ «الكاريزما» الرزينة، والدعابات المرحة، ولمحات الوفاء، تلك الثلاثية التي يعتمرها في قلوب المواطنين والضيوف منذ أن تبوّأ الوظيفة العامة في منتصف القرن الماضي، مما يُغبط عليه من المناقب الواضحة فيه، وحين يستذكر في لقاءاته شراكة الآباء والأجداد في الأسرة والقبيلة والبادية من أدنى البلاد إلى أقصاها في بناء الدولة، جنبا إلى جنب مع من استخلصهم والده من المستشارين العرب، في جهودهم المقدّرة للإسهام في صنع الوحدة وتأسيس الكيان.
ثم ماذا يمكن، في ضوء هذه الإضاءات العشر، أن يقال عن عامه الأول في الحكم متّكئا على استحقاقات رجل الدولة، وعلى قدراته المعرفية الخاصة التي اكتسبها خلال خمسين عاما ونيّف أميرا لمنطقة العاصمة، ثم وزيرا للدفاع، فوليّا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد صارت الثقافة والاطلاع جزءا من مؤهلاته ومكوّنات سيرته، واتّشح اسمه بالتلازم الوثيق مع مجتمع الفكر والمعرفة ومحيط الإدارة، والمشاركة الدائمة في المناسبات والندوات والمؤتمرات العلمية، والتواصل المباشر مع العلماء والأدباء والمثقفين، إلا أن تكتسي شخصيّته بملامح غير معتادة من التميّز والتفرّد بين القيادات السياسية السائدة؟
إن من يطّلع عن كثب على سيرته أميرا، لن يُفاجأ بما شهده المجتمع في اثني عشر شهرا أمضاها في سُدّة الحكم، من قرارات تُعزّز الحزم والشفافية والنزاهة والإصلاح، وتجسّد خصائصه وخبراته التراكمية من وعي بمحيطه، وفهمٍ لمجتمعه، واستيعابٍ لواقعه العربي، فلقد تفتّقت قريحته ملكا عن إصرار على تجديد كيان الدولة بدماء شابّة، وعلى تحديث بيئة القضاء والتعليم والأمن ومفاصل الإدارة والخدمات بروح وثّابة وبطاقات غير متثائبة، وعلى الإقدام في اتخاذ قرارات جريئة تحافظ على هيبة الدولة وأمن الوطن، وعلى توجّه نحو تغيير المعادلة التقليدية وموازين القوة في المنطقة، وهو ما يبشّر بالتفاؤل بإذن الله، بأن المجتمع الجديد قد صار بالفعل أمام عهد مضيء للتحوّل الوطني، نحو تنمية طموحة مبنيّة على قواعد اقتصادية متينة متنوّعة، وعلى بنيان متكامل وثيق يرتقي في جانبه المعرفي بالمكانة العلمية والفكرية للمؤسسات التعليمية وتنشيط برامجها الحوارية والثقافية والمنبرية، والعمل على تحقيق مشروع معرفي راقٍ يرتكز على مبادئ الماضي وتباشير المستقبل.
* موجز محاضرة في جامعة بيشة بمنطقة عسير جنوب السعودية (الثلاثاء 2016/1/26)



بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية


«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير
TT

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية، وقالب فني يميل للتجريب، وطرق آفاق سردية جديدة، عبر أمثولات وقضايا كبرى أهمها فكرة «العدالة» كوسيط قيمي يضمن سلام العالم وسكينة البشر.

تبدو فكرة العدالة جلية منذ الوهلة الأولى، ففي مطلع الرواية هناك شخص يخضع للمحاكمة، ثم نكتشف أن هذا الشخص هو قائد جماعة اسمها «العدالة الناجزة» تأسست للانتقام من السادة والنبلاء الذين تصدر ضدهم أحكام ولا يستطيع أحد تنفيذها خوفاً من نفوذهم.

رواية «النبي الصغير» الصادرة أخيراً عن «مكتبة ديوان» بالقاهرة في جزأين يضمان أكثر من ألف صفحة تضعنا أمام عوالم شتى، يختلط فيها الحقيقي بالأسطوري، واليومي بالملحمي، والخاص بالعام، حيث تتداخل الشخصيات الرئيسية لتصنع ما يمكن اعتباره لوحة موزاييك بشرية في «مملكة رإدمان – مملكة الشمس» التي صنعها توراي الأعظم وقسمها على رغيف خبز، منطلقاً من إجابته عن سؤال بسيط: ما الذي يلزمني لإنشاء مملكة؟ وتأتيه الإجابة من داخل عقله: مال وجند وفكرة.

وبعد عقود من رخاء المملكة يظهر «كال» الفتى الصغير المليح القادم من الصحراء. لا يطرق باب أحد في عمل إلا ويجده مفتوحاً. وهكذا عمل في جبال الملح مع شغيلة المملكة وقوة اقتصادها الضاربة، عمل في الأسواق وفي الحمامات، ليأتي اليوم الذي يقرر فيه أنه نبي. وأنه يجب أن يعلن دعوته ويضم إليه الأتباع والأعوان لإطاعة أوامر السماء وفي الوقت نفسه تحقيق العدالة للمقهورين والمظلومين في الأرض، أو على الأقل في الفئات التي عاش بينها.

العالم المتخيل أو المملكة التي اختارها الكاتب مسرحاً للأحداث ملامحها محددة. فهي مساحة ممتدة تحيطها جبال وصحارٍ وغابات، وفي وسطها مدينة «توراي ديما» بها نادٍ وسوق، وحانة الذئاب وقاعة مخصصة للطبيب جميان وبيت الحب وجدار الأخبار «وسيلة الإعلام»، وحي السحرة وحمام القزم أبّا وعالم الأقزام عموماً، وبنات الهوى وفتيات العائلات الكبرى الجميلات كلها تتداخل في قصص وحكايات بتقنيات سردية متنوعة، أغلبها تعتمد على الراوي العليم، وبعضها ينطوي على تعدد الأصوات في الحكاية، مع اختيار «نظرة الطائر» كتقنية تصويرية بانورامية كاشفة للعالم الروائي.

يبدأ «النبي الصغير – كال» فكرته من انتباهه لعدم وجود دين محدد في المدينة، فبها عشرات اللغات وعشرات المعتقدات، وينطلق عن قناعة بضرورة نشر دين جديد يدعو للحق والعدل وغيرها من القيم التي ربما افتقر إليها مجتمع المدينة كلما توغّل في المدنية.

يبدأ «كال» دعوته من لقاءات بأشخاص عرفوا بالزهد والتصوف، حتى أن أحدهم كان نبياً وتخلى عن رسالته، بعد مناوشات وحروب وسفك دماء. وحين يناقشه «كال» يخبره أن الإنسان يموت ثم يحيا ثم يموت ثم يحيا إلى أن يجد الخلاص فيعيش في حياة أبدية كلها سعادة وهناء.

وحين يلتقي «كال» مجموعة الزهاد يدخل في حوار مع كبيرهم الذي يسأله عن أسمى القيم؛ فيرد «كال» دون تفكير: «العدل»، فيخبره كبير الزهاد أنه لو كان العدل هو القيمة الأسمى لما خلق الله الدنيا، ويؤكد له «كال» أن العدل قد يغيب عن الدنيا لكن علينا أن نعيده. فيرد عليه الرجل: «لو أعدنا العدل قضينا على الدنيا»، ويستطرد شارحاً الأمر: «إن كل ما تراه حولك، كل زراعة وصناعة وتجارة، كل علم وفن وابتكار، كل ذلك ما كان لينهض من دون مظلمة بعد مظلمة»، مؤكداً في النهاية أن العالم يدور وفقاً للنظام لا العدل.

لا يخلو السرد من مخاتلات تسحب القارئ تدريجياً لعوالم مختلفة وتتركه يتفحص جوهر هذه العوالم بكل ما تحتويه من سحر الأساطير وملاحة الأحلام وفداحة الواقع. ففي مملكة «رإدمان» التي قامت على أفكار القوة والوحدة والعلم والعدل، هناك خلل بدا واضحاً في بنيتها، يكشفه هذا الفتى الغريب الذي كاد يقسمها نصفين.

تقدم رواية «النبي الصغير» واحداً من أكثر العوالم المتخيلة طموحاً في السرد العربي المعاصر، عالم تتقاطع فيه مصائر عشرات الشخصيات في لحظة فارقة، تكشف علاقاتهم المتشابكة عن أكثر رغبات البشر جموحاً، وفي هذه الشبكة المعقدة من العلاقات التي تتمسرح في قاعات العلم وساحات القضاء والأسواق والقصور والمعابد ومعسكرات الجند ومجالس السمر ومناجم الملح، تتداعى التساؤلات التي تشي باختلاط اليقين بالشك والحياة اليومية بالمصائر الكبرى.

يستخدم الكاتب تقنيات تنتمي لفنون أخرى بخلاف فن الرواية إمعاناً في التجريب عبر ملحمته السردية. من بينها ما يسمى كسر الجدار الرابع، أو إزالة الحواجز بين العالم الفني والمتلقي، ليناقش القارئ في مسألة بداية الحكاية. كيف تتوالد الحكايات وتخرج الحكاية من رحم حكاية وكأننا في دائرة سحرية من الحكي الذي لا تتحدد بدايته أو نهايته، أو كأننا في «ألف ليلة وليلة» وحكاياتها الساحرة.

يطمح «النبي الصغير» في النهاية لتكريس فكرة العدل التي لا تتحقق إلا بالحروب والمواجهات التي يخوضها أتباعه بقيادة «تايشي» القائد السابق لجماعة «العدالة الناجزة». ولكن هل يتحقق العدل؟ يظل السؤال مطروحاً في نهاية مفتوحة على نبي جديد آخر يتحدث عنه أحد الرواة، لتنتهي الرواية بطابعها الملحمي، وتداخل الأساطير والخيال مع الواقع والتاريخ.


«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
TT

«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)

من أحلام التغيير إلى مرارة المنفى، ومن جاذبية باريس بوصفها عاصمة للحرية والثقافة إلى ثقل الحنين إلى الوطن، يعود الروائي المغربي أحمد المديني في روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون» إلى مرحلة من التاريخ المغربي والعربي، حين كانت العاصمة الفرنسية ملتقى للمثقفين والكتاب والمناضلين السياسيين، وملاذاً لمن دفعتهم ظروف بلادهم إلى البحث عن حياة أخرى.

لكن باريس التي استقبلت أحلامهم لم تمنحهم بالضرورة ما كانوا يبحثون عنه. فبين مقاهيها وشوارعها وأحيائها، عاش هؤلاء تجارب متباينة، جمعت الأمل بالخيبة، والحرية بالعزلة، والانتماء إلى ثقافة جديدة باستمرار الارتباط بالوطن.

هذه التجربة، بما تنطوي عليه من تناقضات إنسانية وسياسية، تشكل مادة الرواية التي احتفى بها موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته السابعة والأربعين، خلال حفل توقيع احتضنه رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، الخميس، بحضور مثقفين ونقاد وإعلاميين وفنانين.

ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة لتقديم إصدار روائي، بل تحول إلى قراءة في ذاكرة جيل مغربي وعربي ارتبطت تجربته بباريس خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وفي قدرة الأدب على استعادة سير شخصيات حقيقية، وإعادة تركيبها داخل عالم تخييلي يتجاوز حدود السيرة والتوثيق.

باريس في ذاكرة المديني

في تقديمه للقاء، توقف الناقد شرف الدين ماجدولين، أستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، عند العلاقة الممتدة بين أحمد المديني وباريس، وهي علاقة تجاوزت الإقامة والعبور إلى الحضور المتكرر في تجربته الأدبية.

ورأى ماجدولين أن «الأنشوطة الباريسية» تجمع شتات ما راكمه الكاتب من نصوص وتجارب عن المدينة الفرنسية، التي شغلت جانباً من حياته ووجدانه وفكره، وأثمرت كتابات متعددة على امتداد سنوات.

ومن هنا، وصف الرواية بأنها «نص متحفي»، بالنظر إلى قدرتها على جمع الأزمنة والأمكنة والشخصيات داخل بناء سردي واحد، يستعيد ما تفرق في الذاكرة والكتابة، ويمنحه حياة أخرى في الرواية.

غلاف رواية «الأنشوطة الباريسية» (الشرق الأوسط)

وتبدو باريس، وفق هذه القراءة، أكثر من مجرد مكان تجري فيه الأحداث. إنها فضاء تتقاطع داخله حكايات المثقفين والمهاجرين والمنفيين، وتنعكس فيه تحولات المغرب والعالم العربي، بما حملته من صراعات سياسية وأسئلة الهوية والانتماء.

«أنشوطة» الاغتراب

واعتبر حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن الرواية تعيد القارئ إلى مرحلة شهدت تحولات سياسية وفكرية، عاش خلالها مغاربة وعرب في باريس، واتخذوا منها مكاناً للإقامة والعمل والنضال السياسي والثقافي.

وقال إن المديني يعيد بناء تلك التجارب عبر سرد يمزج التوثيق بالتخييل، مستحضراً تفاصيل الحياة اليومية في المقاهي والشوارع والأحياء الباريسية، وما ارتبط بها من علاقات وصداقات وصراعات.

وأشار البطيوي إلى التحول الذي طرأ على صورة باريس في وجدان بعض المهاجرين. فالمدينة التي بدت لهم في البداية فضاءً للضوء والأمل والحرية، تحولت مع مرور السنوات إلى «أنشوطة» تشدهم إلى منفى اختياري أو قسري، وتضاعف شعورهم بالغربة والخيبة والحنين إلى الوطن.

ورأى أن قيمة الرواية لا تقف عند حدود بنائها الفني، بل تمتد إلى حفظ ذاكرة جيل عاش التوتر بين تطلعاته إلى التغيير في بلاده وواقع حياته في الخارج.

ونوّه البطيوي بلغة المديني في استعادة الشخصيات والأماكن والوقائع، وقدرته على إعادة تشكيل نماذج بشرية أدت أدواراً في مرحلة من تاريخ المغرب، قبل أن تتوارى تجارب بعضها خلف تحولات السياسة والزمن.

وأكد أن احتفاء أصيلة بهذا العمل يأتي تقديراً للمسار الأدبي الذي يواصل المديني بناءه، ولإسهام أعماله في استعادة محطات من تاريخ المغرب الحديث، ولا سيما التحولات التي عرفها منذ النصف الثاني من القرن الماضي.

باريس... وشخصياتها

من جانبه، رأى الناقد نور الدين درموش أن حضور باريس في «الأنشوطة الباريسية» يمثل امتداداً لعلاقة قديمة بين المدينة وعالم أحمد المديني السردي، إذ حضرت في كتاباته السابقة بوصفها فضاءً لتجارب إنسانية وثقافية متراكمة.

وأوضح أن الكاتب بدا، من خلال هذا العمل، وكأنه يسعى إلى جمع شتات علاقته بباريس في رواية واحدة، تستوعب ما اختزنته ذاكرته من مشاهد وأسماء وتجارب على امتداد عقود.

وبحسب درموش، فإن المدينة لا تكتفي بدور الخلفية المكانية، بل تتحول إلى شخصية روائية تؤثر في مصائر المقيمين فيها، وتشارك في تشكيل علاقاتهم ومواقفهم من الحياة.

فالرواية ترصد تناقضات باريس بين نهارها وليلها، وبين ما تضج به مطاعمها وحاناتها وساحاتها من ألفة ومرح، وما يعتمل في نفوس شخصياتها من قلق ووحدة واغتراب.

واعتبر درموش أن العمل يمثل شهادة وفاء لمغاربة عاشوا بعيداً عن بلادهم، وظل الحنين إلى الوطن حاضراً في حياتهم، مهما طالت إقامتهم في فرنسا.

وتوقف عند شخصية محمد باهي، التي تحتل موقعاً محورياً في الرواية، باعتبارها إحدى الشخصيات التي تتكثف من خلالها تجربة ذلك الجيل، وما عرفه من ارتباط بالصحافة والسياسة والمنفى.

سيرة صحافي

أما أحمد المديني، فقد كشف خلال اللقاء عن جانب من البناء الحكائي لروايته، موضحاً أنها تنطلق من سيرة صحافي مغربي يقرر مغادرة بلاده بعدما أمضى سنوات في العمل بوكالة رسمية، وعاش أزمات مهنية وشخصية دفعته إلى الهجرة نحو فرنسا.

وهناك، يجد الصحافي نفسه أمام حياة جديدة، لكنه لا يستطيع الانفصال عن ماضيه، الذي يظل يلاحقه بأشخاصه وذكرياته وتجربته المهنية وما رافقها من أعباء.

ويتحول منير سرحان، الشخصية المحورية في الرواية، إلى مهاجر يعيش بين زمنين. ماضٍ مغربي لم ينتهِ، وحاضر باريسي يحاول من خلاله إعادة تشكيل حياته.

غير أن هذه المحاولة تتشابك مع علاقات والتزامات تربطه بالمغاربة المقيمين في باريس، وبعرب آخرين جمعهم المكان واختلفت ظروف هجرتهم ومواقفهم من أوطانهم.

وأوضح المديني أن منير سرحان ليس وحده في هذه التجربة، إذ تتقاطع حكايته مع شخصيات حقيقية وأخرى متخيلة، من بينها محمد باهي ومحمد خير الدين ومحمد البصري.

وأشار إلى أن حضور هذه الأسماء لا يحول الرواية إلى سجل تاريخي أو مجموعة سير، لأن الكاتب يعيد تشكيل الشخصيات والوقائع وفق مقتضيات البناء الروائي، وإن استند إلى أسماء وتواريخ ومسارات واقعية.

وتحتل شخصية محمد باهي موقعاً محورياً في هذا البناء، إذ تمتد حكايته من بداية الرواية إلى نهايتها، في مسار موازٍ لمنير سرحان، البطل والسارد، بما يمنح العمل بطولة مزدوجة تتفرع منها حكايات الشخصيات الأخرى.

ومن خلال هذه العلاقات، يبني المديني عالماً تتجاور فيه التجارب الفردية والجماعية، وتنعكس داخله أسئلة السياسة والثقافة والهجرة والهوية.

وتتحرك الأحداث أساساً في باريس، عبر وصف دقيق لجغرافيتها وأحيائها، قبل أن تمتد إلى الرباط والمغرب، في حركة سردية تعيد الشخصيات إلى جذورها، وتكشف ما تنطوي عليه تجربة الهجرة من تناقضات ومآلات.

من الطهطاوي إلى الطيب صالح..

ولم يفصل المديني روايته عن التراث الأدبي العربي الذي تناول العلاقة بين العرب والغرب، مستحضراً أعمالاً شكلت محطات في تطور هذا السؤال داخل الكتابة العربية الحديثة.

فمن «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» لرفاعة رافع الطهطاوي، إلى «أديب» لطه حسين، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، وصولاً إلى «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، تتعدد صور الغرب في المخيلة العربية، وتتغير الأسئلة التي يطرحها الاحتكاك به.

وأوضح المديني أن هذه الأعمال جعلت العلاقة بين الأنا والآخر موضوعاً للتفكير في النهضة وتجديد الهوية، من خلال الفكر والأدب والفن.

لكن الرواية، كما يرى، لا تتولى تقديم إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، بل تعيد تمثيل المعضلات الإنسانية والحضارية بأدوات السرد، انطلاقاً من التجربة الحياتية والابتكار الفني.

وفي هذا السياق، تقدم «الأنشوطة الباريسية» تجربة تتداخل فيها الذاكرة الفردية بالتاريخ الجماعي، وتتحول فيها حكاية صحافي مهاجر إلى مدخل لقراءة مرحلة من تاريخ المغرب وعلاقته بفرنسا، وما رافقها من صراعات وأحلام وانكسارات.

وخلص المديني إلى أن الرواية تحمل رؤية ثقافية وحضارية تتصل بأسئلة الهوية والانتماء، وتجمع بين استيعاب الماضي وقراءة الحاضر، عبر سرد يمزج الواقعي بالتخييلي، ويستحضر قلق الإنسان العربي في عالم تتزايد فيه صعوبة الاختيارات والمصائر.

أحمد المديني... سيرة أدبية

وتكتسب هذه العودة الروائية إلى باريس دلالة إضافية بالنظر إلى سيرة صاحبها. فأحمد المديني، المولود في مدينة برشيد المغربية عام 1949، ينتمي إلى جيل من الكتاب الذين ساهموا في تطوير القصة والرواية المغربية، وجمعوا بين الإبداع الأدبي والبحث النقدي والعمل الأكاديمي.

بدأ النشر عام 1967، وأصدر مجموعته القصصية الأولى «العنف في الدماغ» عام 1971، قبل أن تتوالى أعماله في القصة والرواية والنقد وأدب الرحلة. وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون بباريس عام 1990، وهو ما يمنح علاقته بالعاصمة الفرنسية بعداً يتجاوز المشاهدة العابرة إلى تجربة معيشة ومعرفة بالمكان وثقافته.

وحضرت باريس في عدد من مؤلفاته السابقة، من بينها «باريس أبداً» و«نصيبي من باريس»، كما أصدر روايات منها «رجال الدار البيضاء» و«ممر الصفصاف» و«الطريق إلى المنافي». وصدرت أعماله الروائية الكاملة في خمسة أجزاء عام 2014.

وحاز المديني جائزة المغرب للكتاب مرتين، وجائزة محمد زفزاف للرواية العربية عام 2018، وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2020 عن كتابه «مغربي في فلسطين».

أما روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون»، فقد صدرت في طبعتها الأولى عن المركز الثقافي للكتاب في فبراير (شباط) 2026، لتضيف عملاً إلى مشروعه السردي الذي تتكرر فيه أسئلة الذاكرة والهوية والمكان.

ويمكن قراءة الرواية أيضاً في سياق الأدب المغربي الذي تناول الهجرة والمنفى والعلاقة بفرنسا، لكن خصوصيتها، كما تكشف مناقشات أصيلة، تكمن في استعادة شخصيات من التاريخ الثقافي والسياسي المغربي وإدخالها في نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع بالتخييل.

فباريس التي كانت لدى أجيال من المثقفين العرب مكاناً لاكتشاف العالم والتعرف إلى أفكار الحرية والتغيير، تتحول في رواية المديني إلى موضع لمراجعة الأحلام نفسها. ومن خلال مصائر منير سرحان ومحمد باهي وشخصيات أخرى، تطرح الرواية سؤالاً يتجاوز تجربة الهجرة: ماذا يبقى من أحلام التغيير عندما يطول المنفى، ويتحول الوطن إلى ذاكرة، وتصبح العودة إليه أكثر تعقيداً من الرحيل عنه؟

ذلك هو السؤال الذي تتركه «الأنشوطة الباريسية» مفتوحاً، في رواية تستعيد جانباً من تاريخ المثقفين المغاربة والعرب في باريس، وتعيد النظر في علاقتهم بمدينة منحتهم فرصاً للحياة والكتابة والنضال، لكنها لم تستطع أن تحررهم من قلق الانتماء والحنين إلى الوطن.