روسيا وأميركا تتنافسان على تعزيز مواقعهما في سوريا.. في حين تتعثر محادثات السلام

جيش موسكو اتخذ مواقع في قاعدة جوية قرب القامشلي.. والبنتاغون يراقب بحذر.. وغضب تركي

روسيا وأميركا تتنافسان على تعزيز مواقعهما في سوريا.. في حين تتعثر محادثات السلام
TT

روسيا وأميركا تتنافسان على تعزيز مواقعهما في سوريا.. في حين تتعثر محادثات السلام

روسيا وأميركا تتنافسان على تعزيز مواقعهما في سوريا.. في حين تتعثر محادثات السلام

يعمل الجيش الروسي على توسيع نطاق وجوده في سوريا، حيث أسس موقعا لعملياته في أحد المطارات بمحافظة شمالية شرقية يغلب على سكانها الأكراد، وبعرض البلاد، انطلاقا من قاعدته الساحلية الرئيسية.
يقول سكان محليون في محافظة مجاورة إن الولايات المتحدة تصعد من مساعداتها للميليشيات الكردية، بل واستولت على مطار زراعي صغير، وقد أنكر مسؤولون بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) هذه التقارير. كما يقول عدد من المقاتلين السوريين إن روسيا تواصلت مع عشائر سنية، وعرضت مساعدتهم في قتال تنظيم داعش في الشرق، بعد فشل جهود أميركية مماثلة.
وبينما يعمل دبلوماسيون من روسيا والولايات المتحدة من أجل إجراء مباحثات سلام تجمع الحكومة والمعارضة الأسبوع المقبل، يتسابق البلدان على تعزيز مواقعهما على الأرض في سوريا في معركة ستستمر بصرف النظر عن أي اتفاق سلام: القتال ضد «داعش». ويبدو أن كلتا القوتين تتوقعان فشل جهود السلام وتستعدان للمرحلة القادمة من الحرب. وتعد جهودهما الجديدة، المنفصلة والمتنافسة، ضد «داعش» جزءا من حرب موازية حول من تكون له الكلمة العليا في القتال ضد الجماعة المتطرفة، وربما نيل الإشادة لهزيمتها.
ولطالما كان لدى القادة الغربيين أمل في يوم تتوحد فيه الحكومة ومقاتلو المعارضة وأنصارهما الدوليون، من أجل هزيمة «داعش». لكن هذا الاحتمال يبدو بعيد المنال بسبب خلاف جوهري بين القادة الأميركيين والروس. إن روسيا متحالفة مع حكومة النظام السوري بشار الأسد، وترى المعارضة المسلحة جزءا لا يتجزأ من تنظيم داعش، فيما تعتبر واشنطن حكومة الأسد وقمعها لمعارضيها سببا رئيسيا في صعود الجماعة المتطرفة.
في باريس، وصف وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر الاستراتيجية الروسية بأنها «مخطئة بشكل مأساوي»، وبأنها تركز بشكل كبير على «دعم قوات النظام ضد قوات المعارضة». وأضاف: «آمل أن يحولوا تفكيرهم صوب الاتجاه الصحيح، وهو الاتجاه الذي يمكننا بالفعل العمل معهم فيه». وقال مسؤول رفيع بالبنتاغون، اشترط عدم الكشف عن هويته ليتحدث عن العمليات العسكرية، إنه ليس هناك حاليا تعاون عسكري مع روسيا. وقال إن هذه مسألة متروكة للدبلوماسيين، حيث قد تحاول وزارة الخارجية الأميركية صياغتها في اتفاق مع موسكو حول استراتيجية خروج الأسد.
ومع هذا، ففي الوقت الحالي يبدو أن القوتين العالميتين تتنافسان على نفس الحلفاء، فكلاهما يقول إنه يساند المقاتلين الأكراد والسنة في المنطقة، حتى مع تشديد المسؤولين الأميركيين على أنه لا يوجد أي تنسيق بين الجانبين بخلاف عدم التصادم، أو التأكد من عدم تهديد طائرات الجانبين بعضهما بعضا. وقال شهود في سوريا إن المسؤولين الأميركيين أكدوا أن الجيش الروسي اتخذ مواقع في قاعدة جوية قرب مدينة القامشلي، في الشمال الشرقي. وقال أحد المقاتلين إن الجيش الروسي تواصل مؤخرا مع مقاتلين من المعارضة السنية من محافظة دير الزور الشرقية: وهذه هي نفس الجماعة التي جندها البنتاغون لأجل برنامجه لتدريب وتسليح المعارضة، والذي كان نصيبه الفشل.
وقال المقاتل، الذي طلب ذكر اسمه الأول فقط، أحمد، إنه حضر اجتماعا عقد مؤخرا مع الروس، وميليشيات كردية ومعارضين عرب في تل أبيض، وهي مدينة صغيرة قرب الحدود التركية. وقال أحمد إن جماعته كانت تحظى في السابق بدعم أحمد الجربا المعارض للأسد بشدة، وإن التواصل الروسي جعل المقاتلين يتساءلون عما إذا كانت روسيا توصلت إلى تفاهم سري مع دول خليجية. وقال: «لقد تفاجأنا بالفعل باجتماعنا مع وفد روسيا في مقرنا».
وقال أحمد إن الروس عرضوا على عشيرته، الشويتات، إمدادهم بالسلاح والدعم لاستعادة أرضهم في دير الزور من يد «داعش». وبحسب أحمد، تناصب الشويتات «داعش» أشد العداء، حيث ذبح التنظيم مئات من أفراد العشيرة بعد رفضهم الاستسلام لحكم التنظيم. وقد ساهمت العشيرة في صفوف القوات العربية التي تقاتل إلى جانب قوات حماية الشعب الكردية، على حد قول أحمد. لكن جرى تعليق خطة الدعم هذه، بحسب قوله، بعدما طلب الروس منه ومن رفاقه جمع 300 مقاتل، ولم يكن بمقدورهم جمع أكثر من 200. وعلى أي حال، فقد ظل أحمد متشككا بأن ما عرضه الروس كان كافيا لإحداث تأثير على المجهود لاستعادة دير الزور. وقال: «ماذا عساني أقول، من الصعب جدا تحرير دير الزور بهذا القدر من الأسلحة».
في الشمال الشرقي، في القامشلي، أفادت مؤخرا شبكة من النشطاء السوريين تسمي نفسها «لجان التنسيق المحلية» أن 100 من أفراد الجيش الروسي قد تمركزوا في مطار المدينة، وأن مسؤولين روسا اجتمعوا مع مسؤولين من الحكومة وزعماء ميليشيا أكراد لبحث نشر قوات في المدينة. وتضاف هذه التقارير إلى روايات تقول إن الأكراد، الملتزمين بما يشبه معاهدة عدم اعتداء مع القوات الحكومية، ينسقون مع الجانبين: الأميركيين والمقاتلين العرب من ناحية، والحكومة والروس من ناحية أخرى. لكن نشطاء يقولون إن القوات الروسية تم نشرها في مناطق تسيطر عليها القوات الحكومية، وليس في مناطق الحكم الذاتي التابعة للأكراد، حيث يعمل الأميركيون على المقاتلين الأكراد والعرب.
وأكد مسؤولان اثنان من البنتاغون تفاصيل تمركز القوات الروسية، بما في ذلك النقطة الحساسة والمتمثلة في أن موسكو لا يبدو أنها تركز بشكل مباشر على دعم المقاتلين في نفس المناطق التي تدعم الولايات المتحدة مقاتلين فيها. وقال الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مقابلة في بروكسل: «لست متأكدا من أنني سأصف الأمر بأنه تقديم للدعم (من جانب روسيا) لنفس الناس الذين ندعمهم». وبسؤاله حول التقارير الواردة من نشطاء محليين، وتفيد بأن الولايات المتحدة تعمل على تأسيس قاعدة جديدة في محافظة الحسكة الشمالية الشرقية المجاورة، لإنزال قوات خاصة وإمدادات، قال: «بوضوح، لن أتحدث عما تقوم به قواتنا الخاصة». وقال مسؤول آخر بالجيش الأميركي إن هذه التقارير «هي ببساطة غير صحيحة».
ومع هذا، فقد قال ناشط معارض للحكومة من محافظة الحسكة، ذكر اسمه الأول فقط، يمان، لدواع تتعلق بسلامته، قال إن طائرتين نفاثتين محملتين بالذخائر هبطتا مؤخرا في قاعدة الحسكة، قرب بلدة الرميلان، في قطاع جوي صغير كان يستخدم مؤخرا كمهبط لطائرات رش المحاصيل. وقال إن نحو 150 من أفراد الجيش الأميركي موجودون هناك، تحت حراسة الأكراد الذين يمنعون اقتراب أي شخص. نفس الرواية ذكرتها لجان التنسيق المحلية والمرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو جماعة مراقبة بريطانية، لها اتصالات على الأرض.
وفي واشنطن، قال مسؤولون بالبنتاغون ومسؤولون أميركيون آخرون إنهم يراقبون عملية نشر القوات الروسية في مطار القامشلي، لكنهم لا يعتبرونها تطورا سلبيا بالضرورة. وحذر بعض المسؤولين الأميركيين من أن كل الأطراف ذات الصلة – الروس والأكراد والعرب السنة والقوات الحكومية – تحاول استغلال عمليات نقل القوات. وقال مسؤول كبير بوزارة الدفاع: «انظر، الروس يحاولون اللعب على الجانبين، فيخبرون الأكراد بأنهم سيستخدمون (القاعدة) لقتال (داعش)، ويقولون للنظام إنهم سيستخدمونها لتحسين وضعهم في البلاد». وأضاف المسؤول الذي تحدث شريطة عدم ذكر هويته لبحث تقييمات أميركية داخلية: «هي كذلك محاولة لتقديم أنفسهم على أنهم البطل». وأكد مسؤول أميركي كبير آخر أن نقل 100 جندي روسي إلى مهبط طائرات في الشمال الشرقي، بعيدا عن القواعد الساحلية في الغرب حيث توجد معظم القوات البرية الروسية والطائرات القتالية، هو عملية تمركز صغيرة نسبيا، وهي مهمة من الناحية الجغرافية، أكثر من أهميتها عسكريا. كما قال المسؤولون إن من شأن هذا أن يدعم الرواية التي تقول إن روسيا تهاجم «داعش» كما تهاجم جماعات المعارضة المدعومة غربيا. وقد اتهم معارضو حكومة الأسد روسيا باستهداف مقاتليهم بشكل شبه حصري، وتجاهل «داعش» إلى حد بعيد.
كذلك يدرك المسؤولون الروس من دون شك أن التعاون العلني مع الميليشيات الكردية، وبخاصة تلك المتمركزة قرب الحدود التركية وفي خضم العسكرية التي وقعت بين تركيا والأكراد مؤخرا، سوف تثير غضب الحكومة التركية، بحسب قول مسؤول أميركي. وتعمل موسكو على إحراج تركيا منذ أسقطت الأخيرة طائرة مقاتلة روسية في نوفمبر (تشرين الثاني) . وعبر المسؤولون العسكريون الأميركيون عن ملاحظة تحذيرية مهمة، مفادها أن نشاطا جويا روسيا متزايدا في الشمال الشرقي، يمكن أن يتداخل مع عمل القوات الأميركية الخاصة التي بدأت مؤخرا تقديم الاستشارة والدعم للمقاتلين العرب الذين يتحركون في اتجاه الرقة، عاصمة «داعش».
وقال مسؤول عسكري أميركي، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، لبحث شؤون عملياتية: «مع دخول (الروس) إلى سوريا، علينا أن نتحرى بالغ الحذر بشأن المجال الجوي في وحول شمالي سوريا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.