الشركات الصينية المثقلة بالديون تزيد الضغوط على الحكومة

فيما تواجه بكين حالة من عدم الاستقرار سواء في العملة أو أسواق المال والسلع

الشركات الصينية تحتاج لزيادة في حجم مبيعاتها سنويا ليكون لديها عائد يكفي لتغطية الديون المستحقة عليها (إ.ب.أ)
الشركات الصينية تحتاج لزيادة في حجم مبيعاتها سنويا ليكون لديها عائد يكفي لتغطية الديون المستحقة عليها (إ.ب.أ)
TT

الشركات الصينية المثقلة بالديون تزيد الضغوط على الحكومة

الشركات الصينية تحتاج لزيادة في حجم مبيعاتها سنويا ليكون لديها عائد يكفي لتغطية الديون المستحقة عليها (إ.ب.أ)
الشركات الصينية تحتاج لزيادة في حجم مبيعاتها سنويا ليكون لديها عائد يكفي لتغطية الديون المستحقة عليها (إ.ب.أ)

بدأت شركة «سينتي مارين كوربوريشن» كشركة صغيرة، حيث كانت تشتري وتبيع عددا محدودا من السفن في تسعينات القرن الماضي. لكن سينتي مارين، وهي شركة صينية مملوكة للدولة، انهمكت في توسيع نشاطها بالاستدانة على مدار السنوات القليلة الماضية، فافتتحت حوض بناء السفن الخاص بها، ووقعت طلبات تبلغ قيمة الواحدة منها مئات ملايين الدولارات.
والآن، تقف الشركات الغارقة في الديون مثل «سينتي مارين» في مهب متاعب اقتصادية في الصين التي تواجه في الآونة الأخيرة حالة من عدم الاستقرار سواء في العملة أو أسواق المال والسلع.
ومؤخرا جدا، وجدت «سينتي» نفسها أمام القضاء، حيث طلب أحد أكبر المصارف في الصين تصفية الشركة لتغطية القروض المستحقة. وتقوم الجهات الحكومية ذات الصلة بالتحقيق في دقة التقارير المالية للشركة، بينما جرى تجميد حساباتها المصرفية مؤخرا، ولم يتم التعامل على أسهمها في بورصة شنزن منذ أغسطس (آب).
قال ماثيو فلين، استشاري الشحن البحري في هونغ كونغ: «الوضع صعب جدا».
وبناء السفن جزء من قائمة طويلة من الصناعات الصينية، بما في ذلك الصناعات الحديدية، وتعدين الفحم، وصناعة السيارات، التي أفرطت في الاقتراض من البنوك الحكومية من أجل توسعة نشاطاتها خلال أيام الازدهار، فساهمت في دفع معدل نمو وصل 10 في المائة على مدى 3 عقود. لكن معدل النمو انخفض الآن لنحو 7 في المائة، وبدأ الكثير من الشركات يعاني نقصا حادا في السيولة المالية.
لقد أصاب الاتجاه الذي يمضي فيه الاقتصاد الصيني المستثمرين في أنحاء العالم بالقلق، وجعلهم يترقبون أسعار النفط. أما الشركات التي تعاني مشكلات مثل «سينتي مارين»، فتلقي بظلال غائمة على المستقبل.
وقد تمكنت الشركات الصينية المملوكة للدولة على مدار سنوات من رفع أسعار منتجاتها بانتظام لمساعدتها على الوفاء بديونها. غير أنه مع انسحاب المستهلكين وبداية الضغوط بفعل الانكماش الاقتصادي، تضطر الشركات لخفض الأسعار، بينما يتعين عليها سداد نفس المستحقات من الديون.
وتضع هذه الأزمة الطاحنة التي تمر بها الشركات جهود الحكومة لإدارة الاقتصاد في مأزق كبير. فمن أجل وقف انهيار النمو، تتحرك السلطات بإجراءات حفز، مثل بناء المزيد من خطوط السكك الحديدة للقطارات فائقة السرعة، وتشجيع المصارف المملوكة للدولة على مواصلة الإقراض.
غير أن الصين تظل في وضع صعب حتى مع زيادة مستويات الإقراض، حيث يساهم انهيار الشركات في مفاقمة الضغوط. في العام الماضي، زاد إجمالي الديون كافة في الصين - على الأسر والشركات والحكومة - بمقدار يساوي 12 في المائة من إجمالي اقتصاد البلاد. أما إجمالي الإقراض، فزاد في ديسمبر (كانون الأول) بأسرع معدل له منذ يونيو (حزيران)، بحسب ما توضح الأرقام التي نشرها المصرف المركزي يوم الجمعة الماضي.
وتتحرك الشركات العاملة في القطاعات الصناعية، وهي التي تلقت معظم الإقراض، في بيئة محفوفة بالمخاطر.
ويعني تدني أو انهيار الأسعار أن الشركات تحتاج لزيادة حادة في حجم مبيعاتها سنويا ليكون لديها عائد يكفي لتغطية الديون المستحقة عليها. لكن زيادة الأسعار يصبح أمرا مشوبا بالصعوبة في ظل اقتصاد متباطئ.
وليست الصين البلد الوحيد الذي يعاني من انهيار الأسعار في قطاعه الإنتاجي. فهذه الأسعار تعاني تراجعا كذلك في الولايات المتحدة منذ عام، وهذا في خضم تراجع أسعار النفط وغيره من السلع. غير أن ما يجعل الوضع في الصين غير معتاد، هو أن الشركات تتعامل مع ارتفاع حاد في تكلفة العمالة، حيث تزداد أجور العمالة اليدوية بنسبة 10 في المائة سنويا، مع تفضيل الشباب والعمال الأصغر سنا لوظائف الأعمال المكتبية. كما أن الاستثمار الزائد على الحد في الكثير من القطاعات يؤدي إلى عدد مبالغ فيه من المصانع، وغير ذلك من الأعمال التي تنافس بنفس المبيعات محدودة السعر.
وبحسب سابين باور، مدير أول لشؤون المؤسسات المالية في مكتب «وكالة فيتش للتصنيف» في هونغ كونغ، فإن «المزيج من ارتفاع تكلفة العمالة وانخفاض الأسعار يمثل تحديا حقيقيا».
على امتداد الساحل الصيني، في المرافئ وعلى طول الأنهار الساحلية، اشترت الشركات مساحات واسعة من الأراضي، واشترت رافعات، واستأجرت أعدادا كبيرة من فنيي اللحام. وتوسعت الصين من كونها تمثل خمس القدرة العالمية لبناء السفن في 2008 حتى أصبحت تمثل خمسي هذه القدرة بحلول العام الماضي.
وكانت مراقبة الجودة مشكلة منذ البداية. قال باسل كراتزاس، وهو سمسار بحري في مانهاتن: «في الصين، عند بناء ما يفترض أن يكون نسختين طبق الأصل لسفينة واحدة في مكانين متجاورين تماما، تجد النتيجة سفينتين مختلفتين.. أما في اليابان، فيمكنهم بناء 10 سفن ويكونون جميعا شيئا واحدا».
ومع انهمار الشكاوى على الكثير من أحواض بناء السفن في الصين، أصبحت المنافسة حامية الوطيس. تشترط أحواض السفن في اليابان وكوريا الجنوبية الحصول على دفعة أولى بقيمة 20 في المائة من سعر الطلبات، علاوة على ضمان من أحد المصارف الدولية بسداد بقية التكلفة إذا أفلس المشتري. ورغم أن أحواض بناء السفن الصينية اشترطت الحصول على دفعات مسبقة بنفس القيمة، فإنها لم تشترط أية ضمانات، وقبلت بطلبات من شركات صورية لا تتمتع بالقوة المالية.
وقد تسبب هذا بوضع خطير لأحواض بناء السفن الصينية.
ففي حال شهدت أسعار السفن تراجعا حادا، يمكن أن يغامر المشترون بخسارة الأموال التي سددوها كدفعات أولى، ولا يسددون بقية ثمن الحاوية، تاركين حوض بناء السفن عالقا في المشروع. ومع تراجع الطلب العالمي على السلع في السنتين الماضيتين، انخفضت أسعار السفن بأكثر من 20 في المائة، بل وأكثر في بعض الحالات.
وبالنسبة إلى حاويات الشحن ذات حمولة 58 ألف طن التي كانت أحواض بناء السفن الصينية تعمل على بنائها، فقد تهاوت أسعارها من 30 مليون دولار في 2013 إلى 16 مليون دولار الآن. واختار المشترون الذين اشتروا بسعر مرتفع، خسارة دفعاتهم الأولى بدلا من تسديد بقية ثمن الحاويات التي تم الانتهاء من بنائها بعد أن تراجع سعرها. وتمتلئ أحواض السفن الصينية الآن بهياكل سفن غير مكتملة، أشبه بديدان حديدية عملاقة مقطوعة لنصفين. وتفتقر الكثير من أحواض بناء السفن للأموال اللازمة لاستكمال بناء السفن وتبيعها بتخفيضات في محاولة لتغطية بعض التكاليف.
وحتى المشترون المتمتعون بالقوة المالية يتراجعون عن إكمال الصفقات. فلدى «سينتي مارين» 4 سفن غير مكتملة البناء، تراجعت شركة «بريشس شيبينغ» في بانكوك عن الحصول عليها. وانسحبت «بريشس شيبينغ» بعد نزاع على الجودة أدى لرفع قضية تحكيم في لندن. كما رفع مصرف «بنك أوف تشاينا» دعوى قضائية ضد شركة «سينتي مارين» يوم الثلاثاء في نانجنغ بمقاطعة جيانغسو، حيث يقع حوض بناء السفن. وطلب المصرف تعيين مصف، حيث تدين «سينتي مارين» للبنك بقروض بقيمة 81 مليون دولار فعليا.
وقالت ما، وهي مسؤولة بشركة «سينتي مارين»، لم تشأ ذكر لقبها، إن المحكمة عقدت جلسات استماع في الأسبوع الماضي، لكنها أضافت أنها ليست على علم بأية قرارات. ولم يصدر أي تعقيب من المصرف أو المحكمة.
ومن النادر أن تلاحق المصارف الحكومية الديون بمثل هذا النهج الحاد.
بدورها، تقوم السلطات بشكل دوري بإرسال إشارات حول إغلاق مثل هذا النوع من الشركات الذي يطلق عليه «الزومبي». ذكرت صحيفة «بيبولز ديلي»، وهي الصحيفة الرئيسية الناطقة باسم الحزب الشيوعي أن «الشركات الزومبي ليست بجديدة، لكن مع تعرض الاقتصاد لضغوط تدفعه للتراجع، يصبح الوضع الصعب والخطير لهذه الشركات واضحا».
لكن المصارف عادة ما تقوم بجدولة الديون وإقراض المزيد، وبخاصة للشركات المملوكة للدولة مثل «سينتي مارين»؛ إذ إن المساهم الأكبر في الشركة هو مقاطعة جيانغسو. وقد ترددت الحكومة في الإقدام على إغلاق كلي للشركات، بسبب مخاوف من أن يؤدي تسريع أعداد ضخمة من العمال إلى احتجاجات.
* خدمة «نيويورك تايمز»



المركزي السويسري يُبقي الفائدة عند الصفر وسط صعود الفرنك

صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
TT

المركزي السويسري يُبقي الفائدة عند الصفر وسط صعود الفرنك

صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)

أبقى البنك الوطني السويسري سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، يوم الخميس، في ظل صعود قيمة الفرنك السويسري نتيجة الحرب مع إيران، التي أدت أيضاً إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، ما أثار غموضاً بشأن توقعات التضخم.

وحافظ البنك على سعر الفائدة الرئيسي عند صفر في المائة، وهو الأدنى بين البنوك المركزية الكبرى، في خطوة كانت متوقَّعة من قبل غالبية المحللين الذين شملهم استطلاع رأي «رويترز».

جاء هذا القرار في يوم حافل للبنوك المركزية، بعد أن أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير، يوم الأربعاء، مما يعكس حالة عدم اليقين المرتفعة بشكل غير مسبوق، في ظل تقييم صانعي السياسات لتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وفي بيان له، أشار البنك الوطني السويسري إلى أن «الصراع الدائر في الشرق الأوسط زاد من رغبتنا في التدخل في سوق الصرف الأجنبي». وأضاف: «يساهم هذا الإجراء في الحد من الارتفاع السريع والمفرط لقيمة الفرنك السويسري، الذي قد يهدد استقرار الأسعار في سويسرا».

وسجل الفرنك تراجعاً مؤقتاً بعد الإعلان، قبل أن يستعيد مكاسبه ليُسجل ارتفاعاً طفيفاً مقابل كل من اليورو والدولار، مسجلاً 0.9082 فرنك و0.793 فرنك على التوالي.


آسيا تستعد لاستقبال كميات قياسية من الوقود الروسي هذا الشهر

ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
TT

آسيا تستعد لاستقبال كميات قياسية من الوقود الروسي هذا الشهر

ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن الصادرة يوم الخميس أن آسيا تتوقع استيراد كميات قياسية من زيت الوقود الروسي خلال مارس (آذار) الحالي، بعد تخفيف الولايات المتحدة العقوبات، تحسباً لانخفاض متوقع في الإمدادات بدءاً من الشهر المقبل نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومن المتوقع أن يسهم هذا التدفق في تخفيف بعض المخاوف المتعلقة بنقص الإمدادات الناجم عن شح زيت الوقود في الشرق الأوسط، بعد أن أدى الصراع إلى توقف شحنات الوقود عبر مضيق هرمز وتعطّل مصافي التكرير في المنطقة، وفق «رويترز».

وتشير بيانات تتبع السفن الصادرة عن شركتي «كبلر» و«إل إس إي جي» إلى أن آسيا ستستقبل أكثر من 3 ملايين طن من زيت الوقود الروسي هذا الشهر (ما يعادل 614500 برميل يومياً)، متجهة بشكل رئيسي إلى جنوب شرق آسيا والصين. ومن المتوقع أن تكون دول جنوب شرق آسيا أكبر المستوردين؛ حيث ستصل الإمدادات إلى نحو 1.7 – 1.9 مليون طن، مع التركيز على سنغافورة وماليزيا، بحسب بيانات تتبع السفن وتقديرات التجار، مع الإشارة إلى أن معظم هذه الكميات ستُستخدم كوقود للسفن.

وتأتي الصين في المرتبة الثانية من حيث حجم المشتريات، باستقبال نحو 1.2 – 1.5 مليون طن هذا الشهر. ويُستخدم زيت الوقود عادة في مصافي التكرير في مقاطعة شاندونغ الشرقية كبديل للنفط الخام، الذي شهد نقصاً كبيراً نتيجة اضطرابات صادرات الشرق الأوسط.

وأشار خافيير تانغ، كبير محللي السوق في شركة «فورتيكسا»، إلى أن انقطاع تدفقات زيت الوقود يؤثر بشدة على إمدادات الزيت عالي الكبريت مقارنة بانخفاض تأثيره على الزيت منخفض الكبريت، مضيفاً أن الحصار أدى أيضاً إلى تقليص تدفقات النفط الخام متوسط وثقيل الكبريت من مضيق هرمز، مما زاد من شح الإمدادات بشكل عام.

وفي 12 مارس، أصدرت واشنطن إعفاءً لمدة 30 يوماً للدول لشراء النفط والمنتجات البترولية الروسية الخاضعة للعقوبات والمعلقة في البحر. وكانت دول جنوب شرق آسيا من أكبر مستوردي زيت الوقود الروسي قبل الإعفاء، إلا أن وتيرة الشراء تباطأت بعد فرض عقوبات على كبار المنتجين الروس في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

انخفاض مؤقت في الأسعار

أدى ارتفاع الكميات الروسية إلى تراجع أسعار زيت الوقود عالي الكبريت بعد ارتفاعها الأخير، رغم أن المحللين حذروا من أن توقعات الإمدادات لا تزال محدودة. وأظهرت بيانات من مصادر تجارية أن علاوة سعر النفط عالي الكبريت (HSFO) في آسيا، عند سعر 380 سنتي ستوك، بلغت مستوى قياسياً تجاوز 76 دولاراً للطن المتري الأسبوع الماضي، قبل أن تنخفض إلى نحو 70 دولاراً بعد إصدار الإعفاء الأميركي.

وأفاد وسطاء بأن هيكل سوق النفط عالي الكبريت دخل أيضاً في حالة تراجع حاد من الآن وحتى نهاية العام؛ حيث تشير أسعار البيع الفوري، الأعلى من أسعار العقود المستقبلية في سوق متراجعة، إلى شح في المعروض.

وقال إمريل جميل، كبير المحللين في مجموعة بورصة لندن، إن التدفقات الروسية المرتفعة غير كافية لتعويض نقص الإمدادات من الشرق الأوسط في حال استمرار الأزمة.

وأكد رويستون هوان، كبير محللي المنتجات النفطية في شركة «إنرجي أسبيكتس»، أن الإمدادات الروسية قد تخفف الضغط على السوق مؤقتاً، إلا أن انخفاض الإنتاج في المصافي بالشرق الأوسط وآسيا سيؤدي إلى شح المعروض. وأضاف: «لا يزال مضيق هرمز مغلقاً، ولا يزال توفر النفط الخام مصدر قلق، مما يعني أن السوق ستظل متوترة بشكل عام خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة».


تجنباً لتجربة 2022... «المركزي الأوروبي» يلوّح بالتشدد مع تصاعد مخاوف التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تجنباً لتجربة 2022... «المركزي الأوروبي» يلوّح بالتشدد مع تصاعد مخاوف التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

من شبه المؤكد أن يبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي عند 2 في المائة يوم الخميس، لكنه سيؤكد استعداده لرفعه في حال أدى الصراع في إيران إلى زيادة مستمرة في التضخم بمنطقة اليورو.

وارتفعت أسعار النفط والغاز منذ بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، مما يزيد من خطر دفع تكاليف الطاقة الأعلى لارتفاع أسعار المستهلكين في كتلة العملة المكونة من 21 دولة، التي تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد.

وتتوقع الأسواق المالية الآن أن يرتفع التضخم فوق 3 في المائة خلال العام المقبل، وأن يعود ببطء إلى هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة خلال السنوات الأربع التالية. ويراهن المتداولون على رفع سعر الفائدة مرتين بحلول ديسمبر (كانون الأول)، على الرغم من أن غالبية الاقتصاديين لا يتوقعون أي تغيير، وفق «رويترز».

وحذر مصرفيو البنوك المركزية في جميع أنحاء منطقة اليورو من أن الحرب سترفع التضخم وتخفض النمو، إلا أن حجم الأثر يعتمد على مدة الصراع – وهو عامل يعترفون بعدم وضوحه حالياً.

وبالتالي، من المرجح أن تلتزم رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد وزملاؤها بالإشارة أكثر من اتخاذ الإجراءات، موفرين طمأنة بأنهم سيتصرفون عند الحاجة دون الالتزام بأي قرارات مبكرة.

وقال إبراهيم رحباري، رئيس استراتيجية الفائدة في شركة «أبسلوت ستراتيجيا»: «البنك المركزي الأوروبي لا يتوقع رفع الفائدة في أي وقت قريب، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظهر اليقظة».

وأرسل بنك اليابان رسالة مماثلة في وقت مبكر من يوم الخميس، وكان من المتوقع أن تتبع بنوك إنجلترا، والبنك المركزي السويدي، والبنك الوطني السويسري النهج ذاته لاحقاً خلال اليوم.

وترك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي اجتمع في وقت متأخر يوم الأربعاء، أسعار الفائدة دون تغيير، مع إبقاء خيار خفض الفائدة في وقت لاحق هذا العام مطروحاً.

لكن البنك رفع توقعاته للتضخم، وأكد رئيسه جيروم باول أن البنك يملك قناعة منخفضة بتوقعاته الخاصة نظراً للغموض الاستثنائي حول تكاليف الطاقة ومدى استمرار الحرب.

وتراجعت الأسهم الأميركية بعد ما اعتبر المستثمرون تصريحات باول متشددة، بالإضافة إلى هجوم على حقل غاز رئيسي في إيران.

سابقة مؤلمة تركت أثرها

تشير كتب الاقتصاد إلى أن البنوك المركزية يجب أن تتجاهل القيود المؤقتة في الإمدادات، مثل الإغلاق الحالي لمضيق هرمز – وهو أمر أكده هذا الأسبوع بنك التسويات الدولية.

لكن بالنسبة للعديد من صانعي السياسة في البنك المركزي الأوروبي، ستعيد حرب إيران إلى الأذهان زيادة التضخم المدفوعة بالطاقة التي أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا في 2022، والتي اعتبرها البنك آنذاك مؤقتة.

ومع بنوك مركزية أخرى في الدول المتقدمة، اضطر البنك بعد ذلك إلى رفع تكاليف الاقتراض بشكل حاد وسط انتقادات لتأخره في الاستجابة.

وقال الاقتصادي في «إتش إس بي سي» فابيو بالبوني: «تجربة أزمة الطاقة عام 2022، وتوقعات المستهلكين المتأثرة بتلك الحلقة، قد تجعل البنك المركزي الأوروبي أسرع في رفع الفائدة إذا استمرت ضغوط الطاقة».

وحذرت إيزابيل شنايبل، أحد أبرز «الصقور» المناهضين للتضخم في البنك، من «الندوب» التي تركتها تلك التجربة على الأسر والشركات، مشيرة إلى فرق مهم هذه المرة: السياسات النقدية والمالية ليست متساهلة، ما قد يحد من الضغوط التضخمية.

ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي 2 في المائة، وهو تقريباً يعادل معدل التضخم في فبراير (شباط)، الذي يسبق أولى الهجمات على إيران في 28 فبراير.

«المركزي الأوروبي» يرسم سيناريوهات للنمو والتضخم

سيصدر البنك، الخميس، توقعاته الفصلية المحدثة للنمو والتضخم، رغم أن هذه التوقعات لن تعكس بالكامل تأثير حرب إيران على أسعار الطاقة.

الأهم من ذلك، من المتوقع أن ينشر البنك سيناريوهات توضح كيف يمكن أن يتطور الاقتصاد إذا انتهى الصراع سريعاً أو إذا استمر.

وقال اقتصاديون في «باركليز» إن البنك سيرفع أسعار الفائدة في سيناريو يستقر فيه خام برنت عند نحو 100 دولار للبرميل، كما هو مستواه الحالي تقريباً، والغاز الطبيعي عند 70 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي بزيادة نحو 15 يورو عن مستواه يوم الأربعاء.

وأضافوا: «يمكن أن يرتفع التضخم العام والجوهر إلى نقطة يصبح فيها تجاوز الهدف من البنك المركزي الأوروبي كبيراً ومزمناً، ما يدفع البنك إلى رفع سعر الفائدة لاحقاً هذا العام. ومع ذلك، سيعتمد الأفق الاقتصادي والنقدي أيضاً على الاستجابة المالية لهذه الأزمة».

المزيد من الإنفاق المالي المتوقع؟

تستعد أسواق السندات بالفعل لزيادة الاقتراض الحكومي استجابة لأزمة إيران – وهو تحول يضاف إلى خطط ألمانيا لتعزيز الإنفاق العسكري والبنية التحتية.

من المرجح أن يؤدي ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى رفع تكاليف الاقتراض على شركات وأسر منطقة اليورو حتى قبل أي رفع للفائدة من البنك المركزي الأوروبي. ومع ذلك، من المتوقع أن يتسامح البنك مع هذا التضييق في شروط الائتمان في الوقت الحالي.

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثن آيس ماكرو إيكونوميكس» للاستشارات الاقتصادية: «الهدف في هذه المرحلة يجب أن يكون منع الآثار الثانوية – أي ارتفاع توقعات التضخم، خصوصاً ظهورها في الأجور».