وادي بردى.. مصيف النظام السوري ومصدر قلقه

لعنة الجغرافيا طوقت المدنيين وجذبت العسكر.. وحصارها حرّك الأمم

وادي بردى.. مصيف النظام السوري ومصدر قلقه
TT

وادي بردى.. مصيف النظام السوري ومصدر قلقه

وادي بردى.. مصيف النظام السوري ومصدر قلقه

رفع حصار بلدة مضايا في ريف دمشق الغربي بسوريا، خلال الأسبوعين الماضيين، ملف بلدات وادي بردى الملاصق لحدود لبنان الشرقية إلى الضوء، ذلك أن الأهمية الاستراتيجية والحيوية لتلك المنطقة، وانعكاساتها على الأزمة السورية، دفعت بها إلى واجهة الأحداث منذ نحو 8 أشهر.
فبلدات منطقة وادي بردى، تعد من أولى المناطق التي رفعت صوت معارضتها لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، وطردت الزبداني، إحدى أكبر مدن وادي بردى وبلداته، سلطة القوات الحكومية في وقت مبكر من عام 2011، ودفعت ضريبة موقعها الجغرافي، ما حال دون الخروج منها، والبقاء أسيرة الضربات الجوية والمدفعية المتواصلة.

وادي بردى الذي تصدر قائمة المناطق السياحية السورية قبل الأزمة التي اندلعت في مارس (آذار) 2011، عانى طوال 5 سنوات من أزمات إنسانية كبيرة، على ضوء المعارك التي لم تهدأ، حتى الآن، وتصاعدت بعد دخول المنطقة في موقع المواجهة المباشرة والمؤلمة مع العاصمة السياسية لسوريا.
فقد اتخذت قوات المعارضة فيها قرارًا مهمًا بالمواجهة، تمثّل في قطع مياه الشفة عن دمشق، ردًا على حصار الغوطة الشرقية، عاصمة المعارضة السورية في الريف الدمشقي، فضلاً عن قطع الطريق الحيوي الوحيد لدمشق من الحدود اللبنانية، خلال إغارات وهجمات عسكرية أدت إلى إقفال منفذ النظام الوحيد إلى العالم الخارجي مع لبنان، وهو ما دفع السلطات إلى شن حرب واسعة، لتستعيد السيطرة على المنطقة.
ولعبت المعارضة في منطقة وادي بردى دورًا حيويًا في العمليات العسكرية، كونها وجهت للنظام ضربات مؤلمة، على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، إلى جانب الضربة المتمثلة بقطع خطوط المياه التي تغذي دمشق، وتحديدًا نبع عين الفيجة الموجود في وادي بردى. حينها، شكل هذا الواقع تحديًا على النظام في عاصمته وضغوطًا ألزمته بالدخول في تسويات وصفقات، ليس أقلها الإفراج عن معتقلين مقابل إعادة تغذية العاصمة بالمياه.
تقع منطقة وادي بردى شمال غربي دمشق في سلسلة جبال لبنان الشرقية، وهي تبدأ من منطقة جديدة يابوس التي تتضمن المعبر البري السوري إلى لبنان عند نقطة المصنع، وتمتد شمالاً حتى سلسلة القلمون الغربي. وتتضمن عدة بلدات، أهمها الزبداني وبلودان وبقّين ومنين ومضايا. ويسكن الوادي أكثر من 200 ألف نسمة يعملون في القطاعات السياحية والزراعية والتهريب عبر الحدود اللبنانية.

* مركز سياحي وخزان مائي
هذه المنطقة المرتفعة تمثل الخزان المائي للعاصمة السورية، ومنفذها السياحي، وتتضمن الأنهار، بينها نهر بردى الذي ينبع في الجبال شمال غربي مدينة دمشق وعلى مقربة من الزبداني، ويسير بين الجبال متعرجا ناشرا في طريقه الخصب والطبيعة الجميلة وصولا إلى منطقة ربوة دمشق.
فضلاً عن ذلك، يسير في وادي بردى خط القطار التاريخي الذي يسمى «قطار المصايف»، حيث ينطلق خط القطار من دمشق عبر وادي بردى إلى الحدود اللبنانية وتحديدًا إلى رياق، وكان قد أنشأه العثمانيون في مطلع القرن العشرين، على أن تمتد شكة الحديد إلى حلب عبر الأراضي اللبنانية في البقاع في شرق لبنان، إلى حمص ثم حماه وحلب.
وتشكل منطقة وادي بردى أهم منطقة مصايف وسياحة في ريف دمشق حيث يوجد اعرق المصايف الدمشقية مثل دمّر والهامة وعين الخضرة وعين الفيجة، بجانب الكثير من مناطق السياحة الواقعة ضمن خط سير الوادي. هذه المنطقة، هي حقًا قلب المناطق السياحية في المحافظة، وتتناثر فيها المطاعم ومواقع النزهة والفنادق بين السلاسل الجبلية. وعلى جنبات الوادي بالذات يوجد الكثير من المصايف السورية العريقة وعشرات المطاعم والمقاهي والكازينوهات الفخمة من المعالم المهمة فيها مصيف بلودان الشهير المتربع على رأس الجبل، إضافة إلى الزبداني وبقّين الشهيرة بمياهها الصحية.
تعتبر المنطقة الملاصقة للحدود اللبنانية امتدادًا للقلمون الغربي، والزبداني جزء منها. هذا الامتداد يكتنف أربع أهميات استراتيحية. الأولى تتمثل في أنها المنطقة الفاصلة بين لبنان ودمشق، وبالتالي منفذ دمشق إلى العالم في ظل الحرب الدائرة في الأراضي السورية، بينما تتمثل الأهمية الثانية بأن محيط منطقة وادي بردى، يتضمن القطع العسكرية الحساسة التابعة للجيش السوري، كونها تعد خط الدفاع الأخير عن دمشق في وجه أي حرب خارجية. وتنتشر تلك القطع في يعفور والديماس، فضلاً عن أنها تتضمن مساكن الضباط وقصور ومقرات إقامة صيفية لأركان النظام.
الأهمية الثالثة تتمثل في أن المنطقة تمتاز بتضاريس مميزة، وهي عبارة عن سلاسل جبلية، استفادت منها المعارضة خلال العمليات العسكرية ضد القوات النظامية، ولا تزال تشكل خطرًا على القوات النظامية، كون الطرقات إليها مكشوفة من جميع النواحي. أما الأهمية الرابعة فتتمثل في أنها تسقي دمشق مياه الشفة، انطلاقًا من نبع عين الفيجة.

* بعد الحرب
تلك الميزات تلاشت بعد بدء الأزمة السورية. خرجت الزبداني عن سلطة النظام، لتكون «أولى المدن السورية المحررة من سيطرة النظام في لعام 2011»، كما يقول عضو مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق إسماعيل الداراني لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن الأهمية العسكرية برزت منذ اليوم الأول لانطلاق العمليات العسكرية في سوريا. ويضيف الداراني: «كان صعبًا على النظام اقتحامها، كونها عبارة عن أودية وجبال، والطرقات التي تصل إليها مكشوفة. حاول النظام حسم المعركة، لكنه لم يستطع. وعليه، ذهب إلى محاولة التوصل إلى اتفاقات».
تدخل الجيش السوري النظامي بقصف مدفعي استمر حتى منتصف يناير (كانون الثاني) من عام 2012، حيث جرت معركة الزبداني بين «كتائب حمزة بن عبد المطلب» التابعة للجيش السوري الحر في مقابل نحو 30 ألفا من الجيش السوري النظامي مدعومين بـ50 دبابة و9 قطع مدفعيّة، بحسب ما ذكر «المرصد السوري لحقوق الإنسان».
ثماني محاولات هي أعداد الاتفاقات التي حاول النظام إبرامها مع السكان، أسوة باتفاقات عقدها في ريف دمشق، لكنها كانت تنتهي بالفشل، ذلك أن حصارها كان مستحيلاً بالنظر إلى طبيعتها الجغرافية، وامتدادها الحيوي إلى القلمون الغربي. وهدد الجيش الحر الذي كان يسيطر على المدينة، الجيش النظامي باستهداف مواقع استراتيجية وعسكرية هامّة للنظام منها معسكر بردى وأماكن الكهرباء والماء. وانتهت المعركة في عام 2014 باتفاق بين الجيشين بالانسحاب من أبواب البلدة حقنًا للدماء وفرصةً لعودة أهالي المدينة، إلا أن كلا الطرفين كان يريد السيطرة على البلدة لاعتبارها هامة استراتيجيًا.
ومع أن عدد السكان كان 100 ألف نسمة قبل الأزمة، فإنه تضاءل بعد الهجمات العسكرية النظامية إلى أقل من النصف، واصلوا نزوحهم باتجاه بلدات أخرى في منطقة وادي بردى، حتى تقلص إلى أقل من 20 ألفًا قبل الهجوم الأخير على الزبداني.
إثر الفشل العسكري استعان النظام بقوات من حزب الله اللبناني التي بدأت معركة واسعة في الزبداني في يوليو (تموز) الماضي، أسفرت عن السيطرة على نحو 80 في المائة من المدينة، بعد نزوح سكانها باتجاه بلدة مضايا. وفي رد على هذا الهجوم، ضيق مقاتلو الفصائل الخناق على الفوعة وكفريا اللتين يعيش فيهما مواطنون شيعة في محافظة إدلب بشمال سوريا. وتمكن ائتلاف فصائل «جيش الفتح» من السيطرة على محافظة إدلب بالكامل الصيف الماضي باستثناء هاتين البلدتين اللتين تدافع عنهما ميليشيات موالية للنظام.
وتوصلت قوات النظام والفصائل المقاتلة إلى اتفاق في 24 سبتمبر (أيلول) بإشراف الأمم المتحدة يشمل في مرحلته الأولى وقفا لإطلاق النار في المناطق الثلاث ومن ثم إدخال مساعدات إنسانية. ونصت المرحلة الثانية على السماح بخروج الجرحى والمدنيين من المناطق الثلاث على أن يبدأ بعدها تطبيق هدنة لستة أشهر.
الموقع الجغرافي الهام للزبداني كان السبب الأبرز في تدخل حزب الله اللبناني للسيطرة على الزبداني. فهي تمثل نقطة تماس مع منفذ النظام الوحيد إلى العالم عبر الحدود اللبنانية، بعد توقف عدد كبير من الطائرات المدنية عن الهبوط في مطار دمشق الدولي، في حين يعد مطار اللاذقية صغيرًا وبعيدًا، ويستخدم أيضًا لأغراض عسكرية. وبالتالي، يشكل المقاتلون فيها خطرًا على العاصمة السورية التي يحاول النظام تأمينها.
هذا، ويشكل المقاتلون في الزبداني تهديدًا لبيئة حزب الله على الجانب اللبناني من الحدود، بالنظر إلى أن القرى والبلدات اللبنانية الواقعة خلف الحدود، تسكنها أغلبية شيعية مؤيدة لحزب الله، وهو ما دفعه للتدخل، استكمالاً لخطة سابقة وضعها بالسيطرة على المناطق السورية الحدودية مع لبنان وتعزيز دور القوات الحكومية فيها.

* محنة المدنيين
ولم تنحصر انعكاسات الموقع الجغرافي لبلدات وادي بردى على السياق العسكري، فالتماس مع قرى حدودية لبنانية مؤيدة للنظام السوري، ضاعف المصاعب أمام المدنيين فيها من الخروج منها، وألزمهم بإجراء عمليات نزوح داخلية بين القرى والبلدات الواقعة في منطقة وادي بردى، بسبب صعوبة الانتقال إلى معقل النظام في العاصمة السورية.
يقول الداراني إن هذه المناطق «لم تشهد هجرة إلى خارجها، بل نزوحًا من مدينة إلى أخرى، لأن المناطق كانت آمنة، فيما تتضاعف المصاعب أمام النزوح باتجاه لبنان بسبب غياب الظروف المهيئة». وأشار إلى أن البقاء في منطقة مشتعلة عسكريًا «ضاعف أعداد (الشهداء) المدنيين فيها، وتم اعتقال أفراد من المنطقة، وتم اعتقال نساء وأطلق سراحهم».
ميزة الزبداني، وريف دمشق عمومًا، بحسب ما يقول الداراني، أن الثوار فيها «لم يكونوا متشددين. تشكيلاتها من أبناء المناطق، ولم ينضوِ معظمهم في تيارات متشددة»، لافتًا إلى أن «مدينة الزبداني منذ بداية الثورة تشكلت فيها تشكيلات عسكرية وضباط منشقون، لذلك كانت نقطة ارتكاز للجيش الحر في القلمون الغربي وريف دمشق». ويوضح أن دورها «لم يقل أهمية عن دور يبرود التي كانت نقطة عبور ونقل السلاح في القلمون ريف دمشق».
اتسمت علاقة أهالي منطقة وادي بردى مع جيرانهم اللبنانية، بعلاقات اقتصادية قائمة على التهريب، إضافة إلى الزيجات المتبادلة والمصاهرة. وتحولت المناطق الحدودية إلى منصات لتهريب المحروقات والسجائر، فضلاً عن البضائع اللبنانية المهربة. ويقول ناشطون في مضايا إن البلدة «كانت قبل الثورة تتضمن أكثر من 90 نقطة تهريب عبر الحدود اللبنانية، وكنت تجد البضائع الأجنبية من ملابس وأحذية وغيرها في البلدة، حتى باتت مقصدًا للبضائع المهربة وسوقا مفتوحة للباحثين عن البضائع الأوروبية».
خرجت الزبداني من المعادلة بعد العملية العسكرية لحزب الله، التي أفضت إلى اتفاق، نفذ جزآن منه، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، كان آخرها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث أخرج الجرحى من البلدة، مقابل إخراج الجرحى من كفريا والفوعة الشيعيتين في شمال البلاد. وبعدها، ظهرت أزمة النازحين في مضايا، ومعظمهم من سكان الزبداني، إثر الحصار الخانق الذي نفذته القوات الحكومية السورية على البلدة، ما تسبب بتفاقم الوضع الإنساني في البلدة السورية.

* معاناة مضايا
مضايا اليوم تؤوي بقي أكثر من 15 ألف نسمة من سكانها، بالإضافة إلى آلاف النازحين من الزبداني، وتقول تقارير للأمم المتحدة إن أعداد كل من في المدينة نحو 42 ألف شخص، عرضة للموت نتيجة نقص الغذاء أو التدهور الصحي نتيجة نقص الأدوية، حيث تحولت أجساد سكان المدينة إلى هياكل عظمية يكسوها الجلد، كما اضطروا إلى أكل الحشائش وأوراق الشجر. وتحاصر المدينة بحواجز عسكرية وبنحو 6 آلاف لغم أرضي، يمنع السكان من الخروج، وأدى تدخل الأمم المتحدة مطلع الأسبوع الحالي إلى إدخال قافلتي مساعدات إغاثية.
وبعد الاستنكار الدولي الذي أثاره الوضع الإنساني في مضايا، وافقت السلطات السورية قبل أسبوع على السماح بدخول قافلة أولى من 44 شاحنة الاثنين نقلت مساعدات إنسانية إلى البلدة التي يقطن فيها حاليا 42 ألف نسمة، بحسب الأمم المتحدة.
وكانت الأمم المتحدة، قالت الثلاثاء الماضي، إن المعاناة في مضايا «لا تقارن» بكل ما شهدته طواقم العمل الإنساني في باقي سوريا. وقال ممثل رئيس المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة سجاد مالك في مؤتمر عبر دائرة الفيديو من دمشق «ما رأيناه مروع، لم تكن هناك حياة. كل شيء كان هادئا للغاية. تقول تقارير جديرة بالمصداقية إن عددا من الأشخاص قضوا جوعا»، مضيفا: «ما رأيناه في مضايا لا يقارن (..) بمناطق أخرى من سوريا». وأبدى «هوله» لما رآه موضحًا أن «الأطفال كانوا يقتاتون من أعشاب يقتلعونها من أجل البقاء على قيد الحياة وأنه لم يعد لديهم ما يأكلونه سوى الماء الممزوج بالتوابل».
وتمكنت الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة الاثنين من إدخال 44 شاحنة محملة بالمساعدات الغذائية والطبية إلى بلدة مضايا التي تحاصرها قوات النظام بشكل محكم منذ ستة أشهر. وقال مالك إنه من المقرر دخول قوافل أخرى في الأيام المقبلة. وحذرت الأمم المتحدة بأن 300 إلى 400 شخص بحاجة إلى مساعدة طبية عاجلة.

* الأهمية السياحية لمنطقة وادي بردى
تتضمن منطقة وادي بردى أبرز المواقع السياحية في ريف دمشق، تتوزع على الربوة والزبداني وبلودان. وتعتبر الربوة، منطقة طبيعية تقع في وادي بردى في الجهة الغربية لمدينة دمشق، حيث تؤلف واحة طبيعية تملؤها المطاعم والمتنزهات الصيفية والشتوية.
أما الزبداني، فهي منطقة جبلية في ريف دمشق من أهم المصايف تحولت هذه البلدة إلى مدينة سياحية نموذجية. وتبعد نحو 45 كيلومترا إلى الشمال الغربي من دمشق وترتفع عن سطح البحر 1175 مترا وتشرف المدينة على سهل ومتسع جميل بزرع بالأشجار المثمرة الجبلية وحولها أهلها إلى منتجع حقيقي بسبب بنائهم للبيوت بشكل قصور وفيلات سياحية ويزورها عدد كبير من السائحين العرب سنويا.
وأما بلودان، فهي أعلى مناطق وادي بردى، وتقع على مرتفع شاهق وبارد، وتبعد 55 كيلومترا عن دمشق إلى الغرب أيضًا، وترتفع 1500 متر عن سطح البحر. وتحقق خدماتها السياحية رغبة زائرها، فتوجد فيها مطاعم وفنادق من الدرجة الممتازة شهد بعضها مؤتمرات عربية ودولية تاريخية.



إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
TT

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من الخريطة، منازل تُسوّى بالأرض، وجسور ومدارس ومستشفيات تُستهدف بشكل متكرر، فيما يُمنع السكان من العودة إلى أراضيهم. وفي حين «يبرّر» المسؤولون الإسرائيليون ما يقومون به - في هدنة مفترضة مع «حزب الله» - بالسعي لتوسيع «المنطقة العازلة» جنوباً بهدف حماية المستوطنات الشمالية من خطر «حزب الله»، تؤكد الوقائع أن التدمير - الذي يتم بالجرافات والمتفجرات - تحوّل حقاً إلى أداة استراتيجية إسرائيلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية. وتُلقى تبعاتها الثقيلة على المدنيين اللبنانيين الذين يشاهدون من بعيد منازلهم وذكرياتهم ومستقبلهم يدمّر أمام أعينهم، وهم ودولتهم عاجزون عن التصدّي لواقع مرير، يرى البعض أن الذي جرّهم إليه «حزب الله»... تنفيذاً لأجندة إيرانية تتحكم بقراره.

حتى الساعة، يبدو من الصعب جداً الوصول إلى معطيات دقيقة حول حجم الدمار ووضعية القرى الحدودية في جنوب لبنان، التي بات من المستحيل الوصول إليها بعدما صارت خاضعة تماماً للاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد إلى بلدات ومناطق جديدة خلال فترة الهدنة.

دخان القصف الإسرائيلي يغلف إحدى البلدات الحدودية في جنوب لبنان (أ ف ب)

عدد القرى المدمّرة

وفق تحليل أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) فقد جرى تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ يوم 2 مارس (آذار) الماضي، استناداً إلى أدلة بصرية موثّقة.

ومن ناحية ثانية، وفق معطيات أولية ومصادر متقاطعة، تأكد تدمير أكثر من 25 ألف منزل في المنطقة الحدودية خلال جولة الحرب الحالية وحدها، بينها 56 مدرسة دمّرت بالكامل، بينما تضرّرت 120 مدرسة أخرى. كذلك طال التدمير 15 مستشفى، خرج 8 منها عن الخدمة تماماً، وهذا بالإضافة إلى 10 جسور حيوية، من بينها 4 جسور رئيسة على نهر الليطاني.

العميد المتقاعد منير شحادة يوضح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «حتى الآن لا توجد لائحة رسمية مكتملة تحدد القرى التي دُمّرت كلياً - أي بنسبة 100 في المائة - لكن المعطيات الميدانية المتقاطعة تشير إلى أن نحو 24 قرية حدودية باتت مفرغة بالكامل أو بشكل شبه كامل من سكانها. وثمة عشرات آلاف الوحدات السكنية دُمّرت أو تضرّرت، وآلاف المنشآت (منازل، مؤسسات، بنى تحتية) خرجت من الخدمة، كما أنه في بعض المناطق الحدودية، تم تجريف شريط بعرض مئات الأمتار بشكل كامل»، قبل أن يعلّق قائلاً: «ما حصل تدمير واسع ومنهجي لشريط القرى الأمامية يصل في بعض البلدات إلى شبه إبادة عمرانية».

أبرز المدن والقرى التي تعرّضت لدمار كبير أو شبه كامل في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية) فهي: كفركِلا، والعُدَيسة، ومَركَبا، الطَّيّبة والخِيام.

أما تلك الواقعة في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط) فهي عَيتا الشعب، ورامية، يارون، ومارون الراس، بليدا، ومَيس الجبل.

وأما تلك الواقعة في قضاء صور (القطاع الغربي) فهي: الضُّهَيرة، ومَروَحين، وأم التوت، وعلما الشعب، والناقورة. وهذا إضافة إلى بلدات أخرى متضرّرة بشدة هي من الشرق إلى الغرب: حُولا ودير سريان وعَيترون وبيت ليف وكَفرا ومجدل زون.

«التبريرات» الإسرائيلية

في الحقيقة، لم يعد خافياً أن إسرائيل تنتهج سياسة «الأرض المحروقة» في مسعى واضح منها لإفراغ المنطقة وفرض واقع جديد بالقوة. وبالفعل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صراحةً، نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة»، بزعم استخدامها من جانب «حزب الله».

وتتقاطع تصريحات كاتس هذه مع مواقف سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أعلن اعتزامه توسيع «المنطقة العازلة»، ومنع عودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم جنوبي نهر الليطاني.

وفي منتصف الشهر الماضي، تكلّم الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن «خط أصفر» في لبنان، على غرار الخط الذي «رسمته» إسرائيل في قطاع غزة، وأقرّ بالاستهداف المتعمد لأشخاص بزعم اقترابهم من المنطقة، مشيراً إلى أن السكان اللبنانيين «لن يُسمح لهم بالعودة إلى 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة».

إسرائيل تعتبر أنها مخوّلة بـ«مواصلة تدمير» ما تصفه بـ«البنى التحتية لـ(حزب الله)»، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. وبالتالي، يعتمد «المشروع» الإسرائيلي الساري على استراتيجية تدمير شامل للمرافق الحيوية ومقوّمات الحياة تحت مسمى «عمليات تطهير وتنظيف»، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق لها أن شاركت في عمليات هدم وتجريف مشابهة بقطاع غزة، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة «هآرتس» Haaretz الإسرائيلية. كذلك كشفت الصحيفة الإسرائيلية، نقلاً عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، عن أن جزءاً محورياً من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك «لا يتركز على القتال المباشر»، بل على «عمليات هدم واسعة و«ممنهجة» تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية». وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي «من دون استثناء يُذكر».

ويوم الثلاثاء الماضي، في تصعيد ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير ما وصفه بأكبر نفق تابع لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، في عملية وُصفت بأنها من الأضخم من حيث حجم التفجير والرسائل العسكرية المرافقة لها. وسبق هذه العملية تحذير استثنائي وُجّه إلى سكان المستوطنات الشمالية، الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى هضبة الجولان شرقاً، طُلب فيه منهم الابتعاد عن النوافذ والشرفات، «تحسباً لقوة الانفجار».

وبالتوازي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية نُفذت باستخدام نحو 570 طناً من المتفجّرات، مستهدفة نفقاً وبنىً تحتية على عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة اعتُبرت من بين الأكبر في سياق العمليات الميدانية الأخيرة.

يُجمع الخبراء على أن الهدف الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع من دون إعلان رسمي عبر التدمير

الأهداف ليست عسكرية حصراً

ومما يؤكد أن الكثير من عمليات التدمير الحاصلة جنوباً لا تلحظ حصراً أهدافاً عسكرية، بل لها أبعاد أخرى، أقدم الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على تفجير «ملعب بنت جبيل» بمدينة بنت جبيل الذي كان قد ألقى فيه أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله خطابه الشهير قبل 26 سنة. ويُذكَر أن نصر الله قال في ذلك الخطاب - الذي أُلقي بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 - إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت». ولقد حرصت وسائل إعلام إسرائيلية على بث عملية التفجير التي ترافقت مع هتافات لجنود إسرائيليين يعبّرون عن فرحهم وغبطتهم.

الأهداف الإسرائيلية الحقيقية

وهنا يوضح العميد المتقاعد منير شحادة عن وجود «أكثر من هدف وراء التدمير المنهجي الإسرائيلي»، أبرزها اثنان: الأول، الهدف العسكري المباشر الذي يلحظ إزالة أي غطاء ميداني يمكن استخدامه في القتال، وتحويل المنطقة إلى أرض مكشوفة نارياً، ما يؤدي تلقائياً لمنع نصب الكمائن، وقطع الطريق على التسلل واستخدام المنازل كنقاط قتال. وهنا لفت شحادة إلى أن «هذه سياسة عسكرية معروفة تقوم على تدمير بيئة القتال، وليس فقط استهداف المقاتلين».

أما الهدف الثاني، بحسب شحادة، فهو «تكتيكي قصير المدى، ويقوم على إنشاء ما يشبه حزاماً أمنياً بالنار؛ وهو إبعاد السكان ومنع عودتهم وتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاومة».

ومن ثم يتابع شحادة شارحاً الهدف النفسي والاجتماعي «للضغط على البيئة الحاضنة ومنعها من العودة لإحداث خلل ديموغرافي في الجنوب، ورفع كلفة الحرب على المجتمع المحلي، وأيضاً ضرب الاقتصاد الحدودي، وخصوصاً قطاع الزراعة».

وفي هذا السياق، يُجمع الخبراء على أن الهدف و«السيناريو» الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع (de facto) أي من دون إعلان رسمي عبر التدمير، ومنع العودة والسيطرة النارية. وهذه المنطقة قد تمتد بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الهدف الإسرائيلي هو تثبيت هذا الواقع كـ«أمر دائم» شبيه بتجارب سابقة، وبخاصة «الشريط الحدودي» قبل عام 2000.

مشهد مأساوي صادم

من جهته، يرى عباس ضاهر، مدير «مركز الاستشراف للمعلومات»، أن «التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل في جنوب لبنان يهدف إلى فرض أمر واقع، لا يقتصر على ما يُعلن عن تدمير أنفاق لـ(حزب الله)؛ فمتابعة مسار العمليات تُظهر سعياً لخلق واقع جديد في الجنوب، وبالأخص في القرى الأمامية المصنّفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»... إذ إن هذا التدمير يطال منازل وقرى وأحياء بكاملها، بما فيها مناطق لا صلة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالحزب؛ أي بيوت المدنيين اللبنانيين».

وبحسب ضاهر، تُظهر المعطيات أن «الرغبة الإسرائيلية تتّجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي: أولاً، احتلال دائم لهذه المنطقة، وهو احتمال وارد. ثانياً، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهو ما يعزّزه التدمير الممنهج. وثالثاً، سيناريو يرتبط بفرض واقع معيّن حيث لا يكون هناك سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها في الجنوب».

ويصف ضاهر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المشهد الحالي جنوباً بـ«المأساوي الذي قد يُدخل اللبنانيين في حالة صدمة، وسيزيد إرباك النازحين، مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنشآت والمباني والمدارس والبنى التحتية والآبار. وذلك لأن كل ما أُنجِز خلال عقود، لا سيما عبر مجلس الجنوب، يتعرّض اليوم للتدمير».

ومن ثم، يشدد على أن «ما يجري راهناً جريمة حرب، لاعتبارات أساسية عدّة أهمها: أولاً، استهداف بيوت ومنازل اللبنانيين الآمنين. وثانياً، تدمير مراكز الخدمات العامة التابعة للدولة اللبنانية، بما فيها مراكز التعليم والمؤسسات التربوية، ومرافق الري والآبار، إضافة إلى مباني البلديات، وهي جميعها مرافق مدنية. كما يشمل ذلك تدمير وسائل العيش في المنطقة الجنوبية، من اقتلاع الأشجار إلى سرقة الممتلكات، فضلاً عن تهجير السكان من أرضهم».

ويختتم عباس ضاهر قراءته للوضع بالقول: «كل هذه الممارسات يُفترض أن يُحاسَب عليها وفق القانون الدولي، في حال قرر لبنان المضي في ملاحقتها. لكن الشرط الأساسي لذلك هو وحدة الموقف الداخلي اللبناني. فإذا لم تتحقق هذه الوحدة، ولم يحصل تقدّم رسمي في اتخاذ خطوات قانونية لمتابعة الملف دولياً، وبقي السجال الداخلي قائماً بين أكثر من خط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الارتباك والضياع والتعقيد السياسي، وهو ما لا يفيد اللبنانيين إطلاقًاً.

تدمير القرى: انتهاك للقانون الدولي

وفعلاً، ثمة المفاعيل القانونية للتدمير الإسرائيلي الممنهج، يتطرق إليها المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين قائلاً إن «القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على كيفية إدارة العمليات العسكرية، وتُعتبر مخالفتها جرائم حرب في حال ثبوت القصد أو الإهمال الجسيم».

ويتابع يمين شارحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر على دولة الاحتلال أو القوة المهاجمة تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة الخاصة بالأفراد أو الجماعات. وفوق ذلك، فإنّ تحويل قرى كاملة إلى (مناطق عازلة) عبر التدمير الشامل يمثل انتهاكاً جسيماً؛ لأنه يؤدي إلى تهجير قسري طويل الأمد، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي أو النقل القسري للسكان».

ثم يضيف أنه على مستوى القانون البيئي الدولي، تنتهك إسرائيل في جنوبيّ لبنان «بروتوكولات الأسلحة التقليدية» التي تحظّر استخدام الأسلحة القاتلة للبيئة. وفيما خصّ التراث، فـ«إن حماية المواقع التاريخية في الجنوب (مثل صور أو القلاع التاريخية) مكفولة بموجب «اتفاقية لاهاي لعام 1954»، وأي تدمير يلحق بها يُعدّ جريمة ضد التراث الإنساني».

ويشدد يمين على أنه «يترتّب على لبنان توثيق الجرائم الإسرائيلية وجمع الأدلة وحفظها، وتقديم شكاوى متلاحقة إلى مجلس الأمن الدوليّ بها، وعند الاقتضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع طلب إدانة إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. وكذلك عليه أن يطلب من مجلس الأمن الدولي تحريك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والادعاء ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية، لانتهاكها المعاهدات الدولية المرتبطة بالقانون الإنساني والدولي والقانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، وطلب إلزامها بالتوقف عن جرائمها والتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة للبنان».


تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.