السيكولوجية العربية بين دروب القهر والثورة

التحرر النفسي الجوّاني ضمانة أساسية للتحصن ضد الاستبداد السياسي

غلاف «التخلف الاجتماعي»
غلاف «التخلف الاجتماعي»
TT

السيكولوجية العربية بين دروب القهر والثورة

غلاف «التخلف الاجتماعي»
غلاف «التخلف الاجتماعي»

في الوقت الذي كان فيه الإنسان الغربي يمضي بخطى ثابتة نحو بناء وجوده داخل العالم، وتثبيث دعائمه، انطلاقا من الدعوات التي وجهها فلاسفة العصر الحديث، الذين جعلوا الإنسان مركز هذا الوجود، ودفعوا به إلى أن يحيا بعيدا عن كل حجر أو وصاية، كان الإنسان العربي يعيش عصور انحطاطه، بعدما فقد البوصلة التي كان يبني بها العلم والمعرفة في مرحلة معينة من تاريخه.. انحطاط سيستمر قرونا طويلة، وسيبلغ ذروته مع الاستعمار الذي سيورث أنظمة استبدادية، ومجتمعا منحلا، وإنسانا مدمرا، وسيكولوجية مريضة، مشوهة ومبتورة، مليئة بالأعطاب والجراحات، تدل التحليلات السيكولوجية، سواء في علم النفس الفردي أو الجماعي، على أنها سيكولوجية غير متوازنة تحتاج إلى إعادة تحديد وفهم وتقويم.
في محاولة لدراسة الشخصية العربية والخصائص المميزة لها، قدم علم النفس العربي تحليلا هدفه رفع إنسانية العربي وإيجاد صيغة تصون بها الذات كرامتها وتتحرر، هي ومجتمعها، من الواقع القاسي، والمثل الأعلى الصعب المنال، «الهُوَ» و«الأنا الأعلى القمعي»..
أولا: شخصية مقهورة عاجزة، بأساليب دفاعية قوية، وعقلية انفعالية غير منطقية.
في كتابه «التخلف الاجتماعي - مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.. الشخصية العربية المقهورة»، سوف يقدم الدكتور مصطفى حجازي، إسهاما مهمّا جدا في تحليل السيكولوجية العربية، فالذات العربية في نظره، ذات مقهورة، تعيش حالة من فقدان القدرة على السيطرة على مصيرها، ولا تتوفر على أي ضمانة تحميها، مما يؤدي إلى تضخم مشاعر العجز والقلق في داخلها، خصوصا أنها تتحرك في وسط متسلط لا ديمقراطية فيه، وهي عامل استقرار نفسي ضروري.. فلا يكون أمام هذه الشخصية سوى الرضوخ، ما دامت كل محاولة للتمرد تواجه بقمع شديد من الحاكم الذي لا يرى سوى ذاته عظيمة مضخمة، ولا يخطر بباله مطلقا أن لسلطته حدودا وأن عليها قيودا.
تؤمن الذات المقهورة، حسب حجازي، بعجزها، ما لا يؤهلها للرد والمقاومة، فيبدو وكأن الاستكانة والمهانة هي طبيعتها الأزلية، بل أكثر من ذلك، إنها تعتبر القهر الذي تعيشه بمثابة عقاب لها تستحقه على تخاذلها.. فتكثر في هذا الوضع الميول الانتحارية لما تتفاقم المشاعر العدوانية والإثم المرتد على الذات، وانعدام الثقة في النفس وفي الآخرين.
من طبيعة الحال أن تكون الأساليب الدفاعية في هذا الوضع شديدة الحيوية والفعالية، حيث يبرز الانكفاء الذاتي، والتقوقع، والانسحاب، محل مجابهة التحديات الراهنة والمستقبلية، وذلك بتقبل المصير، أو إيهام الذات بتقبل هذا المصير، والغرق في البؤس، فلا يبقى لديها إلا التفكير الغيبي والسحر للتخلص من المأزق المعيش.
أما على المستوى العقلي، فالعقلية ترزح تحت انفعالاتها، وتلون العالم بصبغة ذاتية واضحة وغير موضوعية، في حين تظل قوالب التفكير المنطقي مغيبة بأحكام على الظواهر والأشخاص، يشوبها كثير من التحيز والقطيعة. هذه العقلية توازيها حياة غير واعية تتجاذب بين السادية؛ سادية الأب والحاكم المستبد، والمازوشية، عنف الذات على ذاتها.
يضاف إلى العمل الذي قام به مصطفى حجازي، عمل آخر لا يقل أهمية، وهو ما قدمه الباحث اللبناني علي زيعور، في كتابه «التحليل السيكولوجي للذات العربية»، وفيه يتتبع بدوره، انجراحات الذات العربية التي تبقى في نظره غير راضية عن نفسها، وعن الذات في المجتمع، وعن المجتمع أمام الحضارة العالمية.. فالشخصية العربية مصابة بارتجاج، وقلق، وتخلخل في القيم، وانجراح في مشاعر الأمن والانتماء، بل حتى الأسرة والعائلة ليستا فضاء يسمح بنمو شخصية سوية، أو الحصول على التوازن النفسي المنشود، أو توفر المناخ السليم لخلق الشخصية المستقلة، والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات لكل أفرادها، أو إعداد المواطن للحياة الاجتماعية المتزنة. إن العجز عن تدمير الصورة السيئة للذات، المتوازي مع العجز عن تحقيق صورة مثالية لها، هو شعور يرتد إلى الذات السيئة التوافق والناقصة التكيف. من هنا تأتي الانفجارات هنا وهناك، والهروب السلبي من خطر الاندثار الذي يتجلى في لوم الذات وتسفيلها، وإكبار العدو.. وهي عملية تكيّف سلبية ندافع بها عن أنفسنا، ونخفف من توترنا، ونستعيد تقديرنا الذاتي، ونحاول توفير صحة نفسية وقتية ووهمية وغير إيجابية. ومن الوجهة المقابلة، علينا التنبه إلى الخطر الآخر، المتمثل في الهروب من النقائص والعدوانية ومشاعر الفشل، بإسقاطها على القواهر الخارجية، وعلى أعداء نخلقهم بأنفسنا بشكل لا واع ولأهداف لا واعية.
ثانيا: شخصية متمردة ينغرس الاستبداد في «لا وعيها».
تولد هذه المعاناة طاقة عقلية ونفسية قوية، تدفع الإنسان إلى محاولة التغلب عليها، فيندفع لعمل أي شيء لاستعادة التوازن النفسي، وتكون النتيجة: إما استخدام هذه الطاقة العقلية لتغيير واقعه، أي الثورة على الواقع، وإما أن يستخدمها في تغيير رؤيته هو عن الواقع ليرضى عنه، ولا يثور.
في العالم العربي، سوف يسلك المواطن الطريق الأول، وسوف يقوم ثائرا متمردا على واقع لم يعد يحتويه، في ما أطلق عليه اسم «الربيع العربي». وهكذا، فالشعب الذي ظل الجميع يقول إنه لا يرجى من ورائه أمل، يحزم الآن أمره ليكسر حواجز الخوف التي كانت تكبله من كل جانب، فيبدو أن هذه الشعوب التي كانت مقهورة قد استعادت الحق في الكلام، وبدأت تتحرر من المكبوتات النفسية التي تمارس عليها القهر وتحكمها في سلوكها وكيانها، بعدما ترسخت بنية الاستبداد السياسي في «لا وعيها».
سوف تعطي الثورات العربية انطلاقة أخرى لدراسة هذه الذات التي خرجت من وضع الرضوخ والاستكانة، إلى وضع جرى التنبؤ بأنه وضع قد يكون أحسن حالا من سابقه. لكن السنوات التي تلت هذا الحراك العربي، عادت لكي تؤكد شيئا أساسيا، هو أن الاستبداد منغرس في الوعي الفردي والجماعي، وأنه يبقى من الصعب على المجتمعات أن تغير في وعيها؛ إذ يحتاج ذلك إلى زمن غير يسير، ولا أدل على ذلك من كون الشعوب التي ثارت على مستبديها، عادت لتنصب أنظمة حكم استبدادية من جديد. كما أن الانفجارات والانفلاتات التي صاحبت محطات بارزة في مسار هذه الثورات، كمظاهر العنف الكبيرة، والتدمير، والإفراط في الحرية من دون احترام للقانون وللآخرين، تؤكد أن الإنسان العربي ظل، لعقود طويلة، في حالة من القهر والكبت النفسي الشديدين، وعندما زال هذا الكبت، تولدت طاقة نفسية كبيرة، أدت إلى انفجار انفعالي، وإلى انفلات نفسي، وإفراط مبالغ فيه في استغلال مناخ الحرية الناتج عن نجاح تلك الثورات في الإطاحة بالنظم السلطوية والقهرية.
هنا لا بد أن نعود إلى مصطفى حجازي، الذي يؤكد في تقديمه لكتاب مصطفى صفوان: «لماذا العرب ليسوا أحرارا؟»، على أن تحول الشخصية العربية من القهر إلى الحرية، لا يكفي بإسقاط الشعب لفرعونه، فالثورات العربية مجرد خطوة أولى على درب الخروج من القهر، والعبور إلى الحرية يستلزم بناء مؤسسات تمكن المجتمعات العربية من ولوج عوالم تنمية شاملة، فالاستبداد السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي والأسري، هو الذي يولد أنماطا من التنشئة، وعلاقات السلطة تعود فتولد، بدورها، نظاما من المكبوتات النفسية التي تستلب الإنسان من الداخل، مما يشكل أحد العوائق العملية للمرور إلى الحرية المنشودة. إن التسلط والاستبداد بمختلف أدواته القمعية لا يترسخ إلا عندما يصبح جوّانيّا، أي داخليا منغرسا في الذات، وحيث يصبح جو الاستلاب الجواني أداة ترسيخ الاستبداد السياسي. وبالتالي، فلا بد من تحرير الإنسان من الداخل؛ من مكبوتاته التي هي وليدة نظم السلطة المستبدة. إن التحرر النفسي الجواني ضمانة أساسية للتحصن ضد ممارسات الاستبداد السياسي، ذلك أن هناك تكاملا وتعزيزا متبادلا بين الأمراض الاجتماعية والأمراض النفسية. وهذا ما يتفق معه علي زيعور كذلك، فيؤكد أن الصحة النفسية للذات العربية، لا تجري إلا داخل نظام سياسي لا جارح، فهو أساس وضرورة في عملية رفع إنسانية العربي وتعميقها وعلاجها، على الرغم من أن النظام السياسي لا يكفي بمفرده.

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».