انتعشت أسهم شركات صناعة السيارات التقليدية في أوروبا بفضل نتائج الأعمال التي أعلنتها هذا الأسبوع، لكن التعافي الكامل لا يزال بعيد المنال، في ظلِّ تحولات الأسواق وتراجع القدرة التنافسية، ما يلقي بظلاله على الآفاق طويلة الأجل للقطاع.
وتمكَّنت شركات «فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»، و«رينو» من وقف موجة الهبوط الحاد التي تعرَّضت لها أسهمها، مع تكثيف جهودها لاستعادة ثقة المستثمرين، سواء من خلال طرح طرز كهربائية جديدة أو تنفيذ إجراءات إعادة هيكلة جذرية.
لكن مع اشتداد المنافسة الصينية وتسارع التغيُّرات التكنولوجية التي تعيد تشكيل القطاع، يزداد تشكيك المستثمرين في قدرة شركات السيارات الأوروبية الراسخة على استعادة مستويات الربحية والتقييمات السوقية التي كانت تتمتع بها سابقاً.

وقال ماسيمو باغياني، من شركة «نيتش لإدارة الأصول» في لندن، التي تضم محفظتها أسهماً في «رينو»، و«بي إم دبليو»، و«مرسيدس»، و«فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»: «هناك قدر كبير من التشكيك بشأن القطاع».
وأضاف: «في هذه المرحلة، يصعب تحديد عامل واضح يمكن أن يحفِّز تعافياً مستداماً على المدى الطويل».
القطاع يطالب بروكسل بالدعم
يتداول مؤشر قطاع السيارات الأوروبي قرب مستويات لم يشهدها منذ أواخر عام 2020، عندما أدت جائحة «كوفيد - 19» إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتراجع الطلب.
وتسعى شركات صناعة السيارات الأوروبية حالياً إلى اللحاق بنظيراتها الصينية، مثل «بي واي دي»، و«جيلي»، التي قطعت شوطاً متقدماً في التحول إلى السيارات الكهربائية، ووضعت معايير جديدة من حيث القدرة التنافسية في التكلفة والتكنولوجيا البرمجية.
وفي عام 2021، عندما بلغت أسهم «فولكسفاغن» ذروتها، كانت حصة شركات السيارات الصينية في السوق الأوروبية ضئيلة. لكن بحلول منتصف العام الحالي، تجاوزت هذه الحصة 10 في المائة. وخلال الفترة نفسها، تراجعت القيمة السوقية لـ«فولكسفاغن» بنحو 3 أرباع، تحت ضغوط تفاقمت بفعل مشكلات الرسوم الجمركية.
وقال فيليب هوشوا، المحلل لدى «جيفريز»: «إن الأسس الاقتصادية للقطاع، من حيث الضغوط التنافسية، تزداد سوءاً». وأضاف: «تستحوذ الشركات الصينية على حصة كبيرة للغاية في أسواقها المحلية والخارجية، بما لا يتيح للمستثمرين رؤيةً واضحةً للمستوى الذي قد يتوقَّف عنده التراجع».
وفي مواجهة ضغوط الواردات الصينية منخفضة التكلفة، طلبت «فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»، و«رينو» مساعدة بروكسل، بالتزامن مع مفاوضات بشأن حوافز مقترحة للتصنيع المحلي.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«رينو»، فرانسوا بروفوست، لـ«رويترز»: «ترى الأسواق المالية أنه إذا لم تتخذ أوروبا قراراً عاجلاً بدعم قطاع السيارات، فستواصل الشركات الصينية توريد السيارات إلى أوروبا، وفي نهاية المطاف سيموت هذا القطاع». وأضاف: «لهذا أقول للاتحاد الأوروبي إن اتخاذ القرار بات أمراً عاجلاً».
استثمارات الذكاء الاصطناعي تستنزف السيولة
يرى بعض المستثمرين أن موجة التراجع في أسهم شركات السيارات تجاوزت حدودها. فعلى الرغم من سنوات من انخفاض أسعار الأسهم، لا تزال «فولكسفاغن»، و«ستيلانتس»، و«رينو» تمتلك أصولاً صناعية ضخمة، وتحتفظ بميزانيات عمومية تبدو أفضل من تلك العائدة إلى شركات كثيرة تحظى بتقييمات سوقية أعلى.
وقال باغياني: «تتدفق كميات هائلة من رؤوس الأموال إلى شركات وأسهم الذكاء الاصطناعي، ما يستنزف الأموال من قطاعات أخرى. ونتيجة لذلك، تتضرر القطاعات التي تواجه صعوبات، مثل صناعة السيارات، بدرجة تفوق ما ينبغي».
وتجري شركات السيارات أيضاً تغييرات متزايدة الجذرية في محاولة لاستعادة ثقة المستثمرين.
فقد بدأت «فولكسفاغن» أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخها، تشمل خططاً لخفض نحو 100 ألف وظيفة، واحتمال إغلاق مصانع في ألمانيا. أما «ستيلانتس»، المالكة لعلامات تجارية تشمل «فيات» و«بيجو» و«جيب»، فتعوّل على استعادة زخمها من خلال مجموعة من الطرز الجديدة، وتجديد استراتيجية علاماتها التجارية، وإقامة شراكات مع شركات صينية لصناعة السيارات.
وقدَّمت نتائج الأعمال الأخيرة لمحةً عن الإمكانات الكامنة وراء هذه الخطط. وأسهمت ثقة المستثمرين في قدرة «ستيلانتس» على تجاوز مستهدفاتها لخفض التكاليف في ارتفاع سهمها بنسبة 15 في المائة خلال جلسة واحدة، الأربعاء، عقب إعلان نتائج الرُّبع الثالث. كما سجَّل سهما «فولكسفاغن» و«رينو» ارتفاعاً طفيفاً بعد تراجعهما إلى أدنى مستوياتهما في سنوات عدة.

لكن هذا التَّحسُّن قد لا يوفِّر للشركات سوى بعض الوقت في مواجهة التَّغيُّرات الهيكلية، بحسب هوشوا، الذي قال: «النتيجة هي أن القطاع يتحوَّل إلى ما يشبه قطاع الشركات الزومبي؛ فهي لا تزال حية، لكنها تحتضر، ويمكنها الاستمرار على هذا النحو لفترة طويلة».





