قالت المخرجة الإيرانية راها شيرازي إن فكرة فيلمها الوثائقي «حرب على النساء» بدأت عام 2022، عقب وفاة مهسا جينا أميني وما أعقبها من احتجاجات، موضحة أن تساؤلات العالم عن أسباب اندلاع حركة احتجاجية تقودها النساء جعلتها تدرك حجم الغياب الذي يحيط بتاريخ النضال النسوي الإيراني، وكأن ما حدث انفجر فجأة من دون جذور أو تجارب سابقة.
وأضافت شيرازي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن الحركة النسوية في إيران تمتد جذورها إلى عام 1906، وأن فهم الاحتجاجات الأخيرة يقتضي العودة إلى عقود من المطالبة بالحقوق ومقاومة القيود. وأكدت أن الفيلم يستهدف الجمهور الإيراني أيضاً، لأن توثيق ما عاشته النساء وما حققنه ضرورة لحفظ تجاربهن وجمع أجزاء هذه الذاكرة، وإظهار الصلة بين ما يجري اليوم ونضال الأجيال السابقة، بدلاً من اختزال الحركة في لحظة واحدة.

ويتتبع الفيلم، الذي حصد جائزة «نجمة الجونة البرونزية» في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة بالدورة التاسعة من «مهرجان الجونة السينمائي»، تجارب 4 أجيال من النساء الإيرانيات في مواجهة القيود. ومن خلال شهادات 7 نساء، يجمع العمل بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي، كاشفاً كيف انتقلت المطالبة بالحرية بين الأجيال، وكيف راكمت النساء تجاربهن رغم القمع والمنفى.
وعن اختيار الشخصيات السبع، أوضحت شيرازي أن عدد النساء اللواتي كان يمكن الاستماع إلى تجاربهن أكبر بكثير مما يستطيع فيلم واحد استيعابه، لكن معيارها الأساسي كان تنوع الخلفيات والتجارب، حتى يدرك المشاهد أن القضية تمس النساء في أنحاء إيران، على اختلاف أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية. لذلك حرصت على الجمع بين أصوات الشاعرة والصحافية والممثلة والفتاة الشابة، لإبراز اختلاف أثر القيود في حياة كل منهن، وما يجمع تجاربهن رغم تباينها.

ولفتت إلى أن اختيار الملابس يكتسب معنى سياسياً حين تفقد المرأة قدرتها على اتخاذ القرار بشأن جسدها، لأن التدخل في مظهرها يمتد إلى خيارات أخرى في حياتها. واستعادت فكرة طرحتها إحدى المشاركات في الفيلم، مفادها بأن فرض زي موحد على النساء أسهم في جمعهن حول تجربة مشتركة من الرفض.
وأوضحت أن مقاومة الإملاءات المتعلقة بالمظهر قد تكون خطوة أولى نحو المطالبة باحترام خصوصية الحياة الشخصية.
وعن البناء البصري للفيلم، قالت شيرازي إن تعاونها مع شبكة من الناشطين والمخرجين وصنَّاع الأفلام الإيرانيين أتاح لها الوصول إلى مواد صوّروها، ما منح العمل تعدداً في وجهات النظر وأساليب تسجيل الواقع. وأوضحت أن هذه المساهمات وسّعت السرد البصري ليتجاوز المقابلات التي أجرتها بنفسها، وجعلت جمع المواد جزءاً أساسياً من طريقة رواية حكاية حركة واسعة ومتعددة الأصوات.
وأضافت أن اعتماد اللقطات القريبة لوجوه النساء ارتبط برغبتها في نقل الألفة التي نشأت خلال التصوير، إذ تعاملت مع المقابلات بوصفها حوارات تتعرف خلالها إلى المشاركات وتتطور فيها العلاقة بينهن وبينها. وأشارت إلى أهمية انعكاس هذه الصلة في الصورة، بحيث يشعر المشاهد بأنه يقترب من تجارب النساء ومن الطريقة التي يستعدن بها ما عشنه، فيما يعكس التأطير طبيعة اللقاء وما نشأ خلاله من ثقة.

وأكدت شيرازي أن حماية هويات المتعاونين معها داخل إيران كانت من أكثر جوانب العمل إثارة للقلق، لأن إقامتها خارج البلاد تضع عليها مسؤولية تجاه أشخاص يتحملون مخاطر التصوير وإرسال المواد إليها. وأوضحت أنها حرصت على إبقاء هوياتهم سرية، وأن المنتجين والمتعاونين معها احترموا ذلك ومنحوها ثقتهم، من دون المطالبة بمعرفة أسماء أصحاب المواد.
وراها شيرازي مخرجة وفنانة إيرانية كندية، وُلدت في طهران وتنقلت بين إيران وكندا وأوروبا، وهي تجربة انعكست على رؤيتها السينمائية واهتمامها بأسئلة الهوية والمنفى والانتماء.
وعن أثر إقامتها في بلدان مختلفة، قالت إن هويتها الإيرانية تظل أساس علاقتها بالعالم؛ فهي وُلدت في إيران والفارسية لغتها الأم، ثم أصبحت الإنجليزية لغتها الثانية خلال إقامتها في كندا، والإيطالية لغتها الثالثة بعد انتقالها إلى إيطاليا. وأضافت أن تجربة المنفى وعدم القدرة على العودة جعلتها تعيش انتماءات متعددة، وتحمل في رؤيتها تأثيرات السينما الإيرانية وأميركا الشمالية وأوروبا، من دون أن تشعر بانتماء كامل إلى مكان واحد.
وكشفت شيرازي أنها تعمل حالياً على فيلم روائي طويل يستند إلى أسطورة زرادشتية، من المقرر أن يدخل مرحلة الإنتاج في مارس (آذار) 2027.
