من السياسيين الذين يتلقّون الرشى إلى وقائع التنمّر والتحرّش في شركات القطاع المالي والأعمال في لندن، سارع مسؤولون إلى وصف مخالفي القواعد بأنهم مجرد أفراد يشذّون عن القاعدة. لكن دراسة جديدة تدعم المثل الشائع القائل إنّ تفاحة فاسدة واحدة قد تفسد السلة بأكملها.
ووجد الباحثون أنّ تجاوز الأفراد حجم المخالفات التي يشاهدون الآخرين يرتكبونها قد يحوّل الالتزام العام بالقواعد، خلال وقت قصير، إلى موجة واسعة من الانتهاكات.
وقال الدكتور لوكاس مولمان، من جامعة أمستردام والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن البحث يهدف إلى استكشاف كيفية اتخاذ الأفراد قرارات مخالفة القواعد في سياق اجتماعي.
وأضاف: «يعتقد كثيرون أنهم يتّخذون قرارات مستقلّة، خصوصاً في المجتمعات ذات النزعة الفردية التي ننتمي إليها، مثل هولندا والمملكة المتحدة. لكننا في الواقع نتأثّر إلى حد بعيد بما يفعله الآخرون في حالات كثيرة جداً».
وفي دراسة نشرتها دورية «وقائع الجمعية الملكية» ونقلتها «الغارديان»، أوضح مولمان وزملاؤه أنهم استعانوا بـ750 شخصاً في الولايات المتحدة للمشاركة في تجربة عبر الإنترنت، توزّعوا فيها بأعداد متقاربة بين مؤيّدي الحزب الجمهوري ومؤيّدي الحزب الديمقراطي.
وطلب الباحثون من كلّ مُشارك إنجاز مهمة عبر الإنترنت، تمثّلت في مشاهدة نجمة متحرّكة تُشبه الشهاب، تنتقل عبر صفّ يضم 100 مربّع، تتفاوت شدة إضاءتها. وكان على المشاركين اختيار المربّع الأكثر سطوعاً للحصول على مكافأة مالية.
وإنما تصميم التجربة منح المشاركين مكافآت أكبر كلما اختاروا مربّعاً يقع إلى يمين المربع الصحيح، فيما كانت المكافآت أقل عند اختيار مربّعات تقع إلى يساره.
بعد ذلك، اطّلع المشاركون على اختيارات مشارك آخر، وما إذا كان قد التزم بالقواعد أم خالفها، وحجم المخالفة التي ارتكبها، إضافة إلى انتمائه السياسي، ثم طُلب منهم تحديد ما إذا كانوا يرغبون في تعديل اختياراتهم. وتكرّرت هذه العملية 6 مرات.
وأظهرت النتائج أنّ المشاركين أبدوا ميلاً ملحوظاً إلى مخالفة القواعد منذ اختياراتهم الأولى، إذ اختاروا المربّع الذي يمنح أعلى مكافأة في 23 في المائة من إجمالي الاختيارات.
لكن اختيارات الآخرين أثّرت بوضوح في سلوك المشاركين؛ إذ أدّت مشاهدة أشخاص يلتزمون بالقواعد إلى تراجع طفيف في ميل الفرد إلى مخالفتها، فيما أدّت مشاهدة مخالفات محدودة تُحقّق مكاسب لأصحابها، مثل اختيار مربّع يقع إلى يمين المربع الصحيح بنحو ثلث المسافة، إلى زيادة طفيفة في المخالفات.
أما النتيجة الأبرز، فكانت أن مشاهدة آخرين يتجاهلون القواعد بصورة صارخة، عبر اختيار مربّعات أبعد إلى اليمين، دفعت المشاركين إلى زيادة حجم مخالفاتهم بدرجة كبيرة. وفي بعض الحالات، تجاوزوا هم أنفسهم حجم المخالفات التي شاهدوها لدى الآخرين.
وأشار فريق البحث إلى أنّ هذه التأثيرات كانت أقوى عندما يتشارك المشاركون والآخرون الميول السياسية نفسها. وأوضح مولمان أنّ هذه النتيجة تتّفق مع بحوث أخرى تشير إلى أنّ الأشخاص المتقاربين سياسياً يتأثر بعضهم ببعض بدرجة أكبر.
ولفهم كيفية تطوُّر هذا السلوك عند انتشاره بين أعداد كبيرة من الناس، استخدم الباحثون محاكاة حاسوبية أظهرت أن الوضع قد يخرج عن السيطرة سريعاً.
وقال مولمان: «قد تدفع أقلية من الأفراد الذين يصعّدون سلوكهم ويتجاوزون في مخالفاتهم ما يشاهدونه لدى الآخرين جماعة بأكملها إلى دوامة تخرج عن السيطرة».
ومع ذلك، أشار إلى أنّ نحو ثلث المشاركين ظلّوا ملتزمين بالقواعد طوال التجربة، حتى عندما كان هذا الالتزام يعني عدم حصولهم على أكبر مكافأة ممكنة.
من جانبه، قال البروفيسور ستيفن رايشر، من جامعة سانت أندروز في اسكوتلندا، الذي لم يشارك في الدراسة، إنّ البحث ينطوي على بعض القيود، منها الطابع التجريدي للتجربة وعدم فرض أي عقوبات على مخالفة القواعد، ما يجعل مدى انطباق النتائج على مواقف من الحياة الواقعية أمراً لم يُحسم بعد.
وشدّد رايشر أيضاً على أن النتائج لا تدعم فكرة انتقال السلوك المخالف بالعدوى، وإنما تشير إلى أن مدى تأثّرنا بالآخرين يعتمد على هويتهم وطبيعة العلاقة التي تربطنا بهم.
وقال: «هذا أمر مهم، لأنه يعني، على سبيل المثال، أننا لا ننخرط في أعمال الشغب لمجرّد مشاهدتنا آخرين يشاركون فيها. ففي الواقع، يساعد كثيرون ممن يشاهدون أعمال الشغب في تنظيف المكان وإزالة آثارها بعد انتهائها».



