فرنسا تستعد لمظاهرات حاشدة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة

من مظاهر أعمال العنف التي رافقت المظاهرات في مدينة ليل شمال فرنسا يوم 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
من مظاهر أعمال العنف التي رافقت المظاهرات في مدينة ليل شمال فرنسا يوم 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعد لمظاهرات حاشدة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة

من مظاهر أعمال العنف التي رافقت المظاهرات في مدينة ليل شمال فرنسا يوم 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
من مظاهر أعمال العنف التي رافقت المظاهرات في مدينة ليل شمال فرنسا يوم 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

بعد أسابيع من الاحتجاجات الطلّابية، تستعد فرنسا لمظاهرات أوسع على مستوى البلاد تندد بارتفاع تكاليف المعيشة، ما يعِد بفترة قد تكون حافلة بالتوترات والتجاذبات السياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

ويشكّل احتمال اندماج الحركتين واندلاع أعمال عنف تحدياً كبيراً للحكومة من جهة، وفرصة لمرشحي الرئاسة من اليمين واليسار المتشددين من جهة أخرى.

ودعت حركة «السترات الصفر» التي نظّمت احتجاجات واسعة قبل ثماني سنوات ضد الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته إلى مظاهرات السبت، تجمع بين «الصفر والشباب» على قولها، وحثّت الملايين على المشاركة.

وناشدت المدرّسين والعمال والمتقاعدين والمزارعين والطلبة المشاركة، وذلك في دعوة انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي.

وقالت ماري-لو (18 عاماً)، وهي طالبة جامعية مشاركة في الاحتجاجات بمدينة ليل، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لديّ إحساس بأن (السبت) سيكون بمنزلة الذروة».

وأضافت: «سينضم إلينا عمال و(السترات الصفر) الذين يتحرّكون مجدداً. هناك أمل أن تتلاقى كل حركات النضال المختلفة هذه وتصبّ في اتجاه واحد».

وأمر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الجمعة، بإنشاء خلية أزمة لمتابعة الاحتجاجات. وقال الخميس إنه يخشى وقوع صدامات بعدما تحدث عن «عنف في المدن» تخلل المظاهرات الطلّابية.

ويواجه لوكورنو ضغوطاً لإقرار موازنة لخفض التكاليف في البرلمان، يتمثّل هدفها في التعامل مع الدين العام الفرنسي المتزايد عبر جمع مزيد من عائدات الضرائب وخفض النفقات.

لكن الحركات الطلّابية و«السترات الصفر» تطالب الحكومة بزيادة إنفاقها لتوفير الحماية من التضخم الذي تجاوزت نسبته 3 في المائة جراء حرب الشرق الأوسط، وتحسين الخدمات العامة، لا سيما التعليم.

غضب حيال الشرطة

تسود حالة من الغضب الشعبي كذلك حيال ما يُنظر إليها على أنها وحشية تعاملت بها الشرطة مع الاحتجاجات الطلّابية التي أصيب خلالها عدد من المتظاهرين المراهقين، في حين تم توقيف الآلاف.

وقال أحد شخصيات حركة «السترات الصفر»، ويُدعى فرنسوا بولو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن المجموعات المختلفة التي يُتوقع أن تشارك، السبت، لم تنسّق في ما بينها «لكن كان لدينا جميعاً رد الفعل ذاته عندما رأينا عنف الشرطة ضد الطلاب».

وتلقي الاضطرابات المتزايدة في شوارع فرنسا، في ظل نظام سياسي يعاني من الانقسامات، بظلالها على الشهور الأخيرة من ولاية ماكرون الرئاسية، قبل انتخابات أبريل (نيسان) ومايو (أيار) لاختيار خليفة له. كما باتت توفر أرضاً خصبة لأحزاب المعارضة ومرشّحيها.

ودعم زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد جان لوك ميلانشون الاحتجاجات الطلّابية، وشارك في إحدى المظاهرات الثلاثاء.

أما زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، والتي تتصدر الاستطلاعات، فأكدت أن حزبها «التجمع الوطني» يقف في صفّ الشرطة، بما يتماشى مع خطابه الداعي إلى فرض القانون والحفاظ على النظام.

وفي الأثناء، نقلت ناطقة باسم الحكومة عن ماكرون قوله إنه يعتقد أن مطالب الطلاب المتظاهرين «المشروعة... تُستغل لأغراض سياسية».

استعداد للعنف

أنشأ منظّمو مظاهرات السبت موقعاً إلكترونياً يعرض أكثر من 600 مظاهرة مقررة في أنحاء فرنسا، إلى جانب مئات «التحرّكات» الاحتجاجية على غرار قطع الطرق أمام حركة المرور عند محطات تحصيل الرسوم أو محطات الخدمات على الطرق السريعة.

ويستعد المتظاهرون والسلطات على حد سواء لأي أعمال عنف محتملة. وحظرت شرطة باريس مسيرة كبرى كانت مقررة في قلب العاصمة السياحي والتجاري، مشيرة إلى أنه لن يكون من الممكن تنظيمها إلا في شرق المدينة.

كما أطلقت تحرّكاً قضائياً ضد مؤثّر فرنسي على منصة «تويتش» حضّ متابعيه، وعددهم مئات الآلاف، على المشاركة في المظاهرة التي وصفها بأنها ستكون «ساحة حرب».

والجمعة، قال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، لقناة «فرانس 2» التلفزيونية، إنه سيكون بإمكان قوات الأمن استخدام القنابل الصوتية في حال وقوع «أعمال عنف بالغة الخطورة في المدن»، علماً بأنه سبق أن علّق استخدامها بعدما تسببت إحداها في بتر يد فتى يبلغ 15 عاماً.

وقال مسؤول في وزارة الداخلية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بشرط عدم كشف اسمه، إن «حدوث اضطرابات أمر متوقع، لا سيما في المظاهرات في باريس وغيرها من المدن الكبرى»، مشيراً إلى خطر وقوع أعمال عنف مصدرها «حركة أقصى اليسار». وأضاف: «لن يتم التساهل مع أي تحرّكات تقوم على قطع طرق رئيسية، أو (تعطيل) منشآت كبيرة وأساسية».

من جانبهم، استحدث المتظاهرون تطبيقاً على الهواتف الذكية يوفّر معلومات فورية عن أماكن انتشار الشرطة والغاز المسيل للدموع والمروحيات.


مقالات ذات صلة

«قانون التظاهر» في غرب ليبيا... تنظيم للاحتجاج أم أداة لتقييده؟

شمال افريقيا وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)

«قانون التظاهر» في غرب ليبيا... تنظيم للاحتجاج أم أداة لتقييده؟

أعاد تحذير أمني بالعاصمة الليبية من تنظيم مظاهرات دون إخطار مسبق الجدل حول حدود الحق في الاحتجاج.

جاكلين زاهر
شمال افريقيا مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

دعا «اتحاد الشغل» لمظاهرات مكثفة بعد غد السبت، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتدني الخدمات العامة، وللمطالبة بالحريات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا وزير الداخلية لوران نونيز (وسط) وإلى يمينه وزير التربية إدوار جيفراي خلال جلسة استماع الثلاثاء في مجلس الشيوخ يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

الحراك الطلابي يتواصل في فرنسا... والأنظار تتجه إلى «سبت الغضب»

شهدت فرنسا، الثلاثاء، خامس يوم من التعبئة الطلابية، مصحوباً بعدد من المظاهرات في كبرى مدن البلاد.

ميشال أبونجم (باريس)
آسيا متظاهرون يواجهون الشرطة خلال مظاهرة نظّمها أعضاء من حركة الشباب المعروفة باسم «الصراصير» (د.ب.أ)

الهند تعتقل قادة حركة «الصراصير»

ألقت الشرطة الهندية القبض على كبار قادة حركة الشباب المعروفة باسم «كوكروتش» أو «الصراصير».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أوروبا متظاهرون في دينة مونبلييه الخميس 8 أكتوبر (أ.ف.ب)

فرنسا تستعد لموجة جديدة من الاحتجاجات الطلابية

تشهد فرنسا، الثلاثاء، موجة احتجاجات طلابية جديدة، وسط الحراك الرامي إلى تحسين الظروف التعليمية، وذلك بينما استمر إعلاق عدد من المدارس.

«الشرق الأوسط» (باريس)

البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
TT

البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)

أقام البابا ليو الرابع عشر قداساً، الجمعة، في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في الرئة، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية.

وأظهرت الصور البابا، البالغ (71 عاماً) والمولود في شيكاغو، واقفاً أمام مذبح في غرفة من المستشفى في روما، مرتدياً ثوباً كهنوتياً أخضر.

وبدا البابا في حالة جيدة، وإلى جانبه سكرتيره الخاص الكاهن البيروفي إدغارد ريمايكونيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقمَيْن الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

وأضاف أن البابا أعرب عن شكره لجميع العاملين من أطباء وممرضين وموظفي خدمات، على تفانيهم في العمل وقربهم من الناس واهتمامهم بضعف الإنسان، وخصوصاً على ما تلقاه شخصياً في الأيام الماضية من رعاية واهتمام وعلاج.

ومن المتوقع أن يترأس البابا صلاة «التبشير الملائكي» التقليدية، الأحد، لكن مصدراً في الفاتيكان لم يوضح ما إذا كانت الصلاة ستُقام من داخل المستشفى أم من الفاتيكان.

وتعوّد البابا إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود في الساحة.

البابا ليو الرابع عشر يقيم قداساً في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج (د.ب.أ)

فحوص مستمرة

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وذكر الأطباء أنه يتعافى بشكل طبيعي، لكن الفحوص المستمرة ستحدد المسار المقبل لعلاجه.

وأفاد أطباؤه، الخميس، بأن صورة الأشعة للصدر أظهرت «تعافياً جيداً للرئة التي أُجريت لها الجراحة».

وأفادوا، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، لافتين النظر إلى أنه بات الآن يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».

ولم تظهر بعد نتائج الفحوص التي ستحدد ما إذا كان السرطان قد انتشر. وقال مصدر في الفاتيكان إن «معنويات (البابا) جيدة، وهذا واضح. كما أن تعافيه يسير على ما يرام، بدليل أن البابا تمكن من إقامة القداس».

«أيام أفضل»

لم يدل المكتب بأي معلومات عن الموعد المحتمل لخروج البابا من المستشفى، مكتفياً بتكرار ما سبق أن ذكره الطبيب لجهة أن تعافيه سيستغرق نحو أسبوع.

وإذا قام البابا صلاة «التبشير الملائكي» من نافذة مستشفى جيميلي، فلن تكون سابقة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

ففي 6 فبراير (شباط) 2005، أطل البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان يبلغ حينها (84 عاماً)، من نافذة المستشفى خلال تعافيه من مشكلات تنفسية نجمت عن الإنفلونزا، فيما تولى أحد مساعديه تلاوة صلاة التبشير واقفاً إلى جانبه.

كما أقام البابا فرنسيس الصلاة ذاتها من نافذة المستشفى في 11 يوليو (تموز) 2021، وكان يبلغ حينها (84 عاماً) أيضاً، وذلك عقب خضوعه لجراحة في القولون. وقال يومها للحشود المجتمعة: «أنا سعيد لأنني تمكنت من الالتزام بموعد صلاة (التبشير الملائكي) ليوم الأحد، حتى من هنا».

ونشر الفاتيكان، الجمعة، مجموعة من الرسوم والرسائل التي أرسلها أطفال في المستشفى، بالإضافة إلى رسالة من شابة تبلغ (18 عاماً) كتبت فيها «سنحيا أياماً أفضل».

وكتب طفل في السابعة اسمه أنجيلو نقل إلى الطابق العاشر من مستشفى جيميلي قبل 36 يوماً، حيث خضع لجراحة في الرأس: «أمي وأنا نصلي من أجلك كل ليلة. أتمنى أن تتحسن صحتك قريباً».


الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

تفرّق الأوروبيون حول كل الملفات التي كانت مطروحة على طاولة القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وتعمّقت خلافاتهم حول مواضيع أساسية، مثل الهجرة والموازنة التي ستحدد سياسات الاتحاد خلال السنوات السبع المستقبلة، لكن الحرب في أوكرانيا جمعت شملهم حول موقف موحد لمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي إلى كييف، وتكريس القطيعة بين واشنطن وبروكسل، في مقاربة أخطر أزمة تواجه القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان هو نجم هذه القمة بلا منازع، إذ وصل العاصمة البلجيكية مساء الخميس، وأجرى محادثات وصفها بالممتازة مع رئيس الوزراء البلجيكي حول الأصول المالية الروسية المجمدة في بلدان الاتحاد، ومعظمها لدى المصارف البلجيكية، التي قالت عنها مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كاياك آلّاس، ظهر الجمعة، إنها «لا يجب أن تعاد إلى روسيا، قبل أن تحصل منها أوكرانيا على التعويضات التي تستحقها جراء الدمار الذي خلّفته الاعتداءات الروسية عليها».

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بروكسل (أ.ف.ب)

في اليوم الثاني من القمة، حلّ عليها ضيفاً الرئيس الأوكراني طيلة الجلسة الصباحية، واستقبله القادة الأوروبيون بحفاوة لافتة وتصفيق طويل، كما لو أنهم كانوا يشعرون بحاجة ملحة لإظهار موقف موحد بعد سلسلة الخلافات العميقة التي ميّزت معظم اللقاءات الأخيرة. وكانت حفاوتهم تلك، وما تبعها من مواقف صدرت عن مسؤولة السياسة الخارجية ورئيس المجلس، رداً واضحاً على الموقف الأميركي الذي أكدت انكفاءه تصريحات الرئيس دونالد ترمب، التي دعا فيها إلى البحث عن بديل لرئاسة أوكرانيا، وتحميله زيلينسكي مسؤولية عدم التوصل إلى حلّ لإنهائها.

أما الملف الخلافي الذي استهلك معظم النقاش الذي دار يوم الخميس في القمة، فكانت موازنة الاتحاد للفترة 2028 - 2034، التي ستحدد العناوين السياسية الكبرى خلال السنوات المقبلة، التي برزت فيها خلافات عميقة حولها، تبدّت في المواجهة الشرسة بين مجموعة الدول «المقتصدة» التي تقودها ألمانيا وتدعو إلى خفض كبير في المقترح الذي أعدته المفوضية، ومجموعة «أصدقاء التضامن» بقيادة إسبانيا وإيطاليا، وتطالب بتخصيص مزيد من الموارد لمواجهة المرحلة المقبلة.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وليس أدلّ على عمق الخلافات حول هذا الإطار المالي المتعدد السنوات من تصريحات رئيس الوزراء السويدي كريسترسون، الذي قال: «بصراحة، لسنا في عجلة من أمرنا للتوصل إلى اتفاق، والمواطن السويدي ليس صرّافاً آلياً للاتحاد الأوروبي». وردّ عليها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بقوله: «هذا الاقتراح ليس كافياً على الإطلاق».

وما يزيد من تعقيدات هذا الملف، ويعرقل بتّه قبل نهاية السنة، أن السنة المقبلة هي سنة انتخابات بامتياز في العديد من الدول الأعضاء، ما يجعل النقاش حول كل الملفات الحساسة سياسياً وموجهاً في الدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي.

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس الخميس بمناسبة قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ف.ب)

ويعتبر هذا الإطار المالي بمثابة إعلان للأولويات السياسية، يحدد أين وكيف ستنفق الموارد المالية في السنوات السبع المقبلة. ويتضمن الاقتراح الذي وضعته المفوضية خفضاً ملحوظاً في بعض الأبواب الرئيسية التقليدية، مثل السياسة الزراعية المشتركة وسياسة التضامن، وزيادات في بعض الأبواب التي صارت من الأولويات الجديدة بسبب الظروف الجيوسياسية الراهنة، مثل الدفاع والأمن، وتعزيز القدرات التنافسية لمساعدة المؤسسات الأوروبية في السباق الذي تتصدره الولايات المتحدة والصين، وتتقدمان على بلدان الاتحاد الأوروبي بأشواط.

الرئاسة الدورية الحالية التي تتولاها آيرلندا تحاول منذ أشهر الدفع نحو اتفاق نهائي حول هذا الإطار المالي، رغم أنه لن يدخل حيز التنفيذ سوى في مطلع عام 2028. السبب التقني المعلن وراء هذا الاندفاع هو أن الإطار له تداعيات على البنى التحتية والإدارات التي ستتولى تنفيذه عندما يدخل حيز التنفيذ، وتحتاج وقتاً للاستعداد له. لكن ثمة سبباً سياسياً غير معلن، وهو أن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية واشتراعية في أبريل (نيسان) المقبل، ولا يخفى على أحد أنه في حال وصول اليمين المتطرف إلى الإليزيه أو سيطرته على الأغلبية في الجمعية الوطنية، لن يكون من السهل أبداً التوصل إلى اتفاق، ناهيك عن الانتخابات المقررة أيضاً في بولندا وإيطاليا وفنلندا، حيث لن تتراجع الدول عن مواقفها المعلنة خشية تعرضها لخسارة في الأصوات.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

الطبق الخلافي الآخر على مائدة القمة كانت الهجرة، التي أصبحت العنوان الرئيسي لمعظم الحملات الانتخابية في الدول الأعضاء، والمرشحة لمزيد من الاستقطاب والاستهلاك والمزايدات على أبواب الانتخابات، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية هذا الصيف. ورغم أن الدول الأعضاء أبدت مؤخراً عن استعدادها للتضامن مع إسبانيا، بعكس ما حصل في بداية أحداث سبتة، لم تبخل في انتقاداتها لرئيس الوزراء الإسباني وسياسة الهجرة التي ينهجها، وقرار تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، الذي تعتبره بعض الدول الدافع الذي استقطب آلاف الشبان المغاربة الذين تدفقوا على سبتة هذا الصيف.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ولم يمنع ذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ونظيرتها الدنماركية، من مطالبة سانشير بإعادة النظر في قرار تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء الإسباني بشدة في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد القمة.

لكن سانشيز، الذي جاء إلى القمة مستعداً لهذه المواجهة، فنّد جميع الاتهامات التي وجّهت إليه بالأرقام والبيانات الصادرة عن أجهزة المفوضية، التي قالت رئيستها فون در لاين إن تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة لم يؤثر على سياسة الهجرة الأوروبية، وإن التدفقات غير الشرعية تراجعت العام الماضي بنسبة 55 في المائة، وبنسبة الثلث منذ بداية هذا العام.


بين الديزل و«ستارشيلد»... خلاف ترمب-زيلينسكي يختبر حدود الدعم الأميركي

زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنطونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)
زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنطونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)
TT

بين الديزل و«ستارشيلد»... خلاف ترمب-زيلينسكي يختبر حدود الدعم الأميركي

زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنطونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)
زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنطونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

دخل الخلاف بين واشنطن وكييف مرحلة تتجاوز التراشق السياسي عبر الإعلام إلى التساؤل عن استمرار أدوات الدعم التي تعتمد عليها أوكرانيا في إدارة الحرب والدفاع عن مُدنها. فمع استئناف ضرب المصافي الروسية، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب من انتقاداته للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في حين أثارت القيود المفاجئة على منظومة الاتصالات الفضائية «ستارشيلد» تحركاً من أعضاء في الكونغرس لطلب التحقيق بشأن استخدام المساعدة الأميركية للضغط على كييف. وبرز اقتراح تحدثت عنه صحيفة أميركية عرض على زيلينسكي لمقايضة وقف ضربات منشآت الطاقة بتوسيع القدرات العسكرية الأوكرانية لتمكينها من استهداف مرابض إطلاق الصواريخ والمُسيّرات الروسية.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

الوقود قبل التسوية

في مقابلة مع قناة «نيوزماكس» اليمينية، مساء الخميس، عدَّ ترمب استئناف الضربات الأوكرانية «عاراً»، وأنها ترفع أسعار النفط العالمية. وربط اعتراضه بحاجة الولايات المتحدة والعالم إلى الديزل، في تعبير مباشر عن موقع إمدادات الوقود في مقاربته للحرب. كما أعاد التشكيك في استعداد زيلينسكي للتسوية، وطرح احتمال التوصل إليها دونه.

وقال ترمب، في المقابلة: «كل ما يفعله هو رفع أسعار النفط العالمية. حسناً، أعتقد أن هذا عار». وأضاف ترمب: «هناك كثير من الأهداف التي يمكنك استهدافها، لكن عندما تطلق النار على المصافي حيث ينتَج وقود الديزل، ونحن بحاجة إليه والعالم بحاجة إليه، فإنه لا يقدم خدمة جيدة للعالم».

ووصف الرئيس الأميركي زيلينسكي بأنه شريك تفاوضي أكثر صعوبة من الروسي فلاديمير بوتين، مصوراً إياه كعقبة أمام إنهاء الحرب في أوكرانيا. وقال ترمب: «إنهم لا يريدون التسوية. هو يقول إنه يريد التسوية لكنه لا يفعل. لا، أنا لستُ من كبار المشجعين لزيلينسكي»، مضيفاً أنه يتوقع أن تنتهي الحرب قريباً.

وفي موقف لافت ضِمن هذا السجال، قال المتحدث باسم «الكرملين» ديمتري بيسكوف إنه من المستحيل مناقشة الأمور دون القيادة الأوكرانية الحالية، مع موافقته على اتهام زيلينسكي بعدم الرغبة في السلام، على حد قوله. وهو موقف لا يُعد تقارباً مع كييف بقدر ما هو إقرار بأن تجاوز قيادتها لا يوفر وحده طريقاً لإنهاء الحرب.

وتعود خلفية التصعيد إلى قرار ترمب تخفيف العقوبات على الديزل الروسي للحد من تأثيره على الانتخابات النصفية، لكن وسائل الإعلام؛ وبينها «نيويورك تايمز»، أشارت إلى أن ثمرة هذا القرار لم تظهر بعدُ عند المضخات، حيث بلغ متوسط سعر غالون الديزل نحو 6.32 دولار، الخميس، مقابل 6.29 قبل أسبوع. كما أن أزمة الإمدادات ترتبط أساساً بالحرب مع إيران، وإن أسهمت ضربات المصافي الروسية فيها. وهنا تكمن المشكلة، حيث تراهن واشنطن على تخفيف ضغط اقتصادي انتخابي، في حين تخشى كييف خسارة وسيلة ضغط عسكرية دون التزام روسي.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وضاعف اضطراب «ستارشيلد» خطورة الخلاف، حيث نقلت «رويترز» عن مسؤولين أميركيين ومسؤول غربي أن أمر تقييد الخدمة جاء من البيت الأبيض، دون تحديد صاحبه.

ونفى مسؤول أميركي كبير أن يكون الرئيس طلب ذلك، لكن البيت الأبيض لم يُجب عن احتمال صدور الطلب عن مسؤولين آخرين، ما يعني أن النفي بهذه الصيغة لا يحسم مصدر القرار.

و«ستارشيلد» هي الخدمة الموجهة للاستخدامات الحكومية والأمنية، وتعتمد على بنية «ستارلينك». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن بعض الوحدات الأوكرانية استعادت اتصالها الطبيعي، بحلول الخميس، بعد اضطراب تسبَّب في فقدان مُسيّرات وتعطيل مهمات. لكن عودة الخدمة لا تزيل القلق من تكرار تقييدها في لحظة عسكرية حرجة.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين هذه القيود والوقف الشامل لتبادل المعلومات الاستخباراتية. فالمسؤولون يؤكدون استمرار التعاون. ونقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤول أميركي في أوكرانيا أنه لا يوجد دليل على أن مشكلات الإنذار المبكر ناجمة عن قرار متعمَّد بحجب المعلومات. القضية إذن تتعلق باضطرابات موثقة ومسؤوليات لم تُحسم، وليست دليلاً مكتمل الأركان على قطع الدعم كله.

أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي

وشدّد الاتحاد الأوروبي، الجمعة، في بروكسل على أن «الوقت ليس مناسباً» للكفّ عن مساعدة كييف ورفع العقوبات عن موسكو، في موقف يشكّل دعماً للرئيس الأوكراني بينما يتصاعد التوتر بينه وبين واشنطن.

وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، لوسائل الإعلام، وإلى جانبه زيلينسكي، لدى وصولهما إلى قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل: «ليس هذا وقت سحب الدعم لأوكرانيا. ليس هذا وقت تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا. إنه الوقت المناسب لزيادة دعمنا، وزيادة ضغطنا». وأضاف: «يمكنكم الاعتماد علينا»، في حين قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «ثمة أمر واضح تماماً وهو أننا لن نرفع أي عقوبة ما دامت روسيا لم تُوقف الحرب».

أما مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس فأقرّت، الجمعة، بأن أوروبا لا تملك القدرة على إيجاد بديل في المستقبل القريب لنظام «ستارلينك» الذي تستخدمه أوكرانيا للدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا.

وقالت كالاس: «ستارلينك ضروري للغاية لأوكرانيا، وللأسف لا تستطيع أوروبا تعويض هذه القدرة على المدى القصير»، بعدما أعلنت كييف فرض قيود على استخدامها نظام الإنترنت الفضائي الأميركي، خلال الأيام الأخيرة.

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

رقابة بلا تأثيرات

هذا الغموض دفع 9 سيناتورات جمهوريين وديمقراطيين إلى مطالبة المفتش العام للبنتاغون بالتحقيق. وقاد التحرك السيناتور جين شاهين، أرفع الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية، بمشاركة أسماء جمهورية؛ بينها سوزان كولينز وتوم تيليس وليزا موركوفسكي وجون كورنين.

وطلبت شاهين، في رسالة وُقّعت من الأعضاء، تحديد ما إذا كانت الإدارة أو المتعاقدون مسؤولين عن الاضطرابات، وما إذا كانت وزارة الحرب وافقت عليها أو علمت بها مسبقاً، وهل تصرفت «سبيس إكس» منفردة بما قد يخالف التزاماتها التعاقدية. كما طالبت بحفظ المراسلات والسجلات، وتقديم إحاطة أولية، بحلول الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس الخميس بمناسبة قمة الاتحاد الأوروبي ببروكسل (أ.ف.ب)

وتكتسب الخطوة حساسية إضافية لأنها تتناول سلامة الأميركيين أيضاً، إذ حذّر أعضاء الكونغرس من أن اضطراب الإنذار المبكر حالَ دون وصول موظفين دبلوماسيين وعسكريين وأمنيين إلى الملاجئ في الوقت المناسب. لكن أهمية التحقيق لا تعني قدرته على تغيير المعادلة. فالرسالة إجراء رقابي، وليست قراراً مُلزماً يعيد خدمة أو يفرض سياسة مختلفة تجاه موسكو. وقد ترفع الكلفة السياسية للقيود وتكشف المسؤوليات، لكن أثرها الفوري يبقى محدوداً ما لم تتبعه إجراءات تشريعية أو تمويلية قابلة للتنفيذ. كما أن اعتراض عدد من الجمهوريين لا يكفي وحده لإثبات وجود كتلة مستعدة لمواجهة الرئيس بشأن إدارة الحرب.

مقايضة 100 يوم

في موازاة التحقيق، تحدثت «وول ستريت جورنال» عن اقتراح طُرح خلال زيارة وفد جمهوري إلى كييف، يوم الجمعة الماضي، ضمَّ السيناتورين روجر ويكر وكيفن كريمر ونائبين. ويقضي بوقف أوكرانيا ضرب منشآت الطاقة الروسية مقابل توسيع تغطية «ستارلينك» إلى نحو 300 كيلومتر داخل روسيا، بما يساعد على استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والمُسيرات. وذكرت الصحيفة أن زيلينسكي أبدى استعداده لوقف تلك الضربات 100 يوم، ضِمن هذه المقايضة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)

وجوهر الاقتراح أنه يقدم لكييف مقابلاً عسكرياً يمكن أن يعوّض جزئياً تخلّيها المؤقت عن ورقة المصافي، فهو ينقل النقاش من مطالبتها بضبط النفس إلى تمكينها من ضرب مصادر الهجمات قبل وصولها إلى المدن، لكنه يظل اقتراحاً دون إعلان تبنّيه من الإدارة أو ضمان تنفيذه.

وبين هذا المسار المحدود واستمرار السِّجال، تتكشف أزمة أوسع في تعريف أهداف الدعم الأميركي، وستبقى الضغوط على أوكرانيا أسرع أثراً من الحوافز المقدَّمة لموسكو، وسيظل تحرك الكونغرس عاملاً رقابياً، لا قوة قادرة بذاتها على تغيير اتجاه السياسة.