«رولز»… هنا جلس ديكنز والملوك… حكاية مكان نجا من النسيان

مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
TT

«رولز»… هنا جلس ديكنز والملوك… حكاية مكان نجا من النسيان

مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)

في بعض زوايا لندن، يبدو الزمن أقل استعجالاً. تدخل مكاناً فتشعر بأن أشخاصاً كثيرين سبقوك إليه، تركوا شيئاً من حكاياتهم بين جدرانه، ثم مضوا. وربما جلست، من دون أن تدري، إلى طاولة جلس إليها كاتب شهير أو ملك أو ممثل، قبل عقود طويلة.

هذا ما يجعل مطعم «رولز» (Rules)، في منطقة كوفنت غاردن، مختلفاً عن مجرد عنوان قديم على خريطة العاصمة البريطانية. فمنذ عام 1798، والمكان يستقبل زبائنه، في حين تتراكم حوله حكايات الأدب والحياة الملكية والفن، حتى بات جزءاً من ذاكرة لندن نفسها.

مشهد للوحة داخل مطعم «رولز» (Rules) (أ.ب)

والآن، حصل هذا العنوان العريق على فرصة جديدة للاستمرار، بعدما تملّك الصندوق الوطني البريطاني (National Trust)، المعني بحماية التراث، المبنى الذي يحتضنه، بما في ذلك تصميمه الداخلي التاريخي. والغاية ليست تحويله متحفاً، بل ضمان ألا يأتي يوم تُستبدل فيه طاولاته بشقق سكنية، وتُختصر حكايته في صورة قديمة أو لوحة على جدار.

وتبلغ قيمة العقار أكثر من 11 مليون جنيه إسترليني، وقد تبرع به مالكه جون «جي بي» مايو للصندوق؛ لضمان الحفاظ على المكان وقصصه الممتدة لأكثر من قرنين. كما ينص عقد الإيجار على استمرار استخدام المبنى مطعماً. وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

قد تبدو المسألة للوهلة الأولى شأناً عقارياً، لكنها تطرح سؤالاً أوسع: كيف نحافظ على ذاكرة المدن من دون أن نحكم عليها بالبقاء خلف الزجاج؟

حين تصبح الجدران شاهدة

أسس «رولز» توماس رول، وبدأ محلاً لتقديم المحار، قبل أن يشتهر بأطباقه الإنجليزية التقليدية وديكوراته التي تزينها قرون الحيوانات. لكن ما يمنحه مكانته الاستثنائية ليس عمره وحده، بل الأشخاص الذين مروا به، والحكايات التي حملوها معهم.

كان الكاتب تشارلز ديكنز من زبائنه المنتظمين، كما ارتاده الملك إدوارد السابع قبل اعتلائه العرش. وكانت ليلي لانغتري، عشيقته آنذاك، على صلة وثيقة بالمكان، حتى إنها كلّفت فناناً رسم لوحة خاصة له وأهدته إياها، ولا تزال معلقة فوق بار الكوكتيلات.

أما الروائي غراهام غرين، فكان يزور المطعم في كل عيد ميلاد له. ولم يترك ذكراه فيه فحسب، بل أدخله إلى روايته «نهاية العلاقة» (The End of the Affair)، الصادرة عام 1951، حيث يتبادل بطلا الرواية أول قبلة بعد تناول العشاء في المكان.

ومن الأدب إلى السينما، ظهر «رولز» في فيلم جيمس بوند «سبكتر» (Spectre)، كما استضاف تصوير مشاهد من مسلسل «داونتون آبي» (Downton Abbey).

تصوير أحد مشاهد مسلسل داونتن آبي في رولز (imdb)

هكذا تتداخل الحقيقة والخيال في مكان واحد. فبعض الزبائن يأتون لتناول الطعام، وبعضهم قد يأتي مدفوعاً بفضول تجاه ماضيه، في حين يمر آخرون من دون أن يعرفوا أن الجدران المحيطة بهم تحمل ذكريات كتّاب وشخصيات ملكية وأبطال أعمال فنية.

تراث لا يعيش في الصور وحدها

لم يكن بقاء المكان مضموناً دائماً. ففي عام 1971، تدخل الشاعر البريطاني جون بيتجمان للدفاع عنه عندما ظهرت خطط لهدمه لتوسيع طريق قريب. وشبّه المطعم بمكان للعبادة، في إشارة إلى الأجواء التي تنشأ في الأماكن التي يرتادها الناس جيلاً بعد جيل.

ولعل هذه الفكرة تفسر لماذا يصعب تعويض بعض الأماكن، حتى لو أمكن بناء مبانٍ أجمل مكانها. فالمبنى يمكن إعادة تشييده، لكن الذكريات لا تنتقل بالضرورة إلى عنوان جديد، كما لا يمكن استنساخ الشعور الذي يتكون عبر سنوات طويلة من اللقاءات والعادات والتفاصيل الصغيرة.

ويرى ريكي ماكمنيمي، مدير «رولز» الذي يعمل فيه منذ أكثر من 30 عاماً، أن حماية المطعم لا تعني تجميد الزمن داخله. فالمطلوب أن يستمر في استقبال الناس وتقديم الطعام، مع الاحتفاظ بملامحه التاريخية، لا أن يتحول أثراً جامداً لا يقترب منه أحد.

إطلالة من نافذة مطعم «رولز» (Rules) (أ.ب)

وهذه هي المفارقة الجميلة في حكاية المكان: لكي يبقى كما هو، عليه أن يواصل التغير مع الحياة من حوله، وأن تظل أبوابه مفتوحة، وطاولاته مستخدمة، وأحاديث زبائنه جزءاً من يومه العادي.

مدينة تحفظ ذاكرتها

يمتلك الصندوق الوطني البريطاني قصوراً ومنازل تاريخية كثيرة، تحول عدد منها متاحف بعدما توقفت عن أداء وظائفها الأصلية. لكن «رولز» يقدم نموذجاً مختلفاً؛ فهو لا يعرض ماضيه للزوار فقط، بل يواصل العمل بالطريقة التي عرفها الناس منذ تأسيسه.

وتقول لوسي بورتن، إحدى القيّمات على المجموعات والمواقع التاريخية في الصندوق، إن من النادر أن تستمر المواقع التراثية في أداء الوظيفة التي أُنشئت من أجلها. أما هنا، فلا يزال المطبخ يعمل، والزبائن يجلسون حول الطاولات، والحياة اليومية تمضي بين تفاصيل يعود بعضها إلى قرون مضت.

توجد لوحة تشرح تاريخ مطعم «رولز» (Rules) خارج مبناه (أ.ب)

في لندن، حيث تتبدل الواجهات وتُهدم مبانٍ لتفسح المجال لأخرى، تبدو حماية «رولز» محاولةً للاحتفاظ بشيء يصعب قياس قيمته بالأموال وحدها. فالمكان لا يختزن تاريخاً من الملوك والكتّاب والمشاهير فحسب، بل يحفظ أيضاً عادة بسيطة استمرت أكثر من قرنين: أن يفتح أبوابه كل يوم، ويمنح الناس مكاناً يجلسون فيه، من دون أن يعرفوا أي حكاية جديدة ستُضاف إلى ذاكرته.

وهكذا، لا تكمن أهمية «رولز» في أنه أقدم من كثير من الأماكن المحيطة به، بل في أنه لا يزال حياً. فبعض معالم المدن تستحق الحماية لأنها تذكّرنا بما مضى، وبعضها يستحقها لأنه يمنح الماضي فرصةً كي يواصل العيش.



«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».


البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)

تحضر البطولات النسائية بقوة في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض خلال فعاليات مهرجان «القاهرة السينمائي» الدولي في دورته الـ47، المقررة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، وبالتزامن مع مرور 50 عاماً على انطلاق دورته الأولى عام 1976.

وحسب بيان المهرجان، يضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» مجموعة من الأفلام أُنتجت غالبيتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تؤدي أدوار البطولة في عدد منها فنانات مصريات، من بينها «جريمة في الحي الهادئ» لنادية لطفي، و«امرأة في الطريق» لهدى سلطان، و«القاهرة 30»، و«زوجتي والكلب»، و«غروب وشروق» لسعاد حسني، و«خان الخليلي»، و«ليل وقضبان» لسميرة أحمد، و«مراتي مدير عام»، و«شيء من الخوف» لشادية، و«شفيقة القبطية» لهند رستم.

وأخرج هذه الأفلام نخبة من المخرجين المصريين، من بينهم عز الدين ذو الفقار، وصلاح أبو سيف، وعاطف سالم، وسعيد مرزوق، وفطين عبد الوهاب، وأشرف فهمي، وحسن الإمام، وحسين كمال، وكمال الشيخ، وحسام الدين مصطفى، وشارك فيها عدد من نجوم «العصر الذهبي»، مثل أحمد مظهر، ورشدي أباظة، ويحيى شاهين.

ويضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» في الدورة المقبلة 27 فيلماً، حسب بيان المهرجان، الذي نشر عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي ملصقاتها الترويجية، مصحوبةً بتعليق: «بعض الأفلام محفورة في ذاكرتنا... شاهدوا سحر كلاسيكيات السينما المصرية على الشاشة الكبيرة في الدورة الـ47 من المهرجان».

فيلم «شيء من الخوف» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ومن بين هذه الأفلام أيضاً «القتلة»، و«قنديل أم هاشم»، و«الرجل الذي فقد ظله»، و«السراب»، و«الزوجة الثانية»، و«الحرام»، و«البوسطجي».

ويرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن بروز البطولات النسائية في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض بالمهرجان هذا العام يؤكد أن «السينما المصرية في خمسينات وستينات، وحتى سبعينات القرن الماضي كانت تمنح المرأة مساحة بطولة وموضوعات أكبر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن مساحة المرأة في السينما، بوصفها نجمة وبطلة محورية، تقلّصت في نهاية التسعينات ومع دخول الألفية الجديدة، إلى جانب تراجع عدد الأفلام والموضوعات المرتبطة بها، مقابل هيمنة النجوم الرجال على البطولات إلى حد كبير، وهو وضع استمر لاحقاً.

وفي السياق، تشهد الدورة المقبلة من «القاهرة السينمائي» عرض عدد من أفلام الفنانة المصرية سميرة أحمد، من بينها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي». وأشادت الفنانة بالتقليد الذي أرساه المهرجان برئاسة الفنان حسين فهمي، لافتةً إلى أن ترميم كلاسيكيات السينما المصرية والحفاظ عليها وعرضها للأجيال الجديدة أمر رائع، يتيح لهذه الأجيال التعرّف على تاريخ صناعة السينما المصرية.

«شفيقة القبطية» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ووجّهت سميرة أحمد، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»، التهنئة إلى الفنان حسين فهمي والقائمين على المهرجان وجمهور السينما بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسه، مؤكدةً أنها تتابعه وسعيدة بكل تفاصيله، وتحتفظ بذكريات عدة من دوراته السابقة تستعيدها بسعادة بالغة.

وعدّت سميرة أحمد فيلميها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي» من أجمل وأهم ما قدّمت طوال مسيرتها الفنية، مشيرةً إلى أن بروز البطولات النسائية في تلك المرحلة يعود إلى الموضوعات التي كانت تُقدَّم وتليق بالفنانة البطلة. وأكدت أن أفلامها شهدت مشاركة نجوم رجال لهم مكانة كبيرة ونجومية لافتة، مثل عماد حمدي، وحسن يوسف، ومحمود مرسي، ومحمود ياسين، الذين شاركوها بطولة الفيلمين.

ويشهد «القاهرة السينمائي» في دورته الـ47 فعاليات ومشاركات فنية محلية ودولية بارزة، إلى جانب تكريم كلٍّ من الكاتب مدحت العدل، ومدير التصوير سعيد شيمي، والمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، وتكريم الفنان آسر ياسين بجائزة «فاتن حمامة للتميز».