محضر «الفيدرالي» يكشف انقساماً بشأن رفع الفائدة... وترمب يضغط مجدداً لخفضها

ترمب برفقة وارش لحضور مراسم أداء الأخير اليمين الدستورية في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
ترمب برفقة وارش لحضور مراسم أداء الأخير اليمين الدستورية في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
TT

محضر «الفيدرالي» يكشف انقساماً بشأن رفع الفائدة... وترمب يضغط مجدداً لخفضها

ترمب برفقة وارش لحضور مراسم أداء الأخير اليمين الدستورية في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
ترمب برفقة وارش لحضور مراسم أداء الأخير اليمين الدستورية في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

فيما أظهر محضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» انقساماً بشأن مدى الحاجة إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة لمواجهة مخاطر التضخم، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعواته إلى خفضها، في مواجهة تعكس التباين بين توجهات البنك المركزي وضغوط البيت الأبيض.

وكشف محضر اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي في 15 و16 سبتمبر (أيلول)، الذي صدر الأربعاء، أن مسؤولي البنك اختلفوا بشأن دوافع رفع الفائدة ربع نقطة مئوية، رغم تصويتهم بالإجماع على القرار.

ورأى «بعض المشاركين» أن رفع الفائدة كان ضرورياً لمنع صدمات الطاقة وغيرها من صدمات الأسعار من التأثير على نطاق أوسع في التضخم، فيما اعتبر آخرون أن تشديد السياسة النقدية مطلوب لمواجهة مخاطر نشوء تضخم تقوده قوة الطلب.

وأشار المحضر إلى أن «كثيراً من المشاركين» رأوا أن اعتماد مسار أعلى لأسعار الفائدة سيكون ملائماً من منظور إدارة المخاطر، باعتباره يوفر حماية في حال ظل التضخم مرتفعاً لفترة أطول من المتوقع، سواء نتيجة قوة الطلب أو مزيد من صدمات العرض.

في المقابل، رأى آخرون أن مستوى الفائدة الأعلى الذي أُقر في سبتمبر مهم للحد من انتقال صدمات الطاقة وغيرها إلى الأسعار على نطاق أوسع، بينما أرجع «اثنان» من المشاركين تأييدهما للرفع إلى تقديرهما أن مستوى سعر الفائدة المحايد أعلى مما كان يُعتقد سابقاً.

وقال المحضر إن «عدة مشاركين» اعتبروا أن مستوى الفائدة الحالي غير مقيد للنشاط الاقتصادي، أو أنه مقيد بدرجة طفيفة فقط. كما رأى معظم المشاركين أن رفعاً آخر في نطاق سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية سيكون على الأرجح مناسباً قبل نهاية العام.

وتشير تحركات الأسواق إلى أن المستثمرين يتوقعون حالياً أن يُبقي «الفيدرالي» سعر الفائدة في نطاق بين 3.75 و4.00 في المائة خلال اجتماعه المقرر في 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول)، بعدما تراجعت رهاناتهم على رفع متتالٍ للفائدة. وفي المقابل، لا تزال الأسواق تتوقع رفعاً آخر في اجتماع ديسمبر (كانون الأول).

ويأتي ذلك بعد صدور بيانات أضعف من المتوقع بشأن الوظائف والتضخم، ما عزز التوقعات بأن يمنح مسؤولو «الفيدرالي» البيانات الاقتصادية مزيداً من الوقت لتحديد ما إذا كانت ضغوط الأسعار تتراجع، أم أن التضخم الأساسي أصبح أكثر رسوخاً عند مستويات تزيد بأكثر من نقطة مئوية على مستهدف البنك البالغ 2 في المائة.

لكن الخلاف الذي ظهر في اجتماع سبتمبر لا يزال قائماً، إذ يرى بعض صانعي السياسة أن وتيرة أسرع لرفع الفائدة قد تكون ضرورية، ما يفتح الباب أمام نقاش أكثر حدة وربما انقسام في التصويت خلال اجتماع أكتوبر.

ضغوط ترمب

وفي المقابل، جدد ترمب ضغوطه على «الفيدرالي» لخفض أسعار الفائدة، قائلاً الأربعاء، رداً على سؤال بشأن معدلات الرهن العقاري، إن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» «يريد أن يرى البلاد تسوء».

وقال ترمب إن رئيس «الفيدرالي» كيفين وارش «رائع»، لكنه أضاف أن بقية أعضاء مجلس الاحتياطي «يريدون أن تسوء أوضاع البلاد، في رأيي»، لأنه يعتقد أن أسعار الفائدة يجب أن تنخفض.

وتأتي تصريحات ترمب في وقت ارتفع فيه معدل الرهن العقاري لأجل 30 عاماً الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى له في نحو ثلاث سنوات، ما يضيف بعداً آخر إلى الضغوط السياسية المطالبة بتيسير السياسة النقدية.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي كان إلى جانب ترمب في المكتب البيضاوي، إن التضخم مرتفع بسبب «صدمة الطاقة»، متوقعاً أن تؤدي نهاية الصراع مع إيران إلى تحسن إمدادات الطاقة.

وأضاف بيسنت أن سوق الطاقة «سيكون جيد الإمداد» بعد تجاوز تداعيات الصراع، بما يسمح للتضخم بالتحرك باتجاه مستهدف «الفيدرالي»، كما توقع تراجع معدلات الرهن العقاري وعائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات.


مقالات ذات صلة

صناديق الاقتراع الأميركية تفتح حسابات جديدة لـ«وول ستريت»

تحليل إخباري متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

صناديق الاقتراع الأميركية تفتح حسابات جديدة لـ«وول ستريت»

تتجه الأنظار في «وول ستريت» إلى صناديق الاقتراع الأميركية، الثلاثاء، في أسبوع تتداخل فيه الحسابات السياسية مع رهانات الأسواق على الذكاء الاصطناعي ومسار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار «بينانس» (رويترز) p-circle

«بينانس» تستأنف سحب أموال العملاء على مراحل بعد تعرضها للاختراق

أعلنت منصة «بينانس» أنها ستستأنف عمليات سحب الأموال على مراحل يوم الأحد، بعد يومين من محاولة متسللين سحب أكثر من 6 مليارات دولار من منصة تداول العملات المشفرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مدينة ميامي (رويترز)

51 صندوقاً سيادياً عالمياً تتجه إلى ميامي على وقع رهانات استثمارية بـ6 تريليونات دولار

تجمع ميامي 51 صندوقاً سيادياً عالمياً في ديسمبر (كانون الأول) وسط رهانات على استثمارات تتجاوز 6 تريليونات دولار في أميركا.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد رجل يمر أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

البنوك المركزية تهدأ... لكن معركة الفائدة لم تنتهِ

علّقت البنوك المركزية الكبرى مؤقتاً مسار رفع أسعار الفائدة خلال الأسبوع الحالي، لكنها لم تعطِ إشارة إلى انتهاء دورة التشديد النقدي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

أسهم التكنولوجيا تقود تراجع «وول ستريت»... و«إنتل» تهوي 28.8 %

تفاقمت موجة بيع أسهم التكنولوجيا خلال تعاملات الجمعة، دافعة الأسواق الأميركية إلى التراجع مجدداً، مع تصدّر سهمي «أمازون» و«إنتل» الخسائر هذه المرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

المنتدى الاقتصادي العالمي يرصد 5 تحديات للعام المقبل

شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)
شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)
TT

المنتدى الاقتصادي العالمي يرصد 5 تحديات للعام المقبل

شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)
شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)

في وقت تبدو فيه المؤشرات الرئيسية للاقتصاد العالمي، من النمو إلى حجم التجارة، أكثر قدرة على الصمود مما كان متوقعاً، تتراكم في الخلفية مجموعة من الضغوط التي قد تختبر قدرة الاقتصادات على مواصلة هذا الأداء خلال العام المقبل، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض، وازدياد أعباء الديون الحكومية، واستمرار ضغوط المعيشة، إلى جانب التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتصاعد الرسوم الجمركية.

ويرصد المنتدى الاقتصادي العالمي 5 ملفات رئيسية مرشَّحة للبقاء في صدارة المشهد الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، مستنداً إلى نتائج تقريره الأخير «توقعات كبار الاقتصاديين»، وإلى ما أورده صندوق النقد الدولي في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ويأتي هذا التحليل في وقت حذَّر فيه صندوق النقد الدولي من أنَّ الاقتصاد العالمي، رغم ما أظهره من مرونة، قد يواجه قريباً اختباراً لقدرة هذه المرونة على الاستمرار، في ظلِّ اضطرابات التجارة عبر مضيق «هرمز»، وارتفاع عوائد السندات الحكومية، وازدياد الضغوط على المالية العامة في عدد من الاقتصادات الكبرى.

تكلفة اقتراض أعلى

يبرز ارتفاع تكلفة الاقتراض بوصفه أحد التحديات الأساسية أمام الحكومات، مع ازدياد عوائد السندات الحكومية في عدد من الاقتصادات الكبرى، في إشارة إلى ارتفاع العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل تمويل الحكومات وتحمل مخاطر ديونها.

وكان عائد السندات الحكومية الأميركية القياسية قد تجاوز 5 في المائة، مُسجِّلاً أعلى مستوياته منذ عام 2007، بينما بلغ عائد السندات اليابانية أعلى مستوى له منذ عام 1996، ووصل نظيره الفرنسي إلى مستويات لم تُسجَّل منذ عام 2002، بينما اقترب العائد الألماني من مستويات عام 2009.

ويربط صندوق النقد الدولي ارتفاع العوائد بعودة الضغوط التضخمية ومخاوف استدامة المالية العامة، مشيراً إلى أن انعكاسات هذه التطورات لا تقتصر على الاقتصادات المتقدمة، بل تمتد إلى الدول الأقل دخلاً، التي تواجه بدورها صعوبة أكبر في الحصول على التمويل.

ويؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكلفة إصدار الديون الجديدة وإعادة تمويل الالتزامات القائمة، ما يضع مزيداً من الضغوط على الموازنات الحكومية ويحد من الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمارات.

تراكم الديون الحكومية

ولا تتعلق المشكلة بتكلفة الاقتراض وحدها، بل بحجم الديون التي راكمتها الحكومات بالفعل، في ظلِّ توسُّع الإنفاق على أولويات متعددة، من الدفاع والبنية التحتية إلى الرعاية الصحية والمعاشات ومخصصات الرعاية الاجتماعية.

فقد زادت دول مثل بولندا وألمانيا إنفاقها الدفاعي استجابة لبيئة دولية أكثر اضطراباً، بينما تواجه اليابان والصين تكاليف متزايدة مرتبطة بشيخوخة السكان. وفي بريطانيا، ارتفعت نفقات الرعاية الصحية وإعانات الرعاية الاجتماعية، بينما تضاعف الدين العام منذ الأزمة المالية العالمية ليبلغ نحو 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يصل إلى 95 في المائة خلال جائحة «كوفيد - 19»، وهو مستوى لا يزال قريباً منه.

ويحذِّر صندوق النقد الدولي من أن تثبيت مستويات الدين العام لن يتحقق على الأرجح ما لم تعدّل الحكومات السياسات التي تعتزم تطبيقها حالياً، داعياً إلى أن يكون أي دعم مالي ضروري لتجنب الاضطرابات الاجتماعية مؤقتاً وموجهاً بدقة.

وتشير توقعات كبار الاقتصاديين في المنتدى إلى أن الحكومات المثقلة بالديون قد لا تملك القدرة نفسها على دعم اقتصاداتها عند وقوع صدمة عالمية جديدة، ما يزيد أهمية تحقيق مكاسب إنتاجية حقيقية في القطاع الخاص، بدلاً من الاعتماد المتزايد على الإنفاق الحكومي.

غلاء المعيشة يضغط على الأسر

ويمثل ارتفاع تكاليف المعيشة تحدياً ثالثاً، لا يقتصر على معدلات التضخم المسجلة حالياً، بل يمتد إلى الزيادات المتراكمة في أسعار السلع والخدمات خلال السنوات الماضية، والتي لا تزال تثقل كاهل الأسر، خصوصاً منخفضة الدخل.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الارتفاعات المفاجئة في أسعار الاحتياجات الأساسية في مناطق عدة من العالم كانت أكثر حدة بالنسبة إلى الأسر الأقل دخلاً، في حين أضافت الزيادات المرتبطة بالحرب الإيرانية في أسعار الغذاء والوقود المستخدم في نقله مزيداً من الضغوط.

ولا تتوقَّف التداعيات عند تراجع القدرة الشرائية، إذ يمكن لأزمات تكاليف المعيشة أن تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، وتدفع الحكومات إلى تبني إجراءات لا تتوافق بالضرورة مع التوصيات الاقتصادية التقليدية.

وفي هذا السياق، لفت تقرير المنتدى إلى أثر ارتفاع الأسعار على الأجور الحقيقية، أي قيمة الدخل بعد احتساب التضخم، مشيراً إلى تراجعها بصورة ملحوظة خلال العام الحالي في عدد من الاقتصادات المتقدمة.

وفي الولايات المتحدة، ظلت الأجور الحقيقية للعاملين في الوظائف غير الإدارية شبه مستقرة؛ إذ ارتفع متوسط الأجر الحقيقي للساعة من 9.81 دولار في أغسطس (آب) 2020 إلى 9.94 دولار في أغسطس 2026، أي بزيادة لا تتجاوز 13 سنتاً خلال 6 سنوات.

الذكاء الاصطناعي... فرص ومخاطر

ويُشكِّل الذكاء الاصطناعي تحدياً رابعاً، مع ازدياد الرهانات على قدرته على رفع الإنتاجية وتحفيز النمو الاقتصادي، مقابل تساؤلات بشأن حجم الوظائف التي ستوفرها الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية اللازمة لتشغيله، والانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية للتوسع في استخدامه.

وأظهر استطلاع المنتدى لكبار الاقتصاديين توقعات بارتفاع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية خلال الفترة المقبلة، لكنهم أبدوا قدراً أقل من التفاؤل بشأن عدد الوظائف المباشرة التي ستوفرها مشروعات البنية التحتية، مثل مراكز البيانات، كما توقعوا تصاعد الاعتراضات المجتمعية على إقامة هذه المنشآت.

وتبرز المخاوف من الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً رئيسياً للأسواق والنمو، خصوصاً مع تركز جانب كبير من الاستثمارات في قطاعات مرتبطة بالتقنية، في وقت لا تزال فيه آثار هذه التحولات على الوظائف غير محسومة.

كما يلفت التقرير إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي نفسها تسهم في زيادة تكلفة الاقتراض، إذ تتنافس الشركات التي تصدر سندات لتمويل استثماراتها الضخمة في الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات مع الحكومات على جذب أموال المستثمرين، ما قد يجعل تمويل الحكومات أكثر تكلفة.

الرسوم الجمركية واقع مستمر

أما التحدي الخامس، فيتمثل في تحول الرسوم الجمركية إلى سمة مستمرة في السياسات التجارية، بعدما أثارت موجة الرسوم التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاوف واسعة بشأن تأثيرها على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ورغم أن تأثير الإجراءات الأميركية لم يكن بالحدة التي توقعها بعض الاقتصاديين، فإن الشركات أعادت توجيه جانب كبير من تجارتها إلى وجهات بديلة، في حين لا تزال الأهداف المعلنة لهذه الرسوم، وفي مقدمتها تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على السلع الأجنبية، بعيدة عن التحقق بصورة كاملة.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن التراجع عن بعض الرسوم الأميركية المرتفعة التي أُعلنت العام الماضي، إلى جانب إعادة توجيه الشركات مسارات تجارتها، حدَّا من بعض التداعيات، إلا أن الرسوم الجمركية لا تزال تشكِّل عبئاً على التجارة العالمية. وخفَّض الصندوق توقعاته لنمو حجم التجارة العالمية إلى 4.6 في المائة خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 5 في المائة في العام الماضي.

وفي المقابل، يتوقَّع كبار الاقتصاديِّين الذين استُطلعت آراؤهم في المنتدى زيادة الرسوم الجمركية في أوروبا خلال العام المقبل، بالتزامن مع اتساع العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين، ليقترب من مليار يورو يومياً.

كما توقَّعوا ارتفاع الرسوم في الولايات المتحدة، في ظلِّ استمرار التوترات التجارية، ومنها الخلافات المتجددة مع كندا. ورغم أنَّ إدارة ترمب تنظر إلى الرسوم بوصفها أداةً لتقليص العجز التجاري، فإنَّ أحدث البيانات الأميركية أظهرت اتساع هذا العجز، بما يعكس استمرار صعوبة تحقيق هذا الهدف.

وتكشف هذه الملفات الـ5 عن ضغوط متداخلة تواجه الاقتصاد العالمي؛ فارتفاع تكلفة الاقتراض وتراكم الديون يحدان من قدرة الحكومات على التدخل، بينما تضغط تكاليف المعيشة على الأسر، وتثير طفرة الذكاء الاصطناعي تساؤلات بشأن توزيع مكاسبها وتكاليفها، بينما تواصل الرسوم الجمركية إعادة تشكيل مسارات التجارة الدولية.


النشاط غير النفطي يواصل النمو في السعودية رغم انكماش الناتج المحلي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (موقع المركز الرسمي)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (موقع المركز الرسمي)
TT

النشاط غير النفطي يواصل النمو في السعودية رغم انكماش الناتج المحلي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (موقع المركز الرسمي)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (موقع المركز الرسمي)

واصلت الأنشطة غير النفطية في السعودية تسجيل نمو خلال الرُّبع الثالث من عام 2026، في وقت تأثر فيه أداء الناتج المحلي الإجمالي بتراجع الأنشطة النفطية، وفق التقديرات السريعة للهيئة العامة للإحصاء، التي أظهرت انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وأظهرت البيانات نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.9 في المائة على أساس سنوي، في حين تراجعت الأنشطة النفطية بنسبة 20.4 في المائة، والأنشطة الحكومية بنسبة 2.7 في المائة.

وعلى مستوى مساهمة الأنشطة في التغيُّر السنوي للناتج المحلي، سجَّلت الأنشطة النفطية مساهمةً سلبيةً بلغت 4.7 نقطة مئوية، بينما أسهمت الأنشطة الحكومية بانخفاض قدره 0.4 نقطة مئوية. في المقابل، قدَّمت الأنشطة غير النفطية مساهمةً إيجابيةً بلغت 1.1 نقطة مئوية، إلى جانب مساهمة صافي الضرائب على المنتجات التي بلغت 0.1 نقطة مئوية.

وفي المقابل، أظهرت البيانات تحسناً في أداء الاقتصاد على أساس فصلي، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي المعدل موسمياً بنسبة 1.3 في المائة خلال الرُّبع الثالث مقارنة بالرُّبع الثاني من العام الحالي.

وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بنمو الأنشطة النفطية بنسبة 5.7 في المائة على أساس ربعي، والأنشطة غير النفطية بنسبة 0.6 في المائة، بينما انخفضت الأنشطة الحكومية بنسبة 1.2 في المائة.

وبحسب مساهمة الأنشطة في النمو الفصلي، أسهمت الأنشطة النفطية بنحو نقطة مئوية واحدة، والأنشطة غير النفطية بـ0.4 نقطة مئوية، وصافي الضرائب على المنتجات بـ0.2 نقطة مئوية. في المقابل، سجَّلت الأنشطة الحكومية مساهمةً سلبيةً بلغت 0.2 نقطة مئوية.

وتعكس هذه المؤشرات اختلاف اتجاهات الأداء عند المقارنة السنوية والربعية؛ ففي حين أظهرت المقارنة مع الرُّبع الثالث من العام الماضي تراجعاً في الناتج المحلي، سجَّل الاقتصاد نمواً مقارنة بالرُّبع الثاني من العام الحالي بعد استبعاد التأثيرات الموسمية والتقويمية.


هل عجّلت لاغارد رحيلها تحسباً لصعود اليمين في فرنسا؟

لاغارد تتحدَّث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة أوروبية في بروكسل (أ.ب)
لاغارد تتحدَّث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة أوروبية في بروكسل (أ.ب)
TT

هل عجّلت لاغارد رحيلها تحسباً لصعود اليمين في فرنسا؟

لاغارد تتحدَّث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة أوروبية في بروكسل (أ.ب)
لاغارد تتحدَّث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة أوروبية في بروكسل (أ.ب)

لم يكن إعلان كريستين لاغارد مغادرتها رئاسة البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها بنحو 9 أشهر مجرد تقديم لموعد تسليم المنصب؛ فتحديد السابع من فبراير (شباط) 2027 موعداً للرحيل، بدلاً من أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، يضع القرار في قلب استحقاق سياسي أوروبي حساس، قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع العام المقبل، وفي وقت تتصاعد فيه محاولات قوى اليمين الشعبوي إعادة رسم العلاقة بين الحكومات الوطنية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وبينما قالت لاغارد إن قرارها يرتبط برغبتها في استعادة حرية التعبير والانخراط في قضايا تتجاوز السياسة النقدية، فإنَّ توقيت المغادرة فتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع: هل تسعى القيادات الأوروبية إلى حسم خلافة رئاسة البنك المركزي قبل أن تتغيَّر موازين القوى في فرنسا، بما قد يتيح لقوى أكثر تشككاً في التكامل الأوروبي التأثير في اختيار أحد أهم المناصب الاقتصادية في القارة؟

وتكتسب هذه التساؤلات أهميتها من أنَّ المواجهة بين اليمين الشعبوي والمؤسسات الأوروبية لم تعد تقتصر على الدعوة إلى الخروج من الاتحاد أو رفض العمل المشترك، بل باتت تشمل محاولات لتغيير طبيعة هذه المؤسسات وصلاحياتها من الداخل، وإعادة توزيع النفوذ بينها وبين الحكومات الوطنية.

وكانت لاغارد قد لمَّحت، في مقابلة مع صحيفة «ليزيكو» الفرنسية في 2 يوليو (تموز) 2026، إلى رغبتها في أداء دور في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، قائلة: «إن صوتاً أوروبياً ينبغي أن يُسمَع في النقاش الرئاسي الفرنسي». وأوضحت أنَّها لا تفكر في خوض الانتخابات مرشحةً، لكنها تفضِّل الإسهام في النقاش الانتخابي والتأثير في مساره، مشيرة إلى أن ذلك قد يستدعي مغادرتها رئاسة البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها.

لاغارد تغادر مؤتمراً صحافياً بعد عرضها قرار البنك المركزي الإبقاء على سعر الفائدة (رويترز)

من رفض الاتحاد إلى محاولة إعادة تشكيله

على مدى سنوات، ارتبط صعود التيارات اليمينية الشعبوية في أوروبا بمواقف رافضة للتكامل الأوروبي، وبالدعوة إلى استعادة الدول صلاحيات تقول هذه الأحزاب إنها انتقلت إلى بروكسل. لكن المشهد تطوَّر تدريجياً؛ إذ لم تعد جميع هذه القوى تتعامل مع تفكيك الاتحاد أو الخروج منه بوصفه هدفاً رئيسياً، بل بات بعضها يطرح تصوراً لـ«أوروبا الأمم»، تكون فيه الحكومات الوطنية صاحبة القرار الأساسي، مع تقليص صلاحيات المؤسسات فوق الوطنية.

ويعني ذلك أنَّ المواجهة انتقلت من الاعتراض على الاتحاد من خارجه إلى محاولة التأثير في قواعد عمله ومؤسساته من داخله. وتظهر هذه المقاربة في مواقف أحزاب مثل «التجمع الوطني» الفرنسي، و«البديل من أجل ألمانيا»، اللذين يدعوان إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد، وإن اختلفت مواقفهما في تفاصيل السياسة الاقتصادية والمالية وحدود الإصلاح المطلوب.

ففي حين يركز هذا التَّوجُّه على السيادة الوطنية والحدِّ من صلاحيات المؤسسات المشتركة، يظلُّ الاتحاد الأوروبي قائماً على مبدأ تقاسم بعض الصلاحيات بين الدول الأعضاء، وعلى خضوعها لقواعد وقرارات مشتركة. ومن هنا تنشأ المواجهة حول دور المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي، وكذلك المؤسسات التي تتمتع باستقلال قانوني عن الحكومات، وفي مقدمتها البنك المركزي الأوروبي.

ولا يعني هذا التَّحوُّل أنَّ اليمين الأوروبي يتبنى موقفاً موحداً من مستقبل الاتحاد؛ فهناك اختلافات بين أحزابه بشأن مدى الرغبة في تغيير المؤسسات أو تقليص صلاحياتها، كما تختلف مواقفها من السياسة النقدية والمالية. لكن القاسم المشترك بين عدد منها يتمثَّل في الاعتراض على انتقال مزيد من السلطات إلى مؤسسات أوروبية لا تخضع مباشرة للمساءلة الانتخابية الوطنية.

البنك المركزي في قلب المواجهة

يبرز البنك المركزي الأوروبي بوصفه إحدى أكثر المؤسسات حساسيةً في هذا الصراع، نظراً إلى استقلاله عن الحكومات وإلى تأثير قراراته المباشر في اقتصادات دول منطقة اليورو. فالمؤسسة مسؤولة عن استقرار الأسعار، وتُحدَّد سياستها النقدية بصورة جماعية عبر مجلس المحافظين، ولا يفترض أن تخضع قراراتها لاحتياجات التمويل أو الأولويات الانتخابية لأي حكومة.

لكن هذا الاستقلال يضعها في مواجهة بعض مطالب القوى الشعبوية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض. ففي فرنسا، طرح قادة في «التجمع الوطني» أفكاراً تدعو البنك المركزي الأوروبي إلى استئناف التيسير الكمي، بما يشمل شراء السندات وضخ السيولة، للمساعدة في التعامل مع أعباء الدين.

وتصطدم هذه المطالب بطبيعة التفويض الممنوح للبنك، الذي يركز على استقرار الأسعار، وبالقواعد الأوروبية التي تحظر تمويل الحكومات مباشرة. كما أن استئناف شراء السندات لأغراض تخفيف أعباء الدين يثير تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين السياستين النقدية والمالية، ومدى قدرة البنك على الحفاظ على استقلال قراراته إذا أصبحت احتياجات الحكومات المالية عاملاً ضاغطاً على توجهاته.

ولا يملك الرئيس الفرنسي، أياً كانت توجهاته السياسية، سلطة توجيه قرارات البنك أو فرض تغيير في أهدافه؛ فالسياسة النقدية تُقَرُّ عبر مجلس المحافظين، الذي يضم أعضاء المجلس التنفيذي ومحافظي البنوك المركزية الوطنية في منطقة اليورو. لكن وصول حكومة أكثر تشككاً في التكامل الأوروبي قد يغيِّر طبيعة النقاش السياسي حول دور البنك، ويزيد الضغوط على المؤسسة في ملفات الدين والإنفاق والتيسير النقدي.

امرأة تمر أمام شعار ضخم لعملة اليورو داخل مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (أ.ف.ب)

لماذا يهم توقيت رحيل لاغارد؟

هنا تتقاطع معركة استقلال المؤسسات مع قرار لاغارد. فمغادرتها في فبراير تتيح للقادة الأوروبيِّين اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية في أبريل (نيسان)، في وقت لا يستطيع فيه الرئيس إيمانويل ماكرون التَّرشُّح لولاية ثالثة، وتطرح فيه استطلاعات الرأي احتمال صعود «التجمع الوطني» إلى موقع متقدِّم في السباق الرئاسي.

ولو انتظرت لاغارد حتى نهاية ولايتها في أكتوبر، لكان اختيار الرئيس الجديد للبنك قد تزامن مع مرحلة سياسية فرنسية مختلفة، وربما مع قيادة جديدة في قصر الإليزيه. أما تقديم موعد المغادرة فيمنح ماكرون وشركاءه الأوروبيِّين فرصةً للمشارَكة في عملية الخلافة قبل الاقتراع، وإن كان القرار النهائي لا يعود إلى باريس وحدها.

فبحسب قواعد الاتحاد الأوروبي، يعيِّن المجلس الأوروبي رئيس البنك المركزي بعد عملية ترشيح ومشاورات تشمل المؤسسات المعنية، بما فيها البرلمان الأوروبي ومجلس محافظي البنك. ومن ثم فإن ماكرون لا يستطيع اختيار الرئيس المقبل منفرداً، لكنه يظلُّ طرفاً مؤثراً في المفاوضات الأوروبية التي تسبق التعيين.

وكانت تقارير إعلامية قد ربطت بين التوقيت والرغبة في ضمان اختيار شخصية مؤيدة للتكامل الأوروبي قبل الانتخابات الفرنسية. إلا أن لاغارد لم تعلن أن هذا الاعتبار هو سبب مغادرتها، بل أكدت أن قرارها يرتبط برغبتها في التعبير عن مواقفها بشأن قضايا لا تدخل ضمن اختصاص البنك المركزي.

وقالت، خلال مؤتمر صحافي في 29 أكتوبر، إنها تريد حرية التعبير والانخراط في مسائل تتجاوز السياسة النقدية، موضحة أن مسؤولي البنك ملزمون بالحياد، وأن هذا الالتزام هو «الثمن الذي ندفعه مقابل الاستقلال». وأضافت أنها لم تعد تشعر بالارتياح إزاء التزام الصمت حيال تطورات أوسع في أوروبا والعالم، وأن لديها ما تريد قوله استناداً إلى خبرتها في المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية.

لاغارد تتحدَّث إلى الصحافيِّين عقب اجتماع للبنك المركزي (رويترز)

استقلال المؤسسات أمام اختبار سياسي

ولا تقتصر أهمية الخلافة على هوية الرئيس المقبل، بل تمتد إلى الرسالة التي سيبعث بها التعيين بشأن قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية استقلال مؤسساته في ظلِّ تغير موازين القوى السياسية. فالبنك المركزي ليس المؤسسة الوحيدة التي تواجه اعتراضات من أحزاب تدعو إلى تقليص صلاحيات بروكسل؛ إذ تشمل هذه المواجهة المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والسياسات المشتركة في ملفات الهجرة والموازنة والسيادة الاقتصادية.

وفي المقابل، لا يعني صعود اليمين أنَّ هذه المؤسسات ستفقد استقلالها تلقائياً. فالتعيينات تخضع لإجراءات أوروبية متعددة الأطراف، وقرارات السياسة النقدية لا يملك أي زعيم وطني فرضها بمفرده. كما أن مواقف الأحزاب اليمينية ليست متطابقة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها كتلةً واحدةً ذات برنامج موحد تجاه البنك المركزي أو الاتحاد الأوروبي.

لكن اتساع نفوذ هذه القوى في البرلمانات والحكومات الوطنية يجعلها أكثر قدرةً على التأثير في المفاوضات الأوروبية وفي أولويات السياسات المشتركة، حتى من دون تغيير المعاهدات أو إلغاء المؤسسات القائمة. وهو ما يجعل الخلافة المقبلة اختباراً سياسياً ومؤسسياً يتجاوز اختيار اسم جديد لرئاسة البنك.

أما لاغارد، فتقول إنها تريد مغادرة منصبها وهي ترى أن البنك قادر على مواصلة عمله بسلاسة، وقد أكدت أن عملية تحديد خلفها بدأت بالفعل. وتردَّدت تقارير عن احتمال انتقالها إلى رئاسة «المنتدى الاقتصادي العالمي» في جنيف، لكن هذا الاحتمال لم يكن قد تحوَّل إلى تعيين معلن أو قرار نهائي.

وفي المحصلة، لا تثبت مغادرة لاغارد المُبكِّرة أنَّها جاءت حصراً لمنع اليمين من التأثير في اختيار خلفها، لكنها تأتي في توقيت يجعل هذا البُعد حاضراً بقوة في قراءة القرار. فالمسألة الأوسع هي ما إذا كانت المؤسسات الأوروبية قادرة على الحفاظ على استقلالها وقواعد عملها في مرحلة تتقدم فيها قوى سياسية تطالب بإعادة السلطات إلى العواصم الوطنية. ومن هذا المنظور، تبدو معركة خلافة لاغارد واحدة من محطات اختبار العلاقة بين مستقبل التكامل الأوروبي وصعود اليمين الشعبوي.