أصبحت إسبانيا القوة المهيمنة على كرة القدم بالعالم في السنوات الأخيرة؛ فهي بطلة كأس العالم، وبطلة أوروبا، وبطلة دورة الألعاب الأولمبية.
علاوة على ذلك، لم يخسر المنتخب الإسباني أي مباراة منذ عامين ونصف عام، كما فاز بـ5 ألقاب من أصل آخر 10 بطولات دولية كبرى.
ويمتلك المنتخب الإسباني رقماً قياسياً دولياً يتمثل في عدم التعرض للهزيمة طوال 38 مباراة متتالية؛ إذ لم يخسر الفريق - حسب دان ماسي على موقع «بي بي سي» - منذ هزيمته بهدف دون رد أمام كولومبيا في مباراة ودية عام 2024.
ولا يقتصر النجاح على منتخب الرجال الأول؛ فخلال تلك الفترة، فازت إسبانيا أيضاً بـ6 ألقاب في بطولة أوروبا تحت 19 عاماً، و3 ألقاب في بطولة أوروبا تحت 21 عاماً، بالإضافة إلى كأس العالم للسيدات عام 2023.
وعلى مستوى الأندية، حصدت الفرق الإسبانية نصف الألقاب المتاحة في دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي منذ عام 2009.
وفي حديثه لإذاعة «بي بي سي»، أوضح خبير كرة القدم الإسبانية، غيليم بالاغي، أن هناك «ثلاث ركائز» تفسر ثقافة التدريب في إسبانيا وأسباب نجاحها غير المسبوق.
وقال بالاغي: «الركيزة الأولى هي الجامعة، تحديداً مؤسسة تُعرف باسم المعهد الوطني للتربية البدنية. لقد أدخلت الجامعات برامج التربية البدنية في إسبانيا منذ وقت طويل، تحديداً في التسعينات من القرن الماضي، حيث خرّجت مدربين للتربية البدنية ومدربين لكرة القدم يتمتعون بفهم عميق لعمليات التعلم والتدريب».
وأضاف: «لقد أصبح بعض هؤلاء المدربين البدنيين مدربين كباراً؛ مثل رافا بينيتيز ومارسيلينو غارسيا تورال؛ فقد جاءوا بعد أن تعلموا ودرسوا ما هي كرة القدم وأبعادها قبل أي شخص آخر».
وتابع: «أما الركيزة الثانية فهي الثقافة الباسكية؛ إذ يمثل إقليم الباسك تاريخياً مرجعية خاصة في كرة القدم الإسبانية، لارتباطه بأخلاقيات العمل - تحديداً أخلاقيات العمل الهائلة والجهد اليومي الدؤوب. أما الركيزة الثالثة فهي ما يعرفه الجميع: تأثير برشلونة، ويوهان كرويف، والثورة التكتيكية التي تلت ذلك بفضله».

تأثير برشلونة
ضمّت قائمة المنتخب الإسباني الفائز بكأس العالم 2010 تحت قيادة فيسنتي ديل بوسكي، 8 لاعبين من أكاديمية «لا ماسيا» التابعة لبرشلونة، كما ضمت قائمة لويس دي لا فوينتي - التي توجت باللقب مجدداً هذا الصيف - 8 لاعبين آخرين من الأكاديمية ذاتها.
وفاز برشلونة بأول لقب له في كأس أوروبا عام 1992 تحت قيادة كرويف، معتمداً على أسلوب «الكرة الشاملة» - وهو الأسلوب الذي أرسى دعائمه المنتخب الهولندي في السبعينات من القرن الماضي بمشاركة كرويف نفسه، ثم طُبّق لاحقاً في ملعب «كامب نو» تحت قيادة جوسيب غوارديولا خلال الفترة بين عامي 2008 و2012.
وشهدت تلك الفترة فوز برشلونة بلقب الدوري الإسباني الممتاز 3 مرات متتالية، بينما أحرز المنتخب الإسباني لقب بطولة كأس الأمم الأوروبية مرتين متتاليتين في عامي 2008 و2012، وتخلل ذلك تتويجه بكأس العالم 2010.
لقد تدرج كل من تشافي وأندريس إنييستا وسيرجيو بوسكيتس في نظام تدريبي يتعلم فيه اللاعبون فن الاستحواذ على الكرة، واللعب المعتمد على التمركز بأبهى صوره.
وفي حديثه لإذاعة «بي بي سي»، قال جوردي غراتاكوس - الذي شغل منصب المدير الدولي لأكاديميات برشلونة خلال الفترة بين عامي 2009 و2011، ثم خلال الفترة من 2016 إلى 2020: «الأمر الأهم هو استيعاب المعنى التكتيكي للتحرك داخل الملعب؛ فالمقصود هو إعداد لاعبين يتمتعون بالذكاء وبمستوى فني عالٍ جداً».
وأضاف: «على هذا المستوى، يتميز جميع اللاعبين بمهارات فنية ممتازة، لكن الأهم هو أولئك اللاعبون القادرون دائماً على اختيار الحل الأمثل داخل الملعب، والارتقاء بمستوى زملائهم. يتمثل الهدف الرئيسي في إعداد اللاعبين لشغل مراكزهم بفاعلية. إنها عملية تعليمية مفتوحة تعتمد على خلق سيناريوهات وسياقات وبيئة تتطلب من اللاعب اتخاذ قرارات، بينما يتدخل المدير الفني ليقول: كان هذا هو الخيار الأفضل، أما في المرة المقبلة، فاختر الخيار الآخر. الأمر الأهم أنه يتعين على اللاعبين اتخاذ القرارات بأنفسهم أثناء المباراة».

وخلال أول موسمين له على رأس القيادة الفنية لبرشلونة، يكرر هانسي فليك ما فعله غوارديولا؛ ولا يقتصر الأمر على فوزه بلقب الدوري الإسباني الممتاز مرتين متتاليتين، وسعيه نحو اللقب الثالث.
وتُشكل المواهب الصاعدة من أكاديمية الناشئين جوهر مشروعه؛ إذ يمثل كل من لامين يامال وداني أولمو وباو كوبارسي ركائز أساسية للنجاح على المستويين المحلي والدولي، تماماً كما فعل جيل برشلونة خلال الفترة بين عامي 2008 و2012. لقد عثرت إسبانيا على الوصفة المثالية لتكرار النجاح، وتأتي برشلونة في قلب هذه المعادلة.
إقليم الباسك
إذا كانت برشلونة وكاتالونيا تمثلان الجانب الفني والإبداعي لكرة القدم الإسبانية، فإن إقليم الباسك يمثل طابعها المميز وهويتها، وقد ضمت قائمة المنتخب الإسباني في كأس العالم 2026 خمسة لاعبين من هذا الإقليم، حيث تدرجوا في صفوف ناديي أتلتيك بلباو أو ريال سوسيداد؛ وهما الناديان اللذان انضم منهما 8 لاعبين إلى قائمة إسبانيا الفائزة ببطولة كأس الأمم الأوروبية 2024.
وهناك أيضاً ميكيل ميرينو، الذي سجل هدف الفوز في مباراة ربع النهائي ضد ألمانيا في كأس الأمم الأوروبية 2024، ثم واصل تألقه بتسجيل 6 أهداف في 6 مباريات ضمن تصفيات كأس العالم، بالإضافة إلى تسجيله أهدافاً حاسمة في اللحظات الأخيرة ضد البرتغال وبلجيكا خلال الصيف.
ورغم أنه ليس باسكي الأصل، فإن ميرينو ينحدر من مدينة بامبلونا في منطقة نافارا ذات الحكم الذاتي؛ وهي منطقة تتأثر بشكل كبير بكل من الثقافتين الإسبانية والباسكية.
وعلى بُعد 5 كيلومترات فقط من بامبلونا تقع بلدة «زيزور مايور»، وهي البلدة التي نشأ فيها سيزار أزبيليكويتا، قائد تشيلسي السابق ولاعب المنتخب الإسباني.
وعندما طُلب منه وصف الثقافة الباسكية، صرّح أزبيليكويتا لإذاعة «بي بي سي» قائلاً: «الانضباط، وثقافة العمل الجاد، والمثابرة والمرونة؛ هي سمات قد لا تكون براقة أو استعراضية. وعادةً ما يميل الناس لإبراز ثقافة القتال والصلابة على غرار كرة القدم الإنجليزية التي تتسم بكثرة الالتحامات والاعتماد على القوة البدنية أكثر من المهارة الفنية. لكن الأمر يتعلق أيضاً بالنهج التكتيكي: التماسك الدفاعي، والوعي الكبير بأماكن التحرك، واللعب ببساطة عند الاستحواذ على الكرة، مع محاولة التقدم للأمام بأسرع وقت ممكن».

لقد شكل اللاعبون الباسكيون الخمسة في قائمة إسبانيا بمونديال 2026، جزءاً مهماً من نجاح إسبانيا الأخير، وهم يجسدون نظرة كرويف للاعبي تلك المنطقة؛ فقد قال كرويف ذات مرة: «أول شيء فعلته بصفتي مديراً فنياً هو التعاقد مع 4 لاعبين من إقليم الباسك؛ فهم لا يخشون شيئاً».
وفي قائمة المنتخب الإسباني بكأس العالم 2026 تحت قيادة المدير الفني الحالي دي لا فوينتي، شارك أوناي سيمون في حراسة المرمى، بينما كان مدافع مانشستر سيتي السابق إيميريك لابورت ركيزة أساسية في خط دفاع لم يستقبل سوى هدف واحد في 8 مباريات خاضها الفريق طوال البطولة.
وصنع نيكو ويليامز هدف الفوز الذي سجله فيران توريس في المباراة النهائية ضد الأرجنتين، كما ترك مارتن زوبيميندي بصمة إيجابية عند مشاركته بديلاً في المباراتين النهائيتين لكأس الأمم الأوروبية 2024 وكأس العالم، في حين سجل ميكيل أويارزابال 18 هدفاً في آخر 20 مباراة دولية له مع إسبانيا.
ولا يقتصر هذا التأثير على أرض الملعب فحسب؛ بل يمتد ليشمل المدربين الباسكيين الذين يتولون قيادة 4 من أكبر الأندية الإنجليزية: ميكيل أرتيتا في آرسنال، وأوناي إيمري في أستون فيلا، وتشابي ألونسو في تشيلسي، وأندوني إيراولا في ليفربول.
تكوين المدربينننتقل الآن إلى الركيزة الأخيرة: التكوين والتعليم، حيث أوضح رافائيل بينيتيز، المدير الفني السابق لليفربول، ذلك قائلاً: «كنا نعمل في إسبانيا على إعداد مجموعة من مدربي اللياقة البدنية الذين يمتلكون دراية واسعة بكرة القدم».
وأضاف: «لقد زرت جامعة ليفربول جون مورز للاطلاع على برنامج علماء الرياضة هناك، ووجدت أنهم لم يكونوا يمتلكون المعرفة الكروية التي كنا نتمتع بها. كانوا يتمتعون بلياقة بدنية عالية حقاً، لكنهم لم يكونوا يدركون كيفية التعامل مع الكرة أو التصرف داخل الملعب؛ فلم يكن يتوفر في إنجلترا ذلك النوع من المحترفين أو المتخصصين في كرة القدم والطب الرياضي، وكل تلك المجالات التي كنا ندرسها في الجامعة».
واختتم حديثه قائلاً: «لقد كان ذلك عنصراً جوهرياً في تشكيل مسار تطور الكرة الإسبانية، وهو التطور الذي استمرت وتيرته منذ ذلك الحين».

وإلى جانب الأكاديميات، يشير مسؤولون فنيون إسبان إلى وجود هوية تكوين بدأت تتبلور مع المنتخب الأول منذ التحول الذي قاده المدرب الراحل لويس أراغونيس عام 2008.
وقال ديفيد غوتيريز، مدير المدرسة الوطنية للمدربين في الاتحاد الإسباني، وخوسيه فرانسيسكو مولينا، المدير الرياضي السابق للمنتخب، في تصريحات نشرها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إن أراغونيس أدرك نوعية اللاعبين الذين تنتجهم الأندية الإسبانية، وبنى طريقة لعب تتناسب مع خصائصهم.
وتشير دراسة رابطة الدوري الإسباني إلى أن المنتخب المتوج بكأس أوروبا 2024 اعتمد أسلوباً أكثر مباشرة وسرعة في التحولات، في حين برز المنتخب الفائز بمونديال 2026 بأسلوب أكثر ترابطاً واعتماداً على الاستحواذ.
وترى الدراسة أن قدرة عدد من اللاعبين أنفسهم على النجاح في السياقين تعكس نموذجاً يركز على تكوين لاعب متكامل وقادر على التكيف، بدل حصره في أسلوب واحد.
